رحمه الله تعالى

المعتزلة المعاصرة

أمين نايف حسين ذياب

Get Adobe Flash player

البحث في محتوى الموقع

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 338338

ندوة أنطون سعادة مفكرا

 

بسم الله الرحمن الرحيم

ندوة أنطون سعادة مفكراً

في الفترة من 20-22/09/1997 عُقد في القاعة الكبرى في المركز الثقافي الملكي ندوة أنطون سعادة مفكراُ أقام هذه الندوة الجمعية الفلسفية الأردنية بالتعاون مع الجمعية الفلسفية العربية تعددت جلساتها وتنوعت محاورها شملت الفلسفة المدرحية إلى مكونات الشخصية القومية والأمة والتطور الاجتماعي الى العلمانية والعلمنة فموقف أنطون سعادة من الدين الى سعادة والفلسفة الى موقف سعادة من القضية الفلسطينية والصهيونية الى فلسفة التاريخ عند سعادة.

تكلم حول هذه المحاورة أساتذة معروفون توافدوا الى الندوة من لبنان وسوريا وفلسطين والأردن ومع أن مفهوم الوطن عند سعادة يشمل العراق والكويت (سوراقيا) إلا أنه لم يحضر أي عراقي هذه الجلسات وبهذا غاب عن ندوة سعادة نصف وطنه ونصف أمته كما هو مفهوم الوطن والأمة عند سعادة وكان للبنانيين النصيب الأوفى في الحضور وفي الكلمات ومع هذا فإن كلمات اللبنانيين لم تشر لا من بعيد ولا من قريب الى مفهوم سلخ لبنان عن سوريا بل لم يكن هناك أية كلمة حول موضوع تجزئة الوطن السوراقي الى خمس كيانات فوحدة الوطن السوراقي أو إعادة وحدته غابت تماماً عن الندوة.

دون المجاملة في العواطف فإن الندوة بحساب الأرباح والخسائر كانت خاسرة تماماً لان المنتدين حشروا أنفسهم تماماً في مواضيع أيدلوجية وأكاديمية وفلسفية بحتة وكأن مهمة الكلمات هي قصائد مدح لأنطون سعادة المفكر وأنطون سعادة الفيلسوف وأنطون سعادة الزعيم وأنطون سعادة الملحد وأنطون سعادة عالم الاجتماع فخلت كلمات المنتدين من أية قراءة نقدية أو أية قراءة تاريخية ترصد التطورات والتغيرات في فكر سعادة بل أن التعليق حول سؤال المتغير في فكر سعادة بين كتابه نشوء الأمم سنة 1936 والذي ظهر فيه أنه دارويني بحت علميٌ وعلماني قوي الشكيمة وبين كتابه الإسلام في رسالتيه سنة 1942 والذي يوحي بقبوله القيم الروحية والأخلاقية المستمدة من الدين بغض النظر عن نشوء الدين أهو نشوء إنساني لحاجة الإنسان له؟ أو هو تنزيل السماء؟ فقد كانت الإجابة هي إعلان ثبات أنطون سعادة على دارونيته فالمنتدون لا زالوا يعلنون الحرب على الدين من موقف أيدلوجي بحت وليس من موقف تقييم لواقع الدين أهو مشروع نهضة أو هو مشروع جمود وتخلف فالموضوعية غائبة تماماً من كلمات المنتدين والتحيز الطائفي وليس النقدي ضد الإسلام هو السائد.

في سؤال وُجّه للدكتور أحمد ماضي الذي يعلن دائماً اتزانه وتوازنه في أحكامه على الفكر وحقوق المفكرين مهما كانوا في أن يعلنوا عن فكرهم بكل الوسائل والأدوات المشروعة إلا أنه رفض إعادة بلورة مفهوم الدولة الاسلامية أهي دولة دينية أم هي دولة إسلامية سياسية المشترك بينها وبين الدولة الدينية هي مرجعية النص الموحى به لكن الحركة في كيفية التعامل مع هذا النص مختلفة تماماً فالنص في الدولة الدينية هو كهنوتي رجاله معصومون وحركته لترجيح الروحي على الدنيوي ولا يقبل الاجتهاد البشري فقرار المجمع الكهنوتي هو أمر إلهامي من فعل الروح القدس بينما الدولة الاسلامية دولة بشرية المجتهد في إنسان غير معصوم والحاكم فيها إنسان يخطئ ويصيب ويظلم ويغدر ويجور والقاضي فيها ثلاثة واحد للجنة واثنان للنار والأمة فيها والفرد يراقب ويحاسب وللامة حق الثورة بحد السيف حين اللزوم والعدل فيها والمعاملة إنسانية لا تفريق أو مكاسب للأبرار والفجار والكفار لهم نفس الحقوق أما الواجبات الثقيلة فعلى الأبرار لكن الدكتور تعمد أن لا يجيب على هذا السؤال لماذا؟ لا أدري ولا العصبة تدري.

