رحمه الله تعالى

المعتزلة المعاصرة

أمين نايف حسين ذياب

Get Adobe Flash player

البحث في محتوى الموقع

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 338394

الحضارة الإسلامية إلى أين ؟


يوم الأربعاء 29 من محرم 1421 هـ

الموافق 3 أيار 2000 م

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(( رَبِّ اشرح لي صدري  ويسر لي أمري  واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ))

وإذ تجمد المجتمع المكي عن أنْ يفتح عقله وقلبه للدعوة الإسلامية ، فإنَّ رسول الله صلوات الله عليه وسلامه ، والصلاة والسلام على أهل الكساء ، وعلى الطيبين من أهله ، ورضي الله عن الأبرار من صحابته ، وعلى التابعين السائرين الثابتين على الإيمان والشريعة والنهج إلى يومنا هذا وإذ رأى الرسول ذلك سار إلى الطائف ، حيث القبيلة الثانية من مراكز التأثير في العرب بعد قريش  فردوه أقبح رد ، فتوجه إلى ربه داعيا ومتألما ، بدعاء الطائف المشهور ، وحال أمتنا اليوم ، وقد أصبح الترويج للأعداء استراتيجية ، فلا بد من الدعاء الذي يشحذ العزيمة ، ويؤكد الإصرار ، ويبلور النية ، على محاولة الوقوف في وجه خطط الأعداء . وقد أعيد تشكيل دعاء الطائف باسم الأمة : اللهم إنَّا نشكو إليك ضعف قوتنا ، بسبب  تخاذلنا أدَّى إلى هوان أمتنا على نفسها ، وعلى عدوها : الأمريكان ، والغرب ، واليهود ، وقلة حيلتنا لادعائنا عجزا ليس فينا ، يا أرحم الراحمين ! أنت رب المستضعفين ، فارحمنا من تسلط أهل الجبروت علينا ، وأمددنا بعون من  عندك على أنفسنا ، لنعود إلى الاستقامة ، لا تكلنا يا الله إلى عدو يملك علينا أمرنا ، وإلى من هم  منا من القرابة ، لكنهم قطعوا الوشائج معنا ، أن لم تكن غاضباً علينا فلن نبالي ، نعوذ بنور هدايتك ، الذي يصلح به أمر الإنسان في دنياه وآخرته ،  لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم .

الشكر للقائمين على هذا النشاط الثقافي السياسي أعضاء اللجنة الثقافية ورئيسها في مجمع النقابات ، ولكل الحضور والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ولا سلام لعدونا بل الحرب الحرب وبعد

 

أسئلة ؟

تمهيداً لاشتراك الجميع في البحث ، لا بد من الانتباه الشديد للأسئلة التالية :

1.هل الحضارة الإسلامية هي التنـزيل، بشقيه : البلاغ والبيان {أي القرآن والسنة} ؟

2. هل الحضارة الإسلامية هي التدين { أي العبادات والهيئات والأخلاق } ؟

3. هل الحضارة الإسلامية هي التشريع خاصة الحدود والعقوبات ؟

4. هل الحضارة هي الدولة الإسلامية { أي تسمية خليفة للمسلمين } ؟

5. هل الحضارة الإسلامية هي المذهب ، الذي تسير عليه الدولة ، أو منهج الفهم  المذهبي الذي تتبناه الدولة ؟

6. هل الحضارة الإسلامية هي مجرد ادعاء أنْ الدولة دولة إسلامية ؟ كالترابية مثلاً .

7. هل العودة للإسلام حسب النموذج التاريخي الإسلامي : مثل الراشدي ، أو الأموي ، أو العباسي : الأول ، والثاني ، والثالث ، أو العثماني / مع إلغاء حركة التفكير على أساس الإسلام فيه ، من شأنه أنْ يحدث النهضة ؟ { على اعتبار وجود نهضات وجوداً واقعياً ، قامت على المادية كالشيوعية ، وقامت على الحل الوسط كالرأسمالية الغربية ، أو الرأسمالية مع البقاء وجدانياً على الخصوصية الوثنية كاليابان الحديثة } .

