رحمه الله تعالى

المعتزلة المعاصرة

أمين نايف حسين ذياب

Get Adobe Flash player

البحث في محتوى الموقع

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 351811

قراءة في أفكار حزب التحرير / القسم الثاني

قراءة في أفكار حزب التحرير(1)

الرزق والمال أهم قضايا التكليف

موضوع الحيازة والانفاق للرزق والمال كماً وكيفاً، هما أهم المشاكل الإنسانية وأكثرها تعقيداً. فهما أساس الحياة وهما أساس الاقتصاد. لا يمكن أن يوصف المجتمع الإنساني بالاستقرار، ما دام الفقر حال أكثرية المجتمع، وما دام أهل التكاثر هم أهل السيادة!. ومن أخطر المقولات، التي قالها المفكرون الإسلاميون قولهم: " إن الرزق قضاء قضاه الله تعالى " فوصفوه بالظلم مع أنه العدل. الفقر وامتلاك المال الحرام، هو سوء استعمال الإنسانية فرداً أو مجتمعاً أو دولة، أو تكتلات اقتصادية، وهي المسؤولة اليوم وغداً عن هذا الشقاء وتلك التعاسة. الأرض وما ينتج منها من رزق (مطعوماً أو مشروباً)، أو مال وهو كل ما يتمول به الإنسان في حاجاته غير الطعام والشراب، فالأرض ونتاجها بشقيه الرزق والمال خلق لله تعالى. لماذا يصوغ الإنسان حياته على شكل تعاسة وشقاء مستمر؟ يقضي حياته كلها ركضا وراء الرغيف، وبديلاً عن اقتسام الرغيف، يحاول القوى الاستئثار بالرغيف. لماذا يجب أن يقدم الطعام لأناس من خلق الله على صينية من ذهب، بينما يقدم للآخرين البقايا والفتات!؟. لماذا يستكبر بعض من بني الإنسان من أهل الشمال والغرب وأتباعهم من أهلينا، ويسيئون استعمال الرزق والمال ليحل الشقاء محل الطمأنينة !؟.

(1) هذا هو القسم الثاني من الجزء الأول (الكتاب المطبوع)، و يحتوي هذا الجزء على زيادة غير موجودة في الجزء المطبوع.

قال الشاعر حسن جميل البحيري

أيذود عن فمنا الدخيل رغيفنا ويبيحه في أرضنا لكلابهِ !

مدخل من خلال النص القرآني لموضوع الرزق

ملاحظة قصيرة

موضوع الرزق من أهم الأفكار المتعلقة بالإيمان الإسلامي، فمن المناسب أن يجري الاهتمام به وفق أهميته، إذ هو موضوع تتشابك فيه المعطيات، وتتداخل فيه النصوص مع الواقع، ولابد من تمهيد يشكل لفت نظر للدخول إلى الموضوع دخولاً صحيحاً، فاقتضى ذلك تدوين جميع نصوص الآيات المتعلقة بالرزق، والآيات المتعلقة بالمال.

لا بد من الإشارة إلى أنَّ واحدا قرأ الكتاب هذا ودون ملاحظاته في نص صفه على الكمبيوتر (الحاسوب) أرخه 18/4/1996م أي بعد صدور هذا الكتاب بأقل من سنة، وقد باعني نسخة من نصه، تأسست اعتراضاته على الكتاب على أساس قول الأشاعرة، وليس هنا موضع الرد عليه، فالرد على الأشاعرة سيكون في الكتاب رقم 12 من سلسلة موسوعة جدل الأفكار، ولكن لا بد من إشارة إلى ما كتب في الباب السادس من مصفوفته بعنوان الرزق وقوله : ـ كوصف لكتاب جدل ألافكار في طبعته الأولى : [ ثم شرع في سرد الآيات ـ التي ورد فيها ذكر كلمة الرزق، أو أحد مشتقاتها، وكذلك التي ورد فيها أحد مشتقات المال وغير ذلك، وملأ بهذا الكلام الصفحات من 81 إلى ص 130 أي أنه أنفق خمسين صفحة من صفحات الكتاب، في أمر هو عبارة عن سرد، وقسم كل عدد من الآيات إلى مجموعة، وعلق على كل مجموعة بكلام مقتضب لا يفيد وليس فيه جنس التحقيق. هذا الاستقراء كان قد أغناه عنه المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لأن ما فعله المؤلف هو عبارة عن نسخه من هذا المعجم ونقل لبعض صفحاته لا غير. والحقيقة أنه أتعب نفسه في هذا الأمر ولم تترتب عليه الفائدة المرجوة منه وذلك لضعف التعليقات التي وضعها المصنف كعادته ! ولم يتبع في هذه التعليقات أسلوب الاستنباط الحقيقي أو الاستدلال الأصولي المعتبر بل كان ما فعله ما هو إلاَّ عبارة عن كلام خطابي أو فهم عام لا يسلم له في كثير من المواضع. وبالتالي كان أكثر هذه الصفحات في حكم العدم ] انتهى النص؟؟؟... والتعليق عليه بسيط هل سرد القرآن الكريم وجمع آيات الموضوع الواحد لا يجوز؟ وهل سرد الآيات لا يساعد على فهم الموضوع؟ وهل يسرد المعجم المفهرس الآية أم يدون قسما من الآية؟ ويدون رقمها واسم ورقم السورة وهل هي مكية أو مدنية؟ ومع هذا سيجري تعليق وافٍ في آخر مسرد الآيات.

المسرد الأول

آيات الرزق

أولاً : رَزَقَكُمْ

أي الفعل الماضي الثلاثي المجرد المتصل بضمير الجمع الدال على المخاطبين ورد هذا الفعل في القرآن الكريم في تسع آيات سبع منها مكية واثنتين مدنية وهذه هي الآيات وقد تدون مع آيات أخرى قبلها أو بعدها لفهم موضوعها أي معرفة المعنى من خلال السياق:

(1) (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ))(المائدة:87- 88).

(2) (( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ))(الأنعام:141- 142).

(3) (( وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ))(الأعراف:50).

(4) (( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ))(الأنفال:26).

(5) (( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ))(النحل:72).

(6) (( فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))(النحل:114).

(7) (( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ))(الروم:40).

(8) (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ))(يّـس:47).

(9) (( اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ))(غافر:64).


(1) قبل البدء في كتابة الخلاصة لهذه الآيات

(2) هذه إضافة بسيطة للضعيف الذي لم يدرك : لم الاقتصار على السرد؟ فهو أي السرد لتكون آيات الله موضع التفكر والتدبر، هذه واحدة، أما الثانية فهي : ليدرك أنَّ الرزق للأكل، وأنه الطيبات، وأنَّ وجوده مثل الموت والحياة، وأنه مطلوب الإنفاق منه، فتعلق به تكليف، فعليه لا يكون من القضاء، وأنَّ من كان من أهل النار محروم منه، فيكون من معاني الرزق الثواب، ومن معانيه أيضا المطر، وكان المطلوب أنْ يستخرج الفطن ـ مثل صاحبنا ـ هذه المعاني بفطنته ودرايته بأُسلوب الاستنباط الحقيقي أو الاستدلال الأصولي المعتبر !!!.

والخلاصة لهذه الآيات هي (( كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ )) 3 آيات (( أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ )) آية واحدة (( وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ )) 3 آيات (( أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ )) آية واحدة (( ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُم )) آية واحدة.

ثانياً : رزقناكم. وردت سبع مرات منها ثلاث مكية وأربع آيات مدنية

(1) (( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )) (البقرة:57).

(2) (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ )) (البقرة:172).

(3) (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ )) (البقرة:254).

(4) (( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )) (الأعراف:160).

(5) (( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى )) (طـه:81).

(6) (( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )) (الروم:28).

(7) (( وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ))(المنافقون:10).

والخلاصة لهذه الآيات هي، وردت تذكر ما يلي: (( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ )) 4 آيات ووردت (( أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ )) آيتان، أي مطلوب  منهم تكليفا الإنفاق ـ أي انتقال الرزق من مالك لمالك آخر ـ فهل التكليف متعلق بأمر من أمور القضاء؟ ووردت (( هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ )) آية واحدة.

هذا القول الموجز جدا جعل ناقد كتاب جدل الأفكار في حالة عدم اتزان فهاجم هذا الاختصار مع أنَّ المقصود منه جعل القارئ لآيات القرآن محل تدبره لقوله تعالى: (( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا )) لتتكون المفاهيم من خلال التدبر في القرآن، وليس اعتمادا على قال العلماء، ولقد نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقوم بتبليغه، لا يخلطه بأي قول، لكن زمن التقليد الآن جعل الناقد لهذا، وهو معتمد على مجموعة مشايخه، حافظا لمتونهم، يستهجن وضع الآيات موضع التفكر.

ثالثاً : رزقناه. آية واحدة وهي مكية

(1) (( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ )) (النحل:75).

والخلاصة محل الشاهد في الآية قوله تعالى: (( وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً )) وهي آية واحدة وهي دالة على القادر على النشاط الاقتصادي مقارنة مع المملوك الممنوع من النشاط.

رابعاً : رزقناهم

الفعل الماضي المتصل بضميرين أحد الضميرين فاعل للفعل وهو [نا] الدالة على ذات الله تعالى والضمير الثاني الهاء مع الميم الدال على جمع الغائب في محل المفعولية وردت هذه الصيغة ثلاث عشر مرة منها سبع آيات مكية وست مدنية:

(1) (( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ )) (البقرة:3).

(2) (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ )) (الأنفال:3).

(3) (( وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرائيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )) (يونس:93).

(4) (( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ )) (الرعد:22).

(5) (( قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ )) (ابراهيم:31).

(6) (( وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ )) (النحل:56).

(7) (( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً )) (الإسراء:70).

(8) (( الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ )) (الحج:35).

(9) (( أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ )) (القصص:54).

(10) (( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ )) (السجدة:16).

(11) (( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ )) (فاطر:29).

(12) (( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ )) (الشورى:38).

(13) (( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ )) (الجاثـية:16).

والخلاصة لهذه الآيات: هي طلب إنفاق من الرزق بالمدح، أو بالطلب تسع آيات، ومن أعترض على وضع الآيات يقال له : هل كون الآيات موجودة في المصاحف يغني عن تدوينها في كتب الأبحاث؟ هذه واحدة، والثانية رفض الاستشهاد بقسم من الآية، ليعلم القارئ من خلال سياق الآية الموضوع الذي تدل عليه، لرفض مسألة توزيع الرزق بالقضاء، كما تزعم الجبرية والكسبية، فالله تعالى يطلب الإنفاق، ويحض عليه، فينتقل الرزق من واحد لآخر بالتكليف وليس بالقضاء، والمن بالرزق من الطيبات ثلاث، والجعل لما لا يعلمون نصيباً من الرزق آية واحدة.

خامسا : رَزَقَهُمْ

ورد الفعل الماضي المتصل بضمير الغائب للجمع أربع مرات واحدة مكية وثلاث آيات مدنية :

(1) (( وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً )) (النساء:39).

(2) (( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ )) (الأنعام:140).

(3) (( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ )) (الحج:28).

(4) (( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ )) (الحج:34).

والخلاصة لهذه الآيات هي: طلب إنفاق من خلال استفهام كما هو في الآية الأولى، مع الربط بين مواضيع تكليفية هي : الإيمان بالله واليوم الآخر والأنفاق والثانية تنديد بمن حرم رزق الله، وطلب الشكر على ما رزقهم من بهيمة الأنعام بالتعليل.

سادساً : رزقني آية واحدة وهي مكية

(1) (( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )) (هود:88).

والخلاصة لهذه الآية أن الرزق الذي حصل عليه شعيب هو النبوة أو الهداية، وليس فيها غير ذلك، فالآية تتحدث عن رزق على سبيل التوسع وليس عن الرزق المتعارف عليه بين الناس.

سابعاً : ترزق آية واحدة مدنية

(1) (( تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ )) (آل عمران:27).

والخلاصة لهذه الآية الواحدة ؛ أنه يرزق من يشاء بغير حساب، وهي إثبات الربوبية، فقد ورد فعل الرزق بعد أمرين من أمور التكوين، فالرزق هنا هو الخلق له، وليس التوزيع، فمن زعم أنه التوزيع فأين دليله.

ثامناً : نَرْزقُكَ آية واحدة مكية

(1) (( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى )) (طـه:132).

والخلاصة : الآية تثبت رزق الله للنبي، أي مطلوب من النبي خاصة عدم الانشغال بطلب الرزق ولم تعين كيفاً للحصول على هذا الرزق.

تاسعاً : نرزقكم وردت مرة واحدة وهي مدنية

(1) (( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )) (الأنعام:151).

والخلاصة : الآية نص بالنهي عن قتل الأولاد بدعوى الإملاق، بأن الله يرزقهم وأولادهم، دون تعيين الكيفية التي يحصل فيها الرزق، فالآية ـ مثلها مثل كل الآيات ـ لا تدل بالمنطوق أو المفهوم على توزيع رزق، فالتوزيع هو محل النـزاع.

عاشراً : نرزقهم آية مكية واحدة

(1) (( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً )) (الاسراء: 31).

والخلاصة أن الآية مثل سابقتها نهى عن قتل الأولاد وأنه يرزقهم دون بيان كيفية الرزق.

حادي عشر : يرزق وردت أربع آيات واحدة مكية وثلاث مدنية

(1) (( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ )) (البقرة:212).

(2) (( فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ )) (آل عمران:37).

(3) (( لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ )) (النور:38).

(4) (( اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ )) (الشورى:19).

والخلاصة التي يصل لها القارئ لهذه الآيات الأربع أن الله يرزق من يشاء والآيات لا تقول أن عين الرزق الذي يحصل عليه الأفراد هو المراد.

ثاني عشر : يرزقكم. وترد هذه الكلمة خمس مرات وهي كلها مكية

(1) ((قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ)) (يونس:31).

(2) (( أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )) (النمل:64).

(3) (( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ )) (سـبأ:24).

(4) (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ )) (فاطر:3).

(5) (( أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ)) (الملك:21).

والخلاصة البارزة من هذه المجموعة، أن المراد خلق الرزق للمرزوقين وليس غير ذلك. هكذا كان التعليق في طبعة الكتاب الأولى، وقد اعترض عليها واحد من المفتونين بذاته ـ على طريقة أسطورة نيرسيس ـ وأتباع نيرسيس الآن في الأمة الإسلامية تكاثروا بشكل لا مثيل له، كان المراد وضع الآية أو الآيات أمام القارئ ليجعلها موضع تدبره وتفكيره، ولو تدبر (الذات) الآيات الأربع لخلص إلى أن الله خلق الرزق من السماء وأراد به المطر ومن الأرض الإنبات، ولاحظ في سياق الأولى حصر الرزق مع ظواهر كونية عامة، ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) (القمر:17) وقد تكررت نفس الآية في سورة القمر ثلاث مرات غير هذه، وآية النمل ذكرت المطر ونبت الأرض بعد خلق الإنسان وإن الله يعيده ومثلهما الثالثة والرابعة، واقتصرت الخامسة على ذكر المطر، فهل يستطيع المفتون بذاته أنْ ينقل الآيات الخمس من المطر والإنبات إلى توزيع الرزق المملوك للناس، تلك هي كارثة الأشعرية على الإسلام والأمة الإسلامية، وأكثرهم خطرا الذوات الفردية كهو، والحبشية الهررية، أعاذ الله الأمة الإسلامية من شرورهم.

ثالث عشر : ليرزقنهم وهي آية واحدة مدنية

(1) (( وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )) (الحج:58).

والخلاصة من هذه الآية أنه وعد مؤكد برزق حسن من الله لمن قتل أو مات أي رزق الجنة.

رابع عشر : يرزقه وهي آية واحدة مدنية

(1) (( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً )) (الطلاق:2- 3).

والخلاصة لهذه الآية واضحة أن الله يفعل ألطافاً بأن يرزق المتقي من حيث لا يحتسب.

خامس عشر : يرزقها وهي آية واحدة مكية

(1) (( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )) (العنكبوت:60).

والخلاصة من هذه الآية أن الله يرزق الدابة ولم تعين الكيفية.

سادس عشر : ارزق " فعل الأمر للدعاء" آية واحدة مدنية

(1) ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)) (البقرة:126).

والخلاصة أنَّ هذه الآية هي دعاء من إبراهيم عليه السلام، والرزق المطلوب بدعاء إبراهيم من الثمرات، وهذه ظاهرة واضحا فلا علاقة لها بالتوزيع.

سابع عشر : أرزقنا آية واحدة وهي آية مدنية

(1) ((قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)) (المائدة:114).

والخلاصة أن عيسى بن مريم عليه السلام طلب إنزال مائدة هي عيد وهي رزق، وإنزال المائدة من السماء واحدة من معجزات عيسى عليه السلام.

ثامن عشر: ارزقهم. آية واحدة مكية " انظر سادس عشر":

(1) (( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ )) (إبراهيم:37).

والخلاصة أن الآية دعاء من إبراهيم لجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ويرزقهم من الثمرات.

تاسع عشر : ارزقوهم وردت مرتين والآيتان مدنيتان

(1) (( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً )) (النساء:5).

(2) (( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً )) (النساء:8).

والخلاصة إن هاتين الآيتين نص صريح بإسناد الرزق إلى البشر والجماعات التي تدعي أنَّ توزيع الرزق هو عمل من أعمال القضاء تتعامى عنهما عمدا فالآيتان واضحتان بوجود تكليف من الله تعالى بفعل الأمر فهل يؤمر الله الناس بأن يفعلوا ما قضاه الله تعالى. المسألة آتية من التقليد تقليد قائد حزب التحرير للأشاعرة قال الأشعري في المجرد : " أنَّ جميع ذلك [الرزق] مقسوم مقدر محكوم به لا يزيد على ما قُدّرَ ولا ينقص، كما رويت فيه الأخبار ونطقت به الآثار ودلت عليه آي الكتاب والسنن " فما الفرق بين قول حزب التحرير وقول الأشاعرة؟ ولماذا لم يذكر قائد الحزب أنَّ رأيه هو رأي الأشاعرة؟.

عشرون : رزقنا آية واحدة مدنية " انظر ثالث عشر "

(1) (( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )) (البقرة:25). وترد من كلمات الرزق في نفس الآية فيها كلمة رزقوا ورزقا.

والخلاصة أن الآية في رزق أهل الجنة ورزق أهل الجنة هو من الثواب.

الحادي والعشرون : ترزقانه آية واحدة مكية

(1) (( قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ )) (يوسف:37).

والخلاصة تنص على طعام ترزقانه دون تحديد من هو الرازق، وبقرينة الحال يعلم أن الرازق هو من أحضر الطعام، أي أن الرازق هي السلطة التي تتولى إطعام المساجين.

الثاني والعشرون : يرزقون وترد الكلمة مرتين " انظر مجموعتي ( 20 ) و ( 13 )".

(1) (( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )) (آل عمران:169).

(2) (( مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)) (غافر:40).

والخلاصة أن هاتين الآيتين متعلقتان بالرزق الذي يثيب الله به الشهداء والعاملون أعمالاً صالحة وكل هذا الرزق إنما هو بالجنة ولا علاقة له برزق الدنيا، وكل الذين بحثوا الرزق ـ بما فيهم المرحوم تقي الدين ـ لم يشيروا أدنى إشارة إلى الرزق بمعنى ثواب الجنة رغم وضوحه في الآيات.

الثالث والعشرون : رزق بالرفع والجر والنصب 26 آية منها 17 مكية و 9 مدنية

(1) (( وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ )) (البقرة:60).

أنظر آية 1، 4 " من القسم الثاني وآية 3 " الرابع". وهذه الآيات مع الآية الأولى من هذا القسم فإنها تتحدث عن رزق الله تعالى لبني إسرائيل حين خروجهم من مصر بقيادة موسى عليه السلام وهو رزق وصل عليهم معجزة لموسى وآية لبني إسرائيل وكعادتهم في التمرد طلبوا رزقا مما تنبت الأرض فقال تعالى بشأنهم: (( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ )) (البقرة:61) والآية 3 من الرابع ونصها ما يلي: (( وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرائيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )) (يونس:93).

(2) (( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )) (الأعراف:32).

(3) (( أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )) (الأنفال:4).

(4) (( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )) (لأنفال:74).

(5) (( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ )) (يونس:59).

(6) (( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ )) (الرعد:26).

(7) (( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ )) (النحل:71).

حاول كثير من القائلين ـ بشهادة آيات الرزق لرزق مقسوم بقضاء الله ـ الضرب عرض الحائط بما يشهد به الواقع السياسي والاقتصادي في موضوع الرزق، وكذلك شهادة كل الآيات بالـمنطوق أو المفهوم لمعان متعددة لموضوع الرزق، ولا يدل أي معنى منها على رزق موزع بالقضاء، وهذه الآية قدمها أحدهم على أنـها شاهدة لقول الشيخ تقي مستشهدا بتفسير الزمخشري لـها، وهذا هو الرد عليه: { وهذا هو قول الزمخشري ـ رضي الله عنه ـ الذي يكذب عليه الكاذبون، ويزوِّرُ عليه المزوِّرون وَيُلَفِّقُ عليه الملفقون عامدين، وبإصرار أهل العناد والمكابرة على الإثم والعدوان }.

{ ربط الزمخشري هذه الآية بما قبلها بقوله } : [ وقيل لئلا يعلم زيادة عن علمه، أي جعلكم متفاوتين في الرزق فَرَزَقَكُمْ أفضلَ مما رَزَقَ مواليكم { ألا يلاحظ في عبارة الزمخشري أنه يبحث بأحكام السعي للرزق، وهو موضوع فقد دلالته عند الشيخ تقي } { وعودة للتواصل مع تفسير الزمخشري } وهم بشرٌ مثلكم وإخوانكم، فكان ينبغي أنْ تردُّوا فضل ما رزقتموه عليهم، حتى تتساوْا في الملبس والمطعم،كما يُـحكى عن أبي ذر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنما هم إخوانكم، فأكسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تطعَمون، فما رؤي عبد بعد ذلك، إلاَّ رداؤُه رداؤُه، وإزارُه إزارُه من غير تفاوت (( أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ))(النحل: من الآية71) فجعل ذلك التصرف السيء مع الموالي من جملة جحود النعمة ].

{ هذا هو القول الأول للزمخشري، ومنطوق الآية حـَثُّ الأسياد ـ وهم في حالة تـمكين من طلب الرزق " القيام بالنشاط الاقتصادي " ـ على التساوي في الملبس والمطعَم مع ما ملكت أيمانـهم، وهم وبكونـهم ملك يمين غير كاملي التصرف لمباشرة النشاط الاقتصادي، أي مباشرة طلب الرزق، مما أدى إلى وجود فجوة، أحدثت تفاوتا بين حر يقوم بنشاطه الاقتصادي دون عائق، وبين مملوك ممنوع من نشاط اقتصادي خاص به، فالمطلوب الشرعي من هذا السيد هو مساواتـهم بنفسه في الاستهلاك، لا في تقديم فضلات الطعام لهم وخَلَق الملابس، فالآية ليست متعلقة لا من قريب ولا من بعيد بتوزيع القضاء للرزق، فتعلقها هو في كيفية معاملة ملك اليمين تعاملا إنسانيا، تمهيدا لمنح الحرية لهم، وهي بالتالي شاهدة في دلالة المفهوم بأنَّ الرزق سعة وضيقا مرتبط ارتباطا لا انفكاك له بالنشاط الاقتصادي، فالآية آية حكم في معاملة ملك اليمين وليست آية تشرح أسباب الرزق، وقد جاء في ختام الآية استفهام استنكاري إذ الرزق الذي يحصل عليه هؤلاء السادة هو خلق لله، والمطلوب منهم التصرف به وفق أحكام الشرع، وإلاَّ فإنَّ ذلك يعتبر من الجحود للنعمة }.

سؤال اعتراضي

{ هل التصرف بالرزق أو المال من أفعال القضاء؟ ومن المعلوم أنه يترتب على التصرف عمليات تحول بالرزق والمال، فيقل عند المنفق، ويـحوز من تحولت إليه بسبب هذا التصرف كمية من رزق أو مال أو نقد، فهل العلاقات الاقتصادية وهي التي تترتب عليها الحيازة هي قضاء الله أم هي تصرفات إنسانية، ينطبق عليها جميع أنواع أحكام الشريعة الإسلامية؟ من أحكام التكليف؟ إلى أحكام الوضع؟ وأحكام الأشياء؟ وإذا كانت كذلك ! وهي كذلك ! فكيف توصف بأنـها من القضاء؟ فهل القضاء تضبطه الأحكام الشرعية أم يضبط بفكر الإيمانيات؟ أي الدليل عليها موضوعيا، المطلوب قليل من التروي لمن يجهل ذلك } .

{ الـمرجو من القارئ الكريم: قراءة هذه الآية مثنى وثلاث ورباع، وإمعان التفكير بحثا عن كلمة واحدة في الآية تصرح أو تلمِّح لكون الرزق قضاءاً، ومن جهة أخرى فأين فهم الزمخشري ـ رضي الله عنه ـ بأن الآية تدل على رزق يأتي بقضاء الله؟ لكن صاحب الجهل والغاية الذاتية يأبى إلاَّ المخادعة، ومن جهة ثالثة فإن الزمخشري ـ رضي الله عنه أورد وجهين آخرين لتفسير هذه الآية }.

{ الزمخشري وهو العالم باللسان العربي، ولهذا فهو إذ يفسر القرآن الكريم يدرك أنَّ القرآن الكريم أعلى أنواع الخطاب، ويعلم أنَّ في اللسان العربي متسعا، فهو يتقيد بالفهم حسب اللغة من خلال  الرؤية المعتزلية، التي تمنع إسناد أفعال الإنسان إلى الله تعالى، ولهذا عرض فهمين آخرين لهذه الآية، أي لم يكتف بوجه واحد كأي واحد من أصحاب الجهل، فَهَمُّ الواحد منهم أنْ يجعل المتشابه ناطقا بمراده المؤسس على شفا جرف هار، لمجرد أنه سمع أو قرأ قراءة سطحية ولم يعاود النظر أنَّ الشيخ النبهاني يقول بأن الرزق قضاءُ " الواحد منهم سمع أو قرأ ولكنه لم يقرأ قراءة تدبر " فيريد أنْ يجعل الزمخشري المعتزلي يقول برؤية الشيخ تقي مع أن ابسط الناس يعلم أنَّ المعتزلة تقول: بأنـَّهم يخلقون أفعالهم بالقدرة التمكينية التي خلقها الله فيهم، فكيف يفهم  أنَّ الزمخشري يقول بما مفهومه الجبر في الأفعال التكليفية؟ } .

{ قال الزمخشري ـ رضي الله عنه ـ وجها ثانيا من التفسير } : [ وقيل هو مثلٌ ضربه الله تعالى للذين جعلوا له شركاء، فقال لهم: أنتم لا تسوون بينكم وبين عبيدكم، فيما أنعمت به عليكم  ولا تجعلونـهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك، فكيف رضيتم أنْ تجعلوا عبيدي لي شركاء؟ ! ] { فأين ما يجعل الباحث يلمس أنَّ الزمخشري يقول برزق موزع بالقضاء؟ ! }.

{ وهكذا يعلم أنَّ هذا الشرح أيضا لا يدل على وجود توزيع للرزق بين الناس بالقضاء وقول الزمخشري: [ فيما أنعمت عليكم ] يدل على خلق الرزق وليس توزيعه لأن الإنعام مَنٌّ على الجميع، فمن أين وكيف يمكن جَـعْلُ فهم الزمخشري وشرحه دال على التوزيع ؟ فالآية والوجه الثاني من الفهم لا علاقة له بالتوزيع أيضا }.

{ ويأتي الزمخشري للوجه الثالث من الفهم بقوله } : [ وقيل: المعنى أنَّ الموالى والمماليك أنا رازقهم جميعا، فهم في رزقي سواء، فلا تحسبن الموالي أنـَّهم يردون على مماليكهم، من عندهم شيئا من الرزق، فإنما ذلك رزقي عليهم على أيديهم ] " وهذا المعنى أيضا، أنَّ الرزق الذي يعطونه لمماليكهم هو خلق لي، وما أوقح من يقول ! وهو يرى وجود أمر تكليفي لأصحاب ملك اليمين، أنَّ هذا التنفيذ لفعل التكليف، وهو إعطاء رزق لمماليكهم هو فعل القضاء، فأين هو فهم الزمخشري بأنَّ القضاء هو موزع الرزق بين المرزوقين؟ اللهم إلا التمحل الذي لا دليل عليه والمعاندة للحق ! }.

(8) (( إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً )) (الاسراء:30) يرى القائلون: إنَّ الرزق قضاء من الله تعالى [ أنَّ آية الإسراء هذه تقدم الشهادة لصالحهم ] والسبب في ذلك إدارة ظهرهم لموضوع خلق الله للرزق من جهة، ومن جهة ثانية يديرون الظهر أيضا لما تدل عليه الآيات، فالبسط وعكسه الإقلال هو من فعل الله من حيث الخلق، ولا يمكن أن يصرف للتوزيع.

(9) (( وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً )) (الكهف:19). هل الإتيان بالرزق مقابل الثمن هو توزيع بالقضاء؟ وهل الطعام الأزكى هو أيضا قضاء لله تعالى أم هو صنعة للإنسان؟

(10) (( وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى )) (طـه:131).

(11) (( فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )) (الحج:50).

(12) (( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )) (النور:26).

(13) (( وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ )) (القصص:82).

(14) (( إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )) (العنكبوت:17).

(15) (( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )) (العنكبوت:62).

(16) (( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )) (الروم:37).

(17) (( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )) (سـبأ:4).

(18) (( لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ )) (سبأ:15).

(19) (( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )) (سـبأ:36).

(20) (( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )) (سـبأ:39).

(21) (( وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ )) (الصافات:39-41).

(22) (( أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )) (الزمر:52).

(23) (( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )) (الشورى:12).

(24) (( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ )) (الشورى:27).

(25) (( وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )) (الجاثـية:5).

(26) (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ )) (الذريات:58).

