رحمه الله تعالى

المعتزلة المعاصرة

أمين نايف حسين ذياب

Get Adobe Flash player

البحث في محتوى الموقع

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 351863

كربلاء مراجعة تاريخية

 

بسم الله الرحمن الرحيم


[هذه محاضرة تبين عظمة ثورة الحسين العدلي عليه السلام ،كل العظماء من خلص المؤمنين يؤمنون بأن الله لم يُقَدر أفعال العباد، من إيمان الحسين علية السلام ومن معه بهذا تحدى جيش الطغاة].

ضد مبالغات وأكاذيب الشيعة وإسفاف السلفية

كربلاء مراجعة تاريخية

ألقيت هذه المحاضرة يوم العاشر من محرم الموافق 3/6/1993م.

في المركز الثقافي الملكي في عمان.

موجودة في موقع المعتزلة ضمن الكتاب الثالث من موسوعة جدل الأفكار.

لم يدون بعد اسم سيد الشهداء [عليه السلام] ليس امتناعاً او ضنا به، وكنت أضع جانب اسمه رضي الله عنه على اعتبار أنها على الجواز لا على الوجوب.

المحاضرة

قال تعالى ((مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ))(22) المائدة.

"طالعت تاريخ الإنسان جيلاً بعد جيل فلم أجد فيه غير الغدر إلا ما ندر وأي وباء أو شيطان لا يستطيع أن يحدث نصف الشرور أو نصف الدمار الذي يحدثه الإنسان للإنسان "قائل عربي مجهول".

"أنت الحر كما سمتك أمك أنت الحر في الدنيا والآخرة" الحسين ين أبي طالب للحر بن يزيد.

"من يصنع التاريخ الأحرار أم العبيد، الأعزاء ام الأذلاء، دعاة الحق أم دعاة الباطل، دعاة الصلاح أم دعاة الفساد، الجبريون أم العدليون؟".

"ما الذي يختاره الإنسان لو ترك مواجهاً هذه الثنائيات الجنة أم النار، الدنيا أم الآخرة، جند الله أم جند الطواغيت، الفانية أم الباقية، العاجلة أم الآجلة".

"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون "(30) البقرة

ورب سائل يسأل لماذا كربلاء ؟ ألأنها قمة المأساة الانسانية ؟ أم لأنها لا زالت تتكرر على صورة وأخرى الفجار ينتصرون والأبرار ينهزمون، الفساق يتسودون والأتقياء يخنعون ، الضالون يسيطرون والمهتدون يستضعفون.

فكربلاء لا تزال ماثلة وما من أحدا منا الا وفي حياتة كربلاء.كربلاء تمضي وأخرى تأتي رحماك ربي فنحن المفسدون في الارض.

ما هي المراجع التي أعتمدت لمراجعة كربلاء.

أولا : بل أهم مصادر هذا البحث هو كتاب استشهاد الحسين  مجموعا من روايات المؤرخ محمد بن جرير الطبري المتوفي سنة (310 هجري) جمعة السيد الجميلي.

ثانيا : مقاتل الطالبين لأبي الفرج الاصفهاني المتوفى سنة (356 هجري).

ثالثا : كتاب البداية والنهاية لابن كثير حوادث سنة (61 هجري)جزء(8) مجلد (4).

رابعا : كتاب مقتل الحسين لعبد الرزاق الموسوي المقرم.

خامسا : كتاب العواصم من القواصم للقاضي أبي بكر بن العربي المتوفي سنة (543 هجري).

سادسا : رسالة صغيرة ذات طابع أدبي للدكتور علي شريعتي بعنوان الحر انسان بين خيار الفاجعه والفلاح.

مع عودة لترجمات الرجال في الإعلام للزركلي والإصابة لابن حجر والاستيعاب لابن عبد البر وتهذيب التهديب لابن حجر، ومن الخطب جمهرة خطب العرب لأحمد زكي صفوت.