الإجابات

من الضروري إدراك أنَّ الإجابات تشير ولا تفصل.

قبل الإجابة على هذه الأسئلة لابد من التسليم بالملاحظات المهمة التالية :

1. أنَّ الأمة تعيش الحضيض الأحط في الهبوط الحضاري ، وهي سائرة في التخلف المادي يوما بعد يوم ، أما التأخر الفكري ، والانحطاط السياسي ، فالحديث عنهما يدمي الفؤاد ، ويبكي العين ، ويثير في الحلق غصةً وشجىً ، وأصبح خطر انقراض هذه الأمة الخيرة ماثلا ، لا ينكره إلاَّ من عميت باصرته وبصيرته معا .

2.  أنَّ التعبير عن هذه الأفكار يتم عبر النظام اللغوي ، والنظام اللغوي هو عبارة عن علاقة تربط بين الدال أي اللغة [ الرمز ] ، وبين المدلول أي المعنى ، والرمز يدل على معناه على سبيل المطابقة ، أو التضمن ، أو الالتزام ، وهذا في حالة الكلمات مفردة ، ويدخل المجاز دخولاً ضرورياً في حالة الجمل ، والمعاني في الفقرات ، وما لم تدرك العلاقة بين الدال والمدلول والأبعاد الثاوية بالنص أو وراءه ، فسيبقى الحديث حديث طرشان ، أو مجرد حالة سجالية في أحسن الأحوال.

3. يترتب على الملاحظتين السابقتين ، ضرورة الانتباه والعناية بمدلولات الجمل ، من خلال السبر والتقسيم والتحليل ، وإعادة التركيب ، والتركيز على المفهوم من الجمل ، والمسكوت عنه أيضا ، للوصول إلى تصور صحيح للموضوع في حالتيه : حالة وجوده ، وحالة إمكانه .

·  الإجابة عن السؤال الأول : القرآن الكريم ، والمعلوم من الدين بالضرورة أي [ العمل المتواتر ] ، فإنهما محفوظان ، الأول بحفظ الله له مبنى ومعنى ، وحفريات المعرفة أي البحث بالمخطوطات والآثار تؤكد ذلك ، والثاني محفوظ بتواتر العمل به وهو أمرٌ مشاهد ، أمًّا غيرهما فيجد الباحث نصاً ظنياً ، وتراثاً غنياً ، يستخرج منهما موضوعه بغلبة الظن ، ومع هذا فالإجماع منعقد على أنَّ الأمة الإسلامية قعيدةٌ كسيحةٌ ، يفرض عليها عدوها هيمنته ، مما يعني أنًّ الحضارة الإسلامية ليست هي التنـزيل ، بل حركة التنـزيل في الحياة هي الحضارة، والحضارة الآن غائبة ، رغم حضور التنـزيل بكلياته مع التراث ، ومع العناية الفائقة به ، من طباعة للقرآن ، وتعدد مسابقات حفظه وتلاوته ، ومع تلاوته اليومية في إذاعات خاصة به ، وما ينطبق على القرآن ينطبق على السنة بشقيها وعلى التراث .

·   الإجابة عن السؤال الثاني : منذ النكسة سنة 1967 م ، تصاعدت أعداد المحافظين على أداء العبادات ، والملتزمين بالهيئات ـ خاصة في ملابس الرجال والنساء ـ وتشكلت أنماط أخلاقية جديدة ، تمتنع عن الجدل ، وتعظ بالحسنى ، ومع كل ذلك هان أمر الأمة على العدو ومرَّ على الأمة حدثان مهمان : الاجتياح اليهودي الوقح للبنان لتبلغ الذروة في مجزرة صبرا وشاتيلا صيف عام 1982 م ، ليتبعها عام 1991 م اشتراك أكثرية العرب والمسلمين مع عدو الأمة الرئيسي الغرب ، وعلى رأسه الولايات المتحدة ، في إعلان الحرب ضد العراق وأباحتْ الدول المجاورة الأرض والأجواء والمال والرجال ، لإمداد الغرب في عدوانه ، ولا تزال تواصل محاصرته.