والخلاصة من هذه الآيات الست والعشرون ما يلي : (( رِزْقِ اللَّهِ )) آية واحدة وفهم الآية يدل دلالة واضحة على خلقه للرزق (( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ )) 9 آيات، (( وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ )) آية واحدة، وإنزال الرزق والمقصود المطر آيتان، الوعد بالرزق في الجنة 6 آيات والمقصود الرزق كثواب في الآخرة، رزق ربكم آية واحدة، سبب عدم بسط الرزق والمراد الماء آية واحدة أي الجدب، رزق ربك خير وأبقى وهو في الجنة آية واحدة، الله غني عن الرزق آية واحدة، الجعل من الرزق حراماً وحلالاً آية واحدة، ابتغاء الرزق عند الله أي رزق الجنة آية واحدة، الإتيان برزق من أزكى الطعام آية واحدة، وهذه المعاني كلها لا علاقة لها بعطاء الأرزاق ولا بتوزيعها.

الرابع والعشرون : رزقا بتنوين الفتح. ست عشرة آية منها تسع مكية وسبع مدنية

(1) (( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )) (البقرة:22).

(2) انظر آية 1 من المجموعة " 20 " وهي آية 25 من سورة البقرة وهي دالة على  الرزق في الجنة.

(3) انظر آية 2 من المجموعة  " 11 "، وهي آية 37 من سورة آل عمران وموضوعها الرزق لمريم إرهاص معجزة للنبي عيسى عليه السلام.

(4) انظر آية 1 من المجموعة " 6 " وهي آية 88 من سورة هود والمقصود في  الرزق النبوة ومن الصعب حملها على غير ذلك.

(5) (( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ )) (إبراهيم:32).

(6) (( وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )) (النحل:67). واقرأ الآيتين 65 و 66 قراءة تدبر كما أمر الله تعالى من نفس السورة.

(7) (( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ )) (النحل:73).

(8) انظر آية 1 مجموعة " 3 " والآية 75 النحل واقرأ الآيات 73، 74، 75 النحل.

(9) انظر آية 1 مجموعة " 8 " والآية 132 طه لا يسأل الله الرزق.

(10) انظر آية 1 مجموعة " 13 " والآية 58 الحج والمقصود من آية 58 رزق الجنة.

(11) (( وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ )) (القصص:57).

(12) انظر آية 14 مجموعة " 13 "، والآية 17 العنكبوت.

(13) (( وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً )) (الأحزاب:31).

(14) (( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ )) (غافر:13).

(15) (( وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ )) (قّ:10-11). وانظر الآيات في نفس السورة من 6 ـ 11 لتعلم أن الرزق هو المطر.

(16) (( رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً )) (الطلاق:11).

والخلاصة أنَّ هذه الآيات الست عشر لا تبحث عن رزق موزع بالقضاء، وإنما هو إنزال الماء من السماء، كما هو في الآيات المشار إليها بأرقام 1 + 5 + 6 + 7 + 8 + 14 + 15 أي سبع آيات، وهو رزق الجنة أي الثواب كما في الآيات المشار إليها بأرقام  2 + 10 + 13 + 16 أي أربع آيات، وهي ألطاف الله كما هو في الآيات المشار إليها بأرقام 4 + 11 + 12 أي في ثلاث آيات، وهي رزق معجزة كما في آية واحدة كما هي في الآية المشار إليها برقم 3، وهو إثبات أن الله الغني كما هو في آية واحدة هي المشار إليها برقم 9 أي آية 132 سورة طه.

الخامس والعشرون : رزقكم: وردت مرتين إحداهما مكية والأخرى مدنية وهما

(1) (( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ )) (الذريات:22).

وهذه الآية رغم أنها لا تدل على رزق وزعه القضاء، بل هي نص عن رزق المطر، لكن ذاكرة الناس تجعل الآية لا تنص على موضوعين، بل على موضوع واحد هو رزق في السماء موعودون به، وهم بذلك يعتدون على القرآن الكريم بإلغاء حرف العطف ( الواو )، الذي يعطف ما يوعدون به على الرزق في السماء، والآية في سياقها لم تأت لتنص عن الرزق، بل الآية نص عن الوعد ـ أي الجنة والنار ـ قرن رب العزة بينهما: وهما وعد ووعيد مع نزول المطر من السماء، وجاء القسم في آية 23 من نفس السورة مؤكدا حدوث أمر الوعد والوعيد، وليس الرزق الموعود، أو المطر، فقال تعالى : (( فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ )) (الذريات:23) فيعود القسم إلى قوله تعالى: (( وَمَا تُوعَدُونَ )) فالقسم جاء على ما ينكره البعض وهو البعث، وليس على الأمر الظاهر وهو المطر. جاء في الدر المنثور في التفسير بالمأثور النص التالي : وأخرج أبو الشيخ وابن جرير عن الضحاك في قوله : وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ قال : المطر، وَمَا تُوعَدُونَ قال : الجنة والنار. وهذا التفسير ملغى من ذاكرة الناس إلغاء تاما.    

(2) (( وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ )) (الواقعة:82).

والخلاصة : إنَّ الآية الأولى كما مرَّ في الشرح تعني المطر، والثانية فيها إيجاز حذف يقدر بالشكر أي شكركم على خلق الرزق من قبل الله قولكم بإسناد المطر إلى النوى ( مفرد ) وجمعها أنواء وهذا هو الكذب، وقد وردت نصوص متعددة في الحديث توضح أنهم يسندون المطر للأنواء على سبيل الاستقلال وهذا من الضلال أما إسناد المطر للأنواء ـ على سبيل الظاهرة الكونية ـ وهي من حيث الوجود مخلوقة لله تعالى فلا ضير منه.

السادس والعشرون : رزقنا. آية واحدة مكية

(1) (( هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ )) (صّ:53-54).

والخلاصة : أن الآية نص في رزق الجنة وليس غير ذلك.

السابع والعشرون: رزقه. وردت 4 مرات 3 مكية وواحدة مدنية

(1) (( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً )) (الطلاق:7).

(2) (( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ )) (الملك:15).

(3) انظر آية 5 مجموعة " 12 " والآية هي : (( أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ )) (الملك:21).

(4) (( وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ )) (الفجر:16).

والخلاصة : أن الآية الأولى تكلف بما يطاق،  والثانية تأمر بطلب الرزق، والثالثة أن المطر وهو سبب الرزق من الله، والرابعة إسناد الابتلاء بالرزق إلى الله ـ لا على وجه أن مراد الله الإذلال، بل إنَّ التوسعة والضيق واقعان على مقتضى الحكمة.

الثامن والعشرون: رزقها. وردت ثلاث مرات وهي كلها مكية

(1) (( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ )) (هود:6).

(2) (( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)) (النحل:112).

(3) (( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )) (العنكبوت:60) انظر نفس الآية في 1 مجموعة " 15 " واقرأ آيات سورة النحل من 56 ـ 64.

والخلاصة : أن الآيات متعلقة برزق المرزوقين وهو من الله خلقاً وألطافاً وليس توزيعاً، ولا تدل الآيات بحال من الأحوال على رزق موزع بالقضاء.

التاسع والعشرون : رزقهم. آيتان وهما مكيتان

(1) انظر آية 1 مجموعة " 23 " وانظر شرحا وافيا لها هناك وهي (( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ )) (النحل:71).

(2) (( لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً )) (مريم:62).

والخلاصة : الأولى بأن المرزوقين يرفضون رد الرزق إلى ما ملكوا باليمين والثانية الرزق في الجنة.

الثلاثون: رزقهن. آية واحدة مدنية. انظر المجموعة " 19 ": وفيها آيتان تسند الرزق إلى غير الله تعالى، فلا بد أن تختلف الوجوه.

(1) (( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )) (البقرة:233).

الخلاصة : هذه الآية مع آيتي المجموعة " 19 " تسند الرزق إلى رازق غير الله. فيكون المراد الحصول عليه وليس خلقه.

الحادي والثلاثون: رازقين. وردت 6 كلمات ثلاث منها مكية وثلاثة مدنية خمسة من هذه الآيات جاءت بصيغة : خَيْرُ الرَّازِقِينَ وواحدة فقط وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ

فإثبات رازق غير الله تعالى واضح وجاء في خطبة يزيد الكامل الخليفة العدلي : " ولكم عليَّ إدرار العطاء في كل سنة، والرزق في كل شهر ". وهذه الآيات :

(1) انظر 1 مجموعة " 17 " والآية هي: (( قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )) (المائدة:114).

(2) (( وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ )) (الحجر:20).

(3) انظر 1 مجموعة  " 13 " وهي: (( وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )) (الحج:58).

(4) (( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )) (المؤمنون:72).

(5) انظر آية 20 " 23((والآية  قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)) (سـبأ:39).

(6) (( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )) (الجمعة:11).

الخلاصة : هذه الآيات الست تركز على أن الله خير الرازقين في خمس آيات وتقول أن الله جعل معايش للإنسان، لمن لا نرزقه والمقصود الدواب. ومنطوق الآيات أن الله خير الرازقين فمن هم الرازقون الذين الله خيرهم؟

الثانية والثلاثون : الرزاق.

(1) (( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ )) (الذاريات:58). وتمعن أيها القارئ الكريم بقوله تعالى : (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ )) (الذاريات:57). فهل المراد خلق الرزق أم توزيعه؟.

خلاصة عامة : بهذه الآية تختم مجموعة آيات الرزق، وهذه الآية الأخيرة نص  بصيغة المبالغة أنَّ الله هو الرزاق، وكلها لم تأت لتوزيع الرزق، بل لمعرفة الرزق تكوينيا ؛ كما هو في كل الآيات، فكل رزق في الوجود الله خالقه، وكل رازق غيره يستند إليه، في وجود الرزق لا في توزيعه، وكل مرزوق سواء حصل على الرزق باجتهاده أو غيره، فهو يعتمد على رزق الله، وكل رزق رزقه فرد من الناس لآخر من الناس ؛ إنما يقدم رزقاً خلقه الله تعالى، أمَّا أن يقال: إنَّ المراد توزيع الرزق بهذه الصورة الظالمة ؛ فكل الناس تعلم طريقة الحصول على الرزق، وهذه الطريقة ثابتة لا تتغير، فهي سبب للرزق، وهذه الأسباب منها أسباب أحلها الله، ومنها أسباب حرمها الله، فالإنسان هو الذي يرزق نفسه، بمباشرة هذه الأسباب، ولكنه يرتزق من رزق الله ـ أي من الرزق الذي خلقه الله.

وللحق جل جلاله ألطاف في طريقه الحصول على الرزق، وهي لا تكون ألطافاً إلا للعاملين وللملتزمين، أي لمن يطلب الرزق من أسباب الحلال، وتكون حجة على من طلب الرزق بالحرام، فالله يمكنه ـ إذ الإنسان مكلف مختار، ومن المعلوم أن التمكين ـ أي قدرة المكلف على الفعل والترك ـ خلق له تعالى، والتمكين هو للممكن ـ أي لفرد يطلب الرزق بفعل دوافعه ـ ويمتنع عن الطلب بسبب صوارفه، والله قادر على منعه إذ هو لا يعجز، لأنه رب الكون والإنسان والحياة، ولكنه لا يمنعه لقيام الحجة عليه في عقله ( إيمانه ) وفي فعله سماها الله تعالى ( صلاة ) وفي تصرفاته القولية والفعلية والمالية، المالية منها هي الزكاة.

المسرد الثاني للنص القرآني

آيات المال

يتطلب بحث موضوع الرزق بحث موضوع المال، كما ورد في القرآن الكريم، لتكون آيات الرزق ثم آيات المال المستند البحثي لموضوع الرزق، كما يرسمه فكر حزب التحرير.

المجموعة الأولى : كلمة المال بالتعريف والتنكير والإضافة : قد وردت في القرآن الكريم إحدى عشر مرة سبعاً منها مكية، وأربع آيات هي مدنية هذه هي :

(1) (( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ )) (البقرة:177).

(2) (( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )) (البقرة:247).

(3) (( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )) (الأنعام:152).

(4) (( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً )) (الإسراء:34).

(5) (( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً )) (الكهف:46).

(6) (( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ )) (المؤمنون:55-56).

(7) (( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ )) (النور:33).

(8) (( وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )) (الشعراء:87-89).

(9) (( فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ )) (النمل:36).

(10) (( عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ )) (القلم:13-14).

(11) (( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً )) (الفجر:20).

والخلاصة : التي يوصل إليها من قراءة هذه الآيات التي تبلغ إحدى عشر آية. حث على إعطاء المال من مالكية إلى محتاجيه، كما هو في الآية الأولى والآية السابعة، وأنَّ طالوت لا يستحق أن يكون ملكاً ـ كما هو قول اليهود ـ لافتقاده سعة المال  كما هو منطوق الآية الثانية، والنص يندد على قائلي هذا القول، والمطلوب عدم أكل مال اليتيم إلا بالحق كما هو مبين في الآيتين الثالثة والرابعة، وأن المال لا يعادل الأعمال ويجب أن لا يظن أن الإمداد بالمال هو خير كما هو في الآيات 5 ـ 11 باستثناء السابعة، وعليه فلا يفهم من الآيات وبأي صورة من الصور، أن الآيات تعالج موضوع الإعطاء من الله تعالى.

المجموعة الثانية : كلمة " مالاً ". وردت سبع مرات في الآيات وهي كلها مكية :

(1) (( وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ  مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ )) (هود:29).

(2) (( وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً )) (الكهف:34).

(3) (( وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً )) (الكهف:39).

(4) (( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً )) (مريم:77).

(5) (( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً )) (المدثر:11-12).

(6) (( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً )) (البلد:6).

(7) (( الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ )) (الهمزة:2).

الخلاصة : أن لا علاقة لهذه الآيات السبع مطلقاً في موضوع إعطاء المال من قبل الله تعالى.

المجموعة الثالثة: ماله. وهي ست آيات خمس منها مكية وواحدة مدنية :

(1) (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ )) (البقرة:264).

(2) (( قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً )) (نوح:21).

(3) (( وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى )) (الليل:11).

(4) (( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى )) (الليل:18).

(5) انظر آية 7 المجموعة الثانية، والآية هي : ((الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ))، وقد أسند الله الجمع إليه ولم يسنده للقضاء وجاء بعدها بالآية للتنديد بمن يكثر المال وهي : (( يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ )) (الهمزة:3).

(6) (( مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ )) (المسد:2).

والخلاصة : من هذه الآيات الست عدم جدوى امتلاك المال بل الجدوى أي الثواب بإتيانه للغير على وجه التقرب لله تعالى.

المجموعة الرابعة : ماليه. آية واحدة مكية :

(1) (( مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ )) (الحاقة:28-29) و يأتي بعد ذلك مباشرة شدة الوعيد : (( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ )). فهل على القضاء وعيد؟

والخلاصة : لهذه الآية هي : عدم إغناء المال يوم الحساب.

المجموعة الخامسة : الأموال. وردت إحدى عشر مرة أربعاً منها مكية وسبعاً مدنية :

(1) (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ )) (البقرة:155).

(2) (( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )) (البقرة:188).

(3) (( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً )) (النساء:10).

(4) (( وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً )) (النساء:161).

(5) (( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )) (التوبة:24).

(6) (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )) (التوبة:34).

(7) (( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً )) (الاسراء:6).

(8) (( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً )) (الاسراء:64)

(9) (( وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ )) (الروم:39)

(10) (( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ )) (الحديد:20).

(11) (( وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً )) (نوح:12).

والخلاصة : أن أكثر هذه الآيات نهي جلي عن أكل أموال الناس بالباطل، والنهي عن التلهي بسبب الأموال، وأن الله يمد بالمال ويبتلي بالمال على مقتضى الحكمة، والإمداد كما هو معروف من اللطف.

المجموعة السادسة : أموالاً. وردت ثلاث مرات اثنتين مكية وواحدة في المدينة :

(1) (( كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ )) (التوبة:69).

(2) (( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ )) (يونس:88).

(3) (( وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ )) (سـبأ:35).

والخلاصة : أن هذه الآيات الثلاث تؤكد أن المال يساعدهم على الضلال، فهل أراد الله ضلالهم؟ أن المال خلق له على مقتضى الحكمة، وتحصيل على مقتضى التكليف، فمنهم من يساعده المال على البذل والعطاء في سبيل الله، وهم المهتدون من أنفسهم، ومنهم من يساعدهم المال على الإنفاق في الضلال، وعدم الالتفات إلى الآيات الدالة على التكليف.

المجموعة السابعة : أموالكم. وردت أربع عشرة مرة واحدة منها مكية وثلاث عشرة مدنية :

(1) انظر آية 2 المجموعة الخامسة والآية هي (( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )) (البقرة:188).

(2) (( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ )) (البقرة:279).

(3) (( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ )) (آل عمران:186).

(4) (( وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً )) (النساء:2).

(5) (( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً )) (النساء:5). وانظر إذ وردت نفس الآية في المجموعة التاسعة عشر من آيات الرزق آية 1.

(6) (( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً )) (النساء:24).

(7) (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً )) (النساء:29).

(8) (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ )) (لأنفال:28).

(9) (( انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ )) (التوبة:41).

(10) (( وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ )) (سـبأ:37).

(11) (( إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ )) (محمد:36).

(12) (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ )) (الصف:10-11).

(13) (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ )) (المنافقون:9).

انظر في آيات الرزق مجموعة 2 آية 7 قوله تعالى (( وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ )) (المنافقون:10)

(14) (( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ )) (التغابن:15). واقرأ الآيات من نفس السورة 14، 15، 16، 17.

والخلاصة : أن هذه الآيات لا علاقة لها من قريب ومن بعيد بالعطاء، وإنما هي نهي عن أكل الأموال بالباطل، وطلب دفع الأموال إلى مستحقيها، وهم أشخاص أو جهات، والمال فتنة.

المجموعة الثامنة : أموالنا. وردت مرتين واحدة مكية والأخرى مدنية :

(1) (( قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ )) (هود:87). وانظر آيات الرزق  آية 1 من المجموعة السادسة وهي 88 من نفس السورة.

(2) (( سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً )) (الفتح:11).

وخلاصة هاتين الآيتين رفض قوم شعيب أحكام الأموال، وإشغال الأموال للأعراب عن أداء الواجب.

المجموعة التاسعة : أموالهم. وردت إحدى وثلاثين مرة أربع منها مكية والباقي في المدينة :

(1،2،3) (( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )) (البقرة:261-265). والآيات متواصلة في طلب الإنفاق في أوجه الخير إلى آية 283.

(4) (( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ )) (البقرة:274).

(5) (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ )) (آل عمران:10).

(6) (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )) (آل عمران:116).

(7،8) انظر رقم 4 من المجموعة السابعة وهي آية 2 من سورة النساء.

(9،10) (( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً )) (النساء:6). وانظر آية 5 من المجموعة السابعة وهي 5 النساء.

(11) (( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً )) (النساء:34).

(12) (( وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً )) (النساء:38). وانظر آية 1 المجموعة الخامسة في الرزق ذات الرقم 39 من نفس السورة

(13،14) (( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً )) (النساء:95).

(15) (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ )) (الأنفال:36).

(16) (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )) (الأنفال:72).

(17) (( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ )) (التوبة:20).

(18) (( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ )) (التوبة:44).

(19) (( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ )) (التوبة:55).

(20) (( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ )) (التوبة:81).

(21) (( وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ )) (التوبة:85).

(22) (( لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) (التوبة:88). المرجو قراءة آيات الإنفاق في سورة التوبة.

(23) (( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )) (التوبة:103).

(24) (( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )) (التوبة:111).

(25) انظر آية 2 المجموعة السادسة آية 88 يونس.

(26) (( وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً )) (الأحزاب:27).

(27) (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )) (الحجرات:15).

(28) (( وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ )) (الذريات:19).

(29) (( لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )) (المجادلة:17).

(30) (( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )) (الحشر:8).

(31) (( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ )) (المعارج:24-25).

والخلاصة : أن هذه الآيات الإحدى والثلاثين لا تبحث موضوع التوزيع، وإنما تبحث طلب إنفاق في سبيل الله، وطلب إنفاق لأصحاب الحق في النفقة أي الزوجة، وطلب إعطاء المال لأصحابه الأيتام عند بلوغهم الرشد، وذم عدم الإنفاق في سبيل الله، وتهديد بأن هذه المال لن ينفع من يوظفه بغير ما طلب الله يوم القيامة، ولا ترد آية واحدة ؛ تخبر عن أن هذا المال هو عطاء من الله لمن بحيازته، والآيات التي وردت سابقاً : المجموعة الأولى، والثانية، والخامسة، والسادسة، بإمدادهم بالمال، أو بإضافة المال إلى الله، فهذه الآيات تدل على الألطاف، وإضافة الخلق وليس إضافة التمليك.

لا بد من ملاحظة أن الإضافة تكون للملكية وتكون لأصل الملكية، وتكون للإيجاد، وتكون لفعل طلب الملكية، فالإضافة لا تعني الاختصاص إلا بالقرائن والوقائع، والتخصيص لا يكون باسم الجنس بل بالاسم الدال على العهد ولذلك فإن آيات القرآن الكريم المذكور في هذا المسرد لم تضف المال إلى الله تعالى إلا بآية واحدة هي آية 33 النور، من المجموعة الأولى، ووردت آية واحدة بإسناد الإمداد بالأموال والنبيين وأنه على سبيل الابتلاء، وليس مسارعة بالخيرات بدليل بل لا يشعرون في نهاية الآية، على أن الإمداد بالأموال لا يعني أبداً إعطاء أموال، بل هو إمداد مثل البنين تماماً فوجود البنين مرتبط في الزواج والنكاح والرعاية، وكذلك المال يحتاج إلى مجموعة أعمال.

المسرد الثالث

جدول يبين كيف وردت آيات الرزق والمال في سورة القرآن الكريم

البقرة رقم السورة 2 حسب ترتيب المصحف

الرزق 3 ـ 22 ـ 25 × 3 ـ 57 ـ 60 ـ 126 ـ 172 ـ 212 ـ 233 ـ 254     ( 12 كلمة في 10 آيات ).

المال 155 ـ 177 ـ 188 × 2 ـ 247 ـ 261 ـ 262 ـ 264 ـ 265 ـ 274 ـ 279 ( 11 كلمة في 10 آيات ).

آل عمران رقم السورة 3

الرزق 27 ـ 37 × 2 ـ 139 ( 4 كلمات في 3 آيات ).

المال 10 ـ 116 ـ 186 ( 3 آيات ).

النساء رقم السورة 4

الرزق 5 ـ 8 ـ 39 ( 3 آيات ).

المال 2 × 3 ـ 5 ـ 6 × 2 ـ 10 ـ 224 ـ 29 ـ 34 ـ 38 ـ 95 × 2 ـ 161     ( 14 كلمة 10 آيات ).

المائدة رقم السورة 5

الرزق 88 ـ 144 × 2 ( 3 كلمات في آيتين ).

المال بدون.

الأنعام رقم السورة 6

الرزق 140 ـ 142 ـ 151 ( 3 آيات ).

المال 152 ( آية واحدة ).

الأعراف رقم السورة 7

الرزق 32 ـ 50 ـ 160 ـ ( 3 آيات ).

المال بدون.

الأنفال رقم السورة 8

الرزق 3 ـ 4 ـ 26 ـ 74 ( 4 آيات ).

المال 28 ـ 36 ـ 72 ( 3 آيات ).

التوبة رقم السورة 9

الرزق بدون.

المال 20 ـ 24 ـ 34 ـ 41 ـ 44 ـ 55 ـ 69 ـ 81 ـ 85 ـ 88 ـ 103 ـ 111  ( اثنتا عشر آية ).

يونس رقم السورة 10

الرزق 31 ـ 59 ـ 93 ( 3 آيات ).

المال 88 × 2 ( كلمتان في آية واحدة ).

هود رقم السورة 11

الرزق 6 ـ 88 × 2 ( 3 كلمات في آيتين ).

المال 29 ـ 87 ( آيتان ).

يوسف رقم السورة 12

الرزق 37 ( آية واحدة ).

المال بدون.

الرعد رقم السورة 13

الرزق 22 ـ 26 ( آيتان ).

المال بدون.

إبراهيم رقم السورة 14

الرزق 31 ـ 32 ـ 37 ( 3 آيات ).

المال بدون.

الحجر رقم السورة 15

الرزق 20 ( آية واحدة ).

المال بدون.

النحل رقم السورة 16

الرزق 56 ـ 67 ـ 71 × 2 ـ 72 ـ 73 ـ 75 × 2 ـ 112 ـ 114 ( 10 كلمات في 8 آيات ).

المال بدون.

الإسراء رقم السورة 17

الرزق 30 ـ 31 ـ 70 ( 3 آيات ).

المال 6 ـ 34 ـ 64 ( 3 آيات ).

الكهف رقم السورة 18

الرزق 19 ( آية واحدة ).

المال 34 ـ 39 ـ 46 ( ثلاث آيات ).

مريم رقم السورة 19

الرزق 62 ( آية واحدة ).

المال 77 ( آية واحدة ).

طه رقم السورة 20

الرزق 81 ـ 131 ـ 132 × 2 ( 4 كلمات في 3 آيات ).

المال بدون.

الحج رقم السورة 22

الرزق 28 ـ 34 ـ 35 ـ 50 ـ 58 × 3 ( 7 كلمات في 5 آيات ).

المال بدون.

المؤمنون رقم السورة 23

الرزق 72 ( آية واحدة ).

المال 55 ( آية واحدة ).

النور رقم السورة 24

الرزق 26 ـ 38 ( آيتان ).

المال 33 ( آية واحدة ).

الشعراء رقم السورة 26

الرزق بدون.

المال 88 ( آية واحدة ).

النمل رقم السورة 27

الرزق 64 ( أية واحدة ).

المال 36 ( آية واحدة ).

القصص رقم السورة 28

الرزق 54 ـ 57 ـ 82 ( 3 آيات ).

المال بدون.

العنكبوت رقم السورة 29

الرزق 17 × 2 ـ 60 × 2 ـ 62 ( 5 كلمات في 3 آيات ).

المال بدون.

الروم رقم السورة 30

الرزق 28 ـ 37 - 40 ( 3 آيات ).

المال 39 ( آية واحدة ).

السجدة رقم السورة 32

الرزق 16 ( آية واحدة ).

المال بدون.

الأحزاب رقم السورة 33

الرزق 31 ( آية واحدة ).

المال 27 ( آية واحدة ).

سبأ رقم السورة 34

الرزق 4 ـ 15 ـ 24 ـ 36 ـ 39 × 2 ( 6 كلمات في خمس آيات ).

المال 35 ـ 37 ( آيتان ).

فاطر رقم السورة 35

الرزق 3 ـ 29 ( آيتان ).

المال بدون.

يس رقم السورة 36

الرزق 47 ( آية واحدة ).

المال بدون.

الصافات رقم السورة 37

الرزق 41 ( آية واحدة ).

المال بدون.

ص رقم السورة 38

الرزق 54 ( آية واحدة ).

المال بدون.

الزمر رقم السورة 39

الرزق 52 ( آية واحدة ).

المال بدون.

غافر رقم السورة 40

الرزق 12 ـ 40 ـ 64 ( 3 آيات ).

المال بدون.

الشورى رقم السورة 42

الرزق 12 ـ 19 ـ 27 ـ 38 ( أربع آيات ).

المال بدون.

الجاثية رقم السورة 45

الرزق 5 ـ 16 ( آيتان ).

المال بدون.

محمد رقم السورة 47

الرزق بدون.

المال 36 ( آية واحدة ).

الفتح رقم السورة 48

الرزق بدون.

المال 11 ( آية واحدة ).

الحجرات رقم السورة 49

الرزق بدون.

المال 15 ( آية واحدة ).

ق رقم السورة 50

الرزق 11 ( آية واحدة ).

المال بدون.

الذاريات رقم السورة 51

الرزق 22 ـ 57 ـ 58 ( 3 آيات ).

المال 19 ( آية واحدة ).

الواقعة رقم السورة 56

الرزق 82 ( آية واحدة ).

المال بدون.

الحديد رقم السورة 57

الرزق بدون.

المال 20 ( آية واحدة ).

المجادلة رقم السورة 58

الرزق بدون.

المال 17 ( آية واحدة ).

الحشر رقم السورة 59

الرزق بدون.

المال 8 ( آية واحدة ).

الصف رقم السورة 61

الرزق بدون.

المال 11 ( آية واحدة ).

الجمعة رقم السورة 62

الرزق 11 ( آية واحدة ).

المال بدون.

المنافقون رقم السورة 63

الرزق 10 ( آية واحدة ).

المال 9 ( آية واحدة ).

التغابن رقم السورة 64

الرزق بدون.

المال 15 ( آية واحدة ).

الطلاق رقم السورة 65

الرزق 3 ـ 7 ـ 11 ( 3 آيات ).

المال بدون.

الملك رقم السورة 67

الرزق 15 ـ 21 × 2 ( 3 كلمات في آيتين ).

المال بدون.

القلم رقم السورة 68

الرزق بدون.

المال 14 ( آية واحدة ).

الحاقة رقم السورة 69

الرزق بدون.

المال 28 ( آية واحدة ).

المعارج رقم السورة 70

الرزق بدون.

المال 24 ( آية واحدة ).

نوح رقم السورة 71

الرزق بدون.

المال 12 ـ 21 ( آيتان ).

المدثر رقم السورة 74

الرزق بدون.

المال 12 ( آية واحدة ).

الفجر رقم السورة 89

الرزق 16 ( آية واحدة ).

المال 20 ( آية واحدة ).

البلد رقم السورة 90

الرزق بدون.

المال 6 ( آية واحدة ).

الليل رقم السورة 92

الرزق بدون.

المال 11 ـ 18 ( آيتان ).

الهمزة رقم السورة 104

الرزق بدون.

المال 2 ـ 3 ( آيتان ).

المسد رقم السورة 111

الرزق بدون.

المال 2 ( آية واحدة ).