الدواعي والرجال في حدث كربلاء أو خيوط في الحدث

في صف الحسين بن علي بن أبي طالب يظهر عدد من الرجال يبلغ حوالي (80) رجلاً، ففي مقدمات الحدث يظهر مسلم بن عقيل بن أبي طالب وهاني بن عروة المرادي وشريك بن الأعور. لقد أظهرت أحداث الكوفة بين مسلم بن عقيل ومن بايعه لصالح الحسين بن علي بن أبي طالب بأن الكوفة كلها مع الحسين، لقد استطاع مسلم بن عقيل محاصرة عبيد الله بن زياد الذي تحصن داخل القصر فلجأ عبيد الله بن زياد إلى الحيلة بإشاعة أن جيش الشام قادم وقد تولى هذه الإشاعات أكابر الأقوام أهل الولاء لبني امية فتفرق أهل الكوفة عن مسلم بن عقيل ولم يبق معه إلا ثلاثون رجلاً.

هذه المادة المكثفة جداً والمختصرة جدا تشكل حقيقة هامة هي أن أهل الكوفة على الإجمال مع الحسين بن علي بن أبي طالب، وأنهم يرفضون رفضاً تاماً بيعه يزيد ولكنهم دون تنظيم يربطهم بخلاف القوة الأخرى فالضبط والربط واضح في تصرفاتها وأفعالها، فالأفكار وحدها غير قادرة على التنظيم وأن كانت أساسية للتنظيم أما الأفعال فتحتاج إلى تنظيم يمتاز بخلوه من التعقيد مع دقة التنظيم وقدرته على التفعيل وإذا لم يكن تنظيم الكوفة على هذه الصفة ظهر الضعف جلياً لكن الرسائل التي أرسلت للحسين والتي بلغت ثمانية عشر ألف توقيع كانت تكشف عن حالة تأييدهم لا واقع تنظيمهم ومن هنا كان المأتي.

لا بد من سؤال : من هو الإمام الشرعي للمسلمين؟ أهو يزيد بن معاوية ؟ أم هو الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؟ أو هو عبد الله بن الزبير الذي اخذ يباشر بعض الشؤون بمكة ؟ هذه هي كبريات المشاكل الإسلامية، من هو الإمام بعد موت معاوية ؟

لقد كان الحل في الخليفة الأول بيعة السقيفة التي وصفت كما نقل البخاري عن عمر أنها فلتة وقي الله المسلمين شرها أهو العهد من الخليفة وهو على فراش الموت كما هي من الخليفة الأول أبو بكر للخليفة الثاني عمر بن الخطاب؟ وكان أبو بكر على فراش الموت، أهو العهد لستة كما هي في عثمان ؟ أم هي بيعة العاصمة والحضور من الأمصار كما هي بيعة علي ؟ أم هي تنازل الحسن بن علي لمعاوية ؟ تلك هي الإشكالية والمشكلة الكبرى والتي لا زالت محل النزاع.

يقول ابن العربي في كتابه الشهير العواصم من القواصم، فعدل أي معاوية بن أبي سفيان، إلى ولاية ابنه وعقد له البيعة وبايعه الناس وتخلف عنها من تخلف فانعقدت البيعة شرعاً لأنها تنعقد بواحد له وقيل باثنين فإن قيل أن من شروط الإمامة العدالة والعلم ولم يكن يزيد عدلاً ولا عالماً فإن الحكم في ذلك متعذر، كما إن إمامة المفضول موضع جدل وخلاف بين العلماء وقد أكثروا القول على يزيد ورماه بعضهم بالمنكرات فقيل أنه كان خماراً فإن ذلك لا يحل إلا بشاهدين فمن شهد بذلك عليه؟ وقد روى بجير بن كثير عن الليث بن سعد قال الليث توفي أمير المؤمنين يزيد في تاريخ كذا فسماه الليث أمير المؤمنين بعد ذهاب ملكهم وانقراض دولتهم ولولا كونه عنده كذلك ما قال إلا توفي يزيد وقد روى الثبت العدل عن عبد الرحمن بن مهد عن سفيان عن محمد بن المنكدر قال ابن عمر بويع يزيد إن كان خيراً رضيناً وإن كان شراً صبرنا.

تلك هي فقرات مليئة بالعجائب والغرائب والمنكرات لا تقوم على دليل تدافع عن الباطل وتقعد له انظر إلى قوله فانعقدت البيعة شرعاً لأنها تنعقد بواحد وقيل باثنين وانظر إلى قولة ان الليث بن سعد كان يُسميه أمير المؤمنين وانظر إلى قوله أن ابن عمر قال إن كان خيراً رضيناه وإن كان شراً صبرنا !!