·   الإجابة على السؤال الثالث : التشريع مجرد تنظيم للعلاقات ، والحدود والعقوبات هي مجرد ردع للمخالفين ، وليس هناك دولة بدائية أو متقدمة أو مبدأية ، إلا ولها نظام تشريعي ينظم العلاقات ويحدد العقوبات . لقد شهد التاريخ الإسلامي القديم والحديث نشوء العديد من الإمارات والدويلات الإسلامية ، مثل دولة الشيخ شامل في الشيشان ، ومثل الدولة السعودية الأولى ، والثانية ، ومثل دولة طالبان الآن ، وغير ذلك ، فلم تكن النتيجة في صالح الإسلام والمسلمين والمواطنين من غير المسلمين.

·   الإجابة على السؤال الرابع : في عام ( 1517 ) م انتصر سليم الأول العثماني على آخر سلطان مملوكي وهو طومان باي الثاني ، وتنازل له عن الخلافة آخر الخلفاء العباسيين في مصر وهو محمد المتوكل على الله بن يعقوب أبو الصبر ، مسلماً الآثار النبوية الشريفة للسلطان سليم السيف والبيرق والبردة ، وتسلَّم مفتاحي الحرمين الشريفين أيضا ، وبقيت الخلافة في العثمانيين إلى 3 آذار 1924 م ، ولكنها كانت فاقدة للقوة الحضارية ، وقد ازداد التخلف الحضاري في تلك الدولة ـ رغم قوتها العسكرية ـ وخاصة في القرنين الأولين من عمرها ، رغم أنَّ قلب العالم الإسلامي مصر وبلاد الشام والعراق والجزيرة العربية من ولاياتها .

·  الإجابة على السؤال الخامس : قامت دولتان على المذهب الإباضي : في المغرب الدولة الرستمية ، وفي المشرق إمامة عمان ومسقط ، وقد انقرضتا ، وقامت الدولة الفاطمية على الإسماعيلية أصولاً ومذهبا ، فانقرضت ، وقامت دولة الموحدين على المذهب المالكي فانقرضت وتحولت الدولتان الزيديتان في الديلم وطبرستان وفي اليمن من المنهج إلى المذهب فانقرضتا ، وها هي الدولة الشيعية الإمامية في إيران على المذهب ، وظاهرٌ عجزُها عن أي إمكان لإحداث النهضة ، فالمذهب لا يقيم دولةً لها صفة الاستمرار ولا يُنهض أمة.

·   الإجابة على السؤال السادس : الحضارة الإسلامية حركة حياة : في الأمة ، والمجتمع ، والدولة ، والعالم ، في شقين ، نشئا عن حقيقة الاستخلاف والتكليف : الشق الأول التفكير والثاني التسخير ترتب على الأول التنظيم ، وترتب على الثاني العلم والاختراع والصناعة والتقانة [ التكنولوجيا ] ، وبهما معا تسير الحياة صُعداً ، في طريق الرقي المستمر ، ومن هنا فإنَّ ما يسمى بالتجارب الإسلامية كالترابية ، لنْ تكون التعبير الحقيقي للسير في مسار حضاري .

·   الإجابة على السؤال السابع : السؤال تضمن الإجابة بالدعوة إلي ضرورة التفكير لإحداث النهضة ، أي إنتاج حركة حضارية تواجه المشاكل والمتغيرات ، وتواكب التقدم ، وإذ مُنع التفكير منذ بداية القرن الخامس الهجري ، عاشت الأمة والدولة والمجتمع مرحلة الهبوط ، التي طال زمنها بأسباب موضوعية ، وها هي اقتباسات ووقائع تؤكد ذلك .