ملاحظات على هذا المسرد

من هذا المسرد نعلم أن كلمة الرزق وما تصرف منها قد أوردها القرآن الكريم مائة وثلاثة وعشرين مرة ( 123 ) في آيات بلغ عددها مائة وتسع آيات. أما كلمة المال مضافة إلى الاسم الظاهر أو الضمائر فقد أوردها القرآن الكريم ستاً وثمانين مرة (86) في آيات بلغ عددها ثمانين آية. والآيات منها ما هو مكي ومنها ما هو مدني. ما سبق هو توزيع كلمات الرزق والمال على السور وهذا توزيع للكلمتين على أساس المعجم المفهرس.

توزيع آيات الرزق حسب المعجم المفهرس

الرقم الأول رقم الآية والثاني رقم السورة

1 ـ رزقكم 9 آيات 88/5 ـ 142/6 ـ 50/7 ـ 26/8 ـ 72/16 ـ 114/16 ـ 40/30 ـ 47/36 ـ 64/40.

2 ـ رزقناكم 7 آيات 57/2 ـ 172/2 ـ 254/2 ـ 160/7 ـ 81/20 ـ 28/30 ـ 10/63.

3 ـ رزقناه 1 آية 75/16.

4 ـ رزقناهم 13 آية 3/2 ـ 3/8 ـ 93/10 ـ 22/13 ـ 31/14 ـ 56/16 ـ 70/17 ـ 35/22 ـ 54/28 ـ 16/32 ـ 29/35 ـ 38/42 ـ 16/45.

5 ـ رزقُهم 4 آيات 39/4 ـ 140/6 ـ 28/22 ـ 34/22.

6 ـ رزقني 1 آية 88/11.

7 ـ ترزق 1 آية 27/3.

8 ـ نرزُقُك 1 آية 132/20.

9 ـ نُرزقكم 1 آية 151/6.

10 ـ نرزقهم 1 آية 31/17.

11 ـ يَرزُق 4 آيات 212/2 ـ 37/3 ـ 38/24 ـ 19/42.

12 ـ يرزقُكُم 5 آيات 31/10 ـ 64/27 ـ 24/34 ـ 3/35 ـ 21/67.

13 ـ لَيرزقنهم آية واحدة 58/22.

14 ـ يرزُقُه 1 آية 3/65.

15 ـ يرزقها 1 آية 60/29.

16 ـ ارزُق 1 آية 126/2.

17 ـ ارزقنا 1 آية 114/5.

18 ـ ارزقهم 1 آية 37/14.

19 ـ ارزقوهم 2 آية 5/4 ـ 8/4.

20 ـ رُزقنا 1 آية 25/2.

21 ـ رُزقوا 1 آية 25/2.

22 ـ ترزقانه 1 آية 37/12.

23 ـ يُرزقون 2 آية 169/3 ـ 40/40.

24 ـ رزق 26 آية 60/2 ـ 32/7 ـ 4/8 ـ 74/8 ـ 59/10 ـ 26/13 ـ 71/16 ـ 30/17 ـ 19/18 ـ 131/20 ـ 50/22 ـ 26/24 ـ 82/28 ـ 17/29 ـ 62/29 ـ 37/30 ـ 4/34 ـ 15/34 ـ 36/34 ـ 39/34 ـ 41/37 ـ 52/39 ـ 12/42 ـ 27/42 ـ 5/45 ـ 57/51.

25 ـ رزقنا 16 آية 22/2 ـ 25/2 ـ 37/3 ـ 88/11 ـ 32/14 ـ 67/16 ـ 73/16 ـ 75/16 ـ 132/20 ـ 58/22 ـ 57/28 ـ 17/29 ـ 31/33 ـ 13/40 ـ 11/50 ـ 11/65.

26 ـ رِزْقُكم 2 آية 22/51 ـ 82/56.

27 ـ لرزقنا 1 آية 54/38.

28 ـ رزقه 4 آيات 7/65 ـ 15/67 ـ 28/67 ـ 16/89.

29 ـ رزقها 3 آيات 6/11 ـ 112/16 ـ 60/29.

30 ـ رزقهم 2 آيتان 71/16 ـ 62/19.

31 ـ رزقهن 1 آية 233/2.

32 ـ رازقين 6 آيات 114/5 ـ 20/15 ـ 58/22 ـ 72/23 ـ 39/34 ـ 11/62.

33 ـ الرازق 1 آية 58/51.

توزيع آيات المال حسب المعجم المفهرس

1-  المال 11 آية 177/2 ـ 247/2 ـ 152/6 ـ 34/17 ـ 46/18 ـ 55/23 ـ 33/24 ـ 88/26 ـ 36/27 ـ 14/68 ـ 20/89.

2 ـ  مالا 7 آيات 29/11 ـ 34/18 ـ 39/18 ـ 77/19 ـ 12/74 ـ 6/90 ـ 2/104.

3 ـ  ماله 6 آيات 264/2 ـ 21/71 ـ 11/92 ـ 18/92 ـ 3/104 ـ 2/111.

4 ـ  ماليه 1 آية 28/69.

5 ـ  الأموال 11 آية 155/2 ـ 188/2 ـ 10/4 ـ 161/4 ـ 24/9 ـ 34/9 ـ 6/17 ـ 64/17 ـ 39/30 ـ 40/57 ـ 12/71.

6 ـ  أموالاً 3 آيات 69/9 ـ 88/10 ـ 35/34.

7 ـ  أموالكم 14 آية 188/2 ـ 279/2 ـ 186/3 ـ 2/4 ـ 5/4 ـ 24/4 ـ 29/4 ـ 28/8 ـ 41/9 ـ 37/34 ـ 36/47 ـ 11/61 ـ 9/63 ـ 15/64.

8 ـ  أموالنا 2 آية 87/11 ـ 11/48.

9 ـ  أموالهم 31 آية 261/2 ـ 262/2 ـ 265/2 ـ 274/2 ـ 10/3 ـ 116/3 ـ 2/4 ـ 2/4 ـ 6/4 ـ 6/4 ـ 34/4 ـ 38/4 ـ 95/4 ـ 95/4 ـ 36/8 ـ 72/8 ـ 20/9 ـ 44/9 ـ 55/9 ـ 81/9 ـ 85/9 ـ 88/9 ـ 103/9 ـ 111/9 ـ 88/10 ـ 27/33 ـ 15/49 ـ 19/51 ـ 17/58 ـ 8/59 ـ 24/70.

الرزق في فكر حزب التحرير

* إسناد الرزق إلى الله تعالى دلالة على خلقه الرزق وليس توزيعه.

* من الجحود أن نسند فقر الفقراء وسوء التوزيع إلى الله تعالى.

* من الظلم أن نسند إليه أنه يرزق الحرام ثم يعاقب عليه.

* * *( المؤلف ).

قبلَ الدخول إلى بحث الرزق، لا بد من قراءة المسارد الثلاث التي شكلت تمهيداً أو مُدخلاً لبحث الرزق، ولا بد للعودة لهذه المادة بين الفينة والأخرى، أثناء قراءة هذا البحث، فموضوع الرزق من أهم الأفكار المتعلقة بالعقيدة الإسلامية، ( الإيمان الإسلامي ) والمسلمون مختلفون فيها، بل أن الاختلاف قد تسرب إلى الواحد من المسلمين، فبينما تراه يسند الرزق إليه تعالى، إذ تراه من أكثر الناس اجتهاداً في الحصول عليه، والتكاثر فيه، والحرص عليه.

بحثَ حزب التحرير الرزق في نفس الكتب ـ التي بحث فيها الأجل ـ فبحثُ الرزق ورد في الدوسية، والشخصية الجزء الأول، وفي الفكر الإسلامي، وكما ذهب إلى أن الموت سببه الأجل، وهو من أفعال القضاء، ذهب إلى أنَّ الرزق حلالاً أو حراماً، يحصل أيضاً بعطاء الله، فهو من أفعال القضاء.

يقول النبهاني في الدوسية : " وأما مسألة الرزق فإن الآيات الكثيرة القطعية لا تدع مجالاً للشك لمن يؤمن بالقرآن أن الرزق بيد الله يعطيه من يشاء "(1) ويقول في الشخصية: " والرزق غير الملكية لأن الرزق هو العطاء، فرزق معناها أعطى، وأمَّا الملكية فهي حيازة الشيء بكيفية من الكيفيات، التي أجاز الشرع حيازة المال فيها، ويكون الرزق حلالاً ويكون حراماً، وكله يقال عنه أنه رزق ( فالمال الذي يأخذه العامل أجرة عمله رزق )، والمال الذي يأخذه المقامر من لعب القمار رزق، لأنه مال أعطاه الله لكل منهما، حين باشر حاله من الحالات التي يحصل فيها الرزق"(2).

(1) أنظر الدوسية ص 27 .

(2) أنظر الشخصية الجزء الأول ص 100 - 101 .

عبارة الشخصية ناقصة العبارة المحصورة بين قوسين، فقد نقلتها من كتاب الفكر الإسلامي، ولو بقيت على عبارة الشخصية، لكانت العبارة ناقصة لأنها ليست نصاً عن اثنين أعطيا مالاً، بل هو واحد لا غير هو الرابح في القمار، أما بعد إضافة العبارة من الفكر الإسلامي يعلم إنه مثل لحائز على مال بالحلال، وآخر بالحرام، وهو المقامر، وإذ التمثيل لحيازة المال الحلال محذوف ظهر الخطأ.

يفهم من العبارة أن الحائز على المال بالحرام " القمار " إنما حازه بقضاء الله ولهذا يقول النبهاني " وقد غلب على الناس الظن بأنهم هم الذين يرزقون أنفسهم، ويعتبرون الأوضاع التي يحوزون فيها الثروة أي: المال والمنفعة، أسباباً للرزق، وإن كانوا يقولون بألسنتهم أن الرزق بيد الله "(3).

(3) الشخصية الجزء الأول ص 101 .

هنا يضع النبهاني إصبعه على حقيقة الناس، وأنهم يعانون حالة فصامية بين القول والممارسة، إذ ورثوا مقولة فكر أهل ( السنة والجماعة ) من أن الرازق هو الله، ولكنهم يباشرون أعمال طلب الرزق والتعامل مع الرزق، وقد أداروا ظهرهم لأقوالهم، ولا تثير هذه الحقيقة انتباه النبهاني ؛ ليضعها موضع البحث، ليرى أن القول بأن الله معطي الرزق، ليس لها واقع يقع الحس عليه، وإنما يقع الحس على واقع أن الرزق مربوط الحصول عليه بالأخذ بالأسباب، وإذ أدرك الناس عملياً واقع الحصول على الرزق، تصرفوا على أساسه، مبقين قولهم: إنَّ الله هو معطي الرزق كتراث مقدس، ليس لهم حق البحث فيه.

وأعضاء حزب التحرير رددوا أقوال الناس، وأخذوا يشرحون هذا المعنى حسب ما دونه النبهاني في الكتب، واستمروا من ناحية عملية على ما عليه الناس، بل منهم كثير يسعون لطلب الرزق بشكل يفوق ما عليه الناس، ومنهم قلة يعتريها الكسل طبيعة فقنعت بالقليل، أو " مارست التسول المستور ".

يقول النبهاني ـ في الدوسية: " ومسألة الرزق غير مسألة القدر، فإن القدر هو أن يعلم الله أن الأمر الفلاني سيقع قبل وقوع ذلك الأمر، فيكون قد كتب وقد قدر، وأما الرزق فإنه ليس فقط أن يعلم الله أن فلاناً سيرزق، فيكون قد كتب وقدر، بل هو إلى جانب ذلك، أي إلى جانب كونه قد قدر الرزق، فإنه الرازق هو الله، وليس العبد، وهذا ما تدل عليه الآيات " (1).

(1) الدوسية ص 27 .

يورد النبهاني أجزاء من إحدى وعشرين آية، يرد فيها كلمات تذكر الرزق أو اشتقاق من الرزق، ودون القيام بعملية تفكيك للآيات، يخرج بنتيجة من الظاهر أنه توصل إليها قبل بحثه الآيات، فيقول بعد إيراده أجزاء الآيات: " فهذه الآيات قطعية الدلالة بأن الله هو الرازق، وأنه يرزق من يشاء، وأنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر له "(1) ويتواصل كلامه فيقول: " ففيها كلها نسبة الرزق إلى الله، وفيها أن لا رازق غيره، مما يدل على أنه هو الذي يرزق، وهو إسناد حقيقي، والمراد منه فعل الرزق وليس خلقه "(2).

(1) الدوسية ص 27 .

(2) الدوسية ص 27 .

وما من مؤمن بالتوحيد والعدل، يستطيع أن يعارض في أن الله هو الرازق، وأنه يرزق من يشاء بغير حساب، وأنه يبسط الرزق ويقدر الخ، وهي كلها صفات أفعاله التي يستحقها لكونه ذات كاملة، فإن المستغرب هو لي عنق هذه الآيات، لتخدم ما قرره النبهاني قبل قراءة الآيات، ومحاولة فهمها ومحاولة التعرف على مراد الله فيها، فكيف ادعى النبهاني أن الإسناد توزيع رزق؟ لا إسناد إيجاد الرزق وخلقه وإلطافه وتوفيقاته! ولماذا لوى عنق النصوص حيث أسندت الرزق إلى بعض خلقه في قوله : (( وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ )) (النساء: من الآية5) وقوله: (( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ )) (النساء: من الآية8) وقوله تعالى: (( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ )) (البقرة: من الآية233) وقوله: (( قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ )) (يوسف: من الآية37) وقوله: (( فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ )) (الكهف: من الآية19) وتتردد في خمس آيات قوله تعالى: (( خَيْرُ الرَّازِقِينَ )) (المؤمنون:72) (1) .

(1) أنظر المجموعة الحادية والثلاثون في مسرد آيات الرزق.

هل يدري النبهاني كم هي البلية حين يسند فقر المعدمين وجوع المساكين إلى الله تعالى؟!

وهل يستطيع النبهاني أن يفسر كيف يمكن أن يقنع عاقل يؤمن بأن الله عدل وهو مع ذلك يؤمن أن الله هو الذي فعل تفاوت الحصول على الرزق؟ بحيث صار المجتمع من طبقات إحداها طبقة أصحاب السيارات الفارهة والقصور العالية والأموال الطائلة، وأخرى تسكن الخشاش وتسير حافية وتعيش في هم الفقر؟!.

أفلا يعلم النبهاني؟! أن في مجتمع طبقة تربي كلاباً غالية الثمن، نظيفة الفروة، وتطعم لحم الخراف البلدية، ويؤتى بالطبيب البيطري لعلاج هذه الكلاب، لمجرد الاشتباه بالمرض. وأن في المجتمع طبقة تكد وتكدح، ولا تحصل إلا على لقيمات يقمن الأود، ويمرضون ويمرض صغارهم وهيهات هيهات فالعلاج بعيد!؟. هل يدرك النبهاني عظم المصيبة في قوله أن الله يرزق الحلال الحرام؟ وكيف نؤمن بالله العدل وهو يعاقب شديد العقاب على ذنب لم يفعله العباد !؟.

يقفز النبهاني عن السؤال الكبير المطروح، منذ الوجود الجبري أو الكسبي في الفكر السني، وأخيراً فكر فصل النتيجة عن فعلها وفاعلها كما هو فكر النبهاني والسؤال هو " هل بإمكان من يرزقه الله الحرام الامتناع عن امتلاك هذا الرزق؟ " والجواب بالإيجاب يعني هدم كل مقالات النبهاني، والجواب بالنفي يثير سؤالاً فعلي أي شيء يعذب الله، إذا كان الأمر ليس بإمكان البشر؟!.

النبهاني وهو أسير لتيار فكر " أهل السنة والجماعة "، تيار أتباع معاوية، لم يسأل نفسه هذه التساؤلات، ولهذا بقيت الحقائق غائبة، رغم ما بذل النبهاني من جهد إضفاء صفة الفكر الحق، على فكر أهل السنة والجماعة، ومع هذا بقيت جماعة حزب التحرير تقول: " بأن الرزق من الله وتفعل خلاف ذلك ".

إن استقراء آيات الرزق البالغ عددها ( 109 ) آية وردت فيها كلمة الرزق وما تصرف منها في 33 تصريفاً مختلفاً وبلغ مجموع الاستعمالات لكلمة الرزق (123) استعمالاً (1) في تراكيب إضافة أو إسناد، والتركيب الاسنادي كما مر توجه إلى الله وإلى غيره، فلا بد من الرجوع إلى أساس لإمكان التفريق بين ما أسند إلى الله، وبين ما أسند إلى الخلق، والمدخل العقلي العدل وحده الذي يصلح أساساً للتفريق.

(1) أنظر مسرد آيات القرآن .

إن اعتبار العدل أساساً يمنع من إسناد رزق الحرام إلى الله تعالى، إذ لا يمكن أن يرزق الله الحرام ثم يعاقب عليه أشد العقاب، كما هو معلوم في الميسر والربا والسرقة والغش وغير ذلك، ولا يمكن من خلال العدل أن يسند إلى الله تعالى توزيع الرزق وإيجاد حالتين مختلفتين حالة الترف ! وحالة الفقر المقع تنزه الله الواحد العدل عن هذين العملين رزق الحرام والتوزيع الظالم.

يدرك النبهاني وجود إسناد للرزق إلى الإنسان، وبدل أن يحثه هذا الإسناد للبحث وإعادة النظر، نراه يلوي عنق النص أو يغالط فيه، أو يسكت عن النصوص التي لا تحتمل اللي والمغالطة، يقول النبهاني: " وأما ما ورد من نسبة الرزق لإنسان يعطي غيره فإن المراد منها ادفعوا إليهم المال وليس المراد فعل الرزق، فمثلاً قال تعالى: (( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ )) (من النساء:5) وقال: (( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْه )) (النساء: من الآية8) فإن المراد بالآية الأولى: ادفعوا لهم طعاماً، وبالآية الثانية: فادفعوا لهم من هذا الرزق الذي أصابكم، فهو أمر بأن يدفعوا لهم الرزق وليس هو نسبة الرزق إليهم "(2).

(2) أنظر الدوسية ص 27 .

ينسى النبهاني أن الرزق عنده العطاء، أي وجود الرزق بيد المرزوق، فالآيتان أسندتا الرزق عطاءاً أو دفعاً أو إيتاءً للإنسان، ومن هنا فإن الذي يرزق السفهاء من أعطاهم الرزق، والذي يرزق أولو القربى واليتامى والمساكين هو صاحب الرزق، والنصان واضحان جليان في إسناد الرزق حقيقة للإنسان.

يؤكد النبهاني أنه " لم ترد نسبة الرزق بمعنى فاعل الرزق إلا لله تعالى، فتجد في آيات يقول: " (( نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ )) " وفي آيات يقول: " (( رِزْقِ رَبِّكُمْ )) " وفي آيات أخرى يقول: " (( كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ )) " ففيها كلها يجعل نسبة فعل الرزق لله ويسنده إليه، وهذا يعطي المعنى الذي لا يقبل التأويل، وهو أن الله وحده هو الرزاق، وأن الرزق بيد الله، وبناء على هذا فإنه يجب الإيمان بأن الله هو الذي يرزق الخلق، لأن الدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، فالإيمان به فرض، والكفر به كفر، فمن لا يؤمن بأن الله هو الرازق، فقد كفر والعياذ بالله ".

ويعلم النبهاني أن مثل هذا الكلام غير مقنع وغير متناسق ولهذا عمد إلى التفريق بين الرزق والحصول عليه فقال بعد كلامه السابق: " هذه هي مسألة الرزق من حيث الإيمان ومن حيث الدليل، غير أن الله تعالى إلى جانب أمره بالإيمان بأنه هو الرزاق، أمر الإنسان بالسعي لتحصيل هذا الرزق قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ))(الملك: من الآية15) وقال : (( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ )) (الجمعة: من الآية10) فأمر في هاتين الآيتين بالسعي لطلب الرزق، فإذا قرن هذا الأمر بالسعي لطلب الرزق بالآيات التي تنص على أن الله هو الرزاق، فالآيات الأولى تقطع كلها بأن الله هو الرزاق، أي هو الذي يعطي الرزق، وليس الإنسان، وهاتان الآيتان تأمران بالعمل للحصول على رزق الله، وعلى هذا فإن معنى كون الله هو الرازق، هو أنه وحده الذي يعطي الرزق ولا أحد غيره "(1) .

بعد هذا القول الجازم القاطع من النبهاني، بأن الرزق هو العطاء، وأن معنى الرزاق أنه المعطي. يحاول النبهاني التفريق بين طريقة الحصول على الرزق التي هي السعي والعمل، وبين الحصول على الرزق عطاء من الله تعالى، ولهذا يقول " فالقضية فيها أمران الرزق، وطريقة الحصول عليه والمطلوب العمل له هو طريقة الحصول على الرزق، وليس نفس الرزق "(2) .

(1) الدوسية ص 27 - 28 - 29 .

(2) الدوسية ص 27 - 28 - 29 .

النبهاني يفصل دائماً بين العمل ونتيجة في أكثر من قضية، في الأجل، في الرزق، في النصر، في نتائج الدائرة الاختيارية التي يسيطر عليها الإنسان، في الهدى والضلال، في الوعد والوعيد، فالنبهاني مجرد منتج للخطاب الإسلامي الأشعري، ولهذا نجده يقول: " والواقع أن السعي ليس سبباً للرزق، وذلك لأن السبب ينتج المسبب حتماً، والمسبب لا ينتج إلا عن سببه، فالسكين سبب القطع فهي التي تقطع، والنار سبب الإحراق، فهي التي تحرق، فلا يحصل قطع بغير سكين ـ أي بغير آلة حادة، ولا يحصل إحراق ـ أي بغير مادة تحرق، هذا هو السبب، ولو كان السعي لطلب الرزق كذلك، لكان سبب الرزق، ولكان الواقع أنَّ السعي هو الذي يأتي بالرزق، كما أنَّ السكين هي التي قطعت، والنار هي التي أحرقت، ولكن السعي لطلب الرزق ليس كذلك، أي ليس كالسكين بالنسبة للقطع، ولا كالنار بالنسبة للحرق، لأنه قد يحصل السعي لطلب الرزق ولا يحصل الرزق، وقد يحصل الرزق دون أن يحصل سعي لطلبه، أي قد يحصل السبب ولا يحصل المسبب، وقد يحصل المسبب من غير سببه، بل وربما من غير سبب من الأسباب، وهذا يدل دلالة قطعية على أن السعي ليس سبباً للرزق، والأمثلة على ذلك في واقع الحياة كثيرة كثرة مستفيضة "(1) ، ويبدأ النبهاني بعرض الأمثلة، من التاجر إلى صاحب المصنع، إلى شركة تنقيب عن النفط، إلى الوارث، والنفقة. كان لا بد من نقل هذه الفقرة الطويلة بتمامها لبيان جملة الأخطاء التي وقع فيها النبهاني وهذه الأخطاء هي :

(1) الدوسية ص 27 - 28 - 29 .

(1) إن القطع الذي في السكين، والإحراق الذي في النار، هو خاصية من خواصها، فالسكين خاصيتها القطع وهي أداة في القطع، ولا تقطع إلا باستعمالها للقطع من قبل فاعل، ولا تقطع إلا ما يقبل القطع، وتقطع وفق دواعي القاطع وتنصرف عن القطع وفق صوارف القاطع، ومثلها في ذلك النار، فمن خواصها الإحراق، ولا تحرق إلا باستعمالها من قبل فاعل، ولا تحرق إلا ما فيه قابلية الاحتراق، وتحرق وفق دواعي الحارق، وتنصرف عن الاحتراق وفق الصوارف، ومن المستغرب أنْ يقيم النبهاني أفكاره على السكين والنار، وهو القائل " بأن من خواص السكين القطع، ومن خواص النار الإحراق، أي قدر الله فيهما خواصهما " (2) .

(2) أنظر نظام الاسلام ص 15 .

(2) أن قد التي ذكرها النبهاني أربع مرات في فقرة واحدة، ويليها الفعل المضارع ( يحصل ) فإن قد مع المضارع تفيد التقليل والتشكيك، ولا تفيد التحقيق، أليس من المستغرب أن تبني أفكارنا على هذا القد؟!.

(3) أن البحث في أسباب الرزق، ليس بحثاً في سبب رزق على أو أحمد، أي ليس بحثاً في الأفراد، وإنما هو بحث في سبب الرزق للإنسان، من حيث هو إنسان، وليس من حيث هو فرد، لأن بحث الرزق منصب على الحقيقة الإنسانية، وليس على الحقيقة الشخصية، إذ لكل شخصية حالة أو وضع أو ظرف هو المؤثر مباشرة في حصوله على الرزق.

(4) أن الذي رُزِقَ بالإرث أو بالهبة أو اللقطة أو الزكاة أو بالنفقة، إنما هو رزق بسبب الحكم الشرعي، أو بالقانون، أو بالمعاملات، وهذه كلها محل تكليف، وبإمكان الشخص الوارث أن يرفض الإرث، وبإمكان الموهوب له أن يرفض الهبة، بل للهبة أحكام شرعية معلومة، وبإمكان الإنسان أن لا يلتقط اللقطة أصلاً، وبإمكانه أن لا يقبل الزكاة أو التطوع أو النفقة، ومقولة النبهاني أن النفقة والإرث واللقطة والزكاة: هي رزق بلا سعي مغالطة واضحة، حذر منها النبهاني في كتاب التفكير (1) .

(1) أنظر كتاب التفكير ص 86 - 90 .

(5) أن النبهاني لا يفرق بين السبب الضروري، فالسعي للرزق هو سبب كافٍ ولا يسد غيره مكانه، وتتحقق فاعليته من خلال السبب الضروري، فالتاجر الذي يعرض بضاعة وقت الكساد، أحدث السبب الكافي، والذي تأخر السبب الضروري، وهو عدم وجود الطلب. فالسبب الكافي لا يشتغل في الفراغ، وإنما يشتغل وفق حالة المجتمع.

علاوة على ذلك فإن كل من له عقل، يدرك إدراكاً جلياً أن النشاط الاقتصادي الفردي، والنظام الاقتصادي للدولة، والسياسة الإنتاجية للدولة، والأفكار والمشاعر التي عليها المجتمع، هي التي تجعل التوزيع عادلاً أو ظالماً، وهي التي تجعل هذه المادة اقتصادية أو غير اقتصادية، وهذه الأمور هي محل تكليف يقع عليها الثواب والعقاب، فالإنسان والمجتمع والدولة هم الذين يتحكمون من خلال الاختيار التام في توزيع الدخل، عدلاً أو ظلماً، وفي إنتاج هذه المادة أو عدم إنتاجها.

يؤكد النبهاني قطعية الدلالة للآيات، وبأنها دالة على أن الله هو الرزاق، ويفسر ذلك بأنه المعطي في أكثر من فقرة في الدوسية، وفي الشخصية وقد مر كيف أنه يكفر من يفهم هذه الآيات غير فهمه، ولكنه لا يوضح لماذا جانب بحثه في الرزق آيات " خير الرازقين "؟ التي وردت في القرآن الكريم خمس مرات، في الرزق آيات " خير الرازقين "؟ التي وردت في القرآن الكريم خمس مرات، ولماذا جانب آيات المال؟ مع أنه يجعل الرزق والمال شيئاً واحداً.

لا يختلف المسلمون بأن الله هو الرازق، ولكن ما معنى ذلك؟ فالمشكلة تكمن في المعنى ! فالعدليون يقولون: إنَّ معناها هو خلق الرزق والمال وإيجادهما في الكون، وإنزال المطر من السماء، وفعل الألطاف للساعي لطلب الرزق أو المال بالحلال، والرزق الثواب في الآخرة، والجبريون الخالصة والكسبيون وأصحاب الدائرتين: يرون أن المعنى هو إعطاء الرزق حلالاً أو حراماً، قليلاً أو كثيراً، عدلاً أو ظلماً، وإذ كان الجبريون والكسبيون قد قالوا به بحكم الولاء للحكام الظلمة، من بني أمية وبني العباس وأمراء الدويلات، فما الذي دعا شخصية فكرية مبدعة مثل الشيخ النبهاني أن يقول بقولهم؟!.

إنَّهُ الموروث القائل: " إنَّ أهل السنة والجماعة " يمثلون الصواب والحق !، وهنا لا بد من لفت النظر إلى جملة من الحقائق :

(1) أن الرزق غير المال، فالرزق هو كل مطعوم أو مشروب ينتفع به الجسم في بنائه، وهو المطر من السماء بسبب أنه يحصل منه الإنبات، ويقال للعلم والهدى والاطمئنان والقناعة وما مثلها أنها رزق، على سبيل المجاز لانتفاع الإنسان بها داخلياً، والله الرازق أي هو الخالق لهذا الرزق بالمعنى الأول أي المعنى الحقيقي.

(2) أن المال هو كل ما يتمول به أي ما ينتفع به، خارج الجسم في اللباس والفراش والمسكن والتسليسة والزينة والراحة، من أدوات أو وسائل، فكلها من حيث الأصل خلق لله تعالى، أي خلق لمادتها، وليس خلقاً لتشيكلها، فالتشكيل للإنسان وبهذا تُعرف أنها خامات الأرض، من فلزات وأملاح ومركبات، وما هو في الأنعام والدواب، من منافع غير غذائية، كالجلود والركوب والأعمال، فالمال ليس الرزق، والرزق ليس المال، والمعادن النبيلة كالذهب والفضة من المال.

(3) أن الحصول على الرزق أو على المال، أو على كليهما منوط بالإنسان، من  حيثُ هو فرد أو مجتمع أو دولة، والحصول على المال والرزق، وإنفاق المال والرزق: هما أهم مواضيع التكليف الإنساني، وبهما يكون السقوط فظيعاً، سواء من حيث الطلب، أو من حيث الإنفاق، والسعيد من أدرك ذلك ؛ وحاسب نفسه دائماً، والشقي من لم ينتبه لذلك.

(4) أن هذا العصر هو عصر الإبداع في التراث، وليتحقق الإبداع لا بد من الدراسة الموضوعية الشمولية لواقع الرزق والمال، وأسباب الحصول عليهما، ولواقع البيان القرآني بصورة موضوعية شمولية، على هدى من علوم اللغة في الصرف والنحو البيان والمعاني والبديع بل وفقة اللغة وصوتياتها، ولا بد من التأكيد على الافتراق في المعاني الكلمات باختلاف الجذور فالكلمتان رً - ز- ق (أو) م-وَ-لَ : لا يمتان إلى بعضهما البعض بأية صلة من حيثُ الحروف أو المعني، والصلة الوحيدة بينهما هي التبادل، إذ يمكن الحصول على المال بإبداله بالرزق مقايضة، والعكس صحيح، ومن هنا حَدَثَ ظنٌ عند الناس أن الرزق بمعنى المال، ومن المعلوم أن الناس تبادل الجهد أو الرزق فهل يقال عن الجهد أنه رزق.؟!.

(5) كيف يتأتى إقناع من يعمل عند الآخرين بأجر شهري؟ يبذل في العمل الجهد، وكثيراً ما يتحمل معاناة نفسية، وقد يتحمل ما لا يطيقه مجبراً نفسه على ذلك، وبصورة أخرى يعلم أن مستأجِرَةُ ظالمٌ، يزيد المعاناة ويقلل الأجر ويسيء المعاملة، ويقال له رزق الله لك، وكيف يمكن أن يطلب من الأجراء العمين أو الخاصين إحسان العمل وإتقانه؟ مع ان هناك انفكاك بين العمل ونتيجته؟ التي هي المال أو الرزق أو كليهما.

يبذل النبهاني جهوداً مضنية لتأكيد فكرته في الرزق، قائلاً: إنّ الآيات قطعية الدلالة على أن الرزق من الله عطاءً، والسعي في طلبه مجرد حالة من الحالات، التي يأتي بها الرزق، فقد يحصل الرزق وقد لا يحصل، والناس يشاهدون حالات كثيرة يحصل فيها الرزق من السعي، وأصدرت حكماً، وهذا الحكم خاطيء ؛ لوجود وقائع غيرها حدث فيها السعي ولم يحدث الرزق، وهذا وحده دليل على خطأ الحكم، من هذه المشاهدة الناقصة يقيم الشيخ دليله، ولوجود حالات جرى فيها السعي وحصل الرزق، وحالات جرى فيها السعي ولم يحصل الرزق، وحالات لم يجر فيها السعي وحصل الرزق، فلا بد أنْ هناك قوة تتحكم في الرزق منعاً وعطاءً(1).

(1) أنظر الدوسية ص 27 - 30 هذا الفصل بتصرف ولذلك لم توضع أقواس .

يدرك الناس كلهم كما يدرك أعضاء حزب التحرير، من خلال ما يرونه ويدركونه ويلمسونه ويحسونه ويتعاملون معه يومياً، من أن طلب الرزق والسعي له: عملاً , أو تجارة , أو زراعة , أو صناعة , أو خدمة، هو السبب الظاهر للحصول على الرزق، وأنَّ الأسباب الأخرى تعود للدولة أو للمجتمع، والرزق موضع الثواب والعقاب، والمنع والعطاء، وهو موضوع المعاملات كلها، والله تعالى هو خالق الرزق، والخلق متصرفون في الرزق تمام التصرف , وبكامل الحرية، ومع هذا يحاول النبهاني بالإقناع القسري: أنْ يقنع الناس بما يخالف المشاهدة، بسبب قد , وبسبب دراسات ناقصة، ولهذا نجده يقول: "فاضطراب عليهم فهم المسألة على وجهها الصحيح، وكان من جراء ذلك أن سلم المؤمنون بأن الرزق من الله تسليماً، فآمنوا به كالإيمان بيوم القيامة باعتباره من المغيبات، ولم يستطيعوا إدراك واقع أن الرزق بيد الله، لا بيد الإنسان، بل كان الواقع لديهم أن الرزق بيد الإنسان، فرفضوا الواقع وآمنوا بما تدل عليه الآيات (1) .

(1) الدوسية ص 1 و ص 28 .

من الضروري إعادة قراءة الفقرة مثني وثلاث ورباع .

النبهاني يعرف العقل أو الفكر أو الإدراك بأنه: " نقل الحس بالواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ مع وجود معلومات سابقة يفسر بواسطتها الواقع(2). ويعرف الإيمان بأنه التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل(3). هذان تعريفان للحزب واحد للعقل والآخر للإيمان، فالعقل مطلوب منه الإحساس بواقع كشرط من شروطه، والإيمان مطلوب فيه المطابقة للواقع كشرط من شروطه، والنبهاني يطلب من الحزب والناس أن يحكموا على الواقع بخلافه، وأن يؤمنوا لا يدركونه، وأن لا يسلموا به على اعتباره من المغيبات، تلك هي الإشكالية التي بقيت إشكالية فكرية وواقعية في حياة الحزب، وحياة المسلمين منذ أن تركز فيهم الفكر الجبري الأشعري، ومع أموال البترول وفد إليهم الفكر الوهابي السعودي الجبري أيضاً، وإذا كان الفكر الجبري قد ترعرع في ظل الظلمة حتى قعد له الأشعري في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع، فإن الفكر الوهابي السعودي الجبري قد ترعرع ونما وإزدهر بفضل الإنجليز أولاً، وبفضل الريالات السعودية فيما بعد، ولو بتحقيق كتب ليس لها أدنى نفع للمسلمين. وهما فكران جبريان يخدمان الظلم والتأخر !. فكيف توافقت آراء النبهاني مع آراء الوهابية؟ !.

(( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )) (يوسف:108) اللهم ألطافك وعونك ! لنكون مع أتباع هدي محمد صلوات الله عليه، وعلى آله، وعلى كل من سار على نهجه، والحمد لله رب العالمين.

(2) التفكير ص 26 .

(3) الدوسية ص 1 و ص 28 .

ملاحظة مهمةٌ

القارئ للإهداء يُدرك مدى احترام الكاتب للمرحوم الشيخ تقي الدين النبهاني، وفي قراءة النقد لأفكار النبهاني ـ وخاصة فكر الرزق ـ سيرى شدة الحوار والجدل ؛ والتخطئة الواضحة للمرحوم النبهاني، وسيرى ما يظنه تعارضاً أو تناقضاً عند الكاتب، والحقيقة بمقدار احترام الكاتب للمرحوم النبهاني ؛ لكونه مفكراً، ومخلصاً، إلا أنه لا يراه حالةً معصومة، أو رمزاً مقدساً، فالشيخ النبهاني مجتهد مبدع، ولهذا يقع في أخطاء اجتهادية، لكن أتباعه حولوه من مجتهد مبدع إلى معصوم، ورمز مقدس، فشدة الحوار متجهةً إليهم، لأن المرحوم النبهاني ترك دنياه ـ بعد كفاح استمر أكثر من ربع قرن ؛ دون أن يلين أو يستكين،. فاللهم ارحمه وتقبله واغفر له وأجعل الجنة مأواه.

الهدى والضلال من منظور أهل العدل

لأهل الكسب ( الأشاعرة والماتريدية ) مقولة ثابتة، تقول: إنَّ الله جل جلاله خالق كل شيء، رافضين الاستثناء من كل شيء، فجعلوا: كلَّ شيءٍ، وكلَّ أمرٍ، وكلَّ فعلٍ، وكلَّ حَدَث، وكلَّ تَصَرُّفٍ، شراً كانَ أو خيراً، من فعل الإنسان، أو من فعل غيره، دون تفريق، هو فعل لله تعالى وخلق له. ومن هنا وقع كل من  فكر الأشعري وفكر الماتريدي أسيراً للجبر، مع أنه رافض له بدعوى الكسب.

والمرحوم النبهاني ـ مفكر حزب التحرير الرئيسي ـ رباه جده(1) لأمه، ودرس في الأزهر الشريف، والقائمون على التدريس فيه أشاعرة، فليس غريباً أن يظهر فكره متأثراً بالأشاعرة، رغم محاولاته الهروب منهم.المرحوم النبهاني أصاب عين الحقيقة في بداية كلامه عن الهدى والضلال، ولكنه تمرد عليها في قوله: إن الهدى والضلال خلق الله تعالى، بعد توكيده: إنَّ الإنسان هو الذي  يتوصل إلى الهداية بعقله وفعله، ويتوصل إلى الضلال بعقله وفعله. يحق للإنسان أن يقيم سؤالاً، وهو إذا كان الإنسان هو الذي يهتدي وهو الذي يضل، وهذا قول حق، فكيف يقال بعد ذلك أن الهدى والضلال خلق الله تعالى؟ أليس معنى أن الإنسان يهتدي أي يخلق الهدى في نفسه عقلاً وفعلاً؟ وأن الإنسان هو الذي يضل أي يخلق الهدى والضلال في نفسه عقلاً وفعلاً؟ أي إرادة وسيادة أو نظرية وممارسة.

(1) جد الشيخ لأمه هو الشيخ يوسف اسماعيل النبهاني ت 1932 م وهو علامة ولكنه أشعري بأصول الدين وشافعي بالفروع وصوفي النزعة .

( مشكلة خلق الأفعال الإنسانية تحكم البحث، فتسيّره نحو حرية الإنسان في الاختبار أو الجبرية الظاهرة أو المُدَلِّسة ).

وبحث الهدى والضلال بحث من أبحاث العدل، وكما أن التوحيد لا يصح العلم به إلاّ عقلاً، فكذلك العدل لا يعلم إلا بواسطة العقل، وآيات الهدى والضلال إنما تفهم بجعل العدل مرجعية للفهم.

الهدى والضلال في فكر حزب التحرير

" الهدى والضلال والبيان"

وردت أبحاث الهدى والضلال، في الدوسية، وفي الشخصية الإسلامية وفي أجوبة أسئلة، وخلاصة ما قاله حزب التحرير في هذا الموضوع، في مسألة الهدى والضلال قوله: " مما لا شك فيه أن الإنسان هو الذي يهتدي، وهو الذي يضل، فإذا اهتدى فإنما توصل للهداية بنفسه في عقله وتفكيره، وفي سعيه وعمله، وإذا ضل فإنما يصل إلى الضلال بنفسه في عقله وتفكيره، وفي سعيه وعمله، فهو يهتدي مختاراً، ويضل مختاراً، دون أي إجبار"(1) .

(1) الدوسية ص 35 .

وهذا القول من حزب التحرير قول حق واضح بيّن، ولكن حزب التحرير عاد القهقرى حينما بحث الآيات التي نسبت الهدى والضلال إلى الحق عزّ وجل، فجعل معنى تلك الآيات خلق الهدى وخلق الضلال، فالهُدى والضلال عند حزب التحرير مخلوقان للحق تعالى، دون مباشرة من الله لفعل الهداية أو فعل الضلال، وهنا يوقعنا حزب التحرير في نفس إشكالية الأشاعرة، الذين يسندون كل الأفعال إلى الله تعالى، ويسندون إلى الإنسان الكسب، ولكن حزب التحرير يرفض استعمال كلمة الكسب، إذ سبق وأن وصف الكسب بأنه عين الجبر فبعد أن بحث رأي الأشاعرة في القضاء والقدر، وسماهم أهل السنة، قال:" هذه خلاصة رأي أهل السنة، وبالتدقيق فيه يتبين بوضوح أن رأيهم ورأي الجبرية واحد، وأنهم جبريون". والظاهرة أنهم كانوا في حيرة بين أدلة المعتزلة وأدلة الجبرية، فأرادوا أن يسلكوا سبيلاً وسطاً، فاخترعوا ما سموه الكسب"(1) .

(1) الدوسية ص 22 .

فالنبهاني يرفض أسم الكسب ويراه مقالةً جبرية، ولكنه يقول بأن الهدى والضلال خلق الله تعالى، وفعلٌ للإنسان، ولا يفسر لنا كيف أن الفعل الواحد مخلوقاً لله تعالى، ومفعولاً للإنسان، ولا يفسر لنا كيف أن الفعل الواحد مخلوقاً لله تعالى، ومفعولاً للإنسان، ولا يفسر لنا أيضاً الفرق بين مقالته تلك ومقالة الأشعري، القائل بأن الفعل خلق له تعالى وكسب للإنسان، فالقولان صورة واحدة وقول واحد، مع تبديل كلمة الكسب بكلمة الفعل.

وحزب التحرير أو النبهاني لا يجعل بحثه يستند إلى دراسة شمولية، بأن يستحضر كل آيات الهدى والضلال، وإنما يستشهد بالآيات التي تخدم فكرته المسبقة، ويترك باقي الآيات التي لا تخدم فكرته، ولم يقم ببحث لغوي يحدد معاني الهدى ومعاني الضلال.

الهدى في اللغة الإرشاد والدلالة، وقال ابن قتيبة أصل هدى: أرشدَ والإرشاد يكون بالبيان، ويكون بالدعاء، وفي الإتقان للسيوطي" إن الهدى يأتي على سبعة عشر وجهاً، فالهدى اختلف فيه العلماء، فالبعض يقول إن جذر الهدى أي أصل المعنى وهو الفوز والنجاة، وكل معنى غير هذا المعنى إنما هو معنى متنقل عن الأصل، لأنه متعلق به او طريق إليه، فالقرآن هُدى لأنه يوصل المتمسك به إلى الفوز والنجاة، وكل معنى غير هذا المعنى إنما هو معنى متنقل عن الأصل، لأنه متعلق به أو طريق إليه، فالقرآن هُدى لأنه يوصل المتمسك به إلى الفوز والنجاة، والأدلة في الإيمان هدى لأن الإنسان يتحقق له بواسطتها الفوز والنجاة، والذي دلّ على طريق فيه نفعٌ أنه هدى إليه، والبعض من العلماء يرى أن أصل الهدى هو الدلالة والبيان، وكل معني من معاني الهدى متعلق بالدلالة والبيان.

ولا يُعلمُ قولٌ عن أحد من أهل العلم أن الهدى هو عين الطاعة، إلا من جعل الهدى أي الطاعة مذهباً له، واضطر بعد ذلك أن يتأول معاني الهدى على غير ما في اللغة أو القرآن الكريم، والهدى بمعنى الدلالة والبيان هي المعنى الأساسي في القرآن الكريم، والهدى بمعنى الدلالة والبيان هي المعنى الأساسي في القرآن الكريم قال تعالى: (( هُدىً لِلنَّاسِ )) (البقرة: من الآية185) (( وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )) (النحل: من الآية64) (( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى )) (فصلت: من الآية17) (( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً )) (البقرة: من الآية38) (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى )) (التوبة: من الآية33) (( وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائيلَ ))(الإسراء: من الآية2) والآيات كثيرة التي تأتي فيها كلمة الهدى بمعنى الدلالة والبيان، فالمعنى الأول من معاني الهدى الدلالة والبيان،   فالمعنى الأول من  معاني الهدى الدلالة والبيان، وقد ذكر الله عزّ وجل الهدى بمعنى زيادة الهدى قال تعالى: (( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً ))(مريم: من الآية76) وقال: (( وَزِدْنَاهُمْ هُدىً * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ )) (الكهف: من الآية13 ومن 14) وقال: (( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ )) (الأنعام: من الآية125) وقوله تعالى : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا )) (الأعراف: من الآية43) والمراد بمثل هذه الآيات ليس خلق الإيمان، إذ هم مهتدون بإرادتهم وأفعالهم، كما تُبين الآيات، وإنما المراد ما يفعله الله تعالى لمن أراد الحق، وبحث عنه عازماً على السير فيه، من ألطاف وتأييد وخواطر ودواعي، وإذ حلت هذه محل الأدلة في أنها الطريق لفعل الطاعة، والباعث عليه، كانت هي من معاني الهدى، والله لا يخلق هدى المهتدين وإنما يفعلها الإنسان، والله يزيح العلة من أمامه ؛ إذ المعلوم من حاله أنه طالب للهداية وباحث عنها وراغب في السير على مقتضى الهداية، ويرد الهدى بمعني سلوك الطريق المستقيم كقوله تعالى: (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )) (الفاتحة:6) ولا يمكن أن تحمل هذه الآية على خلق الإيمان في نفس المؤمن، ولا على الدلالة والبيان، وإنما هي دعاء في طلب طريق الجنة، ومثل ذلك قوله تعالى، (( عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ )) (القصص: من الآية22) وهذه الآية واردة عن موسى عليه السلام، فلا يصح أن يقول نبي من أنبياء الله عسى ربي أن يهديني، إلا والمراد خلاف الدلالة والبيان فالآية طلبٌ ودعاء بأن يسير على طريق الهداية.

ومن معاني الهدى كما تقدم الفوز والنجاة والثواب، فقال تعالى: (( وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ))(محمد: من الآية4 والآية5 ) والمراد به الثواب إذ لا يمْكن أن يكون بعد القتل إيمان أو دلالة أو بيان ومثلها قوله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ )) (يونس:9).

والخلاصة التي نصل إليها أن الهدى حينما يسند إلى الله تعالى، فلا يراد به خلق الهدى من حيث الاسم، ولا من حيث المسمى، ذلك أن أسماء المعاني لا يصح إطلاق الاسم عليها دون وجودها وجوداً واقعياً، فالواقع سابق والاسم لاحق، وليس مراد القائلين بخلق أسماء المعاني أنه تعليم الاسم أو تعليم المسمى، مع تعليم الأمر به أو النهي عنه وإنما يقولون بأن المعاني اسماً ومسمى مخلوقه له تعالى، أي أنهم يفردون الله جلّ جلاله بالخالقية، مع أنَّ الله أسند الخالقية إلى غيره، قال تعالى على لسان عيسى: (( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ))(المائدة: من الآية110) وقال تعالى: (( وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً )) (العنكبوت: من الآية17) وقال: (( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ )) (المؤمنون: من الآية14) (( وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ )) (الصافات: من الآية125) فالله هو الخالق يخلق يخلق ابتداعاً، ويخلق إنشاءً ويبدؤ الخلق ثم يعيده، ولكن الإنسان إذ يخلق إنما يخلق وهو مخلوق، ومخلوق الإمكان فيه للخلق، فالله في خلقه الخلق لا يحده حدٌ، والإنسان إذ يخلق أفعاله وطاعاته ومعاصيه وإيمانه وكفره وتصرفاته، إنما يخلق مخلوق محدود في كل شيء، ولهذا تبارك الله أحسن الخالقين.

وعليه فإن قول حزب التحرير" وأما ما ورد من آيات تدل على نسبة الهداية والضلال إلى الله، فإن ذلك يعني أن الله خلق الهداية والضلال من العدم"(1).مثل هذه القول من حزب التحرير قولٌ لا معنى له، وإنما هو مجرد انشداد إلى قول أهل السنةـ، الرافضين إسناد خلق أفعال الإنسان إلى الإنسان، مع أن خَلَقَ وَفَعَلَ وَجَعَلَ وأَن~شَأَ وعَمِلَ وأَبدَعَ وإخْتَرَعَ وذَرَأَ وبَرَأَ وفَطَرَ إنما هي كلمات تتفق في أساس المعنى، وتختلف في درجاته وأحواله وهيئاته، وهي تستعمل على الحقيقة في فاعلها سواء أكان الله أم الإنسان، أم غير ذلك، والقرينة العقلية تجعل المعنى على حال في حق ذات الله، وعلى حال أخرى في خلق الإنسان، وحال ثالثة في حق الحيوان، وحال رابعة في حق النبات وخامسة في حق الجماد، وسادسة في حق الأفلاك، وسابعة في حق الأسماء والمعاني.

(1) أنظر الدوسية ص 35 .

وينبغي أن نعلم أن الفعل لا يكون بين فاعلين، بل له فاعل واحد سواء أكان الله الواحد المنزه عن المشاركة، أو الإنسان على سبيل الأفراد أو المشاركة، أو غير الإنسان،والمقدور لا يكون بين قادرين، فالعجب كل العجب من قول من يقول عن الهدى أنه خالق له تعالى، وفعل للإنسان بل هو للإنسان وحده، حين يكون المراد وجود معنى الهدى في نفسه، وهو له تعالى حين يكون المراد الدلالة والبيان، لما من شأنه الفوز من العذاب، أو عين الفوز، أما إن كان دلالة وبيان لأمر من أمور الحياة فهو لمن دل عليه، أو بينه سواء أكان العقلُ أو هادٍ ما، وعليه فإن كلمة الهدى كما وردت في القرآن الكريم يراد بها أحد المعاني التالية، أو ما هو داخل في هذه المعاني أو ما هو عائد إليها :

(1) الدلالة والبيان.

(2) زيادة الهدى لمن فعل الهدى لالإلطاف والتوفيق والتأييد والخواطر.

(3) سلوك الطريق المستقيم.

(4) الثواب والنجاة والفوز.

والمعنى الأول بفعله الله لكل المكلفين، والمعاني الثلاثة الأخرى لمن يستحقها، ولا يستحقها إلاّ المؤمنون بالقول الثابت، ولهذا لا يرد أن الله خالق للهداية، وهي فعل للإنسان في نفس الوقت.

أما الضلال فالأصل فيه أنه الهلاك، ويستعمل فيما هو طريق إليه، أو يكون حقيقة فيما يؤدي إلى الهلاك، أما ابن قتيبة فيقول عن الضلال أنه الحيرة والعدول عن الحق والطريق، فيقال ضل عن الحق وضل عن الطريق ومن معاني الضلال النسيان، قال تعالى على لسان موسى: (( قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ )) (الشعراء:20) وأضل القوم ميتهم أي قبروه، والضلال الهلكة والبطلان، وإضافة الضلال إلى الحق جلّ جلاله معناه العقاب، إذ الضلال وهو من فعل الفرد، طريق لعذاب الله تعالى، قال تعالى: (( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ )) (البقرة: من الآية26) أي وما يعذب الله بالمثل إلاّ من فسق، أي أظهر المعصية، فالمثل حجة عليه، ومثل هذه الآية قوله تعالى: (( وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ )) ( ابراهيم: من الآية27) أي يعذبهم وقوله تعالى: (( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ )) (القمر:47) وقوله: (( بلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ )) (سـبأ: من الآية8) وقوله: (( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ )) (الملك: من الآية9) فكل هذه الآيات يراد بالضلال العقاب. والذين صح منهم العزم وبأن القصد من طلب للهداية والسير فيها والعمل بمقتضاها، فإن الله جل وتعالى يخلق الله لهم بإلطافة زيادة في الهدى، وعلى العكس الذين صح منهم العزم وبأن القصد من طلب للضلال والسير فيه، والعمل بمقتضاه، فإن الله تعالى لا يفعل لهم ما يمنعهم عن السير في الضلال، ولا يقال إن هذا العمل من قبله تعالى منع للإيمان ورضا منه تعالى بالضلال، بل هي محاولة تحريك العقول بالاتجاه الصحيح، لأن السير على الضلالة والتمكين منه تمكين استطاعة، يبعثه على التفكير إن إراد التفكير، وجَعَلَ هذه الأعمال ابتلاءٌ قال تعالى: (( فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ )) (الفجر:15) ومن معاني الضلال الحيرة والشك، وهما يبعثان على طلب التخلص من الحيرة والشك، ما دام إنساناً عاقلاً سوياً طالباً للحق، وهذا ما عناه القرآن الكريم بقوله تعالى: (( وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى )) (الضحى:7) ومن معاني الضلال الذهاب به عن طريق الجنة إلى طريق النار،وهذا فعلٌ يحسن من الله تعالى أن يفعله والله  يفعله لمن استوجبه بكفره وعناده وسوء اختياره، ومِن وجوه معاني الضلال ما يلي:

(1) العقاب.

(2) العمل الذي يؤدي إلى العقاب.

(3) الحيرة والشك.

(4) الذهاب عن طريق الجنة إلى طريق النار لمن اختار ذلك الطريق.

(5) النسيان.

ومن المستغرب قول المرحوم الشيخ النبهاني أن الله خالق للضلال، تعالى عزّ وجل عن ذلك، سواء أكان الكفر أو المعصية أو الفسوق أو الدعوة لها أو تلبيس الأدلة، فكل هذه الأعمال لا يجوز إسنادها له تعالى لا حقيقة ولا مجازاً، بل هي حقيقة للإنسان الفاعل لها، ومجازاً للمزين لها من جنٍ وانس، فإسناد الهدى إلى الله حقيقةٌ هو إسناد الثواب، وإسناد الضلال إلى الله حقيقة هو إسناد العقاب، وأما غير ذلك فهو للإنسان أفعالاً على الحقيقة، أو لله تعالى توفيقاً للمؤمن، وبعثاً على طلب الخروج من  الشك والحيرة للكافر أو المعاصي أو الفاسق.

هذا هو موضوع الهدى والضلال كشف عنه البحث بإختصار، ولا بد من إعادة التأكيد على أن القول بأن الله خالق للهدى، بمعنى فعل الإيمان والطاعات، وخالق للضلال بمعنى فعل الكفر والمعاصي، إنما هو قول لا يجوز بحق الله تعالى، والقول بأن الله خالق للهدى من حيث هو هدى، وخالق للضلال من حيث هو ضلال، أي خالق لمسنى الهدى والضلال، أمر لا يقع الحس عليه، فالهدى يطلب مهتدين بالتلازم، والضلال يطلب ضالين بالتلازم، فالإنسان يضل، وهو مُمكّنٌ من أن يسير على الهدى، أو على الضلال، وكم كان بحث حزب التحرير صحيحاً في أوله!

دون تمعن بالآيات من أن الهدى الذي ينسب إلى الله هو الثواب، والضلال الذي ينسب إلى الله العقاب، ومن هذا المعنى يُعلم صحة الآيات وصدقها التي نسبت الهدى والضلال إليه تعالى، أي الثواب لمن يستحق الثواب، والعقاب لمن يستحق العقاب.

الناصر والمنتصر والمنصور

من هو الناصر؟ وكيف يحدث النصر؟ ومتى يستحق الإنسان نصراً؟

هذه الأسئلة الثلاثة المحيرة والتي تكاد أن تكون لغزاً، يستعصي على الحل، تكمن فيها إشكالية أو مشكلة النصر المعقدة.يقوم الإنسان بأعمال سياسة أو حربية فتتحقق له نتائج تفوق التوقعات من درء خطر أو جبن عدوٍ أو نصر متميز وقد تكون النتائج أقل من التوقعات من خسارة كبيرة وقوة للعدو وهزيمة ساحقة رغم التميز بالعدة والأعداد. هزت هذه النتائج في الحالين مفهوم السببية، عند كثير من مفكري الإسلام، وأقاموا عمارة فكرية تفصل النتائج عن الأفعال، فالنتائج لله وحده.السببية لا تفعل في فراغ، بل تفعل وفق شروط وأوضاع وظروف، وأحوال ومتغيرات مؤثرة أوو مساعدة لظهور أثر السببية.

فالنصر أو الهزيمة لا يحصلان، لمختلف عن مباشرة القتال، فالمستكين ليس منصوراً ولا مهزوماً، والنصر يأتي من خلال جملة من المؤثرات والأحوال المساعدة إضافة إلى الفعل الإنساني. وعندما يتأخر النصر على العدو، فأبحث عنه في الفعل الإنساني، أولاً، وفي المؤثرات والأحوال المساعدة ثانياً، أي ابحث عن ذلك موضوعياً ولا تهرب إلى القدرية الغيبية أو الحتمية التاريخية، فكلاهما لا يفعل.النصر بمعنى انتصار الحق وهزيمة الباطل له وجوده، أحد وجوهه النصر الثواب والجزاء في الآخرة مع العقاب والخذلان للمفسدين الظالمين، فطلب النصر يكون في الفعل الإنساني، وإعادة تكراره المرة تلوه المرة.

النصر في الدنيا في فكر حزب التحرير

لم يورد حزب التحرير موضوع النصر كفكر من الأفكار المتبناة، فهو لم يرد في أي كتاب متبنى، أي الكتب التي يشار إليها بأنها من منشورات حزب التحرير، وإنما ورد موضوع النصر في أجوبة أسئلة، وهي غير متبناة، إلاّ إذا كانت أجوبة الأسئلة توضيحاً لفكر متبنى، وليس هناك من فرق بين المتبنى وغير المتبنى في طريق التبني، فالمتبنى وغير المتبنى يخضع لطريقة التبني عند الحزب، فالفرق الوحيد هو أن الحزب يعاقب أعضاء الحزب على مخالفة المتبنى، ولا يعاقب على مخالفة ما لا يتبناه، وإن كان يكره أن يخالف شبابه ما نشره من مواضيع غير متبناة، لأنها تسير على وتيرة واحدة في شروط نشرها، من كون أدلتها هي نفس الأدلة وهي نشرت على نفس الطريقة في التبني.

موضوع النصر ورد في أجوبة الأسئلة، إذ أجاب أحد السائلين من شبابه عن كيفية التوفيق، بين آية (( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)) (آل عمران: من الآية140) وبين آية (( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ )) (الروم: من الآية47) بقوله فإن معناها أن الله تعالى أرسل قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم، وأتي هؤلاء الرسل فانتقمنا ممن كفر (( فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا )) (الروم: من الآية47) وكان عقابنا لهؤلاء الكفار حقاً، أي عقاب حق، وعلينا أن ننصر المؤمنين، وفي هذه الحالة يوقف على كلمة (حقا) فيكون: فكان انتقامنا من الذين أجرموا حقاً، هذا قول، والقول الآخر وهو الأرجح، وكان نصر المؤمنين حقاً على الله، أي نصرُ الله للمؤمنين محقق، فالموضوع كله بيان لما يفعله الله حين يصطدم الكفار بالمؤمنين، فإن الله ينتقم من الكفار وينصر المؤمنين، وعلى ذلك فلا يكون البحث في موضوع الرسل، بل هو عام، ويجوز أن يكون الموضوع خاصاً بالرسل، أي كما نصرنا الرسل من قبلك، فإننا ننصرك أيضاً لأن نصر المؤمنين، حق علينا، وعلى أي القولين فإنه لا علاقة لذلك بآية (( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ )) (آل عمران: من الآية140) فكل منهما في موضوع غير الموضوع الآخر"(1) .

(1) أنظر دوسية الأجوبة و الاسئلة القسم الفكري ص 94 جواب سؤال تاريخ 21 محرم 1389 الموافق 11-4-1969 م .

