رحمه الله تعالى

المعتزلة المعاصرة

أمين نايف حسين ذياب

Get Adobe Flash player

البحث في محتوى الموقع

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 351841

قراءة عجلى في كتاب المحنة

قراءة عجلى في كتاب المحنة " للدكتور فهمي جدعان "

من كتاب جدل الأفكار 3 " المحاضرات"

أيها الأخوة سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وبعد


يبدو أن محاولة عرض كتاب ما " لا يمكن أن تقوم مقام قراءته " ولهذا غالباً ما يكون عرض كتاب يشكل صعوبة لا يسهل تذليلها، وإذ قمت بقراءة كتاب المحنة للمرة الثانية للقيام بمهمة عرضه، والإشارة إلى مواضيعه، فإنني أعترف صراحة: أنَّ عرض كتاب المحنة يكاد يكون مستحيلاً، لتماسك مادته، وشدة كثافتها، وما تثيره مادة الكتاب من طلب للبحث والاستقصاء خارج الكتاب، فهذه القراءة هي مجرد محاولة للدخول إلى الكتاب.

لم يأت الكتاب ليؤرخ للمحنة أو ليعالج الوجه الكلامي الخالص أي ليجيب على مسألة خلق القرآن بالنفي أو الإثبات وإنما جاء الكتاب ليزيح الستارة عن وجه المحنة ويوجه الأنظار لدلالاتها السياسية ومن هنا أستمد موضوع الكتاب قيمته إذ يتجاوز البدا هات الخاطئة التي استقرت في الأذهان من مجرد نطق اسم أحمد بن حنبل أو المعتزلة أو خلق القرآن ، إذ ما أن ينطق بها أيُ من الناس حتى تستدعي صورة حدث تاريخي درامي صورة احمد بن حنبل المحدث فقط وقد قطع حجة خصومة المشهورين بقوة الجدل والحجاج ولم يجْد هؤلاء الخصوم إلا أن يتحولوا إلى جلاوزة يمسكون السوط يلهبون جلد احمد بن حنبل وتشبع السياط من جلده دون أن يتزحزح عن موقفه قيد أنمله إذ هو ثابت كالطود الأشم ! . ويعلن الدكتور فهمي منذ البداية في المدخل (ص 12) أنه يسير تماماً في الاتجاه المعاكس لمجرى التيار وذلك عند أمرين اثنين على الأقل.

الأول : أنه نأى بالمعتزلة نأياً يشبه أن يكون تاماً عن عملية الامتحان التي نسبت إليهم وأنه يَرُدُّ الأمور إلى نصابها في هذا الشأن لحساب التاريخ، والثاني أنه يريد أن ينظر في مسألة المحنة كحالة تبين إبانة بينة عما يمكن أن تكون عليه صيغة العلاقة بين السلطة أو الأمر من وجه وبين الطاعة من وجه آخر في دولة هي دولة الخلافة لا شيء يحول اعتبارها أكمل ممثل تاريخي لما وصل إليه الملك في الإسلام. ويقتضي التاريخ التحفظ على المحور الثاني وخاصة اعتبار الخلافة المركزية الممثل التاريخي لما وصل إليه الملك في الإسلام إذ تتضمن هذه العبارة إسقاط المحور التاريخي المتمثل في العديد في المحاولات لإزاحة هذا الملك العضوض ومع أن الكتاب في فصله الثالث " الدواعي والرجال " يشير إلى بعض من هذه المحاولات ولكنه لا يربط هذه المحاولات في الأسس الفكرية التي يستند عليها. ومع أن الدكتور جدعان أعلن بداية انه غير معني ببحث الوجه العقدي في قضية خلق القرآن إلا أنه اضطر في المدخل الذي استغرق الصفحات من (11- 44) أن يتعرض للأقوال المتعددة في مسألة خلق القرآن متعرضاً للرأيين اللذين يستحيل التوفيق بينهما على وجه ما وعرض أربعة آراء أخرى تشكل مواقف متوسطة أساسية متوقفاً عند حدود العرض مما يجعل القارئ محتاراً لا يدري بعد أن ادخله الكتاب إلى صميم هذه المسألة ما رأي الدكتور في تلك المسألة ، ولقصور حيثيات المسائل المعروضة يبقى القارئ في حالة من الفراغ حول هذه المسألة ، إلاَّ القارئ الذي له موقف مسبق في هذه المسألة .