 

اقتباسات

الاقتباس الأول

منقول من كتاب التفكير للمرحوم الشيخ النبهاني

ص {173 – 175 }

فهذه لمحة موجزة عن موضوع التفكير ، من حيث هو تفكير، نقدمها للأمة الإسلامية ، لعل دراستها توجد التفكير في هذه الأمة ، حتَّى ينقلها هذا التفكير إلى أنْ تعود خير أمة أخرجت للناس. لا سيما بعد أنْ مضى على هذه الأمة عشرة قرونٍ وهي بعيدةٌ عن التفكير ، وإنْ حاولت هذا التفكير عدة مرات . إنَّ الأمة الإسلامية قد بليت في القرن الرابع الهجري بعلماء عملوا على تعطيل التفكير في الأمة ، ونادوا بخطر التفكير على الأمة ، وضرره على الإسلام والمسلمين ، وذلك حين قام رهط من العلماء مثل العالِم المشهور باسم القفال ، ونادوا بإقفال باب الاجتهاد ، وعملوا على منع الاجتهاد ، وأقنعوا الناس بخطر الاجتهاد ، فَصدَّق المسلمون هذه الدعوة . عملوا بها ، وتحرَّج العلماء من الاجتهاد ، وخاف المفكرون من الاجتهاد ، وكره الناس أنْ يكون هناك مجتهدون . وقد تبنى الرأي العام في جميع أقطار الإسلام هذا الـرأي ، وبدلك تعطَّل التفكير . ووقف الناس عند حد التقليد ، وألغوا عقولهم ، ولم يعودوا يجرؤن على الاجتهاد ، فكان هذا المنع للاجتهاد ، والتفكير أعلاه إنما يكون في الإسلام . فأدى ذلك إلى وقف التفكير لدى الناس ، واستمرءوا هذا التعطيل للتفكير ، والإنسان بطبعه حيوان كسول ، لذلك وقفت الأمة عن التفكير حتَّى هذا القرن ، القرن الرابع عشر الهجري ، فسلخت عشرة قرون وهي معطَّلة التفكير ، ولذلك ليس من السهل على أمةٍ سلخت عشرة قرون من عمرها وهي معطَّلة التفكير ، أنْ يتحرك فيها التفكير وأنْ تـفهم عن وعي قيمة التفكير ، وقيمة المفكرين . ولذلك فإنَّ ملايين الكتب مثل هذا الكتاب ، لا تضمن أنْ تحرك الأمة للتفكير ، وأنْ تسوقها لأنْ تجعل التفكير سجية من سجاياها . ولكن الأحداث الموجعة التي تسحق الأمة سحقاً ، وتمعسها معساً ، فإنها صارت تبعث الأمل في أنْ يحد التفكير سبيله للأمة . لا سيَّما بعد أنْ وُجد فيها جماعات تفكر ، وجماعات تحاول التفكير ، بعد أنْ تحقق فيها آلاف تجسد لديهم حب التفكير  وصاروا مفكرين لا يستمرئون غير التفكير ، حتَّى غدوا تفكيراً يحيا ويتحرك وينموا . لذلك فإنَّ ضخامة الأحداث وفظاعتها ، وكون التفكير تجسّد في أشخاص حتَّى غدا تفكيراً يمشي في الأسواق بين الناس ، فإنَّ هذين الأمرين : يوجدان أملاً مشرقاً ، في أنْ ينتقل التفكير من الأفراد إلى الجماعات ، وأنْ يصبحَ تفكيراً جماعياً لا تفكيراً فردياً ، وأنْ يكون تفكير الأمة لا تفكير الأفراد ، فتصبح الأمة الإسلامية أمة مفكرة ، وتعود كما كانت خير أمة أخرجت للناس .

جرى تحرير كتاب التفكير وهذا النص المقتبس هو نهايته في 8 من صفر سنة 1393 هـ الموافق 12 من آذار (مايس) سنة 1973 م.

ملاحظات على هذا الاقتباس

·  الاقتباس وصفي واستطلاعي ، الوصفي يصف موضوعين : الأول في التأريخ فترة أول القرن الخامس الهجري وما نتج عن ذلك من إغلاق باب التفكير والاجتهاد ، نتج عن ذلك تركز التقليد وإلغاء العقول .الثاني وصف معاصر وهو دعوى تحقق تجسيد التفكير في آلاف .

·  أما الاستطلاعي :  فهو وجود أمل مشرق في عودة التفكير إلى الأمة ، فتتسنم المكان اللائق بها تحت الشمس .