ألا ترون معي أن تأسيس فكر إسلامي يتعلق باختيار ولي الأمر وحق الطاعة سار بلا زمام أو خطام ولا زلنا حتى هذه اللحظة نحصد مره ونتجرع علقمه وتصبح الأحداث بكربلاء وتمسى بكربلاء أخرى !!

سنتجاوز أصدقائنا الشيعة الإمامية [كان الظن في أيام هذه المحاضرة في الشيعة خيراً ولكن الأيام اثبتت أنهم من الأشرار] القائلين بالوصية والنص والتعيين لأننا نختلف معهم في هذا المضمار ولكننا سنحاور القائلين بعقد المراضاه، وبعد ذلك يقولون بأن مغتصب الإمامة خليفة أو يكفي لبيعة خليفة عهد من خليفة سابق أو يكفي واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة يبايعون الخليفة بيعة انعقاد وما على البقية إلا بيعة الطاعة ويطاع هذا الخليفة وإن أكل المال وإن أعطاه الزوج والولد والأقرباء وإن ظلم وأكل مال اليتيم وما دام خليفة فالصبر الصبر وإن ارتكب هذا كل المعاصي والآثام !!

قيل حديثاً أن آلية أو طريقة عزل الخليفة هي محكمة المظالم، وقضاة المظالم يعنيهم ويعزلهم الخليفة وقضاة المظالم إنما هو قاض واحد لا غير ولم تعين بوضوح الأسباب الموجبة لعزله أي مرجعية قانونية للعزل مع أن كتب الحديث والكتب التي عالجت نظام الحكم في الإسلام أوردت أحاديث كثيرة تقول بالطاعة مهما كانت حالته فقد أخرج مسلم حديثاً عن حذيفة جاء فيه على لسان الرسول صلى عليه وسلم (يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال : قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت، قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع)، ومع أن هذا الحديث مرسل كما قال الدار قطني لأن الراوية أبا سلام لم يسمع من حذيفة إلا أن النووي حكم بصحته لاتصاله بطريق أخرى.

ما يجب أن يفهم أن خروج الحسين إلى الكوفة هو أمر ضروري مستند إلى أمرين : الأول رغبة الكثرة من المسلمين وخاصة (مصر الكوفة) في البيعة لإمام عدل ومن هو أفضل من الحسين لهذا المركز، وثانيهما وقد تحولت الخلافة تحولاً جذرياً إلى أن يورثها الإباء للأبناء ولولا ثورة الحسين لعُدت سابقة دستورية في عرف هذا اليوم أو لقيل أن اجتماع البقية من القرن الأول إلى التابعين يصلح دليلاً شرعياً على جواز انتقال الإمامة إرث يتوارث وكانت ثورة الحسين كلمة فصل بين نظام التوريث ونظام الانتخاب من قبل الأمة مع أن الذي ساد نظام التوريث إلا أنه لم يأخذ أي مستند مرجعي فهو ملك جبري وبقي حلم الخلافة الراشدة، خلافة العدل يراود أذهان جميع المسلمين منهم من قال بانتظارها وهم الشيعة وأهل السنة والجماعة ومنهم من قال بالثورة لأجلها أي طلبها بالثورة وهم المعتزلة والزيدية وفرق الخوارج كلها وسنرى فيما بعد ان الاسماعيلية قالت بأن الزمان لا يخلو من إمام مستور أو ظاهر.لا يمكن لهذه العجالة أن تعرض مقتل الحسين وآل بيته الكرام من البداية حتى النهاية لكن من الممكن أن تسجل ما جرى ليلة العاشر من محرم سنة (61 هجري)، وطيلة ذلك النهار العبوس.

قائد عسكر الطغاة عمر بن سعد بن وقاص ومعه من المقاتلة عدداً لا يقل عن أربعة آلاف بأية حال وأركان حرب عسكر الطغاة على ربع أهل المدينة عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي وعلى ربع (مذحج وأسد) عبد الرحمن بن أبي سبرة الحنفي وعلى ربع (ربيعة وكندة) قيس بن الأشعث بن قيس الكندي وعلى ربع (تميم وهمذان) الحر بن يزيد الرياحي.