ويواصل الحزب القول بعد ذلك الشرح لآية (( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ )) (الروم: من الآية47) وأن لا علاقة لها بآية (( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ )) (آل عمران: من الآية140) فيقول: " والذي نريده أن يفهم بوضوح أن آيات النصر غير هذه صريحة بضمان النصر (( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ )) (الحج: من الآية40) (( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )) (غافر: من الآية51) ولكن هذا يجب أن يقرن بما طلبه الله في نصوص أخرى، من الأخذ بأسباب النصر، وهي أسبابٌ وليست حالات، أي هي ليست من قبيل الرزق والموت،بل من قبيل الأخذ بالأسباب فإن ذلك لا يناقض آيات النصر، بل من المؤكد أن النصر لا يأتي إلاّ إذا أخذ بأسبابه، ولو كان الذي يصطدم بالكفار نبياً فالأخذ بأسباب النصر فرض، وهو سبب وليس بحالة، ولا يمكن أن يحصل المسبَّب وهو النصر إذا لم يوجد السَّبَب، وهو الأخذ بأسباب النصر، فآيات النصر كلها مشروطة تحققها بتوفر الأخذ بأسباب النصر"(1) .

هنا يعطي حزب التحرير رأياً واضحاً، وهو ارتباط النصر الذي هو نتيجة بأسبابه، الذي هو الآخذ بالأسباب، ويحاول حزب التحرير أن يفسر الآيات التي تسند النصر إلى الله تعالى بأنها أدلة على العقيدة، ولذلك يقول وأما قوله تعالى (( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ )) (آل عمران: من الآية160) (( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )) (آل عمران: من الآية126) وما شابه ذلك فإنها أدلة على العقيدة لأن النصر بيد الله، مثل دليل القدرة بأن الله قادر على كل شيء، ولا علاقة لها بحصول النصر أو عدم حصوله، فالله كتب على نفسه أن ينصر المؤمنين وفي نفس الأمر أمرهم بالأخذ بأسباب النصر(2) .

(1) أنظر ملف النشرات الفكرية 94 جواب سؤال مؤرخة 21 1389 الموافق 11 - 4 - 1969 م .

(2) أنظر ملف النشرات الفكرية ص 94 السؤال لجواب مؤرخ 21 محرم ذي القعدة 1389 الموافق 11 - 4 - 1969 م .

هذا الجواب للسؤال الذي جعل النصر مرتبطاً بالأخذ بأسبابه، وجعله مع ذلك إلى الله تعالى، جعل أحد أعضاء الحزب يرسل سؤالاً طويلاً حول الموضوع، ويرى صاحب السؤال وجود تناقض واضح، واختلاف بين وتعارض ظاهر، في القول بأن الأخذ بالأسباب هو الذي يأتي بالنصر، ويقتبس السائل فقرة وردت في الدوسية فقد نقلها له بقوله:" إن الأخذ بأسباب النصر أي الأعداد أو ما عبر بالتفوق هو حالة من الحالات التي يحصل فيها النصر وليس سبباً للنصر" أما العبارة في الدوسية فتقول "قد يحصل التفوق ولا يحصل النصر بل قد يحصل لمن هو أقل قوة " ويستنتج السائل من مراجعته للدوسية في موضوع الرزق أن موضوع النصر شبيه بموضوع الرزق فكما أن الرزق بيد الله فالنصر بيد الله"(1) .

ومثل هذا الفهم لأحد أعضاء حزب التحرير أمر متوقع إذ أن ذوقه مبنيٌ على عدم ربط النتائج بالأفعال المتقدمة عنها، فحزب التحرير فكَّ الارتباط بين الفعل ونتيجة في أكثر من موضع، وخاصة في الرزق والأجل وفي مفعولية الفاعل الإنساني المختار، فالزنا الواقع على فتاة بالاغتصاب هو فعل القضاء، فأجاب حزب التحرير عن سؤال السائل بما يلي:" إن آيات النصر صريحة بأن النصر من الله، وأن الناصر هو الله، فالله تعالى يقول: (( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ )) (غافر:51) ويقول (( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ))(الحج: من الآية40) ويقول مخاطباً الرسول عليه السلام (( وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً )) (الفتح:3) فهذه الآيات وغيرها كثير تدل دلالة صريحة على أن الله هو الذي ينصر، وأن النصر إنما يأتي من الله(2). ويؤكد حزب التحرير أن الأدلة صريحة في طلب الإعداد للقتال، مستشهداً بآية واعدوا، والإعداد كما يكون للإرهاب فمن باب أولى للقتال، وأن قوله تعالى قاتلوا إنما هي أمر بالوسيلة التي يتحقق فيها القتال، وعمل الرسول صلوات الله عليه وسلم يدل على أن الإعداد للقتال فرض مُحتّم، ويخرج حزب التحرير من هذه القراءة بنتيجة مفادها "أن الإعداد للقتال واجب بصريح الأدلة وأن النصر على الأعداء يأتي من الله (3) .

(1) أنظر ملف النشرات الفكرية ص 95 السؤال لجواب مؤرخ 3 ذي القعدة 1389 الموافق 10 - 1 - 1970 م .

(2) أنظر ملف النشرات الفكرية ص 96 جواب سؤال .

(3) ملف النشرات الفكرية 96 جواب سؤال .

ويحاول حزب التحرير حل هذه العلاقة الإشكالية، ما بين النصر والإعداد مفرقاً بين مجرد الإعداد والإعداد الكافي، ومفرقاً بين النصر وبين النصر في معركة، فيقول الحزب : " أن هناك فرقاً بين مجرد الإعداد وبين أن يكون الإعداد إعداداً كافياً، وأن هناك فرقاً بين النصر من حيث هو نصر ، وبين النصر في معركة معينة ، أما النصر من حيث هو فلا شك أنه من الله(1) وعن الإعداد يقول : " وإن كفاية الإعداد وعدم كفايته ليست سبباً من أسباب النصر"(2) ويقول : " محل البحث ليس النصر من حيث هو نصر" وليس كفاية الاعداد وعدم كفايته ، وانما محل البحث هو النصر "(3) ويقول " فحصول النصر سببه الإعداد"(4) ويقول من هنا كان النصر بسبب حصول الإعداد فيكون سبباً له، إلا أنه لا بد من ملاحظة أنّ السببية آتية من حصول النصر وليست من كفاية الإعداد وعدم كفايته"(5) .

(1) ملف النشرات الفكرية ص 96 جواب سؤال .

(2) ملف النشرات الفكرية ص 96 .

(3) ملف النشرات الفكرية ص 96 جواب سؤال .

(4) ملف النشرات الفكرية ص 96 .

(5) ملف النشرات الفكرية ص 96 جواب سؤال مؤرخ 3 ذي القعدة 1389 هـ 10 - 1 - 1970 م .

وإذ المطلوب إعادة صياغة هذه الأفكار فإن الصياغة هي كما يلي :-

(1) النصر من حيث هو نصر الله تعالى.

(2) الإعداد سبب النصر.

(3) النصر ليس سببه الإعداد الكافي أو غير كافي.

(4) حين حصول النصر الذي تقدمه الإعداد يكون سببه الإعداد.

وهذه الأفكار الأربعة فيها من التناقض والاختلاف والتعارض ما هو واضح وجلي، المر الذي جعل أحد أعضاء الحزب يعطي وجهة نظر في الموضوع، حيث احتمل أن يكون الإعداد وما سماه الحزب أسباباً في الجهاد هي من قبيل الشروط، وليس الأسباب التي تُنتجُ المسببات، وهكذا سار البحث حول النصرـ، وهل هو من الله؟ أم هو الإنسان؟ وإذا كان النصر لله تعالى فهل الإعداد حالة من الحالات؟ التي جرت العادة عند وجودها أن يحصل النصر، وقد لا يحصل، أو هل الإعداد سبب النصر؟ واخيراً هل هو مجرد شرط للنصر؟

أجاب الحزب السائل شَرَحَ معنى الشرط فقال" الشرط هو ما كان مكملاً لشروطه، فالحول في زكاة النقد مكمل لملكية النصاب فهو شرط لوجوب الزكاة، والإحصان في حكم الزاني، حكم لوصف الزاني فهو شرط في وجوب الرجم، والوضوء مكمل لفعل الصلاة فهو شرط في الصلاة وهكذا"(1) من الملاحظ أن الحزب بحث في الشرط الوجودي، أي البحث في تعليق شيء بشيء، بحيث إذا وجد الشرط وجد المشروط، ف (س) من الحرارة شرط في غليان كمية (ص) من الماء، هذا هو الشرط المبحوث عنه، وليس الشرط في أحكام الوضع، وللشرط تعريف آخر وهو ما يتوقف عليه وجود الشيء فيكون خارجاً عن ماهييه، فالبحث عن شرط إذا وُجد  وجد الثاني، أما الشرط الشرعي فهو شرط يثبت به الحكم معنوياً، بغض النظر عن الوجود أو عدمه، وليس معلوماً سر عدول الحزب عن بحث معرفا " السبب بأنه ما يلزم من وجوده وجود ومن عدمه العدم"(2) وبدلاً من التمثيل على السبب من حيث هو سبب وجودي، مَثّلَ على السبب من حيث هو سبب أصولي، ولهذا أضاف إلى تعريف السبب قوله : " ولم يكن الباعث على تشريع الحكم، كشهر رمضان ووقت المغرب وكسوف الشمس، وكل هذه أسباب شرعية لأحكام شرعية، فشهر رمضان لا يلزم من وجود وجود الصوم وإنما الأمر بالصوم فقد يصوم البعض أو الأكثر من المسلمين ولكن الكفار لا يصمون تأكيداً فالمبحوث عنه ليس السبب الشرعي وإنما السبب الكوني أو العلمي مثل تبخر الماء وتجمده، ومثل نزول المطر وشدة حرارة الشمس، فالشرط والسبب الشرعيان لا يحلان إشكالية النصر، من حيث هو نصر، وإنما يحلان إشكالية الحكم الشرعي من حيث هو حكم شرعي.

(1) أنظر ملف النشرات الفكرية ص 98 جواب سؤال بدون تاريخ .

(2) أنظر ملف النشرات الفكرية ص 98 جواب سؤال بدون تاريخ .

إن حزب التحرير واقع في حيرة في أمر النصر، على أكثر من صعيد فالإعداد عنده سبب للنصر إذا تحقق النصر، وهكذا صار الإعداد سبباً وغير سبب والنصر من حيث هو نصر من الله تعالى، والنصر له حالات، إذ قال ما يلي:" النصر من الله وهو كالرزق له حالات إلاّ أن الحالة الواحدة لا يتأتى منها النصر إلاّ إذ وُجدت، فإذا لم توجد لا يأتي منها، وقد يأتي من غيرها فالنصر من الحالة لا يأتي منها إلاّ إذا وجدت، ولكن الحالة نفسها لا تؤدي إلى النصر حتماً، فالنصر منها لا يأتي إلاّ بوجودها، ولكن وجودها لا يحتم وجود النصر"(1) .

(1) جوابه سؤال مؤرخ 10 جمادى الثانية 1390 هـ الموافق 8 - 1970 ملف النشرات الفكرية ص 99 .

ويقول في إعادة النظر " إنه بالرغم من هذا التجمد في أوضاع الحزب والأمة والمجتمع، فإن الحزب تغمره الثقة التامة أن نصر الله سيحصل، وان الله سييسر له الوصول إلى الحكم، وتطبيق الإسلام أما متى سيتحقق ذلك فعلمه عند الله وحده في الوقت الذي يحدده ويريده"(1) ويقول أيضاً " ومع ذلك فإننا نؤمن إيماناً لا يتطرق إليه إرتياب أننا لو حققنا جميع أسباب النصر وشروطه فإنه لا يتم لنا النصر إلا بإرادة الله سبحانه وتعالى لأن النصر من عنده وحده (( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )) (آل عمران: من الآية126) وأنه سبحانه متى أراد النصر هيأ أسبابه من حيث يدري الإنسان ومن حيث لا يدري ولا يخطر له على بال"(2) وهكذا يخرج القارئ لموضوع النصر في فكر حزب التحرير، دون أن تتحدد له الأمور، إلا الرؤية الجبرية المعتمدة على أن الله ينصر المؤمنين.

(1) اعادة النظر ص 9 صدرت في 19 جمادى الأولى 1405 هـ وفق 10 شباط 1985 م .

(2) اعادة النظر ص 10 .

للإجابة الصائبة في موضوع النصر، لا بد من إعادة التاكيد على رفض المدرسة الجبرية، التي تسند وجود الأفعال كلها للواحد القهار، سواء سميت هذه المدرسة الجبرية الخالصة، أو جبرية الكسب، أو جبرية الخلق القائلة بأن الله خالق أفعال العباد على الحقيقة، والعباد فاعلون لها حقيقة.

إن كل آيات النصر التي تسند النصر إلى الله تعالى، لم تقل إن الله فاعل للنصر، وإنما أضاف النصر إلى نفسه سواء إضافة والإسناد لا يدلان على أن المضاف والمسند من فعله تعالى، وإنما تقسم إلى جهات، فكيف يتعلق الجبريون في كافة مسمياتهم بظاهر القول؟ دون حقيقته، ومن المعلوم لكل دارس للقرآن أن الإنسان مكلفٌ، وأنه قادر على أن يفعل أو لا يفعل، وأن للحق جل جلاله إلطافاً، تحصل للمكلف تأييداً وعوناً وتثبيتاً ومدداً إن كان الفعل على وجه التوفيق، وقد يفعل الله للمكلف الابتلاء والتمحيص، أي يفعل الله الأصلح لخلقه فكيف يقولون بأن الله هو فاعل النصر؟!.

على أن النصر يأتي على معان وجهات، فالنصر كما يكون بالغلبة والقهر للعدو في المعركة، يكون في الحجة إذا ظهرت للمؤمن على العدو، وتكون بالمنزلة الرفيعة وللكافر الاستخفاف والإهانة، وقد يكون النصر يتحمل المشقة فيما يؤدي إلى الثواب، وقد يكون النصر هو الثواب نفسه، ولذلك يصح القول بأن المؤمنين منصورون دائما، وإن الكفار مخذولون دائماً، لأن النهاية ثواب المؤمنين وعقاب الكافرين.

والله قد ينصر المؤمنين في الحرب بأن يمدهم بالملائكة، وقد ينصرهم بأن يخطر ببالهم ما أعد لهم في الجنة، فتقوى نفوسهم وتثبت أقدامهم، وقد يؤيديهم بإنزال ضعف النفس بالعدو، لأن ذلك يوهن حالة ويضعف قلبه، فيؤدي إلى استيلاء المؤمنين وغلبتهم، مع ملاحظة أنَّ قد مع الفعل المضارع تفيد التوقع، وليس التأكيد، ولهذا ربما علم تعالى أن الصلاح للمؤمن أن لا يؤيده بشيء، فيحمّله الصعب ويلزمه المشاق، من حيثُ يعلم أن له فيه المصلحة، فلا يكون الله تعالى مؤيداً له في باب الظفر، وإن كان فاعلاً فيه ما هو الأصلح له، وعلى كل فهذه التأييدات ليست أفعالاً، بل هي خواطر ودواعي فقط، وهي خواطر ودواعي للعاملين المخلصين الثابتين العابدين، الذين قاموا بإيجاد العدد والعدة، وباشروا المعركة فعلاً لا انتظاراً، مع العلم أنه قد يجري الله عكس التأييد لمصلحة المؤمنين يعلمها الله.

إن إنهاض المسلمين بالإسلام عمل لا يفعله الله، وإنما يفعله المكلفون وإن شدة الحرب بالمعركة لا يفعلها الله، وإنما يفعلها المحاربون وإن الثبات في المعركة لا يفعله الله، وإنما يفعله المؤمنين بإحدى الحسنيين، ومن هنا فإن النصر بالمعركة منوط بمن يعمل لذلك، وأن إنهاض المسلمين على أساس الإسلام منوط بالعاملين، لذلك، وإذا ما تأخر الإنهاض أو تحققت الغلبة للكفار فليحاسب العاملون أنفسهم. فصبراً صبراً على مقارعة الأعداء.

الخالدون في جهنم

من هم الخالدون في جهنم؟ أهم فقط أهل الجحود لشهادة الإسلام؟

وهؤلاء العصاة والمجرمون والمفسدون والمرتكبون للفواحش والخائنون لأمتهم، أهم معذبون على الذنوب والمعاصي فقط؟ وبعدها يدخلون الجنة، ولأنهم كانوا من أهل النار فإن فرحتهم ونعيمهم والتلذذ بهذا النعيم ـ بعد معاناة العذاب ـ سيفوق فرحة ونعيم أهل الدرجات العلى !!.هذه المسألة نقلية، ودور العقل فيها ضئيل الأهمية، والقرآن الكريم لم يذكر الخروج من النار بأي كلمة صريحة أو غير صريحة، بل الخلود هو المجمع عليه وإن ظهر اختلاف في معناه بين المكث المنقطع أو المكث الدائم.وهذه المسألة ظهرت مبكراً، ولم يقل أي صحابي مشهور بأن هناك انتقال من النار إلى الجنة، لأنهم يتلون القرآن الكريم ويتدبرونه، ولا يجدون به إلاّ وعداً ووعيداً وهم يعلمون أن الله صادق الوعد والوعيد، ولا يخلف وعده ولا وعيده، ولا قيمة للأحاديث المزورة في الخروج.

الناس الذين يقولون بعدم خلود العصاة من امة محمد، يستندون في مقولاتهم إلى نصوص الحديث، ومثل هذه النصوص يجب على المؤمن ردها لأنها في محل التعارض مع القرآن الكريم ومع عدل الله.العقائد تؤخذ من دليل عقلي ساطع، أو من دليل نقلي أثبت العقل يقيناً أنه من الله تعالى، ونصوص الحديث هي نصوص ظنية الثبوت، وظنيتها أمر مجمع عليه عند المسلمين، وإثبات أنها ظنية من السهولة بمكان.ولهذا لا تصلح الأحاديث للإستدلال بها على العقائد، إمّا إن كانت في محل التعارض مع المعقول الحسي أو الصريح من القرآن الكريم، فالواجب ردها لأن الرسول لا يقول الجور ولا يقول ما يخالف القرآن.

الجزاء في فكر حزب التحرير

لم يضع حزب التحرير بحثاً منفرداً في الجزاء، وإنما ذكر الجزاء في سياق مواضيع، هي معنى الإيمان بيوم القيامة في الشخصية الإسلامية الجزء الأول ص 32، وفي كتاب نظام الإسلام في سياق بحث الإيمان، ووردت كفكرة عارضة في مواضيع أخرى، وفي عدد من أجوبة الأسئلة.

يقول حزب التحرير في الشخصية الإسلامية " ويَدخُل النار من شاء الله تعالى من المسلمين، الذين رجحت كبائرهم وسيئاتهم على صغائرهم، وعلى حسناتهم ثم يُخرجون منها ويُدخلون الجنة قال الله تعالى: (( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً )) (النساء:31) وقال تعالى: (( وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ )) [ القارعة ] "(1).

(1) الشخصية الاسلامية الجزء الأول ص 33 .

لا بدّ من وقفةٍ عند هذه العبارة، فلقد جُعلت الصغائرُ من الذنوب في ميزان الحسنات، والظن أن الأمر خطأ مطبعي، ويصحح بحذف على الواردة قبل الصغائر ووضع واو العطف بدلاً منها، وحذف واو العطف الواردة قبل على حسناتهم، ليكون الكلام هكذا الذين رجحت كبائرهم وسيئاتهم وصغائرهم، على حسناتهم أما إذا بقي الكلام كما هو فإنه دعوة للإكثار من الذنوب الصغيرة، لأنها توضع في ميزان الحسنات، والأمر الثاني في هذه العبارة أن الآيتين لا علاقة لهما من قريب ولا من بعيد بالخروج من النار، بعد الدخول فيها، والأمر الثالث في هذه العبارة المليئة بالغرائب قوله ويدخل النار من شاء الله تعالى من المسلمين، والسؤال الذي يرد هل النار إستحقاق على الأفعال؟ فيكون دخول النار لمن فعل ما يستحق به الوعيد أم النار والجنة على المشيئة في مفهوم فكر أهل السنة؟ أم هي على المشيئة في مفهوم صدق وعد الله وصدق الوعيد؟ فمن استحق الوعد شاء الله له دخول الجنة باستحقاقه دخولها، فالجنة والنار بالاستحقاق، ومشيئة الله هي دخولها بالاستحقاق.

ما سبق سؤال مشروع، والإجابة عليه ضرورية، والآيات المستشهد بها ليست في موضوع الخروج من النار، بل هي في موضوع صدق الوعد وصدق الوعيد.وفي نظام الإسلام يقول حزب التحرير" فالإنسان يجب أن يكون سائراً في الحياة وفق أنظمة الله وأن يعتقد أنه يحاسبه يوم القيامة على أعماله في الحياة الدنيا"(1).والحساب كما يقول حزب التحرير هو على أعماله في الحياة الدنيا، دون أن يُفضّل في الأعمال والحساب، بل لم يذكر الجزاء الذي هو علاقة الحياة بما بعدها بغير العبارة السابقة القاصرة.

أورد حزب التحرير في أجوبة أسئلة مؤرخة 24 ربيع الأول 1383هـ 12 /8/ 1964 م وفي الجواب الثاني منها، يقول "أما حيث العقوبة في الآخرة فإن الله يعاقب على كل محرم من غير تمييز، ويغفر كل ذنب إلا الكفر"(2)، وإذ كان هذا القول في سياق عدم التفريق بين الصغائر والكبائر، فإن حزب التحرير لم يُعد نشره في دوسياته الست، لكنّ القولَ هذا نفسه لا يزال هو المتبنى عند حزب التحرير، والدليل على ذلك قوله في أجوبة أسئلة نشرها في 1 من ذي الحجة 1410 هـ الموافق 22/ 6/ 1990 إذ قال ما يلي" لا يجوز تكفيرُ أحد من المسلمين ما دام يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله مستيقنا بها قلبه، وما دام لا يجحد شيئاً مما علم من الدين بالضرورة، ولا حكماً ثبت بالدليل القطعي، فقد روى مسلم عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ) كما روى مسلم عنه صلى الله عليه وسلم قوله ( ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبد ورسوله إلا حرم الله عليه النار)، كما رُوى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله ( من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة ) فهذه الآيات ! ( هكذا كتبت في الدوسية مع أنها في الأجوبة الأصلية الأحاديث ) صريحة في أن من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله مستيقنا بها قلبه، يكون من أهل الجنة وليس من أهل النار ومن كان من أهل الجنة لا يكون إلاّ مسلماً، ولا يكون كافراً وفي هذا دلالة على أن المسلم لا يَكفرُ بذنب ارتكبه، ما دام لا يجحد شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة ولا شيئاً ثبت بالدليل القطعي(3) انتهت الفقرة الأولى من الجواب.

(1) نظام الاسلام الطبعة الخامسة ص 10 .

(2) أنظر أجوبة وأسئلة الدفتر ص 10 .

(3) أنظر الأجوبة الفقهية ص 357 .

يؤكد حزب التحرير عدم جواز تكفير المسلمين الشاهدين الشهادتين، بل والشهادة الواحدة، كما هي في حديث أبي هريرة، ويتناسى حزب التحرير تكفيره لبعض حكام المسلمين، لأن أعمالهم وتصرفاتهم تنم عن اعتقادهم، إذ قال في أحد الأجوبة : " أما الحكام فإن تصرفاتهم تدل على عدم الاعتقاد ولو اظهروا غير ذلك كالملك خالد والأمير فهد فالحكام إذا طبقوا غير الإسلام فإن ذلك يعني عدم صلاحية الإسلام لأنهم أحرار في التطبيق"(1) وبهذا يتبين تناقض حزب التحرير مع نفسه، فتارة يجعل الشهادة مقياس الإسلام والإيمان، وتارة يجعل الأعمال والتصرفات مقياس الإيمان والإسلام، فهو في حيرة بين الرأيين ولو قال بالمنزلة بين المنزلتين، لأراح نفسه من عناء التناقض.

(1) أنظر الأجوبة الفقهية ص 348 .

على أن هذا الأحاديث الثلاثة التي جاء بها من صحيح مسلم، مكتفياً بذكر الصحابي في اثنين منها هما عثمان وأبو هريرة، دون الإشارة إلى الثالث، ودون ذكر لإسناد مسلم كله، ودون أن يشير إلى اختلاف المسلمين في قضية إيمان أو عدم إيمان صاحب الشهادتين، الذي يقوم بأفعال يهون الكفر المجرد إلى جانبها، لما يلحقه من ضرر بالمسلمين، مثل الخائنين والمتواطئين مع الكفار المحاربين ضد المسلمين، مُغفلاً عن قصد وعمد سياق الحديث الثاني والثالث، مكتفيا بقسم من كل منهما إذ فيهما مادة تاريخية، وهي بكاء الصنابحي عندما رأي عبادة بن الصامت على فراش الموت، ورغم تعديل ابن سعد وابن حبان والعجلي للصنابحي دون أن يعاصروه، ومع هذا تمدحوا بمناقبه، لقد ذكر ابن معين أن عبد الملك كان يجلسه معه على السرير، وقد يُدّعى كالعادة أن عبد الملك أجلسه لورعه ومناقبه، لكنّ الأمويين لا يجلسون كلَّ تقي، بل يجلسون كل من قدم لهم خدمة، والصنابحي مات ما بين السبعين إلى الثمانين ذكره البخاري في التاريخ الأوسط.

أما حديث أبي هريرة الذي لم يورد الحزب إلا جزءاً يسيراً منه هو، " من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره في الجنة" انتهى ما ذكره الحزب فإن الحديث كما ورد في مسلم هو كما يلي " حدثني زهير بن حرب حدثنا عمر بن يونس الحنفي حدثنا عكرمة بن عمار حدثني أبو كثير قال حدثني أبو هريرة قال: كنّا قعوداً حول رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بين أظهرنا، فأبطاً علينا وخشينا أن يقتطع دوننا، ففزعنا فقمنا فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أحدُ له باباً فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجه، والربيع الجدول فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو هريرة، فقلت نعم يا رسول الله، قال ما شأنك قلت كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا، فكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي، فقال يا أبا هريرة ( وأعطاني نعليه ) قال: أذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر فقال ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت هاتان نعلاً رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديَيَّ  فخررت لأستي، فقال: أرجع يا أبا هريرة، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأجهشت بُكاءً، وركبني عمر فإذا هو على أثري، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، مالك يا أبا هريرة؟ قلت لقيت عمر فاخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثَدْيَيَّ ضربةً خررت لأستي، فقال ارجع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر ما حملك على فعلك؟ قال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك من لَقِيَ يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بَشَّرُه بالجنة، قال نعم قال: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلِّهم يعملون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فَخَلِّهم.

هنا لا بد من الإشارة إلى أن في سند الحديث عكرمة بن عمار، ويكفي قراءة ما ورد في تهذيب التهذيب في شأنه، فهو يبلغ من الضعف حداًّ لا يمكن الاطمئنان إلى حديثه [ على طريقة المحدثين ]، ولم يرتكز أهل الحديث إلى روايته وإنما ارتكزوا إلى طرق أخرى، والطريق التي فيها عكرمة بن عمار لا تصلح في المتابعات، وإنما تصلح في الشواهد أو في المتابعات والأعتبار بهما، حسب منهج أهل الحديث، مع أن منهج أهل الحديث عليه تحفظ، من كونه يهتم بالأسانيد دون المتون. لكن ما هو أهم من هذا ! كم هي غرائب هذا الحديث؟ وكم هي عجائبه؟ وكم هي منكراته؟!.

أولها : الرسول يخرج في حالة أقرب إلى الذهول، ليجلس داخل حائط للإنصار، ليس له بابٌ وليطيل المكث حتى خشي أصحابه عليه !.

ثانياً : أن الزمن الذي وقع به الحدث هذا، هو بعد 7 للهجرة لأن أبا هريرة أسلم بعد حصار خيبر، وكانت إشكالية اليهود قد انتهت، وآخر ما جرى مع اليهود هو حصار خيبر، وبتسليم أهل خيبر انتهت الأخطار في داخل المدينة !.

ثالثا : من كان خُلُقُهُ القرآن لا يرسل مبلغاً للناس، وإمارة صحة التبليغ نعلاً رسول الله، على أن عمر بن الخطاب وهو من المقربين، لم يعرف النعلين.

رابعاً : كيف يقبل الرسول صلوات الله عليه توجيه عمر للتبليغ؟ !!! فيكفَّ عن التبليغ بإشارة من عمر !.

خامساً : كيف استهدى أبو هريرة دون خلق الله أجمعين ! إلى مكان رسول الله، أكان ملهماً؟ !!. ولماذا دخل الحائط وأستطاع أن يرجع منه قبل أن يلحقه بقية الناس؟ ولماذا لم يظهر على المسرح إلا ابن الخطاب؟!

سادساً : ما هي قضية الحائط الذي لا باب له؟!.

سابعاً : هذه الأحاديث في محل المعارضة للكثير الكثير من الآيات الكريمة ! ويكفي سورة العصر التي تطلب أعمالاً أربعة  إيماناً  وعمل الصالحات، تواصي بالحق  وتواصي بالصبر.

ثامنا : لقد وردت أحاديث كثيرة تثبت خلوداً للعصاة من أمة محمد، مما يجعل هذه الأحاديث غير مقبولة لمعارضتها لما هو أقوى منها ولغيرها.

ومع كل ذلك فإن حزب التحرير لم يحزم أمره في موضوع علاقة الحياة فيما بعدها، فتارة نراه من رأي الجبرية الخالصة، أي لا تضر مع الإيمان معصية، كما هو واضح من إجابة السؤال ذي الأحاديث الثلاثة: حديث عثمان، وحديث عبادة بن الصامت، وحديث أبو هريرة، وتارة يُدخل النار من كانت سيئاتهُ أكثر من حسناته، وتارة يثبت الحساب والثواب والعقاب، فالموضوع المثار قديماً وهو مصير أهل الكبائر، الخارجين من الدنيا وهم مصرون عليها، وأهل المعاصي المحيطة لكل خير فعلوه، وهل هم من أهل الخلود؟ بل أثبت أنهم سيخرجون بعد بقائهم زمناً في العذاب إلى الجنة، فتكون النار ليست مصيراً لهم بل بقاءً منقطعاً، بعده الجنة والثواب العظيم !.

هكذا نعلم : أن حزب التحرير يقول برأي ما يسمى أهل السنة والجماعة، من أن عصاة أمة محمد لا يُخلَّدون في العذاب، دون أن يقدم دليلاً واحداً على ذلك، أما الأحاديث الثلاثة فهي نصوص لصالح الإرجاء الخالص، وهكذا لم يجب حزب التحرير إجابة فكرية عن علاقة الحياة بما بعدها، وبقي على الإجابة السائدة، والتي نادى بها الجبريون من سلاطين الأمويين والعباسيين خدمة لبقائهم في الحكم.

المرحوم تقي الدين النبهاني والمعتزلة

ذكر المرحوم النبهاني المعتزلة في كتاب نظام الإسلام، وفي الشخصية الإسلامية الجزء الأول، وفي الدوسية، وفي جواب سؤال، وفي كتاب التفكير، ولدراسة الموضوع بعناية يقتضي توثيق الفقرات التي أوردها عن المعتزلة، والقيام بعد ذلك بعملية نقذها نقداً موضوعياً، وهذه بعض الفقرات التي وردت عن المعتزلة :

(1) في نظام الإسلام في بحث القضاء والقدر ص 13 الطبعة الخامسة قال تقي الدين النبهاني رحمه الله:" وللمعتزلة رأي يتلخص في أن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله بنفسه فهو يحاسب عليها، لأنه هو الذي أوجدها" وعندما حاول إيجاد أساس لبحث القضاء والقدر، قال الشيخ رحمه الله: " وهذا الأساس ليس هو فعل العبد من كونه هو الذي يخلقه أم الله تعالى" هنا نعلم أن المرحوم رفض خلق الفعل أساساً لفهم موضوع القضاء والقدر، أي رفض الأساس المشاهد من كون الفعل الإنساني، يقع حسب دواعي الإنسان، ووفق صوارفه عند الإنسان، وأحالنا إلى أساس لم يصرح به!.

(2) في الشخصية الإسلامية الجزء الأول.يعتبر موضوع " نشأة المتكلمين ومنهجهم" ص 35- 41 من أكثر المواضيع أهمية، إذ أنه في الحقيقة متوجة إلى مناقشة منهج المعتزلة دون غيرهم، مع انه لم يورد كلمة المعتزلة مطلقاً في ثنايا بحثه، لكنّ القارىء العارف بمنهج المعتزلة، يدرك أن البحث موجه ضد المعتزلة، وقبل البدء بتنفيذ البحث لا بد من لفت النظر إلى جملة من المقولات الواردة في البحث، والتي يظهر فيها الخطأ جلياً واضحاً.

يقول النبهاني في الجزء الأول ص 38، 39 " وجاءت آيات تثبت لله تعالى وجهاً ويداً، وتعبر عنه بأنه نور السموات والأرض، وتقول أنه في السماء: (( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ )) (الملك: من الآية16) (( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً )) (الفجر:22) (( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ )) (الرحمن: من الآية27) (( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ )) (المائدة: من الآية64) (( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا )) (المجادلة: من الآية7).

وجاءت آيات تثبت له التنزيه : (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )) (الشورى: من الآية11) (( وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ )) (الأنعام: من الآية100) وهكذا وردت آيات في نواح يظهر فيها التناقض، وقد سماها القرآن بالمتشابهات، قال تعالى: (( مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ )) (آل عمران: من الآية7).

ويستمر المرحوم النبهاني قائلاً، بعد أن ذكر الآيات المثيرة للإشكالية فيقول: " وحين نزلت هذه الآيات وبلّغها الرسول للناس، وأمن بها المسلمون وحفظوها عن ظهر قلب، لم تثر فيهم أي بحث أو جدال، ولم يروا فيها أي تناقض يحتاج إلى التوفيق، بل فهموا كل آية في الجانب التي تصفه أو تقرره، فكانت منسجمة في واقعها، وفي نفوسهم، وقد آمنوا بها وصدقوها وفهموها فهماً مجملاً، واكتفوْا بهذا الفهم، واعتبروها وصفاً لواقع، أو تقريراً لحقائق، وكان كثير من ذوي العقول لا يستسيغ الدخول في تفصيل هذه المتشابهات  والجدال فيها  ويرى أن ذلك ليس من مصلحة الإسلام. ففهم المعنى الإجمالي لكل من فهم، بمقدار ما فهم، يغنيه عن الدخول في التفصيلات والتفريعات"(1).

(1) أنظر الشخصية الجزء الأول ص 39 .

لا بد من وقفة نتأمل فيها مقولات النبهاني، في قضية الصفات التي يوردها، فالنبهاني يرى أن الآيات تثبت الوجه واليد لله تعالى، وكلمة تثبت لا يُعلم من أين جاء بها النبهاني !!!، فالآيات تضيف اليد والوجه له تعالى، وشتان بين قولنا تثبت وقولنا تضيف، والإضافة لا تدل على إثبات يد له تعالى، وإلاّ لكانت الآيات التي يضاف فيها البيت إلى الله تعالى وهي قوله: (( عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ )) (ابراهيم:من الآية 37) وقوله: (( أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ )) (البقرة: من الآية125) وقوله: (( وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ )) (الحج: من الآية26) تثبت بيتاً لله تعالى، تعالى الله عن ذلك. فالبيت واليد والوجه والمجيىء والإتيان والمعية، وكونه في السماء، وكونه نور السموات والأرض، وكونه يرضى أو يُحب أو يمكر أو يطبع على القلب أو يختم عليه أو يكتب أو يُحصى فكلها على المجاز، فهل من يقول أن هذه الآيات على المجاز كما تقرره لغة العرب يخرج عليها؟ وما القول بالشعر الجاهلي؟ الذي يقول :

وليل كموج البحر أرخى سدوله علـيَّ بأنـواع الهمـوم ليبتلـى

فقلت لهـا لمّأ نمطي بصلبـه وأردف إعجـازاً ونـاء بكلكـل

إلا أبها الليل الطويل إلا أنجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل(1)

(1) أنظر الزوزني "معلقة امرىء القيس".

فالقول بأن في القرآن مجازاً حقيقةٌ جليةٌ، لا لُبسَ فيها ولا غموض.أما مقولة النبهاني القائلة: إن الآيات حين نزلت لم تثر فيهم أي بحث أو جدل إلخ ما ذكره، وكما هو مدون، فإن هذا القول من النبهاني لا يُعلم مرتكزة، فالخلاف بين جيل الصحابة أنفسهم في هذه الآيات معلوم لكل قارئ " للدر المنثور في التفسير بالمأثور" وهو المنقول والمشهور والمعلوم، ودعوى عدم الخلاف لا يُعلم أحدٌ قاله، إلا دعوة السلفية الوهابية السعودية المعاصرة، ولكنهم هم أنفسهم اختلفوا، فالتويجري يرى أن لله تعالى صورة، والألباني السلفي يرفض ذلك، إلى غير ذلك من الاختلاف، ومنذ ان وجد علماء أصول دين فإن الاختلاف هو السائد، ومقولة عدم الاختلاف هي إحدى قفزات الشيخ النبهاني، عن الحقائق التاريخية والموضوعية.

النبهاني في الشخصية الإسلامية الجزء الثالث ص 65، يعالج موضوع المحكم والمتشابه معرفاً المتشابه " بأنه ما يحتمل أكثر من معنى إما بجهة التساوي أو بغير جهة التساوي ويمثل لما ورد على غير جهته التساوي قوله تعالى: (( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ )) (الرحمن: من الآية27)) ((وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي))(الحجر: من الآية29) (( مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا )) (يّـس: من الآية71) (( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ))(البقرة: من الآية15) (( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ )) (آل عمران: من الآية54) (( وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ )) (الزمر: من الآية67) ونحوه"(1) ويستمر النبهاني قائلاً : " فإنه يحتمل عدة معان حسب فهم اللغة العربية، من حيثُ أساليبُ العرب وحسب المعاني الشرعية،فهذا كله متشابه. وإنما سمي متشابهاً لاشتباه معناه على السامع، وليس المتشابه هو الذي لايُفهم معناه، لأنه لا يوجد في القرآن شيءٌ لا يُفهم معناه، لأن اشتمال القرآن على شيء غيرُ مفهوم، يخرجه عن كونه بياناً للناس، وهو خلاف قوله تعالى: (( هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ ))(آل عمران: من الآية138)"(2) انتهي الاقتباس.

(1) الشخصية الاسلامية الجزء الثالث ص 65 .

(2) الشخصية الاسلامية الجزء الثالث ص 65 .

في الفقرة السابقة المنقولة حرفياً من الشخصية الإسلامية الجزء الثالث، تجد المقولات الاعتزالية واضحةً فيها، أما في الفقرات المنقولة حرفياً من الشخحصية الجزء الأول، فنجد أن كلامه عين كلام الحنابلة، " النوع المُجسّم" فالنبهاني لم يتكون فكره على أساس منهجي مُعين، أي لم يتكون على أساس العقل أو النقل، البرهان، أو التسليم، التوحيد أو التشبيه، العدل أو الجبر، الظاهر أو التأويل، ومن هنا وقع في التناقض مع نفسه في أكثر من موضع، فبينما تراه يقول" آراء أهل التأويل، تراه يقول بقول أهل الظاهر، وبينما تراه يقول أهل العقل، تراه مرة أخرى فإذا هو حرفي نصي ظاهري!.

ما موقف المرحوم النبهاني من العقل كدليل؟ لنستمع إليه يقول في الدوسية ص 8 : " الدليل قسمان : عقلي وسمعي، فالعقلي هو الذي يأتي به لعقل من عنده، إيجاداً كقولنا : الكون محدود، لأنه مجموعة أجرام، وكل جرم منها محدود، ومجموع المحدودات محدود بداهةً، وحين ننظر إلى المحدودة نجده ليس أزلياً، وإلا لما كان محدوداً، فالكون ليس أزلياً، فهو مخلوق لغيره"(1) ويستمر النبهاني قائلاً بعد العبارة السابقة مباشرة: " فهذا دليل عقلي، على أنالكون مخلوق لخالق، وقد أتى به العقل من عنده، فهذا هو الدليل، أما فهم العقل للكلام فإنه فهم، وليس دليلاً عقلياً، لأنه إدراك لمعاني الجمل، فهو موجود ولم يوجده العقل، فالدليل العقلي هو البرهان الذي يأتي به العقل، وليس الذي يفهمه العقل"(2).

(1) الدوسية ص 8 .

(2) الدوسية ص 8 .

يؤمن الشيخ النبهاني بالدليل العقلي،  ومع هذا فعندما يقول أحد الناس أن الأدلة هي أولاً العقل وثانياً الكتاب وثالثاً السنة، يفقد أعضاء حزب التحرير الاتزان، ويهاجمون بلا هوادة هذا الترتيب، إذ هم لا يفرقون بين دليل الإثبات، ودليل وجود الحكم، أي الفرق بين دليل الاعتقاد، والأدلة على الأحكام أي لا يفرقون بين الدليل حين يكون خطاب الشارع طلباً للتصديق، وحين يكون الدليل طلباً للقيام بفعل، وهكذا اختلط ما هو عقلي، بما هو سمعي، وتحول الإيمان عندهم من عقلي إلى سمعي.

وهنا حَقَّ أن يُقام السؤال التالي، إذا كان الشيخ البهاني يؤمن بوجود دليل عقلي، فهل هذا الدليل العقلي هو أول الأدلة؟ والإجابة بالإيجاب تعني أن الضجة التي يفتعلها التحريريون حول مقولة أن العقل هو أول الأدلة،هي ضجة تنم عن الجهالة حتى في أفكارهم !.

يبحث الشيخ النبهاني موضوع القضاء والقدر في الدوسية، مؤكداً أن مسالة " القضاء والقدر لم تأت من الكتاب، ولا من السنة، بهذين اللفظين مقرونين مع بعضهما، ولا نطق بها الصحابة، ولا التابعون، ولا كانت معروفة أيامهم، وغنما هي حدثت بعد نقل الفلسفة اليونانية إلى العربية"(1). وبعد أن أورد بحث اليونان لها، واختلاف فيها بين الجبر والاختيار، قال:" فلما اطلع المسلمون ولا سيما المعتزلة، رأوا أن هذه المسألة لا بدّ أن يبينوا الرأي الإسلام فيها، فأخذوها كمسألة من مسائل العلم، لا كمسألة من مسائل الفلسفة اليونانية، فدرسها المعتزلة على طريقتهم، ويحسب مناقشتهم العقلية، وطبقوا عليها نظريتهم في العدل، وبحثوها بحثاً منطقياً، واعتمدوا على الأدلة العقلية والقضايا المنطقية، ثم جعلوا الآيات تسند أدلتهم العقلية، لا أدلة على المسألة، فقالوا لقد وجدنا من أفعال الإنسان المشاهدة، أن من فعل الجور كان جائراً، ومن فعل الظلم كان ظالماً، ومن أعان فاعلاً على فعله ثم عاقبه عليه كان جائراً، ومن فعل الظلم كان ظالماً، ومن أعان فاعلاً على فعله ثم عاقبة عليه كان جائراً عابثاً، والعدل من صفات الله والظلم والجور منفيان عنه، وتوصلوا من ذلك أن الله لا يريد الشر ولا يأمر به، وإلى أن الله لم يخلق أفعال العباد لا خيراً ولا شراً، وأن إرادة الإنسان حرة والإنسان خالق أفعاله، ومن أجل هذا كان الإنسان مثاباً على الخير معاقباً على الشر"(2).

ولا بد من وَقفَةٍ أمام هذا السياق الذي يظهر فيه صحة رؤية المعتزلة، مع أن المرحوم النبهاني يسوقه في موضع الاستغراب، مناقضاً نفسه تماماً، إذ سبق وأن قال ـ كما هو مدون في مفاهيم حزب التحرير ص 19: " والنظرة العميقة المستنيرة للإنسان تُرى أنه يعيش في دائرتين، إحداهما تسيطر عليه وأخرى يسيطر عليها"(3) . فالنبهاني وصل إلى نظرية الدائرتين، من النظرة العميقة المستنيرة للإنسان، وليس من فهم للنصوص، بل ولا من فهم للأساس الذي يبني عليه البحث، فكيف يُعيب على المعتزلة دراسة مشكلة القضاء والقدر على طريقتهم، فهل هم ملزمون بطريقة غير طريقتهم؟ ومع هذا فإن النبهاني لم يُعرّفنا طريقتهم، ولم يقدم جواباً شافياً أو غير شافٍ، لما طرح المعتزلة من مقولات، فقد قفز النبهاني عن كل الأسئلة المشروعة التي سألها المعتزلة!.

(1) الدوسية ص 18 .

(2) الدوسية ص 18 .

(3) مفاهيم حزب التحرير ص 19 .

فقد سأل المعتزلة سؤالات هي هل بنو الإنسان قادرون على خلق أفعالهم ام أن الله خالقُ أفعالهم؟ وهل الأفعال المتولدة عن فعل الإنسان هي فعل الإنسان أي خلقه للفعل؟ أم أن الله أيضاً خالقها؟ لم يجب الشيخ تقي الدين عن الأسئلة وأخذ يندد بهذه الأسئلة دون أن يقدم دليلاً واحداً عن مشروعيته تنديده بالسؤالات.

يقول المرحوم النبهاني ص 24 من الدوسية: " ثالثاً أن المعتزلة أفرطوا في قياس الغائب على الشاهد، أي في قياس الله على الإنسان، وجعلوا القضايا المنطقية تتحكم فيهم، فوقعوا في الخطأ، لأنه لا ضرورة لأن يكون ما يعتبر ظلماً إذا فعله الإنسان، أن يكون ظلماً إذا فعله الله، لأن اعتبار العمل ظلما أو عدلاً، يقتضي الإطلاع على جميع ملابساته وأحواله وما يكتنفه، وهذا بالنسبة للإنسان يمكن أن يحاط به ويمكن أن يعرف، ولكنه بالنسبة لله من المستحيل الإحاطه به، قال تعالى : (( وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ))(البقرة: من الآية255) فإيجاب العدل على الله كما يتصوره الإنسان خطأ محض". وقال في الدوسية ص 35:  " وأيضاً فإن الله سبحانه وتعالى يحاسب الناس فيثيت المهتدي ويعذب الضال، ورتّب الحساب على أعمال الإنسان، قال تعالى : (( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ )) (فصلت:46).

(( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ )) (الزلزلة:7-8) (( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً )) (طـه:112) (( مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ )) (النساء: من الآية123) (( وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا )) (التوبة: من الآية68) فإن هذه الآيات صريحة في الدلالة على أن الله يحاسب على الهداية والضلال، فإذا كان الله هو الذي يهدى الإنسان، وهو الذي يضله، وليس الإنسان نفسه فإن حساب الله للناس وتعذيبهم على الضلال يكون ظلماً، لأنه حساب لهم على شيء لم يفعلوه خم، ولأن تعذيب الأشخاص من قبل الله على فعلٍ فعله هو وليس هم، ولا شك أن مثل ذلك ظلم، ولا شك، مثل ذلك ظلم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

هكذا يسجل النبهاني في فقرتين في الدوسية كلاما متناقضاً ففي الفقرة الأولى لا ضرورة لأن يكون ما يعتبر ظلما إذا فعله الإنسان، أن يكون ظلماً إذا فعله الله،  وفي الثانية يرى أن الله لا يفعل الهدى والضلال في الناس، لأنه لو فعله هو وليس الناس لكان عقابه لهم على الفعل ظلماً تعال الله عن ذلك علواً كبيراً.لماذا وقعت في هذا التناقض يا أبا إبراهيم ؟ لأنك بقيد الأشعري أسير، وعندما يَفُكُّ نفسه من فكر الأشعري والأشاعرة، وما يسمي عموماً بأهل السنة والجماعة، يعطي رأي المعتزلة تماماً كما هو واضح في الفقرة الثانية.

إن أهل السنة والجماعة ( أشاعرة وماتريدية وحنابلة ) " يرون أن الثواب من الله تعالى، إنما هو فضل منه، وتوفيق للمكلف، وأنه لا يصح أن يستحق أحدٌ على الله تعالى حقاً بعمله ومن قبله، إلا ما أوجب الله تعالى للمؤمنين بفضله ابتداءً لا بسبب مقدم، وعلى ذلك كان الأشعرى يجوز أن يتفضّل على من لم يعمل ولم يطع، فيبلغ به الثواب المطيع ويزيده أيضاً، وأن يتفضّل على أحدهما بأكثر مما يتفضّل على غيره، وكذلك كان يقول في العقاب: أنه ابتداءُ عدلٍ من الله لم يوجبه سببٌ متقدم، من كفر ومعصية، بل كان كفر الكافر بخذلانه وحرمانه وإضلاله، وأنه لو عفا عن الكفار جميعاً وأدخلهم الجنة،كان ذلك لائقاً برحمته،غير منكر في حكمته، ولكنا إنما قطعنا بعذابهم على طريق التأييد للخبر المجمع على عمومه، وقطعنا بثواب المؤمنين على التأييد للخير الذي قارنه الإجماع على تعميم صورته وصيغته فقضينا به، وحكمنا أن ذلك كائن لا محالة، وبينا لك إنه كان يجوّز في العقل أن يعفو الله تعالى عن واحد ويعاقب من كان على مثل جرمه، ولا يكون ذلك منه جوراً بل العفو منه تفضل وتركُهُ ليس بجورِ"(1) .

(1) مجرد مقالات الأشعري ص 163 طبعة دار المشرق .

أما السفاريني من الحنابلة فيقول في أرجوزته الدرة المضيئة في عقيدة الفرقة المرضية

ومن يمت ولم يتب من الخطأ فأمره مفوض لـذي العطا

فإن يشأ يعف وإن شـاء انتقم وإن يشأ أعطى وأجزل النعم(1)

ويقول أبو منصور الماتريدي في كتابه التوحيد " وكذلك الحق في أصحاب الكبائر إذ معهم خيرات، الواحدة منها لو قوبلت جميع ما دون الشرك من الشرور لمحتها وأبطلتها فلا يحتمل أن يُحرمَ صاحُبها ويخلّد في النار، لكن يُرجأ أمره إلى الله، فإن شاء عفا عنه، إذا هو لم يُحرمُه عند فعله معرفته، ومعاداة أعدائه له، وتعظيم أوليائه، فعند شدة حاجته إلى عفوه وإحسانه، يرجو أن لا يُحرمه، والله الموفق.إذ قال هو الغفور وهو الرحيم الودود، وإن شاء قابل بسيئته ما أكرمه به من الحسنات، فجعلهن كفارات لها، كما قال تعالى: (( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ )) (هود: من الآية 114) إلى أن يقول وإن شاء جزاه قدر عمله(2) .

(1) أنظر لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية (شرح الدرة المضيئة) ص 364 جزء 1.

(2) أنظر كتاب التوحيد للماتريدي ص 382 طبعة دار المشرق .

ما سبق هي فقرات ثلاث، الأولى للأشاعرة، والثانية للحنابلة، والثالثة للماتريدية، هي كلها في موضوع عقاب عصاه أمة محمد، يذهبون كلهم إلى أن العقاب لا يستحقه العاصي بعمله، وإنما يستحقه بعدل الله، ولا يستحق المطيع ثوابه بعمله، وإنما يستحقه بفضل الله، فأصل الوعد والوعيد لا يبني عندهم على التكليف، وأن الخلق مُمكنون من فعل الطاعات أو المعاصي على وجه الاختيار، وإنما الوعد والوعيد عندهم مبني على الخبر، ومع أن الخبر وعد للمؤمنين الطائعين ووعيد للعصاة في كل أسمائهم وللكفار، فإنهم تحيروا في أمر العصاه!.

أصدر الشيخ المرحوم تقي الدين النبهاني كتاب التفكير، وهو من الكتب القيمة، عام 1973، أي قبل وفاته بسنوات أربع، ودلالة الإشارة في الكتاب أن المرحوم رأى: إن شباب الحزب لا زالوا مفتقدين للتفكير.

قال الشيخ النبهاني في كتاب التفكير ص 141: " وأما الفريق الثاني من علماء المسلمين، الذين درسوا الفلسفة اليونانية، والمنطق اليوناني، فإنهم انقسموا فريقين: فريق يتخذ الفلسفة اليونانية أساسا، ويؤول أفكار الإسلام بما يتفق وأفكار هذه الفلسفة، ويطبق الأفكار الفلسفية على أفكار الإسلام، وهؤلاء هم المعتزلة، وفريق قد وقف من هذه الأفكار موقف المعارض والناقد، صار يحاول تصحيحها ويرد عليها، وهؤلاء من يُسمْونَ (بأهل السنة)". فكان الجدال بين هذين الفريقين، وشغلوا بهذا الجدال عن حمل الدعوة الإسلامية، وصرفوا عن العمل الأساسي الذي فرضه الله عليهم، ألا وهو حمل دعوة الإسلام لغير المسلمين، بمحاولة تصحيح عقائد المسلمين، وأمّا باستخدام أفكار الفلسفة اليونانية للبرهنة على صحة أفكار الإسلام ولبلورتها، وأمّا بالرد على هذه الأفكار، وشغلوا الناس بها أجيالاً وقروناً، وهؤلاء وإن كانوا جميعاً مسلمين ولكنهم بسبب الفلسفة اليونانية صُرفوا على حمل الدعوة الإسلام لغير المسلمين. ويواصل مقاله في ص 142 فيقول ثم لم يقتصر المر على ذلك بل وجدت من جراء ذلك جماعات أخرى، من أمثال الجبرية والمرجنة والقدرية وغيرها، وأدى ذلك إلى وجود ملل ونحل وأفكار وجماعات بين المسلمين فكانت بلبلة أيَّ بلبلة، حتى صار المسلمون عشرات الفرق وعشرات المذاهب الفكرية، كل ذلك من جراء دخول الفلسفة اليونانية لبلاد الإسلام، وإقبال الكثير من المسلمين على دراستها، دون إدراك يحدد أفكارها ويميزها، ودون تصور صحيح لمدلول تلك الأفكار.

ويمضي قائلاً : ولولا قوة الإسلام نفسه، ووقوف أهل السنة والجماعة بصدق وإخلاص في الوقوف في وجه الأفكار، ببيان الواقع الذي تدل عليه، وتصوير مدلولاتها تصويراً صحيحاً، وامتشاق الحسام في وجه الكفرة من هذه الفرق والمذاهب، لولا ذلك، لذهب الإسلام، ولضاع من جراء الفلسفة اليونانية وما أوجدته من أفكار وآراء. وقبل أن يتعرض لآراء الفريق الثاني ( المتكلمون المسلمون ) تعرض لآراء الفريق الأول الفلاسفة وحكم بكفرهم يستوي في ذلك ابن سينا والفارابي وابن رشد والكندي"(1).

(1) أنظر كتاب التفكير لتقي الدين النبهاني ص 142 .

هذه المقالات هي بحث في التاريخ الإسلامي، من جهة، وتاريخ الفرق من جهة أخرى، والنبهاني لم يوثق أي جزء من أجزاء قوله، فهي مجرد أقوال تاريخية فصلها عن واقعها، ولم يقدم دليلاً واحداً عليها، بل لم يعين الزمن الذي وقعت به هذه الحوادث، فهو يقول عن المعتزلة بأنهم فريق يتخذ الفلسفة اليونانية أساساً، ويؤول أفكار الإسلام بما يتفق وأفكار هذه الفلسفة، ويطبق الأفكار الفلسفة على أفكار الإسلام.

هذه الأفكار الثلاثة التي إدعاها وألصقها بالمعتزلة لا حقيقة لها مطلقاً، وإنما هي مجرد دعاوى ومقولات، فمثلاً قوله، يتخذ الفلسفة اليونانية أساساً، فإن المعتزلة، كما هو معلوم تتخذ العدل والتوحيد أساساً، وأنهم توصلوا إلى التوحيد والعدل من خلال النظر العقلي إذ العقل أول الأدلة، والمراد بالعقل" تحصيل المكلف جملة من العلوم مخصوصه بحيث يصح منه النظر والاستدلال" فهل البحث العقلي والنظر أساس يوناني أم هو أساس إنساني، وبه يكون التكليف وبدونه يسقط التكليف، وبضعفه أو عدم نضجه، يكلف أهل النضج وأهل القدرة على النظر والاستدلال إفهام الضعفاء حقائق التوحيد حسب طاقاتهم، والسير بمن لم ينضج عقله إلى مرحلة النضج، بحيث قال المعتزلة بمنع التقليد في كل أحواله.

كم هي المظالم التي أوقعها المرحوم النبهاني على المعتزلة ! وليته تأنى في هذه المظالم أو ساقها على وجه الاحتمال ! أو أشار إلى مصادره التي استمد منها مقولاته أو أكدها بحقائق تاريخه مشهورة أو معلومة، هكذا يفعل التقليد، وهكذا يفعل النقل من مؤرخي الفرق (وهم كلهم أشاعرة)، دون التحقيق والتمحيص والتثبت !.

ويقول : إنهم أي المعتزلة يؤولون أفكار الإسلام بما يتفق وأفكار هذه الفلسفة، وعند قراءة الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار، أو متشابه القرآن أو تنزيه القرآن عن المطاعن، او تثبيت دلائل النبوة أو غيرها، من كتب المعتزلة لا نجد هذا التأويل المزعوم !.

أما الوصف الثالث الذي وصف  المرحوم المعتزلة فيه، فهو قوله أنهم يطبقون الأفكار الفلسفية على أفكار الإسلام، دون أي تمثيل على هذا، يقول: الدكتور عدنان زرزور في مقدمة كتابه الذي نال به شهادة الدكتوراة، وهو الحاكم الجُشمي منهجه في تفسير القرآن، والحاكم الجشمي هذا المولود في إحدى قرى نيسابور عام 413 هـ، والمتوفى قتيلاً عام 494هـ، هو واحد من المعتزلة، في زمن كان المعتزلة فيه يواجهون بالتصفية الجسدية !.

يقول الدكتور زرزور : إن سبيلنا اليوم إلى وحدة الفكر الإسلامي وإثبات صلاحيته وشموله وأصالته، لا يتم بغير هذا الرجوع، كما لا يتم بغير جانب الموضوعية في دراسة أسباب الخلاف بين المفسرين المتأثرين بفكر المحدثين والمتكلمين، وهذا هو الهدف الثاني الذي سعيت إليه في هذه الدراسة، أو سعيت إلى تعلمه والصبر عليه قبل الدعوة إليه، لقد خُيّل إليّ أن هذا النوع من الدراسة أصلح ما يكون لتعلم الموضوعية، لأن هذه الدراسة لا يمكن أن توجد أصلاً - فضلاً على أن تتم وتأتي صحيحة سليمة ـ إلا بهذه الطريقة من البحث ـ وللقارئ أن يلحظ مدى الأناة التي قادت هذا البحث، والتي خلت من كل ضروب الأحكام المفتعلة أو المنقولة….. أو التي زالت أسبابها ودواعيها بزوال مخترعيها وأصحاب المصلحة فيها…..القرن الخامس - الذي مهدت به لهذا البحث- قد حَفَلَ بأبشع صور الخلافَ بين أرباب الكلام المعتزلة وأصحاب الفرق الأخرى ولو منهم من كان من أرباب الكلام، وقضي فيه لأسباب سياسية واجتماعية على بعض الفرق لمصلحة الفرق الأخرى….. ومضى الحكم لازماً- في عصور الانحطاط- عند المقلدين والتقليدين، وقابلاً للتلفيق والتوفيق عند بعض المفكرين والباحثين- فهل نبدأ اليوم من هنا وهناك؟ ونفرض على البحث العلمي أن ينزل إلى ساحة لم يعد لها وجود، أو يجيب على مسألة طرحت خطأ على كل الوجوه؟!. وإذا كان لا مجال للارتياب بمرحلة الرجوع السابقة إلى الصورة القرآنية، فهل نعود إليها من خلال الدراسة الموضوعية؟ أم من خلال غبار المعارك، ومحاولة الانتصار لفرقة على أخرى، بالحق تارة وبالباطل تارة أخرى؟!.

إن من حقنا اليوم، بل من واجبنا كذلك- على ضوء هذه الحقيقة- أن نُعيد النظر في الأحكام التي أطلقت على بعض الفرق، أو على بعض آرائها ومبادئها التي اشتهرت عنه وعُرفت بها. ولست هنا أدافع عن المعتزلة- كما قد يتوهم البعض- أو أَنتصرُ لهم !! فإن شيئاً من ذلك لا يهمني، كما لا يهمني أن أكون الحكمَ لهم أو عليهم- ولكن الذي يهمني، ويجب أن يُهمَّ كلُّ باحث هو النظر الموضوعي إلى تراثهم، وتراث سائر الفرق الإسلامية، وعدم الانطلاق على الجميع من أحكام اجتهادية لا تقبل الطعن أو النقض !.

ما سبق هو كلام الدكتور عدنان زرزور، وقبله ذُكرَ كَلامُ المرحوم النبهاني والكلامان في موضوع واحد هو المعتزلة وآرائها، وإن كان الدكتور زرزور عرج تماماً كالشيخ النبهاني على آراء وفرق أخرى على سبيل التلميح.النبهاني مشدود إلى أحكام مسبقة، ولم يكلف نفسه عناء البحث بل لم يكلف نفسه التمثيل على دعواه، والدكتور زرزور كلف نفسه عناء البحث، ولهذا رأى ضرورة إعادة النظر في الأحكام التي أطلقت على بعض الفرق، وهو بذلك يقصد [المعتزلة والزيدية والأمامية والاباضية] ولهذا يقول الدكتور زرزور:" على أن العناية بتحرير آراء كل فرقة من الفرق من كتبها ومصنفات شيوخها يصلح وحده هدفاً يسعى إليه الباحث، تحقيقاً لأمانة العلم من ناحية ومن سبيل الوصول إلى الحق في نقاط الخلاف من جهة أخرى، ومن المؤكد أننا سنقف بهذه الطريقة على عشرات النقول الموهومة أو المكذوبة، والتي كان بعضها يرتكب تشنيعاً على الخصم وإساءة لمسعته عند العامة"(1) انتهي الاقتباس الطويل من مقدمة الدكتور عدنان زرزور.

(1) أنظر كتاب الحاكم الجشمي "منهجه في التفسير" (مقدمة الدكتور عدنان زرزور) للكتاب.

ولا بد من وقفة مع بقية كلام النبهاني، إذ يقول: ولولا قوة الإسلام نفسه ووقوف أهل السنة والجماعة بصدق وإخلاص، في الوقوف في وجه الأفكار ببيان الواقع الذي تدل عليه، وتصوير مدلولاتها تصويراً صحيحاً، وامتشاق الحسام في وجه الكفرة من هذه الفرق والمذاهب، لولا ذلك لذهب الإسلام ولضاع من جراء الفلسفة اليونانية وما أوجدته من أفكار وآراء.

ليس الإسلام قوةٌ في نفسه إلا من خلال تجسيده في كتلة، أو أمة أو دولة، قد تكون دولة فئة قوية، أو تكون دولة أمة، فالإسلام مجرد نص لا يتحقق وجوده الحقيقي إلاّ بوجود الأتباع، وقوته في نفسه إنما هي في كونه أفكارَ حق، ولهذا يُعطي الذي تجسد فيه هذا الحق قوةً، فهل أهل السنة والجماعة- وهم فرقة تكونت في بداية القرن الرابع الهجري- هم ممثلو قوة الإسلام، فلماذا بعد مرور أقل من قرن على هذا التكوّن- بدأت شمس المعرفة الإسلامية في الأقوال- فكيف تحولت إلى الأفول؟ مع أنهم على رأى النبهاني هم الذين وقفوا بصدق وإخلاص في وجه الأفكار ببيان الواقع الذي تدل عليه، وتصوير مدلولاتها تصويراً صحيحاً، ولماذا امتشقوا الحسام؟ مع أنهم هم المعبرون عن قوة الفهم للأفكار الإسلامية!…

لا بد من كشف أن النبهاني يعلم هذا الأفول لمعرفة الإسلامية، وأن هذا الأفول حدث في بداية القرن الخامس الهجري، يقول النبهاني في كتابه التفكير ص 172 و 174: " فهذه لمحة موجزة عن موضوع التفكير، من حيث هو تفكير، نقدمها للأمة الإسلامية حتى ينقلها هذا التفكير إلى أن تعود خير أمة أخرجت للناس، لا سيما بعد أن مضى على هذه الأمة عشرةٌ قرون وهي بعيدة عن التفكير، وإن حاولت هذا التفكير عدة مرات، وإن الأمة الإسلامية، قد بُليت في القرن الرابع الهجري بعلماء عملوا على تعطيل التفكير في الأمة، ونادوا بخطر التفكير على الأمة، وضرره على الإسلام والمسلمين، وذلك حين قام رهط من العلماء مثل العالم المشهور باسم القفال،  ونادوا بإقفال باب الاجتهاد، وعملوا على منع الاجتهاد، وأقنعوا الناس بخطر الاجتهاد، فصدق المسلمون هذه الدعوة وعملوا بها، وتحرج العلماء من الاجتهاد، وخاف المفكرون من الاجتهاد، وكره الناس أن يكون هناك مجتهدون. وقد تبنى الرأي العام في جميع أقطار الإسلام هذا الرأي، وبذلك تعطَّل التفكير، ووقف الناس عند التقليد، وألغوا عقولهم ولم يعودوا يجرؤون على الاجتهاد، فكان هذا المنع للاجتهاد، والتفكير أعلاه إنما يكون في الإسلام، فأدى ذلك إلى وقف التفكير لدى الناس، واستمرؤوا هذا التعطيل للتفكير، والإنسان بطبعه حيوان كسول، لذلك وقفت الأمة عن التفكير، حتى هذا القرن الرابع عشر الهجري، فسلخت عشرة قرون وهي معطلة التفكير، ولذلك ليس من السهل على أمة سلخت عشرة قرون من عمرها وهي معطلة التفكير، أن يتحرك فيها التفكير وان تفهم عن وعي قيمة التفكير، وقيمة المفكرين ولذلك فإن ملايين الكتب مثل هذا الكتاب ( المقصود كتابه التفكير ) لا تضمن أن تتحرك الأمة للتفكير، وأن تسوقها لأن تجعل التفكير سجية من سجاياها" أنتهي الاقتباس.

هذا النص يتضمن المعاني التالية :

أ‌- مرّ على هذه الأمة عشرة قرون وهي بعيدة عن التفكير.

ب‌- لقد ابتليت الأمة في القرن الرابع الهجري بعلماء عملوا على تعطيل التفكير.

ج- نادوا بخطر التفكير على الأمة وضرورة على الإسلام والمسلمين ومنعوا الاجتهاد.

د - تحرّج العلماء من الاجتهاد وخاف المفكرون من الاجتهاد.

هـ - الأمة بعد انسلاخ هذا الزمن من عمرها، تعجز عن وعي قيمة التفكير وقيمة المفكرين.

و- يُحَمِّلُ الشيخُ مسألةَ إقفال باب الاجتهاد للقفال، فهل أخذ الشيخ ذلك من كون  اسمه القفال؟ !!! القفال الكبير والصغير هما صانعا أقفال، كانا فقيهين شافعيين ولم يكن إقفال باب الاجتهاد منهما.

والأسئلة المشروعة الآن حول ذلك هي: من هم الذين قاموا بهذه الأعمال وجعلوا الاجتهاد والتفكير من الممنوعات؟ وهل كان الاجتهاد والتفكير ممنوعاً على مستوى الرأي العام فقط؟ أم على مستوى السلطة أيضاً؟ بحيث يقتل من يقوم بالجدل في الأفكار أو إنتاج أفكار او الاجتهاد؟!.

إن الذين قاموا بإغلاق الاجتهاد، وتحريم التفكير هم أهل السنة والجماعة فهم امتشقوا الحسام فعلاً. ولكن ضد المجتهدين والمفكرين وضد حلقات الجدل الفكري والفقهي والعلمي، وقد توجه هذا الفعل ضد المعتزلة فكراً وأشخاصاً وكتباً، ففكر المعتزلة مُحرَّمٌ القول فيه، وأشخاصهم بل وعامتهم تقتل من السلاطين أو من العامة، بقيادة علماء أهل السنة والجماعة، وكتبهم تحرق دون تفريق بين كتب علم كلام أو كتب تفسير أو فقه أو حديث.

قال ابن الجوزي في المنتظم : " أخبرنا سعد الله بن علي الفزاز أنبأ أبو بكر الطريشي أنبأ هبة الله بن الحسن الطبري قال: وفي سنة ثمان وأربعمائة استناب القادر بالله الخليفة فقهاء المعتزلة، فأظهروا الرجوع وتبرأوا من الاعتزال والرفض، والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذت خطوطهم بذلك، وأنهم متى خالفوا أحل فيهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم، وامتثل محمود بن سبكتكين أمر أمير المؤمنين في ذلك، واستن بسننه التي استخلفه عليها من بلاد خراسان وغيرها، في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة،وصَلَبَهم وحبسهم ونهفاهم،  وأمر بلعنهم على المنابر، وأبعد جميع طوائف أهل البدع ونفاهم عن ديارهم، وصار ذلك سنة في الإسلام" هذا النص نقل من البداية والنهاية لابن كثير جزء 12 مجلد 6 ص 6 طبعة دار الفكر.

تُفسر هذه الفقرة التاريخية المنقولة بدون أي تصرف، الأسباب والدوافع للمناداة بإغلاق باب الاجتهاد، وأنها في مطلع القرن الخامس الهجري، فوراء هذه الدوافع يقف أهل السنة والجماعة وعلمائهم، وسلاطين الجور أواخر خلفاء بني العباس، والسلاطين الأعاجم من السلاجقة، وهم أيضاً الدويلات الشيعية شرقاً وغرباً، وبعد سلسلة من الفتن بين الشيعة والسنة وعلى ماذا أمتشق الحسام؟ أخوفاً على الإسلام أم تهارشاً على الحكم؟ وتقاتل مذهبي بلغ أبشع صورة صدراً من القرن الرابع وطيلة القرن الخامس الهجري؟

يسجل ابن كثير في أحداث سنة 420هـ "يوم الاثنين الثامن عشر من رجب جُمع القضاء والعلماء في دار الخلافة، وقرىء عليهم كتاب جمعه [القادر بالله] فيه مواعظ وتفاصيل مذاهب أهل البصرة المقصود المعتزلة، وفيه الرد على أهل البدع وتفسيق من قال بخلق القرآن، وصفة ما وقع بين بشر المرسي وعبد العزيز الكناني من المناظرة، ثم خُتم القول بالمواعظ والقول المعروف والنهي عن المنكر، وأخذ خطوط الحاضرين بالموافقة على ما سمعوه".انظر البداية والنهاية جزء 12 مجلد 6ص 26 طبعة دار الفكر.

وهنا لا بد من وقفة ضرورية أيضاً عند هذه الفقرة !!! فهي تُفسّق من قال بخلق القرآن !!! ومع أن الأمة كلها تقول بخلق القرآن ! على هذه الصورة أو تلك، إلا الحنابلة في فترة رد الفعل على المحنة من 241- جولي 400هـ، فإن التمويه الذي قام به الأشاعرة والماتريدية بأن كلام الله غير مخلوق، قاصدين بذلك كلامه الصفة الذاتية، له، أي ما يسمونه الكلام النفسي، أما الكتب المنزلة فهي مخلوقة، أما صفة ما وقع بين بشر المريسي وعبد العزيز الكناني من المناظرة، والتي طبعت أكثر من مرة باسم الحيدة فهي مجرد اختلاق او تحريف مقصود، ففي ميزان الاعتدال عن الحيدة أنها موضوعة، ولا تصح نسبتها إلى الكناني، [ جزء2/ص 142 ] وعلى كلٍ فإن قراءة الحيدة تظهر في أكثر من فكره أنها مكذوبة، فالمريسي وهو من الجهمية ويقول بالإرجاء، ليس من المعتزلة، وهو قد توفي سنة 218هـ، وما سمي بالمحنة حدث سنة 218هـ وهي السنة التي مات فيها المأمون، فالجدل بين ابن حنبل ومجادليه حدث بعد موت المأمون، وما دونته كتب السير لا يدل على علاقة وطيدة بين المريسي والمأمون ومع ذلك فإن الراي عدم وقوع مناظرة بين الكناني والمريسي في موضوع خلق القرآن ربما كانت المناظرة في موضوع خلق أفعال العباد.

ويستمر ابن كثير قائلاً في أحداث نفس السنة، وفي الإثنين غرة ذي القعدة جُمعوا أيضا كلهم ( المقصود القضاة والعلماء )، وقرىء عليهم كتاب آخر طويل يتضمن بيان السمة والرد على أهل البدع، ومناظرة بشر المريسي والكناني أيضاً ( المناظرة المزعومة )، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفضل الصحابة وذكرِ فضائل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ولم يفرغوا منه إلا بعد العتمة، وأخذت خطوطهم بموافقة ما سمعوه، وولي خطباء السنة ولله الحمد والمنة على ذلك وغيره.

يمكن العودة لأي كتاب تاريخ أرخ لحوادث أواخر القرن الرابع الهجري والقرن الخامس الهجري، ليدرك الصورة التي كان عليها المجتمع والوضع المتردي، فالفتن مستمرة بين الشيعة وأهل السنة والعيارين، وما يلي تسجيلات وإشارات لهذه الفتن، كما وردت في البداية والنهاية لابن كثير من سنة 375هـ إلى سنة 450 هـ :

 

السنة

الخليفة

الحدث

375

الطائع

خلع الخليفة على صمصامة الدولة ودخل اثنان من سادة القرامطة الكوفة وانزعجت النفوس وكادت فتنة تقع بسبب المكس على الثياب الأبريسميات.

381

القادر

حدثت فتنة وقتال شديد بين السنة والشيعة وقتل خلق كثير، بذكرى غدير خم وحرق أهل باب البصرة أعلام السلطان فقتلهم وصلبهم.

384

القادر

عظم الخطب بأمر العيارين فعاثوا ببغداد فساداً.

398

القادر

فتنة عظيمة بين الشيعة والسنة.

406

القادر

فتنة بين الشيعة والسنة لأن أهل السنة يريدون منع الشيعة من الاحتفال بيوم عاشوراء.

408

القادر

أصدر القادر أمراً بمنع الفرق فأخذ يقتل أصحاب الفرق من معتزلة وغيرهم.

409

القادر

في يوم الخميس 17 من محرم قرىء كتاب بدار الخلافة وفيه من قال أن القرآن مخلوق فهو كافر حلال الدم.

416

القادر

قوي أمر العيارين ببغداد ونهبوا الدور جهرة واستهانوا بامر السلطان.

417

القادر

في العشرين من محرم وقعت فتنة بين الأسفهلارية والعيارين.

422

وفاة القادر وتولية القائم بالله

قَتَلَ أهل السنة خلقاً كثيراً من الشيعة.

426

القائم

استفحل أمر العيارين وكثرت شرورُهم وقطع الأعراب الطرقات وكانوا يسلبون حلي النساء.

431

القائم

وقع بين الجند وبين جلال الدولة شغب وقتل من الفريقين خلق كثير

439

القائم

وقعت فتنة بين الشيعة والسنة ببغداد قُتل فيها خلق كثير ولم يحج أحد من العراق.

441

القائم

وقعت فتنة بين أهل الكرخ الشيعة وأهل السنة يطول ذكرها.

443

القائم

فتنة وحرب بين السنة والشيعة وكانت المحنة عظيمة.

424

القائم

تجددت الحرب بين أهل السنة والشيعة وقتلت خلائق كثيرة

445

القائم

تجدد الشر والقتال بين السنة والشيعة

447

القائم

وقعت الفتنة بين الشيعة وأهل السنة على العادة ووقعت فتنة من الاشاعرة والحنابلة، بحيث انه كان ليس لأحد من الاشاعرة حضور الجمعة والجماعات.

450

القائم

احتل البساسيري بغداد وصار الدعاء للخليفة الفاطمي المستنصر بالله.

 

هذه هي الأحداث في سياق خمسة وسبعين عاماً، فأين هو امتشاق أهل السنة والجماعة الحسام؟ إنما هي الفتن والتهارش على الحكم، والمظالم والقتال على التافه من الأمور، كالاحتفال بيوم عاشوراء، أو القول في الآذان حيّ على خير العمل، أو كتابة اسم أمير المؤمنين علي بن أبى طالب مقترنا مع اسم الرسول صلوات الله عليه، ولا كتمال موضوع الاضطهاد الذي لحق المعتزلة هذه هي نصوص تاريخية متعلقة بالحدث الكبير الوثيقة القادرية.

تعريفات :

(1) العيارون بحالة الرفع والعيارين بحالة النصب والجر ، العرب تمدح وتذم بالعيار يقال غلام عيار نشيط في المعاصي وغلام عيار نشيط في طاعة الله قال الأزهري والعير جمع عائر وهو النشيط وهو مدح وذم.

(2) الأسفهلارية هم رجال الحرب من الأتراك اذ بدأت الدولة الاعتماد عليهم بداية في أيام المعتصم .

(3) البساسيري هو أرسلان بن عبدالله أبو الحارث قائد، ثائر، تركي الأصل خرج على القائم وأخرجه من بغداد وصارت الخطبة للممستنصر الفاطمي أبو تميم مصر .


هذا هو نص الوثيقة القادرية، لقرائتها بتمعن، ومعرفة دور هذه الوثيقة في هبوط الفكر الإسلامي ـ بعد أنْ كان يتربع على صدارة العالم في انتاج المعرفة ـ ولتدرك أخي الكريم انَّ الوثيقة القادرية توجهت ضد فكر المعتزلة بالدرجة الأولى ـ ومنذ تلك الوثيقة والأمة الإسلامية تنحدر عن المكانة اللائقة بـها، إلى أنْ أمكن هدم الدولة الإسلامية في 3 آذار 1924م.

الوثيقة القادرية

ما هي الوثيقة القادرية؟ ولماذا توثيقها؟

الوثيقة القادرية أو الاعتقاد القادري: هي وثيقة أصدرها الخليفة العباسي القادر بالله سنة 408هـ، حددتْ المعتقدات التي يجب على المسلمين اعتقادها، وتمنع معتقدات أخرى تحت طائلة العقوبة والنكال، وقد منعت هذه الوثيقة الاجتهاد ؛ فكانت السبب في تأخر المسلمين ؛ وهذا هو تأخر في التفكير لا زال إلى اليوم، وهذا الخليفة العباسي القادر بالله مُصَدّر الوثيقة وهو يكنى بأبي العباس، واسمه أحمد بن الأمير اسحق، فأبوه لم يكن خليفة، لكنَّ جده  المقتدر بالله ؛ واسمه جعفر ؛ ولقبه أبو الفضل ؛ تولى الخلافة سنة 295 – 320 هـ،  خلع مرتين ثم قتل في الحرب، والمقتدر هو ابن أحمد أبو العباس الخليفة الملقب بالمعتضد ؛ تولاها من 279-289هـ، وهذا أي المعتضد هو ابن الموفق ؛ الذي لم يكن من الخلفاء، والموفق هو ابن الخليفة المشهور المتوكل بن المعتصم. لقد آلت الخلافة إلى القادر صاحب الاعتقاد بعد القبض على الخليفة الطائع، يوم السبت التاسع عشر من شهر شعبان سنة 381هـ،  يصفه ابن كثير في بدايته ونـهايته في التاريخ، بأنه من خيار الخلفاء، وسادات العلماء في ذلك الزمان، وكان كثير الصدقة حسن الاعتقاد، وصنف قصيدة فيها فضائل الصحابة وغير ذلك، فكانت تقرأ في حلق أصحاب الحديث، وتجتمع الناس لسماعها مدة خلافته، توفي القادر سنة 422هـ. وابن كثير إذ يحكم عليه بحسن الاعتقاد إنما ينطلق من رؤيته الأشعرية المخالطة بمقالات من رؤية أهل الحديث، والأشعرية وحلفاؤهم أهل الحديث أعملوا القتل في رقاب المسلمين دون وجه حق، فسادت في الأمة بفضل هذا الحلف غير المقدس: ـ السلطان العباسي، والأشعرية وأهل الحديث، والأعاجم في اللسان السلاجقة ـ التقليد والأسطورة والجبر، فتهيأت الأجواء للكارثة التي لا زالت الأمة الإسلامية تعاني من شدة وطأتـها حتى هذه اللحظة.

قراءة الوثيقة القادرية على مرات

تكررتْ قراءة الوثيقة على العلماء والفقهاء وهذه هي :

القراءة الأولى

في أخبار سنة 408هـ دَوَّنَ أبن كثير نقلاً عن المنتظم لابن الجوزي: أخبرنا سعد الله بن علي البزار أنبأ أبو بكر الطريثيثي أنبأ هبة الله بن الحسن الطبري قال: وفي سنة ثمان وأربعمائة استتاب القادر بالله الخليفة فقهاء المعتـزلة، فأظهروا الرجوع وتبرؤوا من الاعتـزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأُخذت خطوطهم بذلك، وأنـهم متى خالفوا أُحل بـهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالـهم، وامتثل محمود بن سبكتكين أمر أمير المؤمنين في ذلك ؛ واستن بسنته في أعماله التي استخلفه عليها من بلاد خراسان وغيرها، في قتل المعتـزلة ! والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وَصَلَبَهُمْ وحبسهم ونفاهم، وأمر بلعنهم على المنابر، وأبعد جميع طوائف أهل البدع، ونفاهم عن ديارهم وصار ذلك سنة في الإسلام.

ما يلاحظه القارئ للخبر : إنَّ اسم المعتـزلة هو المخصوص في هذه الوثيقة، وهم في مقدمة الممنوعين من الدعوة لرأيهم، بل قد يكون ورود اسم المعتـزلة منفردا، يظهر بوضوح أنـهم المطلوب خروجهم من حياة المسلمين، وسبب ذلك هو محاربتهم للجور ؛ بالقول بخلق العباد لأفعالهم، ولقولـهم في المنـزلة بين المنـزلتين، فيخرج الحكام الفسقة الظلمة عن اسم الإيمان ( المدح ) وهو يقتضي الولاء لمن وصف بالإيمان، إلى اسم من أسماء الذم ؛ وهو الفاسق، وبالتالي فالدعوة للثورة على مثل هؤلاء الحكام مطلوبة شرعا حسب أصل المـعتزلة الخامس وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

طبق المعتزلة الأصل الخامس : بأن يختارون إماما يبايعونه سرا، يكون على مستوى عال من العلم والشجاعة والتقوى، وعلى الغالب كان الأمام المبايع في ذلك الزمن واحدا من آل البيت، وهذه البيعة لم تكن له بسبب نسبه بل بسبب صفاته، فالإمامة عند المعتزلة عقد مراضاة، ويقوم دعاتـهم الذين يبثون في الأقطار لتهيئه الناس للثورة على نظام الجور، ومعلوم ثورة المعتزلة مع زيد بن علي بن الحسين، والأمير الأموي يزيد بن الوليد بن عبد الملك الملقب بالناقص، حاء في مقطوعة شعرية عن خلفاء بني أمية ذكرها ابن كثير فيها عن يزيد هذا  :

ثم يزيد بن الوليد فائقا    يلقب الناقص وهو كامل

لقد ثار المعتزلة أيضا مع محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم ضد أبي جعفر المنصور ومع يحيى وإدريس والحسين بن علي الفخي فمن رأيهم عدم السكوت على سياسة الجور.

القراءة الثانية

دَوَّنَ ابنُ كثير في البداية والنهاية أخبارَ سنة 409هـ ومنها ما يلي: في يوم الخميس السابع عشر من المحرم ؛ قرأُ بدار الخلافة في الموكب ؛ كتاب في مذهب أهل السنة وفيه " أنَّ من قال القرآن مخلوق فهو كافر حلال الدم ".

القراءة الثالثة والرابعة

ذكر ابن كثير في حوادث سنة 420هـ ما يلي : وفي يوم الاثنين منها ثامن عشر رجب غار ماء دجلة حتى لم يبق منه إلاَّ القليل ووقفت الأرحاء عن الطحن، وتعذر ذلك. وفي هذا اليوم جمع القضاة والعلماء في دار الخلافة، وقرأ عليهم كتاب جمعه القادر بالله في مواعظ وتفاصيل مذاهب أهل البصرة، ( المقصود بمذاهب أهل البصرة أفكار المعتزلة في التوحيد والعدل ) وفيه الرد على أهل البدع وتفسيق من قال بخلق القرآن، وصفة ما وقع بين بشر المريسي وعبد العزيز بن يحيى الكناني من المناظرة، ثم ختم القول بالمواعظ والقول بالمعروف والنهي عن المنكر. وأخذ خطوط الحاضرين بالموافقة على ما سمعوه. وفي يوم الاثنين غرة ذي القعدة جمعوا أيضا كلهم وقرأ عليهم كتاب آخر طويل يتضمن بيان السنة والرد على أهل البدع ومناظرة بشر المريسي والكناني أيضا  والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفضل الصحابة، وذكر فضائل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ولم يفرغوا منه إلاَّ بعد العتمة، وأخذت خطوطهم بموافقة ما سمعوه، وعزل خطباء الشيعة وولي خطباء السنة ولله الحمد والمنة على ذلك وغيره.

القراءة الخامسة

ورد في البداية والنهاية في أخبار سنة 433هـ أي بعد موت القادر ب 11سنة ما يلي :

وفيها قرأ الاعتقاد القادري الذي جمعه الخليفة القادر، وأخذت خطوط العلماء والزهاد عليه بأنه اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فسق وكفر، وكان أول من كتب عليه الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، ثم كتب بعده العلماء، وقد سرده الشيخ أبو الفرج بن الجوزي، وفيه جملة جيدة من اعتقاد السلف.

نص الوثيقة القادرية

وفي هذه السنة قرأ الاعتقاد القادري في الديوان.

أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، حدثنا أبو الحسين محمد بن محمد الفراء قال: أخرج الإمام القائم بأمر الله ؛ أمير المؤمنين أبو جعفر أبن القادر بالله ـ في سنة نيف وثلاثين وأربعمائة ـ الاعتقاد القادري ؛ الذي ذكره القادر ؛ فقرأ في الديوان، وحضر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته قبل أنْ يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم. فيه إنَّ هذا اعتقاد المسلمين ومن خالفه فقد فسق وكفر وهو: يجب على الإنسان أنْ يعلم أنَّ الله جل جلاله وحده، لا شريك له، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، وهو أول لم يزل، وآخر لا يزال، قادر على كل شيء، غير عاجز عن شيء، إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، غنيٌ غير محتاج إلى شيء، لا اله إلاَّ هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ، لا يستوحش من وُحْدَةٍ، ولا يأنس بشيء، وهو الغني عن كل شيء، لا تخلفه الدهور والأزمان، وهو خالق الدهور والأزمان، والليل والنهار، والضوء والظلمة، والسماوات والأرض وما فيها من أنوع الخلق، والبر والبحر وما فيهما، وكل شيء حيٍ أو موات أو جماد، كان ربنا وحده، لا شيء معه، ولا مكان يحويه، فخلق كل شيء بقدرته، وخلق العرش لا لحاجته إليه، فاستوى عليه كيف شاء وأراد، لا استقرار راحة ؛ كما يستريح الخلق، وهو مدبر السماوات والأرضين، ومدبر ما فيهما، ومن في البر والبحر، ولا مدبر غيره، ولا حافظ سواه، يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم ويميتهم ويحييهم، والخلق كلهم عاجزون والملائكة والنبيون والمرسلون والخلق كلهم أجمعون، وهو القادر بقدرة، والعالم بعلم أزلي غير مستفاد، وهو السميع بسمع، والمبصر ببصر، يعرف صفتهما من نفسه، لا يبلغ كنههما أحد من خلقه، متكلم بكلام لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين، لا يوصف إلاَّ بما وصف به نفسه، أو وصفه به نبيه صلوات الله عليه وكل صفة وصف بـها نفسه ؛ أو وصفه بـها رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فهي صفة حقيقية لا مجازية، ويُعلم أنَّ كلام الله تعالى غير مخلوق ؛ تكلم به تكليما ؛ وأنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم على لسان جبريل ؛ بعد ما سمعه جبريل منه ؛ فتلاه جبريل على محمد ؛ وتلاه محمد على أصحابه ؛ وتلاه أصحابه على الأمة، ولم يصر بتلاوة المخلوقين مخلوقا ؛ لأنه ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله به ؛ فهو غير مخلوق [فبكل] حال  [ الكلمة مطبوعة في المنتظم كما هي بين القوسين والأمر خطأ مطبعي أو خطأ في اللغة فلا بد أنْ تكون الكلمة "في كل حال "] وهنا يتواصل الكلام: متلوا ومحفوظا ومكتوبا ومسموعا، ومن قال: إنَّه مخلوق على حال من الأحوال ؛ فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه، ويعلم أنَّ الإيمان قول وعمل ونية ؛ وقول باللسان وعمل بالأركان والجوارح ؛ وتصديق به يزيد وينقص: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو ذو أجزاء وشعب، فأرفع أجزائه لا اله إلاَّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الأيمان، والصبر من الإيمان بمنـزلة الرأس من الجسد، والإنسان لا يدري كيف هو مكتوب عند الله، ولا بماذا يختم له، فلذلك يقول: مؤمن إن شاء الله، وأرجو أنْ أكون مؤمنا، ولا يضره الاستثناء والرجاء، ولا يكون بـهما شاكا ؛ ولا مرتابا، لأنه يريد بذلك ما هو مغيب عنه، من أمر آخرته وخاتمته، وكل سيء يتقرب به إلى الله تعالى ؛ ويعمل لخالص وجهه من الطاعات: فرائضه، وسننه، وفضائله، فهو كله من الإيمان منسوب إليه، ولا يكون للإيمان نـهاية أبدا ؛ لأنه لا نـهاية للفضائل ؛ ولا للمتبوع في الفرائض أبداً، ويجب أنْ يحب الصحابة من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلهم، ونعلم أنـهم خير الخلق بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنَّ خيرهم كلهم وأفضلهم بعد رسول الله ـ صلى الله علية وسلم ـ أبو بكر الصدِّيق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، ويشهد للعشرة بالجنة، ويترحم على أزواج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن سب سيدتنا عائشة ـ رضي الله عنها ـ فلا حظ له بالإسلام، ولا يقول في معاوية ـ رضي الله عنه ـ إلاَّ خيرا، ولا يدخل في شيء شجر بينهم، ويترحم على جماعتهم، قال الله تعالى : [ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ] (الحشر:10) وقال فيهم : [ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ] (الحجر:47) ولا يكفر بترك شيء من الفرائض غير الصلاة المكتوبة وحدها، فإنه من تركها من غير عذر وهو صحيح فارغ حتى يخرج وقت الأخرى فهو  كافر ؛ وإنْ لم يجحدها، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( بين العبد والكفر ترك الصلاة ). فمن تركها فقد كفر، ولا يزال كافرا حتى يندم ويعيدها، فأنْ مات قبل أنْ يندم ويعيد أو يضمر أنْ يعيد، لم يصلَّ عليه  وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن أبي خلف، وسائر الأعمال لا يكفر بتركها، وإنْ كان يفسق حتى يجحدها، ثم قال: هذا قول أهل السنة والجماعة ؛ الذي من تمسك به كان على الحق المبين ؛ وعلى منهاج الدين والطريق المستقيم، ورجا به النجاة من النار ؛ ودخول الجنة إنْ شاء الله تعالى، وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: وعلم الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم. وقال عليه السلام: أيما عبد جاءته موعظة من الله تعالى في دينه، فإنـها نعمة من الله سيقت إليه، فإن قبلها يشكر، وإلاَّ كانت حجة عليه من الله ؛ ليزداد بـها إثماً ويزاد بـها من الله سخطا ) جعلنا الله لألائه من الشاكرين ؛ ولنعمائه ذاكرين، وبالسنة معتصمين، وغفر لنا ولجميع المسلمين.

تحذير من الخديعة

ربما ينخدع بعض الناس ـ وخاصة الطيبين البسطاء ـ في مقولات هذه الوثيقة من ظاهر فيه ورع ودعوة للتحلى بإكبار كبار الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وصون اللسان عن التعرض لنساء الرسول ـ صلوات الله عليه ـ والتركيز على ركن من أركان العبادات وهو الصلاة  لكن بجب أن لا يخفى على أحد، أنَّ الوثيقة منعت الاجتهاد، وسلت سيف التكفير في وجه المعتزلة ـ بحجة قولهم بخلق القرآن ـ واباحت قتل المسلمين على أمر اجتهادي، وليحذر من الوقوع أسارى للقول المزيف في أمر المحنة، فالمحنة ليست من صنيع المعنزلة، ولم يقتل فيها أي شخص، وهذا مختصر جدا حول خلق القرأن.

تنبيه هام جداً

لا بد من نشر القول بخلق القرآن، بحيث ينظر إلى من يقول بعدم خلق القرآن بأنه يهذي، إذ القول بعدم خلق القرآن ووصفه بالقدم لـيس معقولاً، فهل يكون القرآن صفة الخالق؟ مع أنَّ القران كلام الله: المحفوظ في الصدور، المدون في السطور، المتلو في الألسنة، فهي كلها مع غيرها مـحل للقرآن، فهل لصفة الله محل؟ !! من يقول ذلك جاء بأمر إدَّا وجاء بما لا معنى له  ! !! لقد ادرك احد السلفيين أن مقتضى كلام ابن تيمية أن القرآن مخلوق، فوضع كتابا في هذا الموضوع.

أدلة أنَّ القرآن مخلوق باختصار

(1) القرآن محله المصحف وغير المصحف مما هو معلوم حساً، وما له محل فهو مخلوق أو حادث أو محدث، وهذه الكلمات الثلاث بمعنى واحد، فهو لم يكن فكان، وهو كلام الله تعالى المحدث أي المخلوق، قال تعالى في القرآن الكريم: (( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ )) (الأنبياء:2) وقوله تعالى: (( وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ )) (الشعراء:5) فكلمة محدث يراد بـها القرآن الكريم لا غير.

(2) إجماع كل المسلمين على أنَّ ما في المصحف هو القرآن، وأن القرآنَ الذي في المصحف مخلوق، ولكن غير المخلوق ليس القرآن في المصحف ؛ بل الكلام النفسي له تعالى، كما تزعم الأشاعرة  والماتريدية، أو الكلام القديم في النوع الحادث في الأفراد كما تزعم السلفية، والزعمان باطلان لا يمكن قيام دليل عليهما، فالقرآن في المصحف مخلوق عند الجميع.

(3) كل الكلمات أو الآيات أو الجزء من الآية التي تصف القرآن، أو تدل عليه، أو تعرفه، أو تتعلق به على أي جهة، دالة على حدوثه بعد أنْ لم يكن، مثل :

* كونه عربيا قال تعالى: (( قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )) (الزمر:28) ولغة العرب إجماعا هي من وضع العرب فهي محدثة للعرب،فلا يكون القديم بمحدث، وعربية القرآن وردت في إحدى عشر آية.

* كونه منـزلا قال تعالى: (( نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ )) ( البقرة: من الآية176 ) وقد ورد الإنزال والتنـزيل ومنـزل وغير ذلك مما هو مشتق من هذه الكلمة فهل ينطبق التنزيل على القديم؟ لكن العقول القاصرة تأبى التدبر والفهم.

* كونه محفوظا من الله تعالى قال تعالى (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) (الحجر:9) فالقديم لا يحتاج لحفظ، لكن أصحاب العقول السقيمة لا يفكرون.

* كونه محكما، ومتشابـها، ومفصلا، ومبينا، ويقبل النسخ، وهذه كلها ليست أوصافا للقديم غير المخلوق، قال تعالى: (( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ )) (آل عمران:7) وقوله : (( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ )) (هود:1) وقال في بيان آياته (( وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ )) (البقرة:99) وقال في قبوله النسخ : (( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )) (البقرة:106) ويحتار المرء وهو يقرأ هذه الآيات الواضحة الدالة على كون القرآن مخلوقا، ويتسائل كيف يعدلون عن الظاهر في هذا الموضوع !!!!!.

الخاتمة

معذرة الى ربي !!! فلم أكن ارغب بان أخط كلمة واحدة في مثل هذه المواضيع، مناقشاً أو شارحاً، إذ كنت أظن أن هذه المواضيع، ليست هي المعيقة لإيجاد النهضة والتغيير، ولكن لعدم فهم الأقوال عند مفاصل مهمة فمثلاً العقل، وهل هو أول الأدلة ؟ وهل العقل بمحل الاستطاعة ليعرف الحسن والسيء في الأفعال ؟ والحق وبالباطل في القضايا، والصواب والخطأ في الأدلة ام في محل العجز، ألا يستطيع العقل أن يقرأ الكون المنظور؟ [ الكون والإنسان والحياة ] وأنْ يصل من خلال النظر أي الواجب العقلي الأول إلى اليقين بأنها مخلوقة لله العدل، وإذ لم يعلم الله بدليل العقل !!! وانه الإله العدل أي معرفة الله بكمال ذاته – فكيف يستدل بالقرآن على ما يدل عليه ؟ بل كيف يمكن ان يفسر القرآن ؟ وهل يمكن أن يسار في هذه الحياة دون الإجابة على أب وأم والأسئلة ؟ وهو سؤال كما يسأله الإنسان بصفته كينونة عاقلة، فإنه سؤال الدين وسؤال الفلسفة، والسؤال الثلاثي الأبعاد هو : من أين أتيت؟ ولماذا جئت؟ وماذا يفعل بي أن مُت؟.

وهذا السؤال الثلاثي الأبعاد تستحيل الإجابة عليه من خلال الفطرة، لأن الفطرة من حيث هي فطرة ليس لها من معنى إلا الخلقة، التي عليها جملة الأفراد من بني الإنسان، من كونه بشراً من لحم ودم وعظم وأعضاء وحاجات عضوية وغرائز وقابيات وخصائص، فالفطرة أمر مشترك بين الجميع: الملحد والمتدين، والكافر والمؤمن، والشاك والمتيقين، والجاهل والعالم، والذكر والأنثى، والأسود والأبيض، والأحمر والأصفر، والهمجي والراقي، والبدائي والمتمدن، فليس فيها المعرفة إذ المعرفة مكتسبة قال الله تعالى: (( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )) (النحل:78) والشاهد في هذه الآية هو: موضوعها الذي يدركه العقل، وهو أن الطفل يأتي إلى الحياة غير حاصل على اية معرفة، وإنما المعرفة يتلقاها من خلال التعليم من أهله، والمجتمع الذي يعيش فيه بواسطة سمعه وبصره ووعيه للمسموع والمبصرة، أي فيقوم الأهل والمجتمع بتكوين جملة من العلوم مخصوصة، بحيث يتمكن من النظر والاستدلال.

إن المعلومات الملقنة إنما هي أسماء المسميات : أشياء وحوادث ووقائع وأضداد وعلاقات ومعاني وظروف، وأخيراً الكلمات الدالة على المعاني المجردة، وعندما يتحول إلى عاقل يتمكن من النظر والاستدلال. ولا يقال أنه يمكن الاستدلال بالبيان أي النص والخبر، على اعتبار ان هذا الخبر من صادق، فإثبات صدق الخبر لا يمكن معرفته من ذات الخبر من حيث هو خبر، لا يعلم صحته ما لم يعلم انه من الحكيم الخبير العدل، وما لم نعلم ابتداءً بالاستدلال العقلي وجود الحكيم الخبير العدل، وأن هذا الخبر مقطوع أنه جاء به الصادق، بدليل يبرهن صدقه وهو المعجزة، ولا يمكن ان تستدل بالقرآن على الحكيم الخبير العدل، إذ يصبح القرآن دليلاً على الله ودليلاً على نفسه، وهذا من الأقوال المتناقضة، ولهذا لا بد أن نشهد شهادة عقلية: أشهد أن لا اله إلا الله أولاً، بدليل العقل من خلال النظر بالكون المنظور، وأن نشهد أن محمداً رسول الله بدليل الأعجاز المدروك في القرآن، في كل وقت ليصح بعد ذلك الاستدلال بالقرآن على ما بدل عليه من خبر وأمر ونهي ووعد ووعيد وبدون ذلك لا يكون إيماناً، وإنما يكون مجرد سكون نفس، بسبب الموروث أو الهوى أو الظن او التقليد للأحبار والرهبان أو المغالطة، سواء في الحقائق من حيث هي حقائق أو بإبراز حقيقته لإخفاء الحقيقة الأهم والأكبر والأساس.

والعجب كل العجب ممن يرى ان الله يفعل الخير والشر، ويظهر المعجز على يدي الكذابين، وبعد ذلك يزعم فعلاً انه من أهل شهادة الإخلاص، العقل ليس هو الحجة الوحيدة لله على خلقه بل هو اول الحجج وكونه أول الحجج لا يعني أنه الأفضل إذ لا تفاضل بين حجج الله على خلقه، بل لا تضاد بينهما فكل حجة تعمل في موضوعها، فالله والرسل وبعض مسائل الوعد،ودلالة البيان والواقع الذي يصفه أو يعالجه البيان قطيعاً أو ظنياً، أو محكماً أو متشابهاً وكون هذه الأشياء المدركة والمحسوسة موجودة او غير موجودة، وهي على تلك الصفة او على غيرها، فإن كل هذا إنما يستدل عليه بالعقل وحده، وإذا جاء البيان فإنما ليقرر ما تعلمه المقول لا ليضاد معها.

وكون هذا الفعل مطلوباً فعله أو غير مطلوب فعله، أو مباحاً فعله، وان يفعل هذا العدد من المرات، وانه يفعل وقت كذا ولا يفعل وقت كذا أو يفعل في الحالة هذه، ويفعل بتلك، وبصورة مجملة هو معرفة ما يحبه الله او يرضاه فإنها للبيان المقطوع به أنه من الله تعالي. أما بيان كيفيات الفعل التفصيلية، فهو من بيان الرسول [أي السنة] لمجملات الكتاب، وهذا البيان لا يتعلق إلا بالأعمال، ولا يتعلق أبداً بالأخبار فالرسول مبين لما أجمله الله في كتابه من مطالب عملية، وليس مخبراً لأن كل خبر في ذاته قابل إلى ما لا نهاية من الأخبار، بخلاف الأفعال فإنها يمكن ان تتوقف إلى حد ما.

بعد هذه المقدمة لا بد من أجمال للأصول الخمسة التي هي أصول الدين، لأن  الخلاف بين المسلمين بل في المعتقدات البشرية كلها، إنما يقع في هذه الأصول الخمسة

أولاً : - التوحيد التنزيهي : ضمن إطاره وجملة أفكاره، كان الخلاف مع الملاحدة والدهرية مهما تعددت أسماؤها، والثنوية والمعطلة وأهل الكتاب والقائلين بالتجسيم أو التشبيه - " هم المثبتون لصفات عليها الله، مثل صفات البشر مع نفي الكيف عنها " وأهم صراعات هذه المسألة داخل صفوف المسلمين، هي الأسماء والصفات والرؤية والنزول والمكان والزمان والعرش والعرش والميزان والصراط.

ثانياً : - العدل: وضمن إطاره كان الخلاف بين القائلين بالجبر الخالص أو الكسب الجاعلين تصرفات الظلم والجور والقهر والغلبة والفساد هي قدر الله في الناس، ساسه كانوا أم مفكرين واهم القضايا الناتجة من ذلك، هي القضاء والقدر والأجل والرزق والهدي والضلال والنصر، ومن قضايا العدل المهمة الإرادة  والمشيئة والكتابة في اللوح المحفوظ، وخلق أفعال العباد وهل القرآن الكريم مخلوق او غير مخلوق؟

ثالثاً : - صدق الوعد وصدق الوعيد والخلاف جرى في صدق الوعيد: وفي إطاره كان الخلاف مع أهل الأرجاء، وأهل الحديث،ومن أهم قضاياه الخلود لأصحاب الكبائر، والشفاعة وأهل الاستحقاق فيها، والتوبة المقبولة وتكفير الذنوب، والصغائر والكبائر وإحباط العمل وخروج عصاه أمة محمد من النار بعد العذاب او الخلود فيها.

رابعاً : - المنزلة بين المنزلين: والخلاف فيه مع أهل الأرجاء وأهل الحديث وأهل التكفير كفر ملة من ناحية تنظريه، أما من ناحية عملية فالخلاف بالاسم الذي يقع على أهل المعاصي الكبيرة، والأحكام المترتبة لهم أو عليهم في الدنيا والآخرة.

خامساً : - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وفي إطاره كان الخلاف مع الشيعة الإمامية والإسماعيلية، حول الإمامة وطريقة إيجادها والصفات التي عليها الإمام،  وكيف تنعقد له الإمامة والى متى يستحق الطاعة وكيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفرد والجماعة والدولة والخلاف أيضاً مع أهل الحديث حول إمامه المتغلب وطاعة الإمام الجائز.

ما مر هي الأصول الخمسة وهي أصول من شانها ان تغير الحياة، في الفرد والجماعة تغييراً أساسياً شاملاً، فتتحول الجماعة والفرد إلى طاقة مؤثرة فاعلة قادرة على التغيير، تمسك بالأسباب بيدها بقوة، فلا تتواكل ولا تنتظر ولا تتخاذل، ومن على هذه الأصول الخمسة استحق أن يكون من ( أهل التوحيد والعدل ) ومن ليس عليها لا يستحق اسم ( أهل التوحيد والعدل ) ويترتب على هذه الأصول الخمسة ما يلي: -

(1) الإيمان بان الله واحد ليس كمثله شيء ( ذات ) نثبت له الكمالات لا لمعنى  وينفي عنها الجهالات.

(2) الإيمان بان الله عدل غير جائر كلّف الإنسان ومكنه من الفعل او عدم الفعل

(3) ان الله صادق الوعد والوعيد فعل ما وعد به حق وصدق وعدل، وفعل ما توعد عليه حق وصدق وعدل.

(4) ان من صار إلى العذاب فهو فيه خالد أبداً من كفار أو منافقين أو عصاه، ومن صار إلى الثواب فهو خالد أبداً، فمن وجد الثواب فليحمد الله ومن وجد العذاب فلا يلومن إلا نفسه.

(5) أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يمكن القيام به على وجه الحق الا بالتقوى في الأفراد والوعي على الإسلام، والإيمان في الجماعة وسلطان العدل تقيمه الجماعة وتطيعه ما أطاع الله.

وبعد فهذه الدراسة الموجزة المبينة لآراء هي في حقيقتها ( فكر أهل السنة والجماعة ) ومن خلال دراسة جادة في فكر حزب التحرير، على اعتبار ان حزب التحرير هو الفئة الوحيدة التي تبنت خطاباً نهوضاً الإسلامياً شاملاً بينما لم يتبن غيره شيئاً.

ولا يغترنَّ أحدٌ من وصف الفكر بأنه فكر أهل السنة والجماعة بان معنى ذلك ان الفكر مستمد من سنة رسول الله، وان الجماعة هي جماعة المسلمين، بل المقصود الاسم التاريخي ليس غير، أما انه مستمد من السنة فهي مجرد دعوى لأن السنة هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المقطوع به انه لم يقل الجور، ولم يقل ما يخالف القرآن، وهذه الدراسة تكشف مدى مخالفة فكر أهل السنة والجماعة للقرآن الكريم، في كيفية بناء المعتقدات الإسلامية، فهذه الدراسة ليست موجهة ضد أحد، بل هي إعادة بناء لمتطلبات الإيمان الإسلامي ( العقيدة ) لتتمكن هذه الأمة من أن تنقذ نفسها، وتنقد العالم من الكارثة.والَله أسال ان يعين طالب الحق على ما يهدف إليه.

فصل خاص في مراجع فكر المعتزلة

في الوقت الحاضر

في شهر ديسمبر عام 1951 م أرسلت وزارة المعارف العمومية المصرية بعثه إلى بلاد اليمن، برئاسة الدكتور خليل نامي وعضوية فؤاد سيد عمارة رئيس قسم المخطوطات العربية بدار الكتب المصرية، وعبد الفتاح علي عيد رئيس قسم التصوير بدار الآثار المصرية، وإحسان عثمان فهمي رئيس قسم التصوير بدار الكتب المصرية.

استطاعت البعثة ان تصور (110) كتب من كتب علم الكلام، و (35) كتاباً من كتب الفقة وأصوله، و(33) كتاباً من كتب التاريخ و (20) كتاباً من كتب الحديث ومصطلحة، (20) كتاباً من كتب الأدب، و(19) كتاباً من كتب التفسير وعلوم القرآن، و(13) كتاباً من كتب علوم اللغة، و(8) كتب من كتب علماء الإسماعيلية وغلاة الشيعة، و(7) كتب من كتب التصوف، و(5) كتب من فنون متعددة، و(3) كتب من كتب القراءات والتجويد، و(3) كتب في علوم السياسة والاجتماع، وكتابين من كتب المنطق.

لقد اقتنت البعثة أيضاً عدة مخطوطات مثل: كتاب المغني في أصول الدين للقاضي عبد الجبار، أي(14) قسماً من أصل 20 قسماً، إذ لا يزال الأول والثاني والثالث والعاشر والثامن عشر والتاسع عشر مفقودة، ولا زالت كتب كثيرة من كتب المعتزلة مفقودة، ويكفي العودة لفهارس ابن النديم أو لكشاف الفنون أو لأي كتاب فيه فهارس بالكتب، ليعلم مقدار ما ضاع من التراث الاعتزالي، بسبب المظالم الكثيرة التي أوقعها ما تسمى بأهل السنة والجماعة بأصحاب ذلك التراث، وبالتراث نفسه.

والزيدية في اليمن هي الصدر الحاني للمعتزلة وكتبها، فالزيدية شاركت المعتزلة في طريقتهم في التفكير، ومن هنا كانت أصولهم واحدة والاختلاف الوحيد بينهم هو في موضوع الإمامة.

لقد تعرض المعتزلة لمحنة أثر محنة، أكثرها أثراً هي الوثيقة القادرية تعرض المعتزلة أثرها للاضطهاد، والتصفية وحرق المصنفات ـ ولهذا يزول العجب- إذ قبل العثور على التراث الاعتزالي في اليمن، لم يكن يوجد من مؤلفات المعتزلة شيئاً، ولهذا تركز في نفوس الناس مقولات عن الاعتزال، هي مقولات أعداء للمعتزلة، من أشاعرة وأهل الحديث.

كان للعثور على التراث الاعتزالي أثرٌ كبير، إذ جرى تصحيح الرؤية للاعتزال، فقد أخذ الناس ولأول مرة يقرءون مقالات المعتزلة من كتبهم، الأمر الذي أدى إلى وضع العديد من الرسائل الأكاديمية في المعتزلة، تحقيقاً لكتبهم أو دراسة لأفكارهم وعقائدهم وآرائهم، مما أمكن من تصحيح صورتهم في أذهان الناس، وأهم المراجع التي يمكن الاعتماد عليها في قراءة فكر المعتزلة هي:

(1) مؤلفات القاضي عبد الجبار المتمثلة: في شرح الأصول الخمسة، والمحيط في التكاليف، والمغني في العدل والتوحيد، وطبقات المعتزلة، ومتشابه القرآن، وتنزيه القرآن عن المطاعن، وتثبيت دلائل النبوة، وله كتب مفقودة غيرها؟، لقد كتب في فكر القاضي الكثير: الدكتور عبد الكريم عثمان نظرية التكليف عند القاضي، وحسني زينة العقل عند المعتزلة في فكر القاضي عبد الجبار، والدكتور عبد الستار الراوي الحرية عند المعتزلة في فكر القاضي عبد الجبار.

(2) كتاب الانصار وهو رد على كتاب ابن الريواندي الملحد، لعبد الرحيم الخياط المعتزلي.

(3) كتب الجاحظ ومع كثرة ما كبت، إلا أنه لم يبق منها إلا بعض المؤلفات ذات الصيغة العلمية والأدبية والطرائف، المطبوع منها ما يلي:

الحيوان، والبيان والتبيين، والتاج ويسمى أخلاق السلوك، والبخلاء، والمحاسن والأضداد، والتبصر بالتجارة، ومجموع رسائل اشتمل على أربع هي المعاد والمعاش، وكتمان السر وحفظ اللسان، والجد والهزل، والحسد والعدل، وله ذم الفؤاد وهي رسالة صغيرة، والدلائل والاعتبار على الخلق والتدبير، وفضائل الأتراك، والربيع والخريف، والحنين إلى الأوطان رسالة، والبرصان والعرجان والعميان والحولان، والقول في البغال فضلاً عن كتب ورسائل لا تزال مخطوطة، وأخرى مفقودة، وكتب عنه وعن أدبه وعن فكره الكثير.

(4) ابن أبي الحديد عبد الحميد بن هبة الله، 656 هـ قيل عنه أنه من أعيان المعتزلة من أهم كتبه شرح نهج البلاغة في 20 جزءاً والفلك الدائر في المثل السائر، والقصائد السبع العلويات.

(5) أبو الحسن محمد بن علي الطيب البصري جعله الحاكم الجشمي في الطبقة الثانية عشرة من المعتزلة، ولم يبق من كتبه إلا المعتمد في أصول الفقة.

(6) مؤلفات الحاكم الجشمي أبو السعد المحسن بن محمد بم كرامة ألّف حوالي 42 مؤلفاً الكثير منها مفقود، ولكن بقي منها ولا تزال مخطوطات منها التهذيب في التفسير، 8 مجلدات وشرح عيون المسائل وهو مطبوع، وقدم الدكتور زرزور رسالة دكتوراه في منهجه في التفسير واعداً بتحقيق تفسيره ولم يحقق الوعد حتى الآن.

(7) مؤلفات الماوردي

(8) ولا تكفي هذه الورقات لتسجيل ما هو موجود من تراث المعتزلة، وما كتبه الأكاديميون عنهم وإنما هي مجرد لفت نظر لبعض من هذه المدونات.

هذه القائمة لا تشمل مؤلفات أخواننا في التوحيد والعدل من الزيدية والتي يمكن الإطلاع على بعضها من خلال موقع مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية

اسم الكتاب

المؤلف

المحقق

طبعة

«الانتصار» في الردّ على ابن الرّاوندي

أبي الحسين المعروف بالخيّاط

للدكتور نيبرج الاستاذ بجامعة (آبسالة) في (مملكة السويد)

القاهرة

فضل الاعتزال أو ذكر المعتزلة

لأبي القاسم البلخي (ت317 أو319هـ)

فؤاد سيّد

طبع الدّار التونسية، عام (1406هـ).

شرح الأُصول الخمسة

لقاضي القضاة عبدالجبّار بن أحمد (415هـ).

الدّكتور عبدالكريم عثمان،

مكتبة وهبة -القاهرة

1364

المغني في أبواب التوحيد والعدل

لقاضي القضاة عبدالجبّار بن أحمد

مجموعة علماء 14جزء لا تزال 6 مفقودة صدر في16مجلد

دار الكتب المصرية

تنزيه القرآن عن المطاعن

لقاضي القضاة عبدالجبّار بن أحمد



المجموع المحيط بالتكليف جمع الحسن بن متويه

لقاضي القضاة عبدالجبّار بن أحمد

عمر السيد عزمي

القاهرة 1965

المختصر في أُصول الدّين

قاضي القضاة عبدالجبّار بن أحمد

د/محمد عمارة

ضمن رسائل العدل والتوحيد القاهرة دار الشروق

تثبيت دلائل النبوة

القاضي عبد الجبار الهمذاني

د. عبد الكريم عثمان

بيروت

طبقات المعتزلة وفضل الاعتزال

قاضي القضاة عبدالجبّار بن أحمد

فؤاد سيّد

طبع الدار التونسية، عام (1406هـ).

ديوان الأُصول في التوحيد

لأبي رشيد سعيد بن محمّد النيسابوري

محمّد عبدالهادي أبو ريدة

طبع مصر، عام (1968م)

رسالة إبليس إلى إخوانه المناحيس

أبي السعد المحسن بن محمّد الجشمي البيهقي (م494هـ)

محمد بن أحمد الطباطبائي

مكتبة التراث الإسلامي

1996

تحكيم العقول في تصحيح الأصول

أبي السعد المحسن بن محمّد  الجشمي البيهقي (م494هـ)

عبد السلام بن عباس الوجيه

مؤسسة الإمام زيد بن علي (ع) الثقافية 2001

 

الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء

تقي الدين النجراني

دكتورالسيد محمد الشاهد

المجلس الأعلى للشئون الإسلامية القاهرة 1999

المعتمد في أصول الدين

ركن الدين محمود بن عبد الله بن الملاحمي(ت536)

و.ف ماديلونج و ميك ديمرموت

لندن 1991

المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين

أبورشيد سعيد بن محمد النيسابورى(ت460هـ)

معن زيادة و رضوان السيد

بيروت 1979





 

الفهرس

الموضوع

رقم الصفحة

تمهيد

5

الإهداء

6

تقدمة

8

مقدمة أولى

18

مقدمة ثانية

27

مقدمة ثالثة

35

الإيمان الإسلامي ( مطالعة قصيرة)

38

طريق الإيمان بين إثبات الخالقية والألوهية

40

ملاحظة للدخول في بحث القضاء والقدر

50

القضاء والقدر

52

أفعال الإنسان وأفعال القضاء والقدر

62

توطئة لفهم موضوع الآجال

67

الأجل في فكر حزب التحرير

69

الرزق والمال أهم قضايا التكليف

78

مدخل لموضوع الرزق من خلال النص القرآني

80

المسرد الأول آيات الرزق

81

المسرد الثاني آيات المال

101

 

المسرد الثالث آيات الرزق والمال في سور القرآن وفي

المعجم المفهرس

114

الرزق في فكر حزب التحرير

131

الهدى والضلال في منظور أهل العدل

146

الناصر والمنتصر والمنصور

156

النصر في الدنيا في فكر حزب التحرير

158

الخالدون في جهنم

168

الجزاء في فكر حزب التحرير

170

المرحوم تقي الدين النبهاني والمعتزلة

177

الخاتمة

200

فصل خاص في مراجع فكر المعتزلة

206

 

الكتاب والكاتب

هذا الكتاب هو الأول من سلسلة جدل الأفكار لزعم الماديين بصراع الأضاد وجدالها!

الوعي والصراع والجدل سمة الإنسان، وأما غيره فليس ذاتاً واعية فلا صراع ولا جدل ولكن فيزياء الأشياء وخصائصها أو فسيولوجيا الأحياء وبيولوجيتها أو نظام الكون وحركته، فالفيزياء والبيولوجيا والفلك في خدمة الإنسان.والوعي فقط هو القادر على اكتشاف خصائص الوجود والمادي والحياتي وفي محل القدرة على تسخيرها.وهذا التسخير يجب أن يقود، الوعي الإنساني ليُسعد الإنسان لا ليُشقيه، وليحرَرَ الإنسانَ لا ليستعبده، وليطمئن الإنسان لا ليقلقه.

أما الكاتب فهو من زمرة المستضعفين المغمورين خرج، ولهذا يكتب للأشقياء في العالم، للمستعبدين من بني الإنسان، للقلقين الذين أطال ليلهم الشقاء، والفقر، والمرض، والظلم لكل هؤلاء جاء الكتاب ليكشف سبب الشقاء ودواعي الاستعباد ومصدر القلق.كل ذلك في سبيل إعادة اكتشاف الدرب!من هنا فالكتاب بسيط في أفكاره، سهلٌ في تعبير، حارٌ حرارة الحياة في مفرداته وتراكيبه.يمتنع هذا الكتاب من أن يكون أداة زينة في صالوانات المترفين أو قصائد مدح لأصحاب الصولجان.أنه كتاب أساسه التوحيد لذات الله، والعدلُ صفة فعله، ولهذا معذرة للأكاديميين إذ لم يكتب لهم.وسلام على عباده الذين اصطفى وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

يطلب من المؤلف

عمان- جبل الحسين الغربي

هاتف ..... ص.ب .....