·  كتب المرحوم تقي الدين النبهاني الكتاب ، وختامه هذا الاستطلاع سنة 1973 م ، حملت الأعوام التي تلت الاستطلاع ، زيارة السادات لدولة العدو ن وصلح مصر مع العدو ، وإعلان الحرب من قبل العراق على إيران ، واستمرارها ثمانية أعوام ، واجتياح اليهود الوقح لبنان صيف 1982 م ، إلى زلزال حرب الخليج وقد كشف عن وقاحة الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي ، بمشاركتها الغرب في حربه ضد العراق ، ثم حدثت مسارات الصلح المشينة ، إلى الدعوة العلنية للسير مع  العولمة ، ظهر من ذلك كله تبلد حس الأمة ، وليس وجود الأمل المشرق .

·  لقد حدث خطأ في تسجيل التأريخ ، إذ لم يتناد العلماء لإقفال باب التفكير والاجتهاد ، وإنما ألغي التفكير والاجتهاد بوثيقة الخليفة القادر ، وقد قُرأت على المفكرين والقضاة والعلماء والفقهاء عام 408 هـ ، وطلب إليهم توقيعها ، وأفهم من يخالفها بإلحاق التنكيل به ، والمقصود بها كما دل منطوقها : المعتزلة بالدرجة الأولى ، والشيعة بفرقها المختلفة بالدرجة الثانية ، وقد كانت الأهمية عند واضعي الوثيقة تصفية المعتزلة ، وواقعياً تحقق لهم ذلك . أعيدت قراءة الوثيقة سنة 409 هـ ، وسنة 420 هـ ، ثم في سنة 433 هـ ، أي في عهد القائم بعد موت القادر بأحد عشر عاماً ، فخرجت المعتزلة من التاريخ ، وبقيت مع تشويه صورتها في التأريخ .

الاقتباس الثاني

منقول من كتاب نهاية التاريخ وخاتم البشر

مؤلف الكتاب هو الأمريكي من أصل ياباني فرنسيس فوكوياما

صدر الكتاب بالإنجليزية وترجم للعربية بعد سنة 1991 م

النص منقول من ص [  56 - 57 ]

صحيح أنَّ الإسلام يُشَكِّلُ أيدلوجيا مُتَّسِقَةً ومتماسكةً ، مثل الليبرالية والشيوعية ، وأنَّ له معاييره الأخلاقية الخاصة به ، ونظريته المتصلة بالعدالة السياسية والاجتماعية ، كذلك فإنَّ للإسلام جاذبية يمكن أنْ تكون عالميةً ، داعيا إليه البشر كافة باعتبارهم بشراً ، لا مجرد أعضاء في جماعة عرقية أو قومية معينة ، وقد تمكن الإسلام في الواقع من الانتصار على الديمقراطية الليبرالية في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي ، وشَكَّلَ بذلك خطراً كبيراً على الممارسات الليبرالية حتَّى في الدول التي لم يصل فيها إلى السلطة السياسية بصورة مباشرة ، وقد تلا نهاية الحرب الباردة في أوروبا على الفور تحدي العراق للغرب وهو ما قيل { عن حق أو عن غير حق } أنَّ الإسلام كان أحد عناصره .

ويستمر فوكوياما قائلاً : غير أنه بالرغم من القوة التي أبداها الإسلام في صحوته الحالية ، فبالإمكان القول أنَّ هذا الدين لا يكاد يكون له جاذبية خارج المناطق التي كانت في الأصل إسلامية الحضارة . وقد أنَّ زمن المزيد من التوسع الحضاري الإسلامي قد ولَّى، فإنْ كان بوسع الإسلام أنْ يكسب من جديد ولاء المرتدين عنه .فهو لنْ يصادف هوىً في قلوب شباب برلين أو طوكيو أو موسكو أو السويد ، ورغم أنَّ نحو بليون نسمة تدين بالإسلام { أي خمس تعداد سكان العالم } فليس بوسعهم تحدي الديمقراطية الليبرالية في أرضها على المستوى الفكري ، بل قد يبدو أنَّ العالم الإسلامي أشدَّ عرضة للتأثر بالأفكار الليبرالية على المدى الطويل من احتمال أنْ يحدث العكس ، حيث أنَّ مثل هذه الليبرالية قد اجتذبت إلى نفسها أنصاراً ـ عديدين وأقوياء ـ لها من بين المسلمين على مدى القرن ونصف القرن الأخيرين ، والواقع أنَّ أحد أسباب الصحوة الأصولية الراهنة هو قوة الخطر الملموس من جانب القيم الغربية الليبرالية على المجتمعات الإسلامية التقليدية .