لا بد من الوقوف عند فقرة كاملة من المدخل وهي الفقرة التي تنقل مقولات لابن تيمية والطبري وابن الأثير فالدكتور ينقل عن ابن تيمية الحنبلي ( ت 728 هـ 1328 م ) قوله " ويرى ابن تيمية أن جعد بن درهم كان أول من عطل الصفحات الإلهية وأن الجهم بن صفوان قد تابعة في ذلك " ويمضي الدكتور قائلاً يؤكد مؤرخون كثر من الطبري إلى ابن الأثير أن جعدا أول من قال بخلق القرآن في الإسلام ويري بعض هؤلاء المؤرخين أن جعدا قد أخذ بدعته عن رجل يدعي أبان بن سمعان أخذها هذا بدوره عن رجل يدعي طالوت قيل أنه ذو قربى للبيد ابن الأعصم الذي كان معاصراً للنبي وأحد أعدائه الأشداء وتستمر الفقرة في بيان تاريخي منقول " ويقول هؤلاء المؤرخون أن لبيد هذا كان يمارس السحر ويقول بخلق القرآن وأنه قد استقى بدعته في القرآن المخلوق من يهودي يمنى " ثم تتعرض الفقرة لمقولة عثمان بن سعيد الدرامي ت ( 282 ـ 896 م ) وأبو الخلال ( ت 311 هـ 923 م ) أن خالد القسري قد ضحى بجعد بن درهم وذبحه سنة ( 125- 743 م ) أمام الملأ في عيد الأضحى لبدعته ، إذ زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليماً ، أما الجهم بن صفوان فقد ناصر الحارث بن سريج في ثورته بخراسان على مروان بن محمد خليفة بني أمية إذ وثب داعياً إلى الكتاب والسنة (128 هـ 745 م ) وقتل ألقسري في السنة نفسها الحارث بن سريج .

ويسوق الدكتور هذه الفقرة التي تمتلئ بالغرائب ليؤكد أن مقولة خلق القرآن ترجع إلى عهد أقدم من زمن المحنة وأن مسألة خلق القرآن هي قضية جهمية دون أن يقوم بتفنيد المقولات العديدة التي تحويها هذه الفقرة مما يوحي أن الدكتور قد سلم بهذا السياق التاريخي رغم أنه يحمل في ذاته برهان زيف هذه الوقائع بل والأغلب ابتداع شخصية أبان ابن سمعان وطالوت وربما لبيد بن الأعصم وسوق العبارة عن الجعد بن درهم من أنه ينفى اتخاذ الله لإبراهيم خليلاً وتكليمه موسى تكليماً دون بيان أن النفي إنما هو للصورة الذهنية الحسية واثبات للصورة المجازية لهاتين الآتين الكريمتين يجعل القارئ وخاصة غير المعني لفحص مثل هذا السياق يظن أن الجعد فعلاً ينكر الآيتين الكريمتين ولهذا يجد نفسه متعاطفا مع الصورة الدرامية التي أعلن فيها عن ذبح الجعد . ومن المؤكد أن القول بخلق القرآن أقدم زمن من زمن المحنة بل ومن الجهم بن صفوان والجعد بن درهم ومن المؤكد أن أساسها هو خلق فعل الإنسان وهي مشكلة ظهرت أثر خوض المسلمين الحوادث الأربعة وهي: فتنة الدار ومعركة الجمل ومعركة صفين وما أعقبها من تحكيم ثم أخيراً فتنة النهر وأن فالبحث في أفعال العباد ومسؤولياتهم عن الفعل هو الذي جر إلى قضية خلق القرآن.