وفي هدوء اليلة الليلاء، ليلة الجرح الدامي، دار بين عمر بن سعد بن أبي وقاص والحر بن يزيد الرياحي نقاش فيقول الحر لعمر بن سعد "أصلحك الله أمقاتل أنت هذا الرجل؟ "ويجبيه ابن سعد أي والله قتالاً أيسره ان تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي "قال الحر : "أفمالكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم ؟ قال عمر : أما والله لو كان الأمر لي لفعلت ولكن اميرك قد أبى"، عمر بن سعد ومن هو سعد أنه ابن أبي وقاص الذي يفخر رسول الله أنه خاله فعمر بن سعد ليس شخصية عادية وهو يعلم على الأقل الأحداث من (25-61هجري)، وهو يعلم ماذا يفعل وأي سلطة سياسية يخدم ؟ ويعلم لماذا يفعل ذلك؟ وبأي ثمن لقد قبل هذه المهمة الشاذة ؟ لقاء الحصول على منصب سياسي يدر عليه المجد وزخرف الحياة الدنيا، وهي صورة لا زالت تتكررو تتكرر، الحجة أن الأمير يريد ذلك ؟ والحر بن يزيد رجل حرب وأقدام، وهو رجل في الحدث حياته عادية يعمل مع السلطة بمؤهلاته الفردية يراه مجرد عمل وتدبير معاش وهو يرى أن العمل وتدبير المعاش ليس على حساب المشاركة بقتل آل بيت النبي لو كان غير الحسين وغير أهله لكان يمكن أن لا تبصره عيناه ولا أن ينفتح قلبه !!.

كانت لحظة حرجة مر بها الحر، الحر اسمه فهل له من اسمه نصيب ؟ كم هي الأسماء التي ليس لها من إسمها نصيب !! اسمه صادق أمين فلا يكون صادقاً ولا أميناً اسمه مخلص فإذا الإخلاص بعيد منه!! اسمه عبد الحق فإذا هو عبد الباطل، لحظة طويلة رغم قصرها الزمني في مقياس دقات الساعة وبعد عراك مع نفسه هدأت نفسه لأنها قد وصلت إلى قرار !!

الإنسان وجود مدرك لذاته وللحياة التي يحياها وللكون الذي يعيش فيه وهذا الإدراك يقيم عنده وعياً ذاتياً مما يجعله يدرك حريته Freedom وليس الحريات Liberlism ويجعل لحياته غاية ويدرك سر قوته بأنه ذو إرادة وصاحب سيادة أما الإنسان غير المدرك لذاته فإن إدراكه لذاته يتحول عنده بطريقة المغالطة أنه مجرد عبد له سيد يخدمه ويقدم حياته فداءاً له مقابل بطنه وفرجه وشهواته بين هاتين العلامتين يتحرك الإنسان فيكون في أحدهما أو بينهما وهكذا تحول الحر إلى النقطة الأولى وتحول عمر بن سعد إلى النقطة الثانية، انظر إليه وهو يقول للحر اما والله لو كان الأمر لي لفعلت ولكن أميرك قد أبى !! تلك هي إشكالية الإنسان أمس واليوم ولعل غداً يكون غير ذلك، وما أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود حتى يرتفع صوت المؤذن أشهد أن لا  إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ويصلي أميرٌ جيش الطغاة بجيشه وفي ختام الركعتين تتمتم الشفاء اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد فلا تردعهم تلك التمتمة عن إعمال السيف في أجسام ورؤوس آل محمد إنه الفصام النكد كما يقول سيد قطب إنه فصل المصطلحات عن معناها، إنه افتقاد اللسان عقله وقلبه.