ملاحظات على هذا الاقتباس

·  يؤكد فوكوياما من عنوان كتابه ومن موضوعه أنْ لا مكان تحت الشمس لحضارة غير الحضارة الليبرالية فالعولمة هي أعلى مراحل الرأسمالية وما يظهر في الواقع الإسلامي ـ والعربي جزء منه ـ عدم وجود مقاومة جدية لها ، فدعاتها العلنيون ، وقابلوها على استحياء ومقاوموها يسيرون بلا رشد ولا دليل .

· يصف الإسلام بأنه أيديولوجيا متسقة ومتماسكة ، وهو بهذا يضع الإسلام في النسق الحضاري ، خلافا لرؤى التغريبيين في كل تشكلاتهم : الليبرالية ، والمادية الماركسية ، والعلمانية القومية ملحدة أو غير ملحدة ، وفي محل المخالفة لرؤية الإسلاميين ، الذين فصلوا عن الإسلام الحياة ، وجعلوه مجرد تدين وهيئات نُسكٍ .

·  يرى أنًّ الإسلام يتعامل مع الناس باعتبارهم بشراً ، وليسوا بصفتهم عرقاً أو قوماً معينين ولهذا فله جاذبية عالمية ، ويرى أنه رغم ذلك لا يستهوي قلوب شباب الغرب ، ويرى أنَّ المستقبل في الليبرالية الغربية .

·  يفطن إلى ما لا يفطن إليه أحد ، بأن الإسلام هو العامل المحرك للعراق ، وهو هنا يرى البعد الكامن في هذه الأمة ، وهو البعد الحضاري للإسلام .

·  إنًّ السؤال المشروع في هذا المقام هو : كيف يدرك الغرب ببصيرة ثاقبة المعطيات الديناميكية في الحضارة الإسلامية ؟ ولهذا يرسم الخطط ، للحيلولة دون عودة الإسلام للتأثير الحضاري .

الاقتباس الثالث

من كتاب الفرصة السانحة

للرئيس الجمهوري الأسبق للولايات المتحدة نيكسون

صدر الكتاب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1990 م

يقول نيكسون في كتابه : لقد سبق العالم الإسلامي العالم المسيحي ، على مدى خمسة قرون من { 700 – 1200م } ، وتفوق عليه في مستوى المعيشة والتسامح الديني والفلسفة والثقافة والعلوم ، وقد أدت الحروب المتتالية إلى عكس الآية ، فلقد قال أحد المؤرخين : لقد خسر الغرب الحروب الصليبية ، لكنه كسب حرب المعتقدات ، لقد تم طرد كل محارب مسيحي من الأرض المقدسة للمسيحية واليهودية ، ولكن الإسلام وقد أسكره النصر ومزق أوصاله المغول ، سقط في غياهب العصور المظلمة ، من الفقر والنسيان ، بينما الغرب المنهزم ، وقد أنضجته الأهوال نسي هزيمته وتعلم من عدوه وبنى كنائس تصل إلى عنان السماء ، وقاد سفينته في بحار المعرفة وخرج منه الفلاسفة أمثال دانتي وشوسير وفيلون وسر بروح عالية في عصر النهضة .

ويقول في مكان ثان من كتابه حول إمكانية العودة الإسلامية لقيادة الحياة السياسية :

إنًّ المسلمين منقسمون من ناحية إسلامية إلى ثلاثة فرق كبرى هي : السنة ، والصوفية ، والشيعة ، ويتكلمون بأكثر من [ 150 ] لغة ، ولهذا لا يشكلون أي خطر محتملٍ على الغرب والحضارة الغربية { الكلام الثاني منقول بتصرف مع المحافظة الكاملة على المعنى } .