ومن الغرائب المؤكدة في سياق قضية خلق القرآن الادعاء بأن القائلين بهذا إنما تأثيراً بالفكر المسيحي لأن المسيحية تقول بقدم الكلمة إذ القول بحدوث الكلمة يجر إلى تهاوي عقيدة التثليث المسيحي ومن هنا يمكن الجزم بأن القائلين بخلق القرآن في محل التناقض لا الاتفاق مع العقيدة المسيحية حول كلام الله ومع أهمية هذا القول إلا أن الكتاب تناسى ذلك ويعنون الدكتور الفصل الأول من الكتاب بعنوان المعتزلة والخلافة ويبدأ الفصل بمقولات تشكل رؤية باحثين معاصرين عن علاقة المعتزلة بالخلافة العباسية وعلى وجه الخصوص الخلفاء الثلاثة المأمون والمعتصم والواثق ، وهم من حدثت في زمنهم المحنة ويلقي هؤلاء الباحثون اللوم على المعتزلة التي تدعو إلى حرية التفكير ومع هذا تباشر حين وصولها إلى الحكم سياسة القمع والعنف تجاه المخالفين في الرأي ويعلق الدكتور فهمي بعد سوقه لهذه الآراء " أن هذه الآراء جميعاً تحتاج إلى مراجعة شاملة لأن النظر المدقق يبين عن مجانبتها الصواب وعن أن واقع الأمر كان مباينا كل المباينة لهذه الصورة التي أجمع عليها المؤرخون وغني عن البيان أن رجع النظر في المعطيات التاريخية التي بُنَيِتْ عليها هذه الآراء هو وحدة الذي يسمح بتقويم الصورة تقويماً يجر معه تعديل أحكامنا المتصلة بالسياسة الدينية والسياسة الدنيوية في كل العصر العباسي الأول الذي استقر النظر إليه واعتباره عصر الإسلام التاريخي المرجعي . 

ويدخل الكتاب بعد تلك المقدمة والتعليق عليها وضرورة المراجعة الشاملة للمضمون السائد عن علاقة المعتزلة بالدولة العباسية حتى أن الدولة العباسية ، وصفت بأنها دولة معتزلة ويجعل الكتاب هذه المراجعة في ثلاثة أقسام يبحث قي القسم الأول عن علاقة المعتزلة الأوائل واصل بن عطاء ( ت 131 هـ 748 م ) أي قبل قيام الدولة العباسية بسنة واحدة وعمرو بن عبيد ( ت 144 هـ 761 م ) والخلفاء الأوائل دون أن يذكر السفاح ( 132 – 136 هـ ) مبتدئا بالمنصور ( 136 – 158 هـ ) والمهدي ( 158 – 169 هـ ) ويهمل أمر الهادي ذاكراً الرشيد ( 170 – 193 هـ ) ولا يشير إلى الأمين ( 193 – 198 ) ويشير إلى رأيين مختلفين في علاقة العباسيين الأوائل مع المعتزلة وقد اتصفت سياستهم بالغموض والتعقيد بل والمرونة والتوفيق ـ هي وراء الظن بأن هناك علاقة بين المعتزلة والعباسيين الأوائل ـ ولا يري الدكتور فهمي في هذا القسم من الفصل الأول ضرورة للعودة إلى تفصيلات العلاقة أو تلك الصلة بينهما والحقيقة أن هذه بين العباسيين الأوائل والمعتزلة الأوائل لا زالت في حاجة إلى إعادة المراجعة ـ مع أن الدكتور محمد عمارة قد توصل في كتابه فلسفة الإسلام وأصول الحكم إلى إثبات تناقض العلاقة ، وأن السفاح وأخاه المنصور اللذين انضما إلى تنظيم المعتزلة وقفزا إلى الحكم من خلال سرقته اعتماداً على تأييد الجند الخراساني مما جعل كل منهم ـ أي المعتزلة والعباسيين يتربص بالآخر ـ ولا يهدأ بال المنصور حتى استطاع القضاء على محمد النفس الزكية ، وبعد ذلك قضى على أخيه إبراهيم ، وقبل ذلك كان قد قتل آل الحسن بن الحسن بطريقة تثير الاشمئزاز . 

إن كتاب المحنة يكشف هذه الخيوط التي تربط المعتزلة بآل الحسن ولكنه يجعلها مجرد موقف يخلو من الدلالات السياسة ويعطيه الدلالة الدينية فقط ، مع أن الكتاب يكشف أن المعتزلة تتطلع لنظام جديد بدلاً من نظام بني أمية حيث " يقول " ومع ذلك فأنه لا أحد يستطيع أن يدفع أن واصل بن عطاء كان غير راضٍ عن بني أمية الذين قضي واصل في آخر أيامهم " ويورد في نفس الفقرة ، ويبدو أن علينا أن نصدق ما يورده صاحب مقاتل الطالبين برغم هواه العلوي وتشيعه من القول إن واصل وعمرو بن عبيد قد نصرا محمد بن عبد الله بن الحسن حين دعا إلى نفسه عقب قتل الوليد بن يزيد في جمادي الآخر من سنة ( 126 هـ ) وهذا أمر يحتاج إلى تفسير . 

أن مفتاح علاقة العباسيين بالمعتزلة يكمن في أدراك علاقة عبد الله بن محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب ( ت 99 هـ ) " أبو هاشم أستاذ واصل بن عطاء في محمد بن علي بن عبد الله عباس وولده إبراهيم الإمام إذ يزعم العباسيون كما يروي التاريخ أن أبا هاشم هو الذي أوصى لهم بالخلافة ، وهو الذي صرف الشيعة إليهم والشك يكتنف هذا الزعم ويظن انه كشف لهم التنظيم للاستمرار في قيادته الميدانية ، أما الزعامة الحقيقية فهي لا حد أفراد آل البيت ويظهر أنها لزيد بن علي ( ت 122 هـ ) ثم انتقلت بعد مقتلة لمحمد النفس الزكية وهذا ما كان يعلمه أبناء محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ( ت 125 هـ ) والظاهر أنهم بايعوا على ذلك . سواء إبراهيم المقتول في حبس مروان بن محمد سنة ( 131 هـ) أو أبو العباس عبد الله بن محمد السفاح أول خليفة عباسي ( ت 136 هـ ) أو أبو جعفر المنصور ( ت 158 هـ ) وبسبب من هذه البيعة ظل المنصور يترصد ويترقب محمداً النفس الزكية وأخاه إبراهيم " ولعدم تمكنه من إلقاء القبض عليهما قام بمعاقبة أهلهم على تلك الصورة البشعة مما جعل بشير الرّحال راهب المعتزلة حين سئل عن سبب تسرعه بالخروج على المنصور أن يقول " أنه أي المنصور أرسل أليّ بعد أخذه عبد الله بن الحسن فأتيته فأمرني بدخول بيته فدخلته فإذا فيه عبد الله بن الحسن " والد محمد النفس الزكية وإبراهيم " مقتولاً فسقطت مغشياً علىّ فلما أفقت أعطيت الله عهداً إلا يختلف في أمره سيفان إلا كنت مع الذي عليه منهما " المحنة ( ص 60 ) وفي مقولة بشير هذه من الدلالات ما يعلم منه علاقة المعتزلة بعبد الله بن الحسن بن الحسن وولديه محمد وإبراهيم فالمنصور تعمد أن يرى بشيراً عبد الله بن الحسن وهو مقتول ابتغاءً أمر أسره في نفسه ، وقد تحقق له ذلك بأن يجعل الثورة المعتزلة تقوم على عجل من أمرها ، وقد حدث ذلك ، وعلى كل فالعلاقة بين المعتزلة وأوائل بني العباس هي علاقة عداء بالتأكيد .


لقد جعل القسم الثاني من الفصل الأول مختصاً بتفسير العلاقة بين المعتزلة والخلفاء العباسيين الثلاثة المأمون والمعتصم والواثق. والمعتزلة الذين ثبت اتصالهم بهؤلاء الخلفاء أو بالمأمون على وجه التخصيص هم أهل الطبقة السادسة والسابعة من المعتزلة يأتي علي رأس هؤلاء ثمامة بن الأشرس ( ت 213 هـ ) ويليه أبو الهذيل محمد العلاف ( ت 235 هـ ) ثم أبو أسحق إبراهيم بن سيار النظام ( ت 231 هـ ) وأبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم ( ت 225 هـ ) وكذلك أبو موسى عيسى بن صبيح المردار راهب المعتزلة ت ( 226 هـ ) وأستاذ الجعفرين :جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر ولاستكمال صورة الروابط بين المعتزلة والمأمون لا بد من الإشارة إلى صلة هذا الخليفة بثلاثة رجال ينسبون كلهم ،أو بعضهم إلى المعتزلة هم الجاحظ ( ت 255 هـ ) وبشر المريسي ( ت 218 هـ ) وأحمد بن أبي دؤاد ( ت 240 هـ ) وكتاب طبقات المعتزلة جعل أحمد بن دؤاد والجاحظ من الطبقتين السادسة والسابعة باستثناء بشر المريسي فلا علاقة له بالمعتزلة يقينا مع أن الدكتور جدعان لم يشر إلى ذلك . وكتاب المحنة يبين علاقة هؤلاء بالتفصيل مع المأمون من ( ص 65- ص 98 ) من خلال العرض يتبين وخاصة العرض من خلال علاقة ثمامة والمأمون أن المأمون ليس معتزليا وهذا ما أكده الكتاب انظر ( ص 65 – 69 ) .

أما القسم الثالث من الفصل الأول وهو آخر قسم في هذا الفصل فأنه مكرس لفحص علاقة أحمد بن أبي دؤاد في المحنة فأحمد بن داؤد متقلدٌ أسمى مناصب الدولة منصب قاضي القضاة ومهام قاضي القضاة جسيمة أولها اختيار القضاة وعزلهم وبالتالي الإشراف على عملية فصل الخصومة سواء بين طرفين مشخصين أو بين طرف مشخص وآخر هو حق الطاعة أو حق الإسلام أو حق الأمة الإسلامية ولا بد من أن ينهض بأعباء وظيفة ولهذا كان لا بد من أن يكون المرجع في الامتحان، وإذ يقوم بذلك فإنما يقوم به حسب مذهبه.

ويذهب الدكتور جدعان إلى أن ابن أبي دؤاد لم يكن متعطشاً للدم والسلطة والقسر ولا شك انه كان ذا عرق نبيل أبي النفس كريماً وليس أدل على ذلك من موقفه من أهل الكرخ حين رقق المعتصم حتى أطلق له مالاً قسمه على الناس فضلاً عن مال عنده ويخرج الدكتور جدعان في كتابه المحنة قائلاً " والمدقق في وقائع المحنة يتبين بوضوح أن أحمد بن أبي دؤاد كان يحاول دوماً التخفيف من حدتها والبحث عن الوسائل المجدية من أجل ذلك " وينفي الدكتور جدعان أية علاقة لأبي جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي ( ت 240 هـ ) والذي أعجب به المعتصم إعجابا شديداً فقدمه وأوسع عليه ، ومع هذا فلا علاقة له بالمحنة ومع رحيل المعتصم سنة ( 227 هـ ) وتولي الواثق ( 227- 232 هـ ) لا يشك الدكتور جدعان أن علاقة احمد بن أبي دؤاد بالواثق هي نفس علاقته بالمعتصم أي علاقة الوظيفة لا غير ، فلماذا يتحمل المعتزلة ولم يكونوا خلفاء الدولة بل أن أكثرهم على عدم ولاء للدولة إلى حد القطيعة ، والذين اتصلوا بخلفاء الدولة إنما اتصلوا بحكم الوظيفة ، أو بحكم الإعجاب بهم . أو بحكم حضور جلسات الجدال في أيام المأمون، ولم يكن ما أصاب ابن أبي دؤاد وأهله من محن على يدي المتوكل، راجع إلا لأنهم كلهم سواء بالاهتمام بالحفاظ على سلطتهم السياسية وفي سبيلها ولا جلها يكون ما يظهر من مواقف عقدية.
ويعنون الدكتور فهمي الفصل الثاني ويستغرق الصفحات من (111- 187) وهو هنا يؤرخ للمحن كواقع تاريخي (المقصود بالمحنة امتحان الفقهاء والقضاء وأهل الحديث بل والشهود بمقولتهم في القرآن) ومن تعرض لمثل هذا الامتحان من الكثرة منهم من يذكر التاريخ ومنهم من لا يذكره فعلام ارتباط المحنة بأحمد بن حنبل دون غيره ؟ مع أن المصادر التاريخية تجمع على أنه لم يجلد أكثر من ( 68 ) سوطاً على ثلاث فترات لقد استطاع الأعلام الحنبلي الميكا فيلي أن يضخم صورة تلك المحنة بحيث ارتبطت بأحمد بن حنبل ، والقارئ للمحنة (كما جمعها ابن عمه وتلميذة حنبل بن اسحق) يدرك الفجوات الواضحة والكثير في سياق هذه المحنة ، وهذا وحده كاف كدعوة للدخول إلى دراسة دواعي المحنة ورجالها الفصل الثالث في كتاب المحنة الذي يستغرق الصفحات من ( 187 – 263 ) وهي دراسة تركز على رسائل المأمون في محاولة لاكتشاف الدواعي من خلال الوعي على المعطى التي تقدمه تلك الرسائل ولاكتمال الصورة ، وجه الكتاب النظر إلى الممتْحَنين من حيثُ واقعهم العقدي وواقعهم العملي ، ولقد ركز المأمون في رسائله على بيان الصور القاتمة في واقعهم العملي ، وقد بلغ عدد من توجهت الدراسة إليهم أربعون شخصاً يتوزعون على العراق والشام ومصر ويتوزعون من ناحية أخرى على أهل الحديث وأهل الرأي والفقهاء وواحد منهم هو عم الخليفة المدعو إبراهيم بن المهدي ليس من هؤلاء .

وفي آخر الفصل الثالث يحاول الكتاب بناء صورة لفكر المأمون وعقيدته مع أن المادة المتيسرة لمثل هذه الدراسة قليلة ولا تفي بالغرض، ويتعرض من خلال الهامش ص (233- 235) لنظريات تفسر الدواعي التي أدت إلى قيام المأمون بجعل الإمام الثامن للشيعة الاثنا عشرية وليا لعهده، ويخرج الكتاب بصورة عقدية وفكرية وواقعية تخالف ما استقر في الأذهان عن المأمون وليس من وجاهة نقل صورة عن الممتحنين من مصادر تعد في موقع التحيز لهم .

أما الفصل الرابع وهو أهم فصول الكتاب بل تعتبر الفصول السابقة مقدمة له والذي يعنونه الدكتور باسم تسويات لحساب التاريخ ص ( 267 – 290 ) فهو يكشف عن واقع دور المعتزلة في المحنة ، معلناً أن لا علاقة للمعتزلة في هذه المحنة ، ويكشف حقيقة أهل الحديث ـ وخاصة أبو مسهر الدمشقي وأحمد بن حنبل ـ وقيام سلطة لهم من خلال العامة موازية للسلطة ، بل والتهديد الفعلي لها ، وأنهم أصحاب هوى أموي ، وقد شارك أبو مسهر بالذات في الثورة مع السفياني ( 195- 198 هـ ) ورغم القضاء على ثورة السفياني ومرور عقدين عليها إلا أن المأمون يكشف عام ( 217 هـ ) أثناء زيارة لدمشق استمرار الهوى الأموي فيها مما جعله يدرك الخطر ، خطر أهل الحديث إدراكاً واقعياً ويشعر قارئ هذا الفصل بمقدار كبير من الإثارة .

ويختم الكتاب في الفصل الخامس بعنوان جدلية الديني والسياسي ص (293 – 359) ليرى أن قضية المحنة محكومة بالصراع على سلطة، وهي هنا بالتأكيد الصراع بين الديني والسياسي، ولكن الدكتور لا يبين لنا الفروق الواضحة بين ما هو سياسي وبين ما هو ديني، وهل من الحكمة أن تتكون حدوداً فاصلة بين ما هو ديني وبين ما هو سياسي؟!!! إذ لا شك أن أحدهما يؤثر في الآخر على وجه ما ، وإذا كانت غاية الديني الآخرة من خلال الالتزام بالدين ، فإن غاية السياسي الإسلامي السلطوي الآخرة من خلال إحسان العمل السياسي ، طبعا المقصود السياسي الراشد ، لقد نقلنا الدكتور في كتابه القيم ضمن رحلة شيقة في التاريخ من خلال المراجعة للمحنة ومحاولة الوصول للأسباب المختفية وراءها وهذا ما يحاول الكتاب إبرازه وبيانه جلياً واضحاً لحساب التاريخ كما قرر الدكتور في مدخله والكتاب بعد ذلك ملئ بالحوادث المتشابكة والمعقدة ويحوي قائمة طويلة من أسماء الإعلام بلغت ( 718 ) اسماً منها ما يذكر عشرات المرات ، أما المراجع العربية فقد بلغت 164 مرجعا وبلغت المراجع غير العربية 27 مرجعا وقام بفهرسة لأسماء الفرق وأهل المقالات والمذاهب الإسلامية أو غير إسلامية وبلغت ( 45 ) فرقة منها ما ذكر عشرات المرات ولم يفهرس للاماكن وللآيات والأحاديث والأشعار .


والفكره المحورية التي أرادها الدكتور جدعان في دراسته القيمة هذه هي بيان صراع السلطة السياسية مع سلطة موازية تعتمد على العامة هي سلطة الديني أي سلطة أهل الحديث خاصة. فهما أي السلطة السياسية والسلطة الدينية طرفاً المحنة ومع الإشارة للعلاقة ما بين ثورة السفياني ( 195- 198 ) وسلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للوقوف أمام الفوضى في بغداد أثناء صراع الخليفتين الأمين والمأمون ، وإذ تتوجت أعمال أهل الحديث بثورة أحمد بن نصر الخزاعي ومقتله بيد الواثق على تلك الصورة سنة ( 231 هـ ) انتهي خطر أهل الحديث ، ولهذا أصبحت الأجواء مهيأة لإعلان الانقلاب والعودة لرأي أهل الحديث في المسائل العقدية التي آثارها المعتزلة وخاصة مسألة خلق القرآن ولهذا ما أن توفي الواثق حتى أعلن أخوه المتوكل قراره بمنع المناقشة والمجادلة في تلك المسألة وغيرها ، مع إبقاء أحمد بن حنبل وهو من أهم مراكز الخطر على الدولة العباسية في حالة سجن شرف في سامراء دون تمكينه من العودة لتحديث العامة تلك التي شكلت قلقا دائماً للمأمون .


والختام اللائق بهذا العرض القاصر عبارة أوردها الدكتور جدعان في بداية مدخله للكتاب إذ قال " وليس يخفى على أحد أن مسألة محنة خلق القرآن قد احتلت مكاناً فسيحاً في مصادرنا العربية وفي حياتنا الثقافية الاتباعية والحقيقة أن الذي بتابع الوقائع وينظر إليها من أجل الفهم فإن عليه أن يعد نفسه لحالة من الإعياء الشديدة.
وأخيراً هل في فتح هذه المسألة من جدوى أو نفع لأحد والجواب؟ إن الضرورة تحتم فتح هذه المسألة ليس لإشكاليتها العقدية في موضوع العدل، ولأهميتها في موضوع التوحيد وليس لحساب التاريخ أيضاً بل لضرورتها كمشكلة لا تزال تثير الشقاق بين الفرق الإسلامية المتواجدة والموزعة على العالم العربي ولقد كانت هذه المشكلة محوراً من محاور التكفير للإباضية في رسالة من ابن باز لطالب عربي يدرس في الولايات المتحدة مما حدا بالشيخ أحمد الخليلي أن يقوم بإصدار كتاب يعالج المسائل الثلاث: الرؤية وخلق القرآن وخلود العصاة من زاوية خلافية.


أمين نايف ذياب