محدد النهضة ذو الأبعاد الثلاثية المعروفة التحرير من هيمنة الغرب وخاصة الولايات المتحدة ومؤسسات هيئة الأمم والتقدم بمشروع الوحدة وتعيين هوية الأمة غاب تماماً بل غاب أيضاً كيفية زوال الشقاء شقاء الفقر والمرض والجهل والظلم وغاب أيضاً محور تحرير الإنسان المستضعف المغمور من الخوف والقلق وهكذا سادت الذاتية النرجسية وراء اعتلاء المنصة ولذلك لم تكن الأمة هي الحاضرة بل الحاضر هو الذات هذه والذات تلك.

حتى مفهوم العقل والعقلانية الذي يتباهى به العلمانيون التغريبيون غاب أيضاً وكل ما ورد هو إدعاء وجود طريق للعقل لا طريق الوحي وكأن الوحي مصاحبٌ لسبل فهمه ووسائل تطبيقه مع أن العقل هو الذي يفهم الوحي حتى في نظر النصوصيين. إن المنتدين يفترضون ثنائية متصارعة هي العقل والنص الموحى به دون غيره من النصوص فإذا كان هناك صراع بين العقل والنص فيجب أن يكون الصراع بين العقل والنص مطلقاً وهم لم يعرضوا في الندوات عقولهم وإنما عرضوا نصوصهم فهل كانت نصوصهم تلك في حالة صراع مع عقولهم.

هل يمكن فصل أنطون سعادة عن السيرورة المستمرة للحزب القومي السوري الاجتماعي أي حركة الحزب المستمرة منذ إنشاء أنطون سعادة وحتى الآن أي تعدد الأحزاب القومية السورية الاجتماعية وانفراطه كحزب منظم في أكثر من قطر وبقاء ذوات منفردة يعبر كل واحد منهم عن الحزب ربما يكون بصورة منفردة تماماً فلماذا غابت القراءة حول مسار الحزب والتحولات التي مرّ بها والعوائق التي واجهته وموقف الحزب من قضايا كثيرة فهو في فترة سيادة الناصرية كان يوصم بالخيانة واليساريون اللبنانيين وغير اللبنانيين لهم مشاركة في وصمه بالانحراف في فترة الناصرية فما هو الجامع الذي جعل الماركسيين الآن يتقدمون في هذه الندوة ويأخذوا دوراً بارزاً.

الجامع المشترك حقيقة هو العلمانية فهل العلمانية هي مشروع الخلاص فعلاً مع أن المعلوم أن الديمقراطية الغربية تطلب لزوماً وحتمياً العلمانية (الدنيوية) وتقيم صراعاً ثنائياً شرساً بين الدين والعلمانية عند نظام الدولة والمجتمع وهكذا فإن المتحد الجامع ليس بين المنتدين فقط بل بينهم وبين المركزية الغربية والواقع السياسي المحلي الذي يقدم في جهازه الإعلامي مدائح للعلمانية والديمقراطية تفوق مدائح المتنبي في سيف الدولة الحمداني.

وهكذا وبكل حسرة لم يجتمع الجمع لتحديد فكر نهضوي وتكييف توجهاته توجهاً فعالاً ومنتجاً وإنما اجتمع الجمع ليجتر مقولات معروفة ومعلومة لا تسمن ولا تغني من جوع ولتعش سوراقيا مفككة والعراق محاصر والطائفية المقنعة المحاربة للإسلام في صورته النهضوية والصهيونية العظمى تسرح وتمرح فالمسألة العظمى لدى المنتدين تعظيم أنطون الزعيم والدعوة للعلمنة والعلمانية وتحيةً للألمان والأمريكان والإنجليز والفرنسيين والطليان ممزقي سوراقيا وأنبياء العلمانية والديمقراطية.