لا بد من وقفة مع شخصية أخرى هي شخصية شبث بن ربيعي قال عنه صاحب الإعلام نقلاً عن الإصابة ورقم ترجمته (955) وعن تهذيب التهذيب 4/266 وميزان الاعتدال 1/440 والتاج 1/627 هو شبث بن ربيعي التميمي اليربوعي أبو القدوس شيخ مضر وأهل الكوفة في أيامه أدرك عصر النبوة ولحق بسجاح المتنبئة ثم عاد إلى الإسلام وثار على عثمان وكان ممن قاتل الحسين ثم ولى شرطة الكوفة وخرج مع المختار الثقفي ثم أنقلب عليه وأبلى في قتاله بلاء حسناً وتوفي في الكوفة سنة (70هجري) ومما لم يروه صاحب الإعلام أنه كان مؤذناً لسجاح، وقال ابن الكلبي كان من أصحاب علي وقال معتمر عن أبيه عن أنس قال شبث أنا أول من حرر الحرورية وذكر الطبري من طريق إسحق بن طلحة قال لما أخرج المختار الكرسي الذي كان يزعم أنه كالسكينة التي كانت في بني إسرائيل صاح شبث بن ربيعي يا معشر مضر لا تكفروا ضحوة قال فاجتمعوا قال اسحق إني لأرجوها له. سأقف عند جملة "إني لأرجوها له" من خبر ينقله اسحق بن يحيى بن طلحة وقد أجمعوا على ضعفه وليس اسحق بن طلحة بسبب ان اسحق مات سنة (56هجري) أي قبل ثورة المختار أما اسحق بن يحيى بن طلحة فقد مات سنة (164هجري) السبب لجملة أرجوها لها معنى سياسي ألم يشارك بقتل الحسين ؟!

أرسل (من الرَّجالة) شبث بن ربعي (مع المقاتلة) حجار بن البحر (مع المقاتلة) يزيد بن حارث (على الخيل) عزررة بن قيس (ميمنة) عمر بن الحجاج ومحمد بن عمير بن عطارد بآخر كتاب وصل إلى الحسين من أهل الكوفة وفيه أن الناس ينتظرونك لا أرى لهم غيرك فالعجل العجل يا ابن رسول الله فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار وأورقت الأشجار فأقدم إذ شئت فإنما تقدم على جند لك مجندة ! وكل هؤلاء كانوا قادة المقاتلة ضد الحسين إنها صورة كئيبة (1). قائدة عسكر الحق الحسين بن علي بن أبي طالب، وابن فاطمة الزهراء، فجده المصطفى عليه السلام ولد سنة أربع للهجرة على الغالب، كم هي المرات التي حمله فيها الرسول ! وكم هي القبلات التي طبعت على جبينه وعلى ثغره مات رسول الله وعمره ست سنوات، ومات علي بن أبي طالب وعمره (36) سنة، شارك في كل حروب والده وهي الجمل وصفين أما النهروان فلا علاقة لها بالإمام لأنها مختلفة كل الاختلاف عن طريقة علي بالقتال، طُلب منه بيعة يزيد مرتين الأولى في حياة معاوية فرفض والثانية بعد موت معاوية، فقد ورد من دمشق أثر مبايعة يزيد كتاب الى عاملة على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أي ابن عم الطاغية يزيد وجاء في هذا  الكتاب ما يلي : "أما بعد، فإن معاوية كان عبداً من عباد الله أكرمه واستخلصه ومكن له ثم قبضه إلى روحه وريحانه ورحمته، عاش بقدر ومات بأجل، وكان قد عهد إلي وأوصاني بالحذر من آل أبي تراب لجرأتهم على سفك الدماء، وقد علمت يا وليد أن الله منتقم للمظلوم عثمان بأل أبي سفيان لأنهم أنصار الحق وطلاب العدل فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة من أهل المدينة"، هكذا وردت الرواية في كتاب مقتل الحسين أما في الطبري فليس فيه ذكر آل أبي تراب والانتقام للمظلوم عثمان وفي كلا المصدرين أن الكتاب أرفق بورقة صغيرة "أما بعد فخذ حسيناً وعبد الله بن الزبير أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام".

(1) هذه الأسماء أرسلت للحسين تطلبه لتولي الإمامة ويوم كربلاء كانت مواقعها في المقاتلة ضد الحسين كما هو مبين بين قوسين قبل اسم كل واحد.

يكشف الكتاب أن الحسين رضوان الله عليه كان أمام خيارين : خيار البيعة ليزيد أو خيار الأخذ الشديد وكلا الأمرين علقم ومر فكان لا بد من هجرة فهاجر في جنح الظلام إلى مكة المشرفة وبقي في المدينة من الطالبين محمد بن علي بن أبي طالب وأولاده أما أكثرية الطالبين فقد ارتحلوا مع ابن سيد البشرية الحسين بن علي بن أبي طالب، وفي مكة وردته الرسائل فأرسل مسلم بن عقيل كما مر وكان تقرير مسلم بن عقيل أن الجماهير معه وبين إرسال تقرير مسلم ورحيل الحسين إلى الكوفة انقلبت الأمور بالكوفة، بعد أن تولاها الطاغية عبيدالله بن زياد بعد اقالة النعمان بن بشير من ولاية الكوفة، وهنا تبدو إشكالية حركة التغيير في المجتمع فالفكرة وتأييدها والولاء لها ليس من الكفاية ــ للتمسك ووحدة الموقف والعمل والتحدي ــ إنه يحتاج إلى التنظيم الفذ من قوة في الضبط والربط من خلال الدفع الذاتي، ويمكن جعل بيعة العقبة نمطاً للتنظيم، ليس من مهمة هذه المحاضرة تفصيل رحلة الحسين وصحبه حتى لاقتهم طلائع جيش والي الكوفة بقيادة الحر بن يزيد التي تكفلت بمهمتين، عدم تمكين الحسين بن العودة حيث أتى، ومنعه من دخول الكوفة لأن دخوله قد يقلب الموازين، فجعجع به الحر إلى الطف أو كربلاء، يوم التاسع من محرم كانت الأمور واضحة فالأمير يأبى إلا أن يستسلم الحسين بلا قيد أو شرط وإلا فالمضي للحرب، حرب لا توازن فيها من جانب القوة والعدد فهي مع عمر بن سعد ومن جانب الحق فهي مع سيد الشهداء الحسين بن علي، هذه الصورة التي بات عليها الجيشان : القلة والحق، الكثرة والباطل ليلة العاشر من محرم.

لا بد من وفقه مع خطبتين من خطب الحسين، قال أبو مخنف عن عقبة بن أبي الحيزار أن الحسين خطب أصحابه وأصحاب الحر بالبيضة، قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه "أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق من غيَّر وقد أتتني كتبكم وقدمت على رسلكم ببيعتكم إنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم فأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم فلكم في أسوة وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وأخلفتم بيعتي من أعناقكم فلعمري ما هي لكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم والمغرور من اغتر بكم فحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

والخطبة الأخرى التي اختيرت من العديد من خطبه في تلك الرحلة هي خطبته ليلة مقتله أي عشيه (9محرم سنة 61 هجري) جمع أصحابه وقال: " وقال أثنى على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعاً وأفئدة ولم تجعلنا من المشركين، أما بعد فإني لا أعلم أصحاباً خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل ولا أعدل من أهل بيتي فجزاكم الله عني جميعاً خيراً، وإلا وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً ألا وأني قد رأيت لكم فانطلقوا جميعاً في حل ليس عليكم من ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله، فإن القوم إنما يطلبوني ولو قد أصابوني لهو عن طلب غيري".

لكن أهل بيته وأصحابه أصروا على مشاركته مصيره، وفي صباح العاشر من محرم كان اللقاء، بعد أن صلى جيش الطاغوت وصلت عصبة الحق صلاة الصبح، وكل منهم تمتم اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد ماذا كان من الحر؟ أقبل الحر ووقف من الناس موقفاً ومعه رجل من قومه يقال له قرة بن قيس فقال : يا قرة هل سقيت فرسك اليوم، قال لا قال: إنما تريد أن تسقيه، فظننت والله أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال، وكره أن أراه حين يصنع ذلك فيخاف أن أرفعه عليه فقلت له لم أسقه، وأنا منطلق فساقيه معتزلاً المكان الذي فيه، فو الله لو أنه لو أنه أطلعني على الذي يريد لخرجت معه وأخذ يدنو من الحسين قليلاً فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن الأوس : ماذا تريد يا ابن يزيد، أتريد أن تحمل فأخذه مثل العرواء، فقال له يا ابن يزيد والله أن أمرك لمريب والله وما رأيت منك في موقف قط مثل شيء أراه الآن، ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة رجلاً ما عدوتك فما الذي أرى منك؟ قال : إني والله أخيرُ نفسي بين الجنة والنار والله لا أختار على الجنة شيئاً، ولو قطعت وحرقت ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين عليه السلام، قائلاً : جعلني الله فداك يا ابن رسول الله، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت أبداً ولا يبلغون منك هذه المنزلة فقلت : لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمورهم ولا يرون أني خرجت من طاعتهم وأما هم فسيقبلون منك هذه الخصال التي تعرض عليهم والله لو ظننت أنهم  لا يقبلونهم منك ما وليتها منك إني قد جئت تائباً مما كان مني إلى ربي ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك أفترى ذلك لي توبة ؟ قال : نعم يتوب الله عليك ويغفر لك ما اسمك، قال : الحر بن يزيد، قال الحسين، أن حر كما سمتك أمك أنت الحر في الدنيا والآخر.

ارتد الحر إلى أصحابه بالأمس والأعداء اليوم قائلاً وموبخاً : "يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر، إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم اسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثم عدوتكم عليه لتقتلوه، أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب فمنعتموه التوجه إلى بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته ويصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً وحلأتموه ونسائه وصبيته وأصحابه من ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، وها هم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمداً في ذريته لاسقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنتهوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه"ولكن أني للعبيد أن تستجيب لواعظ يعظ بالحق ؟ ونشب القتال واستمات أصحاب الحسين في القتال يقتلون ويُقتلون حتى فنوا.

لا مجال لذكر بطولاتهم فرداً فرداً زهير بن القين، برير، وعبد الله بن عبد الكلبي من بني عليم مسلم بن عوسجة وأبو الشعثاء الكندي، أبي يزيد بن زياد الذي كان في البداية مع عمر بن سعد ولكنه تحول للقتال مع الحسين وأبو تمامه الصائدي وحبيب بن مظاهر وسلمان بن مضارب البجلي، ونافع بن هلال الجملي وعمر بن قرظة الأنصاري، وواضح التركي مولى الحرث المذجحي وأسلم مولى الحسين وحنظلة الشبامي وعابس بن شبيب الشاكري و مولى أبي ذر الغفاري وأنس بن الحارث بن نبيه الكاهلي وآخرون أحببت أن أذكر هؤلاء لأننا لا نعرفهم، مناهج التعليم تريد طمسهم، والسؤال المشروع لمصلحة من طمس هؤلاء الرجال ؟ وبلغ شهداء آل البيت قريباً من عشرين رجلاً.

ماذا بقي من قول ؟ لا بُدَّ من ذكر أم وهب زوج عبد الله بن عمير الكلبي، هي ام وهب بنت عبد لم تكن هي وزوجها من رجال الحسين ولكنهما عندما رأيا القوم بالنخيلة يعرضون ليسرحوا إلى الحسين فسأل عنهم فقيل لهم يسرحون إلى الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : والله قد كنت على جهاد أهل الشرك حريصاً، وإني لأرجو ألا يكون جهاد هؤلاء الذي يغزون ابن بنت نبيهم أيسراً ثواباً عند الله من ثوابه إياي في جهاد المشركين ! فدخل إلى امرأته واخبرها بما سمع، وأعلمها بما يريد فقالت: أصبت أصاب الله بك أرشد أمورك، أفعل وأخرجني معك، فخرج وخرجت معه، وإذا اشتد وطيس القتال أخذت عموداً وأقبلت نحو زوجها تقول له : فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين ذرية محمد صلوات الله عليه !

إنني لا أراجع التاريخ لحساب كربلاء، بل لحساب بناء العقل الإسلامي العقل الذي يطلب الحق، ويسترخص المهج والأرواح في سبيل الحق، ومع بناء العقل إثارة للمشاعر عل من ارتباط العقل بالمشاعر نكون قد كوناً أمة على قلب واحد، التي قال عنها الله تعالى ((وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)).

 

لنستطيع أن نقف أمام الديناصور الأمريكي الولايات المتحدة، تلك الدولة الشرسة التي لا تكفُ عن همجيتها.

والسلام عليكم ورحمته وبركاته،،،

________________________________________