ملاحظات على الاقتباس الثالث بشقيه

·  كاتب الكتاب أحد رؤساء الولايات المتحدة الجمهوريين ، فالكتاب رؤية سياسي عرك السياسة وعركته ، فهي ليست رؤية باحث في السياسة ، ولا هي كتابه أكاديمية ، وقد تولى الحكم في الولايات المتحدة فترة 1968 – 1972 م . شهدت هذه الفترة ظهور الصحوة الإسلامية ، ورغم التباين في تعليل ظهورها ، إلاَّ أنَّ الغرب انتفع فيها أيما انتفاع ، ولكنها أثارت مخاوف الغرب خاصة على المستوى الإعلامي والشعبي ، فهو إذن يكتب خطابا ليطمئنَّ الغربيون  ويخبرهم أنَّ الصحوة في محل الاحتواء .

·  يؤكد الاقتباس فكرة سبق الحضارة الإسلامية في قرونها الخمس الأولى لتحدث الغفوة وتنعكس الآية فيتقدم الغرب ، ويرى الغرب نفسه من زاوية المسيحية اليهودية ، كما أعادت تشكيلها روما ، ولذلك يقول وهو يتكلم عن الحروب الصليبية بحملاتها المتعددة ، التي حدثت من 1089 - 1291 بخروج الصليبين من آخر معقل لهم في عكا : لقد تم طرد كل محارب مسيحي من الأرض المقدسة للمسيحية واليهودية . مع أنَّ أمريكا لم تكن مكتشفة في فترة الحروب الصليبية ولم تكن الولايات المتحدة ناشئة إذ لم تنشأ إلاَّ بعد عام 1789 م .

·  يكشف الاقتباس أنَّ الأمريكيين ينتمون من حيث العمق التاريخي للغرب والعجب ممن يريد لهذه أنْ تترك عمقها التاريخي ! .

حقيقة قضية ألامة

·  قضية الأمة ليست صراعا بين الدين الإسلامي والحضارة الغربية ، من حيث هو تدين ، وإنما الصراع صراع حضاري بين وجهتي نظرٍ مختلفتين ، في تفسير معنى الوجود ، وفي مهمة الإنسان على سطح هذا الكوكب ، أي صراع بين الإسلام كحضارة عدلية ، والليبرالية الديمقراطية كمشروع استلاب للإنسان ، تحوله إلى مسخ يصل الليل بالنهار للحصول على سلع استهلاكية ، فيتحول أخيرا هو نفسه إلى مادة استهلاكية .

·  يروج الآن لدخول المعركة الحضارية ، باستعمال نفس أدواتها في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع ، ومثل هذه الأدوات لنْ تتيح لهذه الأمة أن تتحرر من عدوها ، بل ستكون عامل من عوامل تركيز الربط .

·  القائلون بالدخول إلى عالم العولمة ، مع المحافظة على الهوية والذات ، يقولون بالأمر ونقيضه  وهي بالتالي ستوصل إلى ضياع الأمرين معا .

·  ويأتي السؤال الأخير ! هل من درب يوصل لحماية هذه الأمة من كيد عدوها ؟ ويجعلها تستأنف طريقها كرحمة للعالمين ـ هنا من الضروري ملاحظة الذين يجردون الأمة من أي صفة حضارية سابقاً ولاحقاً ، ويرونها حالة تخلف حضاري منذ بدء الإسلام ، يسلطون الأضواء على الزوايا السوداء في حياتها ، لا للاتعاظ بها ، بل لإدانتها ، وعندما ينقلون إلى التاريخ الأسود في حياة الغرب داخليا وخارجيا ، يسوغون له ذلك بدعوى أنه يعمل لذاته ، ويتعامون عمَّا يجري في داخله من مظالم .

·   ويرد عليهم الإسلاميون ، بالدعوة للإيمان التسليمي ، والتوقف عند النموذج التاريخي ، أو الإقتداء بالسلف ، أو قراءة مدونات العلماء ، دون أية قراءة نقدية لها ، وهكذا تتوقف حركة التاريخ عند التأريخ ، ويضيع بينهما الوعي ، وتفقد الأمة إرادتها ، وتعيش مستلبةً بلا سيادة وتسعى إلى مزيد من الاستلاب ! .

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتة