رحمه الله تعالى

المعتزلة المعاصرة

أمين نايف حسين ذياب

Get Adobe Flash player

البحث في محتوى الموقع

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 351844

مناقشة كتاب حمل الدعوة واجبات وصفات

بسم الله الرحمن الرحيم

موسوعة جدل الأفكار (23)

في سبيل إعادة بناء الوعي وتحقيق النهضة

جدل ومناقشة لكتاب

( حمل الدعوة واجبات وصفات )

(( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا ييحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ))(البقرة:204- 207).

أمين نايف ذياب

الحلقة الأولى

صدر الكتاب موضوع القراءة عن دار الأمة عام 1996 م ، وهو من منشورات حزب التحرير ، ويقع الكتاب في 115 صفحة ، بمسطرة 21x14 ، في كل صفحة حين تكون مكتملة 24 سطراً ؛ بواقع عشر كلمات في السطر الواحد ، ومادة الكتاب موزعة على 113 صفحة ، وعلى افتراض أنَّ معدل كلمات الصفحة الواحدة هي 220 كلمة ، فيكون مجموع كلمات الكتاب تقريباً 113x 220= 24860 كلمة.

حوت مادة الكتاب العناوين التالية :

المقدمة 1- موقع حامل الدعوة 2- القرآن والكون 3- قصص الأنبياء والمرسلين 4- النصر لحامل الدعوة 5- الطائفة الظاهرة 6- القدوة والمثال 7- الأيمان والأعمال 8- حب الدنيا 9- مع كتاب الله 10- الإخلاص في حمل الدعوة 11- الصبر على البلاء 12- الثبات لحامل الدعوة ، وإذ المقدمة لم تعط رقما فالترقيم كان من 1-12 .

مؤلف الكتاب هو السيد محمود عبد اللطيف عويضة ، ورغم أنَّ المؤلف شخصية مغمورة في المجتمع ، إلا أنه مشهور شهرة واسعة عند أعضاء حزب التحرير ، فهو من مسؤولي حزب التحرير منذ عام 1970م وحتى اليوم ، وهو معروف معرفة تامة عند أعضاء حزب التحرير بكنيته ( أبو إياس ) .

بدأت مشكلة الكتاب ـ عند قيام عبد القديم زلوم أمير الحزب باعتبار الكتاب من منشورات حزب التحرير ـ أي باعتباره كتاباً حزبياً ، يجب على الأعضاء وجوباً حزبياً تبني أفكاره  والدعوة لهذه الأفكار، فالعاصفة التي أثارها الكتاب ليست متعلقة بوجوده ، وتأليفه ، بل بتبنيه وإلزام أعضاء الحزب فيه ، رغم أن الكتاب ـ كما يراه أعضاء الحزب ـ موصوف بأنه كتاب هابط كل الهبوط ، في مستواه الفكري ، وفي عرضه للقضايا ، وكونه يخالف طريقة الحزب في التبني ، أي أن الكتاب لم يتأسس على الأدلة المعتبرة عند حزب التحرير ، ومن هنا أثيرت ضجة حوله ، ويظهر أن الضجة حدثت داخلياً ، ولكن عبد اللطيف الزهد ـ وهو أحد أعضاء حزب التحرير ـ نقل الضجة إلى خارج دائرة الحزب ، بنشره مقالاً حول الكتاب في جريدة اللواء واعداً بأن يتواصل النشر حول الكتاب .

لكن لأسباب غير معروفة أو معلومة ، أوقف عبد اللطيف الزهد النشر ، مكتفياً بالحلقة الأولى والظاهر أن هناك ثورة داخل الحزب ، فهل ستؤدي إلى انقسام الحزب ؟ فالانقسام حقيقة واقعة ! يدركها أي شخص يناقش الزهد ، أو غيره من أعضاء الحزب ، فأمير الحزب والمسؤول الثاني في الحزب محمود عبد اللطيف عويضة ، يتعرضان لنقد شديد من قبل أعضاء الحزب ، فهل سيتكرس الانقسام ؟ أم يخرج الأمير والرجل الثاني من هذه المعركة منتصرين ؟ أم أن الحزب سيتفكك ؟ على الغالب أن أمير الحزب والرجل الثانـي لن تؤثر عليهما هذه الضجة ، بل إنَّ المؤشرات تدل على التمكن من احتوائها ، لوجود صورة ذهنية عند مجمل أعضاء الحزب ،  تقول : إنَّ الحزب وآراء الحزب هي الصورة الأكمل ، والأمثل والأفضل للتعبير عن الإسلام ـ سواء في كيانه الفكري ، وفي طريقة تكتله ، وفي مساره الحزبي ، وكل كيان فكري غير كيانه وكل تكتل يخالف طريقة الحزب في التكتل ، وكل مسار غير مسار الحزب ، هو كيان أقل ما يقال فيه أنه كيان متهم في كل أحواله ـ .

يقيم حزب التحرير كيانه الفكري ـ على إعلان القطيعة التامة بينه وبين التراث الإسلامي ـ فكيان الحزب الفكري ، الذي هو عبارة عن الكتب المتبناة ، وغير المتبناة ، والثقافة الحزبية ، لا تتصل بأي صورة في أي جزء من التراث ، فكل فكر ، وكل رأي ، وكل حكم ، وكل فهم ، فإنه منفك عن أية جذور تراثية على رأيهم ، وإنما تبنوه إبداعاً ، بدون أية أرضية تراثية ، ولـهذا فإن فهم الجذور التراثية ، أو محاولة قراءة قضية تراثية ، إنما هو في رأي حزب التحرير عمل مضحك ومُلْهٍ ، وربما له علاقة بالإنجليز والأمريكان ! .

إنَّ قراءة أي جزء من التراث ، كحدث الدار ، أو الجمل الصغرى ، أو الجمل الكبرى أو صفين ، أو النهروان ، أو كربلاء ، أو التحقق من إيمان أبي طالب ، أو عدم إيمانه ، أو البحث بقضية خلق القرآن ، أو رؤية الله يوم القيامة ، أو عدم رؤيته ، أو البحث في المحنة ، أو في الوثيقة القادرية ، أو غير ذلك ، إنما هو في رأي حزب التحرير طعن في الإسلام ، ولذلك تأتي عبثية وعدمية الجدال معهم حول أية قضية ، فهم حالة منتفخة محتواها الفراغ .

رغم أن جميع التكتلات : الفكرية ، والسياسية ، والفكرية السياسية ، تقدم نفسها على أنـها الحق ، لكن التفرد الذي عليه واقع حزب التحرير ، هو تَفَلُّتَهُ من الانتماء ، فالسلفيون يدَّعُون انتماءهم إلى منهج السلف ، والإخوان المسلمون ينتمون إلى منهج أهل السنة الإصلاحي  والتبليغيون ينتمون إلى العبادات والدعوة لـها ، والدعوة إلى إصلاح عبادات الأفراد فقط ، وخاصة الحرص على أداء الصلاة جماعة ، والصوفية تنتمي إلى نـهج العلم الإلهي الذي هو هبة الله لشيخ الطريقة ، ومن  هنا يشكل الشيخ عندهم حالة قدسية ، والجهاديون ينتمون إلى الجهاد ضد الكفار ـ وخاصة الملحدة ـ أي الشيوعيون ، وإذ انكشف استغلال حكام الخليج وباكستان والأمريكان لهم ـ بعد رحلة ضد الشيوعيين ( أي القتال المادي من قبل التنظيم ) ، رجعوا للجهاد ضد الظلمة واليهود وناصري اليهود ، وهذا يُشف الصدر لكنه لا يغير الواقع ، والجمعيات الخيرية الإسلامية تنتمي إلى فعل الخير ، وكلهم يعلنون أنـهم من أهل السنة والجماعة ، رغم الاختلاف والتباين بينهم .

لكن حزب التحرير يرفض تحديد هويته التراثية ، مع أنه في الحقيقة هو خليط من الأشاعرة والسلفية ، ويعلنون العداء كل العداء للمعتزلة ، سواء أيام الشيخ تقي الدين النبهاني ، أو أيام إمارة الرأسين : عبد القديم زلوم ، ومحمود عبد اللطيف عويضة ، وقد ازداد العداء للمعتزلة حِدَّةً عندما وجدتْ دعوةٌ لتبني فكر المعتزلة ، وإعادة بناء العقل الإسلامي عليه ، ورغم إدعاء عبد اللطيف الزهد ، أنـهم يقرأون أي نقد يوجه إليهم ، إلا أنـهم رفضوا قراءة كتاب جدل الأفكار قراءة في فكر حزب التحرير ، وأصدروا أمراً داخلياً بعدم قراءته ، بل أصدروا أمراً آخر هو عدم التواصل والاتصال والنقاش مع المعتزلة ، وقاموا بحملة ظالمة ضد المعتزلة ، بصورة تفتقد النـزاهة والبرهان . { الآن بعد مرور خمس سنوات على صدور الكتاب ، ومرور عشرة سنوات على وجود دعوة جادة ، لإعادة بناء العقل الإسلامي على أساس فكر المعتزلة ، فقد قرأ قلة منهم الكتاب ، رغم إعلان حالة الحصار عليه ، وجرى نقاش مع بعضهم ، مع ذلك فقد كشف النقاش معهم ، فقدان طلب الحق لديهم ، وضحالة المعلومات عندهم ، وعدم إدراك البعد الحضاري للفكر ( الـحركة الحياتية ) ، واستقرار فصل الفعل عن نتيجته ، أي التحول إلى القدرية الغيبية كليا ، فقد تحول الحزب كله إلى حالة عدمية عبثية ، تنتظر التغيير دون مباشرته ، ويدافعون عن الوعد في الزمن الآتي قدراً } كتب هذا المحصور بين المعوجتين عام 2000م . هنا يماثلون ( الفكر اليهودي الديني الذي ينتظر المسيا ) .

أدى إعلانـهم القطيعة مع التراث ، إلى وجود انتماء عام إلى حزب التحرير ، كاسم لا كمفاهيم ، وتشرذم واضح في الرأي والأفكار والأحكام ، فحزب التحرير مجرد علامة إعلانية تضم أعضاء حزب التحرير ، لكنهم ككيان فكري له منظومة من الأفكار والمفاهيم ، فإنـهم في حالة التباين ، ولعدم وجود أصول دين أي طريقة تفكير، فالحزب حالة غير عادية ، تمدح وتقدس ولا تفهم ، وحين يُجَرَّون إلى النقاش يتحول النقاش معهم إلى صورة من المهاترات ، وجملة من الاتـهامات لمن يناقشهم ، ويعيشون على منظومة مدائح ، وادعاءات بطولية ، وأنـهم في محل التعرض للمحنة دائماً ، فصدق الأفكار وحيويتها وأهميتها لا ترتكز لمنهج صحيح ، أو خاطئ  وإنما لصورة ذهنية هم صانعوها ، دون أي دليل على صحة تلك الصورة الذهنية .

بعد هذه المقدمة تتضح الأسباب التي جعلت الرأس الثاني في الحزب يكتب كتاباً ، وصف من بعض أعضاء الحزب بـهبوطه ، وخروجه عن طريقة الحزب في التبني ، وهي نفس الأسباب التي جعلت أمير الحزب يتبناه رغم هبوطه ، وخروجه عن طريقة التبني عند الحزب ، ورغم الهجوم على الكتاب ورفضه من جملة شباب حزب التحرير كما هي دعوى عبد اللطيف الزهد إلا أن رفضه لا يكشف عن وضوح لصورة الحزب بحيث لا يتأتى تسرب أفكار خاطئة لكيانه بل أن اختلافهم حول الكتاب يكشف أن الصفة الكيانية الفكرية للحزب غير واضحة فكل واحد منهم يرى صورة الحزب الكيانية حسب فكره ومشاعره.

ليس أدل على ذلك من أن قائد الحملة ضد الكتاب عبد اللطيف الزهد غير مقبول عند جملة أعضاء الحزب بأنه صورة مطابقة لكيان الحزب الفكري بل هو صورة مرفوضة عند كثير من شباب الحزب ولهذا فإن كتابته عن مخالفة كتاب عويضة كما كشفتها الحلقة الأولى لا تدل على أنه يناقش الكتاب من خلال معيارية مفاهيم الحزب بل من خلال معيارية هي الصورة الذهنية للزهد عن الحزب ولذلك لم يستشهد بنص واحد من أدبيات الحزب.

يرفض الزهد من مقالات عويضة وخاصة المقدمة:

1- التأسي بالأنبياء قبل الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم ويستشهد بالآية ولكم في رسول الله أسوة حسنة.

2- يرفض أن الأنبياء هم وعاء هيئه الله تعالى لحمل الرسالة فتجانس الوعاء والرسالة.

3- يرفض أن يطلب من حملة الدعوة كأساس لحمل الدعوة وصفهم برأس الخير وقمة الفضل قولاً وفعلاً.

ولا يبحث الزهد الدعوى العريضة التي ادعاها عويضة أنه استدل بالحديث بقوله:(( وقد استدللنا بما صح عندنا وحسن من الأحاديث والتي فهم منها أن لعويضة منهجاً يصحح ويقبل الأحاديث على أساسه ولا ينتبه الزهد إلى أن عويضة لم يستدل بآيات القرآن الكريمة وإنما جعلها تشهد له محملاً إياها ما لا تحتمل من معان ولا ينتبه الزهد للركاكة الفجة في الأسلوب التي عرض بـها عويضة مقالاته وشطحاته ولا يأتي الزهد بنص واحد من أدبيات الحزب يرفض على أساسها الأمور المرفوضة.

حين العودة لكتب الحزب حول الأنبياء ورسالتهم لا يجد الباحث إلا بحثاً واحداً في كتاب نظام الإسلام هو التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم ولا يفهم من البحث رفض التأسي بالرسل الآخرين وفي كتاب الشخصية الجزء الاول وردت ثلاثة أبحاث هي الأنبياء والرسل وعصمة الأنبياء والوحي وليس فيهما رفض للتأسي بغير الرسول صلوات الله عليه وعلى كل فإن القضية الخلافية بين الزهد وعويضة غير محررة أي لا تتضح صورة الخلاف بينهما وربما أراد الزهد ما ورد في الشخصية الجزء الثالث من رفض الحزب لشرع من قبلنا أنه ليس شرع لنا وهذه القضية أيضاً وهي محل خلاف في أصول الفقه غير محررة أيضاً على صورة يعلم المرفوض والمقبول مما ورد في القرآن حول هذا الموضوع فمثلاً ندد على النصارى واليهود اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً ويفسرها الرسول صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم بأن ذلك يعني قبول آرائهم في التحليل والتحريم فهل هذا الامر أيضاً مطالب به المسلمون من ضرورة عدم اتخاذ علماء المسلمين وزهادهم بأنـهم محل التبعية في التحليل والتحريم ؟

لا ينكر فكر أهل السنة والجماعة مع وصفهم له أنه الفكر الحق الذي يمثل الإسلام أي فرد من أعضاء حزب التحرير رغم ما أورده الشيخ تقي الدين النبهاني من نقد لرأي الأشاعرة مع تسميته لهم باسم أهل السنة والجماعة في موضوع القضاء والقدر حول نظريتهم في الكسب والشيخ تقي الدين النبهاني قدم في فهمه للقضاء والقدر رأي ابن تيمية ولم يخرج عنه أبداً ففكر أهل السنة والجماعة هو جذر فكر حزب التحرير ولهذا فالعجب من الزهد حين يشن حملة على فكر عويضة إذ أن فكر أهل السنة والجماعة وهو متشكل من آراء الفقهاء الأربعة وآراء الماتريدي والأشعري وأهل الحديث والطحاوي وابن تيمية والغزالي والصوفية، فحزب التحرير لم يحدد له جذراً وبالتالي فإن انتماءه إلى هذه الجذور المتعددة لا بد من أن يوقعه في الطامات.

وقوع عويضة بالطامات ليس أمراً عجباً بل الأصل به وقوعه بالطامات فهو نصي في إيمانه وهو جبري في نظرته للأفعال وهو لا يفرق بين القرآن والسنة والحديث وعلماء أهل السنة وأساطير أهل السنة وهو بعد ذلك من أهل الإرجاء الخالص وليس بعض الإرجاء ولذلك يقول في ص78: يتبين مما سبق أن المسلمين وإن نجاهم الله سبحانه من الخلود في النار ووعدهم بدخول الجنة فإن عليهم حتى ينجوا من عذاب النار المؤقت أن يجتازوا عقبة حب الدنيا ومع أنه يدعو حملة الدعوة اجتياز عقبة حب الدنيا إلا أنه قد تصيب النار محبي الدنيا قليلاً أو كثيراً بل أنه هز الوعيد الضئيل هذا بقوله وإن هم تنافسوا في الدنيا وأحبوها وآثروها على الآخرة فإن أمرهم إلى الله إن شاء عذبـهم وإن شاء غفر لهم ثم إذا هم دخلوها فلن يحصلوا الدرجات العليا فيها.

وينسى فضيلته أن كل واحد من أهل الجنة راض بدرجته متنعم فيها لا يحسد أهل الدرجات العلى، قال تعالى:{ فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز } قسم من آية 185 آل عمران، وما دام فضيلته قد فتح أبواب الجنة كلها أمام الفساق والعصاة والمفسدين والظالمين والطغاة والبغاة وقتلة المسلمين إن كانوا القتلة من المسلمين وشاربي الخمرة والزانين والمسافحين والعاهرين والمجرمين والخائنين ولاعبي القمار وآكلي الربا وموكليه وتاركي الصلاة إلى آخر تلك القائمة من المسلمين عقيدة المخالفين عملاً فإن فضيلته في هذا أبطل وعظه ففضيلته (( كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً ))(النحل: من الآية92).


الحلقة الثانية

موقع حمل الدعوة

هذا هو العنوان الذي اختاره مؤلف الكتاب للبحث الأول ، مستغرقاً الصفحات من 7-14 [ أي 8 صفحات ] وكلمات البحث لا تزيد عن 1600 كلمة ، يتضمن البحث (31) استشهادا من الآيات ، في ثلاثة من الشواهد أورد في كل واحد آيتين ، أمَّا في بقية الشواهد ورد إمِّا آيةٌ كاملة ، أو أجزاء من آية ، واقتبس في بحثه حديثا واحدا ، كررّه مرتين ، فتكون الكلمات التي تحويها الاستشهادات حوالي 500 كلمة ، فيبقى من البحث حوالي 1100 كلمة.

تشير نسبة كلمات الآيات إلى نسبة كلمات المؤلف ، إلى أن البحث لم يجعل الآيات أساساً لمفاهيمه ، بل جعلها شاهداً لمقولاته ، ولهذا لم يقم بأي عملية لفهمها ، أو تفسيرها ، أو استنباط المفاهيم منها ، من خلال البحث عن دلالتها ، والاستشهاد بـالآيات القرآنية ـ وحشدها على هذه الطريقة ، وليس وضعها موضع التحليل اللغوي ـ أمرٌ أبتلي به المسلمون ، فجعلوا خطاب الله تعالى ، والذي هو أعلى أنواع الخطاب ، مجرد خطاب يؤكد سطحية ، أو واحدة من شطحات ، أو تحريفات ، هذا الكاتب وذلك الواعظ ، وسيرى القارئ لكتاب عويضة ، أن هذه هي سمات تنطبق على كتابه ، فضلاً عن الركاكة الفجة في جمله وفقراته ، والتمثيل على هذه الركاكة ـ وإن كان يشمل البحث كله ـ إلا أنه لا بد من إثبات بعض الأمثلة على ذلك :

1- في الفقرة الأولى عطف ثلاثة جمل على بعضها ، بتصديرها بالفعل اقتضت حكمته مع أنه كان يمكن أن يقول : أنعم الله على الموجودات بالخلق مفضلاً الإنسان بالتكليف محملاً إياه مسؤولية العمل بالإسلام والعمل له على مقتضى الحكمة فلله الحمد على ذلك أي في اثنين وعشرين كلمة بدلاً من حوالي تسعين كلمة تكررت الواحدة تكراراً يضعف قوة الفقرة ويحوله إلى غثاء .

ويقول في موضع ثانٍ : إنّ الخالق الحق قد ميز الإنسان وكذلك الجان بأن حباه العقل فهو بالعقل قد تفرد على سائر المخلوقات وهذا التفرد لم يخلقه الله عبثاً ولا باطلاً....الخ فقرته المليئة بالغرائب فكلمة الحق هنا وهي زيادة في المبنى ما فائدتها في المعنى من جهة ألا تستدعي وجود الخالق الباطل ؟ ويقول فهو بالعقل قد تفرد على سائر المخلوقات ، مع أنه على منطوق عبارته أنه غير متفرد ، بل الإنسان والجان عاقلان ، ويستعمل الفعل حباه مع أنه يتكلم عن الإنسان والجان ، فيجب أن يقول حباهما.

يتكلم المؤلف عن العقل دون تحديد مفهوم العقل ، ويظهر أن مفهوم العقل عنده ليس هو الحكم على الواقع ، بانتقال الإحساس به بواسطة الحاسة وأعصاب الحواس إلى الدماغ ، مع معلومات سابقة عن الواقع يفسر به الواقع  ( تعريف تقي الدين النبهاني للعقل ) بل العقل عنده وكأنه جوهر موجود وجوداً مستقلاً بذاته ، ففي العقل الإدراك والقيام بالتبعات وصفة الاعتزاز بالذات والقبول والإحجام وهو مخلوق على حالة تمكنه من حمل العبء فالمؤلف لا يتكلم عن الإنسان العاقل وإنما يتكلم عن العقل والظاهر أن يتكلم عن العقل ليس كفاعلية إنسانية مكتسبة وإنما يتكلم عن عقل مستقل هو العقل بمفهوم الصوفية ولهذا كثُرت في جمله كلمة الحق والحقيقة والحاقة والحكمة و(الموكب) وهي كلمة لم يستعملها القرآن الكريم ومع أن القرآن استعمل بقية الكلمات إلا أن المؤلف أخرجها كلها عن سياقها القرآني معطياً لها شطحات صوفية.

يظهر من مقولات فضيلة المؤلف أن الكون كله قانت ومسبح وساجد ومطيع لله تعالى بدون تفريق بين قنوت وتسبيح وسجود وإطاعة العقلاء الأحياء المكلفين القادرين وبين من هو خلاف ذلك فما موقف المؤلف من المجاز أو إيجاز الحذف ؟ فالمؤلف حرفي نصي بدون أدنى معرفة باللغة العربية وهو أيضاً لم يكلف نفسه العودة لأي تفسير بخصوص الآيات الكثيرة التي استشهد بها ولو كلّف نفسه عناء الرجوع للتفاسير لكان الظن أن لا يقع بهذه الطامات ولفهم أن الآيات إذ تثبت القنوت والتسبيح والسجود والطاعة إنما تثبته على سبيل قهرها لا وعيها فالإنسان مكلف واعٍ والكون مسخر غير واع  والإدراكات عند الحيوان هي إدراكات غريزية أو إلهامية وليست إدراكات واعية فافترق الأمران بين المكلَّف والمسخَّر.

ما هو الموكب الكوني الواحد؟ الذي يدّعيه فضيلة الأستاذ محمود عويضة والذي يراه عويضة أنه مخلوق بالحق دون أن يبين المعنى فهل هناك واسطة بين الله ومخلوقاته واسم هذه الواسطة الحق أم أن المراد أن الله تعالى خلق السماء والأرض حقاً لا باطلاً فتكون الباء زائدة معناها التوكيد وأُدخل بسبب الباء الألف واللام في أول الكلمة ونظير ذلك في اللغة كثير فيقال فلان يقول بالحق أي يقول حقاً وهذا الكلام يؤدي إلى صفة الخلق لا إلى موكب الخلق إذ جعل موكب الخلق موكبين موكب الكون الحق وموكب المتخلف أي الموكب السائر بالباطل والذي يراه فضيلته أنه العقل والإنسان الكافر مؤكداً أن العقل عقلان عقل مطيع خاضع وعقل نشاز في النسق الكوني البديع وهكذا فضيلته لا يتكلم عن كون مسخر ليس محل التكليف وإنسان عاقل مكلف وإنما يتكلم بكلام صوفي غريب على فكر النهضة وغريب على فكر حزب التحرير وهو كلام خالٍ من المفاهيم والدلالات.

عندما تكلم عن مفارقة الكفار المعذبين لهذا الموكب الكوني أورد عبارات غاية في الغرابة والتسطح إذ يقول: ( هذه المفارقة والمباينة وصفها رب العزة بأقبح وصف وأرذله بقوله تعالى في سورة التوبة:{ إنما المشركون نجس } ويستمر قائلاً : ولم يرد في الآيات القرآنية ذكر النجاسة إلا  مرة واحدة فحسب في هذه المرة، أطلقها سبحانه على الكفار المشركين وحيث أن الكون مخلوق على الطهارة فإن وصف الكفار بالنجاسة لأبلغ دلالة على مغايرتهم لما عليه الكون وخروجهم على خطه ومنهاجه مما يستوجب نبذهم تماماً كما تنبذ النجاسات، فالكفار من الإنس ومثلهم من الجن هم حالة النشوز في هذا الكون.

هؤلاء النجس ولا يمكن أن يخالف مسلم منطوق القرآن الكريم أهم خلق الله ؟ أم هم خلق لغير الله ؟ فإن كانوا خلق الله فهم مخلوقون بالحق ، وهذا الوصف بالنجاسة أهو وصف حادث ؟ أم هو وصف منذ الأزل ؟ وهذه النجاسة التي وُصف بـها الكفار أهي اكتسابـهم ذلك بطوعهم واختيارهم ؟ أم هو قدر الله فيهم الذي لا انفكاك منه ؟ وهذا الكون المخلوق على الطهارة كيف خرج منه من خرج إلى النجاسة ؟ وما الحكم بالنجاسات أهي منبوذة تماماً ؟ أم لها أحكام عند الضرورة ؟ وهل من نبذ هؤلاء النجس عدم زيارتهم عند المرض ؟ أم تجوز زيارتـهم في مرضهم ؟ وهل يجوز أكل ذبائح أهل الكتاب وأي طعام غير الذبائح لغير أهل الكتاب ؟ وهل وصف النجس أيضاً لأهل الكتاب ؟ وبالتالي لا يجوز زواج الكتابية ، أم أنـهم ليسوا من موكب النجاسة ؟ أي يجوز زواج الكتابية وهي كتابية ، وبالتالي النوم معها بفراش واحد ، وأن تحمل وتلد ابنها المسلم وأن يرضع ولدها حليبها.

أسئلة كثيرة على مقولات الأستاذ عويضة التي يلقيها جزافاً وهو تحت تأثير تعظيم ذاته مخالفاً رشده فهذى بكلام لا يجوز أن يقوله داعية مسلم فالنجاسة للمشركين حكم معنوي للتنفير من الشرك بأسلوب القرآن أي أن الشرك هو النجس وليس إنسانيتهم وليس عقلهم ولا يسلبون حقهم بالعيش والحياة والكرامة والعدل فيهم ولا بناء العلاقات معهم إلا وفق الأحكام الشرعية بل إنَّ خمرتهم التي يملكونها هي مال مقوّم لهم يدفع الغرامة متلفه.

قبل الخروج من مناقشة موكبي الأستاذ عويضة وهما موكبان سائران إلى ماذا؟ الموكب الاول إلى الحاقة كما هي مدونته فهل كل الخلق غير الكفار في هذا الموكب سائر إلى الحاقة أي الكون المادي والأحياء النباتية والحيوانات وهل الحاقة هي غير يوم القيامة؟ أي البعث للحساب والثواب أو العقاب للمكلفين والفناء للمسخرين ثم ما مصير من هو من أتباع الأنبياء قبل رسالة نبي الهدى؟ وما مصير الأطفال من أبناء المشركين والكفار والمؤمنين الذين ماتوا قبل بلوغهم مرحلة التكليف؟ أفي مثل هذه المبهمات الغامضات والشطحات الصوفيات والمقالات السطحية يحلُّ الأستاذ عويضة مواكبه؟ فإذا كانت محطة موكبه الاول الحاقة فما هي محطة موكبه الثاني؟ أسئلة لا يوجد لها جواب في كتابه الذي وصف مواضيعه بقوله فمن وقف عندها فقد اكتفى!!!.

يركز فضيلة الأستاذ على التفضيل ولهذا كان محور فقراته من 7-15 على هذا التفاضل واضعاً الإنسان على رأس سلّم التفاضل ولكنه عاد إلى إلغاء قسم من بني الإنسان هم الكفار وهكذا هو كالذي نقضت غزلها أنكاثاً من بعد قوة ويتساءل عويضة بعد أن عرف موقع الإنسان المسلم في الموكب العظيم عن موقع حامل الدعوة فيه وليفهم موقع حامل الدعوة في الموكب عمد إلى تقرير فضيلة الأنبياء ثم التفاضل فيما بينهم مستشهداً بالآيات دون تفسيرها جاعلاً منطوقها شاهداً لفكرته وهذا التفاضل لم يعين مرتكزاته ودواعيه أهي الإرادة الكونية؟ أم هو التزام الرسل من خلال خيارهم تبعات تكاليف الدعوة وتحمل مشاقها أي لاختيارهم السير على مقتضى الامر والنهي فتكون معاناتهم هي التي كشفت فضائلهم.

إن مقدمة كتابه لا تجعل للأنبياء أي دور في البلاغ فهم مجرد آلة مبرمجة تماماً أي على قوله مجرد وعاء للفضائل والخير وليسوا في محل المفاعلة لعمل الخير فكيف  يمكن أن ينهج من ليس وعاءاً على منهج الوعاء المفضل والمفصل تماماً تفصيلاً سابقاً على تكليفه أم أن فضيلة الأستاذ يرى حامل الدعوة مفصلاً كوعاء أيضاً وإذا كان كذلك فما هو دور الإنسان؟.

فضائل الأنبياء وفضائل السائرين على نهج الأنبياء ذُكرت في القرآن الكريم أخباراً وأُريد منها الطلب وهي تماماً مثل أن يقول الأب لأولاده وهم في سن الدراسة إن أخاكم السابق عليكم كان مجداً مجتهداً فحاز الفضل والتقدير من معلميه وأقرانه فهذا خبر حق لا يراد منه الخبر بل المراد منه الطلب وأن مثل هذا الطلب بالإمكان أما إذا كان التفصيل لأسباب تكوينية فليس في تعداد أو التذكير بهذه الفضائل فائدة.

مفهوم الدرجات في الجنة عنده ليس مفهوم عظمة الثواب بل يظهر أنها حقيقة مكانية ولهذا يأتي بحديث أبي هريرة الذي يجعل عرش الرحمن حقيقة حسية وهي قضية معروف الصراع عليها في الفكر الإسلامي بين أن عرش الرحمن حقيقة حسية أي ذات مكان أم هي كناية عن هيمنة الله على خلقه فالأستاذ ينحاز إلى الحقيقة الحسية ولذلك يقول: فإن المسلم مدعو إلى العمل والعمل في طاعة الله حتى يصعد ويصعد في درجات الجنة ليقترب من عرش الرحمن بدخول الفردوس ويقول ( الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة أراه فوق عرش الرحمن) ويفسر ( كلا لا تطعه واسجد واقترب) ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ) بالاقتراب الحسي.

يا أيها الأستاذ الكريم إن فعل اقترب محذوف متعلقه وأن كلمة المقربون وهي خبر محذوف متعلقها أنت تدّعي أن متعلقها المحذوف هو القرب المكاني من عرش الرحمن والقرينة العقلية تقول بأن الله تعالى لا يجوز عليه الزمان ولا يحويه المكان فيكون متعلقهما المحذوف الثواب والرحمة أو التقرب إلى الله بالطاعة بنوال الثواب الأعظم فأي إيجاز حذف هو الحق ؟ إن ما يقوله الأستاذ من الاقتراب الحسي من لازمه التجسيم لذات الله لأنه يثبت لها المكان فيكون فضيلة الأستاذ مجسماً .

عودٌ على بدءٍ

يقول فضيلة الأستاذ عويضة في أول الفقرة الثانية من موضوعه مقولة ليست له هي: ( إن الله سبحانه كان وليس معه شيء، وكان وليس قبله شيء فكان هو الحقيقة، وكان هو الحق ثم كانت إرادته أن يخلق بالحق هذا الكون البديع....الخ فقرته ).

من كارثة الخطاب الدوغمائي التسليمي سواء ارتكز إلى الدين والتدين أو إلى غيره أن يقدم النتيجة أولاً عازلاً إياها عن الدليل الذي يجب أن يسبقها ثم يعمد صاحب المقولة إلى ترتيب الموجودات الكونية من الأعلى إلى الأدنى أو العكس إن كان المفكر مادياً ولذلك قال الأستاذ عويضة ثم كانت إرادته أن يخلق بالحق هذا الكون البديع معبراً عن إرادته بالحرف (ثم) الذي يفيد التراخي الزمني فهل يفهم الأستاذ أن إرادة الله حادثة؟ وهل هي حادثة في محل؟ وهل المحل هو ذات الله فيكون الله محل الحوادث، وهكذا يدخل إلى قضية كلامية عويصة في الفكر الإسلامي تباينت إجابات المسلمين عليها والبحث فيها يصيبك بالدوار.

العقل الإسلامي هو العقل الناظر الذي يبدأ به الإنسان من النظر في مدركاته الحسية والعقلية فينظر في نفسه وحياته وكونه والأشياء حوله والوقائع والحوادث ليصل إلى أنها كلها حادثة بعد أن لم تكن ومحدثها ذات قادرة لصحة وقوع الفعل الذي هو المقدورات منها وأن هذه المقدورات واقعة على وجه الاتساق والأحكام فيعلم أن محدثها بالقدرة ذات عالمة ويعلم أن هذه المقدورات موجودة بعد أن لم تكن فيعلم أن موجدَها ذات واجبة الوجود يستند وجود الأشياء إليها ولا تستند إلى حد وأن القادر العالم الواجب الوجود حي إذ هو خالق الحياة في بعض مقدوراته فهو حي لا موات وكونه قادراً وكونه عالماً وكونه واجب الوجود وكونه حياً هي ذاته وليست مجموعة معاني ذهنية زائدة على ذاته لان الإدراك يثبت المعاني الذهنية الزائدة على الذات في بعض من مخلوقاته وهذا معنى { ولم يكن له كفواً أحد } ومعنى { ليس كمثله شيء } والآيتان خطاب الله من الضرب أو النوع الذي لا يعلم بالخطاب وإنما يعلم بالعقل والخطاب جاء لتوكيد ما تعلمه العقول زيادة حجه وتنبيه عن الغفلة فالعقل وحده هو دليل التوحيد والدوغما التي استند إليها الأستاذ لا تصلح لبناء إيمان يقنع العقل ويوافق الفطرة ويسكن إليها الصدر فيشعر براحة الإيمان واستقرار اليقين.

ختاماً

من الحق أن يقول القارئ لكتاب عويضة أن قراءة الكتاب قضية عويصة لان الكتاب يفتقد كل ما يؤهله أنه كتاب له موضوع فالفقرات والمواضيع لا تتسق ولا تتوازن ولذلك فإن قارئ الكتاب يجب أن يهيئ نفسه لمعاناة شديدة في قراءته وهذا ما حصل فهذا الموضوع قرأته أكثر من عشر مرات وخرجت من تلك الرحلة بلا تكوين أية مفاهيم أو معرفة مراد المؤلف.

ختم عريضة كتابه بفقرة من النصائح لا بد من نقلها بتمامها فليحذر حامل الدعوة من الالتفات إلى الإغراءات والركون إلى العروض الباطلة التي تعرض عليهم من الاعداء أو الخصوم يحاولون بها صرفهم عن قول الحق وعن التمسك بالحق وعن الالتزام بدعوة الحق. انتهت الفقرة

لم يقدم صورة حقيقية عن وقائع الإغراءات والعروض الباطلة التي تعرض على حامل الدعوة ما هو معلوم أن الدعاة يتعرضون للمحنة حتى ولو كانوا دعاة باطل فالسقوط تم كله بسبب المحنة أو بسبب فتنة الحياة والمحنة لم تكن السيف وإنما هو الحبس أو تضييق أمور الوظيفة الرسمية وأحياناً التعذيب الجسدي فهذه النصائح بـهذه الصورة ليست في محلها.

{ القرآن والكون }

تنـــــويـــــــه

فرض الواقع والظرف إن تكون الكتابة في موضوعين مختلفين في زمن واحد الاول حول كتاب حمل الدعوة الإسلامية واجبات وصفات للأستاذ محمود عويضة وأفكار الكتاب حقيقة من المهم مناقشتها لأنها تمثل في الحقيقة متغيرات جوهرية في أفكار حزب التحرير كما شرحها تقي الدين النبهاني في المنظومة الفكرية لحزب التحرير.

في الوقت نفسه وفي أهم مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية ألقى الدكتور مهيب الحصان محاضرته حول علامات الساعة المبشرة بزوال دولة اليهود على يد عيسى عليه السلام وهي تشكل دعوة للقعود على الرصيف وانتظار وصول عيسى عليه السلام وكان لا بد من مناقشتها وإعلان أن هذه الإعلانات( علامات الساعة ) لا علاقة لها برسالة نبي الهدى صلوات الله عليه لا من قريب ولا من بعيد.

لقد قامت جريدة اللواء مشكورة بطرح الموضوعين أمام القراء عبر السماح بكتابة رأي في الموضوعين. ومنذ اللحظة الأولى تمت الكتابة عن الموضوعين بطريقة التناوب مرة لعلامات الساعة ومرة لكتاب حمل الدعوة الإسلامية واجبات وصفات. هذا الأسبوع هو موعد الحلقة الثالثة من مناقشة كتاب محمود عويضة .

جاء هذا التنويه ليعلم القارئ أن هناك تناوباً في الكتابة حول الموضوعين فالكتابة عن المهدي المنتظر آتية إن شاء الله .


القرآن والكون

ما هو مدون أعلاه ، هو العنوان الذي اختاره الأستاذ محمود عويضة عنواناً للبحث الثاني ، من كتابه مستغرقاً الصفحات من 15-27 وتضمن البحث 42 آية و5 أحاديث. وبلغ عدد فقرات البحث عشرين فقرة بين طويلة وقصيرة، بحثت الفقرات من 1-4 في مسألة القرآن وإعجازه دون أي تحديد لمعنى الإعجاز. أهو في معناه أو هو في مبناه أو هو في الصرفة أم هو في النظم. لقد فهم من مقاله أن الإعجاز هو في أسلوبه أي في كونه ليس نثراً وليس شعراً، أي رآه أسلوباً ثالثاً من أساليب العرب مع أن الثابت أن القرآن سار على أسلوب العرب في التعبير لأنه لو ترك أسلوب العرب لما صح أن يسمى عربياً، فالعربية هي المفردات والأسلوب معاً وادعاء الأستاذ عويضة أن الإعجاز لا يكون إلا في حالة الدعوى بالبراعة والإتقان في موضوع الإعجاز أمر لا يصح فلم يدع واضعو إبراهيم في النار أنه في محل القدرة على السلامة من النار المحرقة ولم يدّع الناس أيام عيسى أنهم في محل القدرة على إحياء الموتى أو إنزال المائدة من السماء ولم يدّع المصريون أنهم في محل القدرة على ضرب الحجر بالعصا فينبجس منها اثنتا عشرة عيناً، أو قوم صالح أنهم في محل إخراج ناقة من الصخر إلى آخر ذلك. أهم أمر يلفت النظر في فقراته الأربع دعوى أن الآية من القرآن الكريم هي دالة على الله سبحانه وتعالى فكيف يقال أن آية { ويل لكل همزة لمزة } أو آية { والعاديات صبحاً } أو آية { وقال الإنسان مالها } أو مثل هذه الآيات دالة على الله سبحانه وتعالى، فالآيات تدل على منطوقها ولا تدل على غير ذلك بل أن الآية ليست وحدة إعجازية لان القرآن صرح واضحاً بأن الوحدة الإعجازية هي سورة كاملة وليس أقل من ذلك أما الفصاحة والبيان فموضوع آخر.

العقل الناظر هو الذي يستدل من الكون المنظور مفرداً أو مجموعاً على أنه مخلوق له تعالى وهو لا يستدل من حيث أن الإنسان عاجز عن خلق كون أو مفردة من الكون فالملحد لا يقول أنه في محل القدرة على خلق جمل أو شمس لان الملحد يدعي أن الكون تحدث الحوادث فيه من خلال حركة المادة فالمطر مثلاً من ظاهرة التبخر بالحرارة والتكثف بالبرودة ونزول المطر بنظام الجاذبية والطاقة هي تفاعل ذرات كونية. ولهذا فإن فضيلة الأستاذ لم يستطع أن يجعل العقل الناظر في الكون في محل القدرة على الاستدلال وإنما دل على عجز الإنسان على اختراع الأجسام. والعجز عن اختراع الأجسام يمكن أن يدل على أنها مخلوقة أو على أنها أزلية أو على أنها نتاج حركة المادة فتستوي الأطراف الثلاثة.

إن الدليل على وجود الله هو النظر بحدوث الأعراض في الأجسام، فالأجسام محل للحوادث التي هي الأعراض من قرب وبعد وشكل وائتلاف وحركة وبرودة ويبوسة ورطوبة وتفاعل وموت وحياة في الأحياء والمرور في حالات عمرية مختلفة للأحياء هذه الأعراض الحادثة لا تكون إلا في الأجسام. فالأجسام حادثة بعد أن لم تكن لأنها محل للحوادث، والحوادث هي التي تصفها وعدم  الانفكاك بين الأعراض والأجسام يبين عند حدوثها والمحدث لا يكون إلا من قادر على أحداث هذا المحدث فأول أمر ينكشف للعقل الناظر أن هذا الكون هو مقدورات أي فعل القادر لظهور صحة الفعل منه وان فعل القادر واقع على درجة الاتساق والأحكام فهو فعل القادر العالم والقادر العالم لا يكون معدوماً أو مواتاً فهو واجب الوجود وهو حي وهكذا يتحدد الإيمان بوجود الله من خلال الاستدلال على صفاته الذاتية الأربعة(1) كونه قادراً لصحة وقوع الفعل منه (2) كونه عالماً لوقوع فعلة على درجة الاتساق والأحكام (3) كونه حياً لان القادر العالم لا يكون إلا حياً (4) كونه واجب الوجود لان الوجود الحادث يستند إليه ولا يستند إلى أحد. هذه هي الصفات الذاتية الأربع التي دل عليها النظر في الكون المنظور وكل دليل غير هذا هو مجرد كلام(دوغمائي) لا يقيم الدليل على الله وإنما يقيم الدليل إما على الخالقية أو على مجرد وجود الكون. أمام الحقائق السابقة وهي أن آيات القرآن الكريم لا تدل إلا على وجود نص، وأما أن الكون المنظور لا يدل إلا على وجود الكون المنظور حادثاً أو أزلياً فإن احتياج الإنسان للعقل الناظر إلى العقل الذي هو عبارة عن حصول المكلف على جملة من المعرفة الضرورية ليصح منه النظر والاستدلال. ومن هنا فالعقل المكلف هو العقل المكتسب فالإنسان قبل بلوغه وتحصيله المعرفة الضرورية التي تمكنه من النظر والاستدلال لا يكون عاقلاً وبالتالي لا يكون مكلفاً في محل العجز عن التفكير في الكون أو التدبر في النص المسطور فهو في محل العجز عن أن يقرأ باسم ربه الذي خلق وفي محل العجز عن أن يقرأ ما سطر بالقلم مسموعاً من غيره أو متلواً من نفسه أو ملموساً من أطراف الأصابع كما هو في طريقة برايل عند فاقدي البصر. إن نظرية الأستاذ محمود عويضة في التفكير والتدبر والتفريق بينهما وبذله الجهد لجعل التدبر مخصوصاً بالكون والاتكاء على أن الله طلب التدبر بالقرآن ليجعل التدبر خاصاً بالآيات القرآنية فقط أمر لا يجيزه اللسان العربي فيمكن أن يقول القائل دبر الرسول صلى الله عليه وسلم أمر معركة بدر فالتدبر هو النظر بالعواقب لان الدبر خلاف القبل ومن هنا فإن التدبر بالآيات القرآنية هذا النظر بما تدل عليه وليس محصوراً في منطوقها فالتدبر في الآيات إنما هو لإثبات إعجاز القرآن ولذلك جاء طلب التدبر بالقرآن الكريم كما هو من آية 82 النساء وآية 24 محمد وجاء طلب التدبر بالآيات في آية 29(ص) فإن المراد أيضاً القرآن الكريم فالتدبر المطلوب خاص بإدراك الإعجاز وليس بإدراك الخالق فيكون التدبر خاص بإثبات أن محمد بن عبد الله صلوات الله عليه هو رسول الله فالتفكر في الكون هو لإثبات أشهد أن لا إله إلا الله والتفكر بآيات القرآن والقرآن هي لإثبات أشهد أن محمداً رسول الله وليس لإثبات الله. من المعلوم أن فضيلة الأستاذ عويضة يؤمن بالدجال أي يؤمن بأن الله يعطي المعجزة للصادق كالرسل وللكاذب الدجال فلو قلبت المسألة أن المعجزة المعطاة للدجال هي لصدقه وأن المعجزة المعطاة للرسول هي....(( أعيذ لساني أن ينطق بما هو محذوف )) فكيف يتعامل الأستاذ عويضة مع ذلك؟.

المعجزة محصورة حصراً بأنـها دليل لصدق دعوى المدعي ، ولم تأت المعجزة أبداً الثبات الخالق المدبر، فالإيمان حلقات: الحلقة الأولى إثبات أن الكون المنظور مخلوق لله تعالى بمنتهى العظمة والكبرياء وكونه عدلاً أي لا يفعل القبيح، فالاستدلال على التوحيد والعدل أمران ضروريان للاستدلال على صحة القرآن وجهة دلالته والقرآن لا يثبت أنه كلام الله إلا ببرهان وسلطان وحجة أي تأييد المدعى صحة دعواه بمعجزة مصاحبة لدعواه ومعجزة خاتم البشر اختلفت اختلافاً ظاهراً عن معجزات من قبله من الرسل فهي معجزة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فالقرآن دعوة للتفكير وقصص للاعتبار وخبر عن ما بعد الموت من ثواب وعقاب وتكليف بالأعمال فالعجب أن يراها الأستاذ عويضة دلالة على الخالق القدير أي ينقلها من موضوعها إلى موضوع آخر. يأتي فضيلة الأستاذ عويضة بآيتي الذر 172و173 من سورة الأعراف ودون التدبر في الآيتين يذكر تفسيرهما المعروف والذي يعرفه الجاهل قبل العالم لكثرة ترداده داخل المساجد ليجعل الإنسانية مكلفة وهي في عالم قبل الوجود وهي إنسانية تتذكر أو جعله متدبراً أو جعله متفكراً أو جعله فاهماً أو مدركاً أن الآية تقول :

1- أخذ ربك من بني آدم وليس من آدم.

2- من ظهورهم ذريتهم وليس من ظهر آدم ذريته.

3- يجمع المسلمون على أنَّ هو الإنسان العاقل فيكون الميثاق هو بلوغ العقل .


(الحلقة الرابعة)

مناقشة لكتاب حمل الدعوة الإسلامية ( واجبات وصفات ) لمؤلفه الأستاذ محمد عويضة

أمين نايف ذياب

* أعلن بعض أعضاء حزب التحرير عدم الرضا بمقولة أن الكتاب أثار جدلاً حاداً وانقساماً خطيراً داخل حزب التحرير متسائلين ما فائدة هذا القول؟ ولمصلحة من؟.

* ولا بد من السؤال التالي المبني على السؤالين السابقين لفائدة من ولمصلحة من عدم الإشارة لحقيقة الجدل وواقع الانقسام؟ هل في عدم ذكر ذلك مصلحة للامة أو للدعوة أو للحزب؟ إنه الخوف القاتل والرعب المميت الذي يستحوذ على عقول المدّاحين والعاشقين والمحبين إلى حد الوله.

* حزب التحرير حزب مؤلف بالإضافة إلى الفكرة والهدف وهما الآن قد غابا تماماً من كتلة بشرية وهي كتلة بشرية فقدت روحها منذ زمن بعيد وبقي الجسم الحزبي جسماً بلا حياة وعندما ظهرت عليه أعراض الحياة الخلاف والنقاش والانقسام خاف الميتون من ذلك أي خافوا من إعلان الدفن.

* لا بد من تذكير كل الأموات أن حالة الموت لم تعتر حزب التحرير فقط بل ظهرت أيضاً على أحزاب اليسار والأحزاب القومية والحركات الإسلامية الأخرى فأحزاب اليسار تركت يسارها وصارت يميناً والأحزاب القومية تركت قوميتها وصارت قطرية والحركات الإسلامية تشرذمت وتحولت إلى مؤتمرات ليبرالية أو عصابات قتالية أو مؤسسات تمارس الدعوة من بلاد الغرب أي من بريطانيا والولايات المتحدة خاصة.

* الجدل مع كتاب الأستاذ العالم المطلق محمود عويضة كما وصف نفسه وكتابه الكافي الوافي كما وصفه في مقدمته ليس أمراً موجهاَ ضد حزب التحرير فهذا آخر ما يجري التفكير فيه بل هو ضد الحالة الراكدة الآسنة أي ضد السطحية في التفكير وضد الفردية الأنانية في مشروع النهضة والكتابة مجرد وسيلة لهذا الغرض.

* نعم هناك كتب كثيرة يمكن مجادلتها ولكن الجدال حقيقة يتوجه إلى موضوع ربما ينغمس في الجدل فيه ومعه أكثرية أو العديد من الناس ولهذا توجه الجدل نحو موضوعين في وقت واحد للحث على الجدل فهذه الكتابة وكل كتابةٍ أخرى هي دعوة متحدية للجدال والحوار والنقاش.

* المشكلة الأكثر لفتاً للنظر إدعاء هذا البعض بعدم وجود الانقسام مع أن الحزب وزّع نشرة داخلية مؤرخة جمادى الآخرة 1418 هجري الموافق 02/10/1997 من ثلاث صفحات عنوانها ( وجوب طاعة الأمير وحرمة الغدر به والنّكْث بعهده ) فإذا لم يكن هناك انقسام فلمن وُزعت هذه النشرة؟ ومن هم الناكثين الغادرين؟.

جدلٌ مع موضوع{ الأنبياء والمرسلين } وهو الموضوع الثالث في كتاب فضيلة الأستاذ محمود عويضة

* يقول الأستاذ: ( ونحن نعلم أن الله لا يأتي بحرف في كلمة في آية في سورة من القرآن إلا لحكمة وغرض ).

* و يقول في فقرة أخرى : ( والله سبحانه منزه عن العبث واللغو ).

* ويقول في فقرة أخرى : ( وعليه فإن على حامل الدعوة دراسة هذه القصص واستخلاص العبر والمواقف والدروس المستفادة ) .

* كم كانت هذه الجمل التي قالها المؤلف صادقة وصحيحة رغم ضعف الأسلوب في تكراره حرف (في) ليته قالها وسكت إذن لكان حكيماً فعلاً فماذا أحدث بعد هذه الجمل؟

* كعادته في مواضيعه يحشد الكثير من الآيات فهو قد حشد في هذا البحث أربعين آية أو أكثر على اعتبار أن في بعض الاستشهاد أكثر من آية فهل حشد الآيات هكذا علامة دراسة واستخلاص عبر ومعرفة مواقف والاستفادة من الدروس أم أن حشد الآيات هكذا هو الإتيان بها شاهداً لمقولاته وبالتالي لا تصبح الآيات محل فهم وتدبر بل هي حالة سرد.

* أهم استخلاص يستخلصه الأستاذ محمود عويضة من قصص الأنبياء هو الإيمان بوعد الله بالنصر مع أنه ذكر موضوع النصر في بحث خاص وثنى عليه بالطائفة الظاهرة في بحث آخر إذن همّ الأستاذ محمود عويضة هو تخدير الحزب بوهم النصر الآتي وليس بمباشرة أسباب النصر كما يراها تقي الدين النبهاني أو حالات النصر كما يراها سائل من أعضاء حزب التحرير في زمن النبهاني وهو لا يقرأ القرآن نذيراً فيفسر معنى قصة نوح وقصص العذاب المعجل لقوم صالح وهود ولوط وقصص آيات الابتلاء تأييدا لموسى عليه السلام وقصص قتل الأنبياء زكريا ويحيى ومحاولة صلب عيسى فكيف يفهم النصر كوعد ولا يفهمه كمفاعلة إنسانية.

* وعلى افتراض أن الأنبياء نصروا فعلاً فكيف جعل الوعد ناجزاً في الدنيا وليس وعداً على العاقبة أي في الآخرة إذ نصوص النصر لا تصرح بذلك ومع هذا وما دام المطلوب الإيمان بوعد الله بالنصر أي الإيمان بأن النصر من حيث هو نصر في المعركة أو المعارك لا علاقة له بالمقاتلين وإنما علاقته بوعد الله وأن المطلوب أيضاً على رأي فضيلة الأستاذ محمود عويضة الإيمان بالاستخلاف في الأرض فالإيمان بالغلبة على المعاندين والمتكبرين والظلاميين والعلمانيين حقيقة يجب أن تكون راسخة عند حامل الدعوة وبديهية حتى لو لم يحس بها أو يشاهد مقدماتها وعليه أن يؤمن أن الله القوي العزيز سيمكنه من إقامة الخلافة وأن هذه الخلافة لا شك ستقوم وإن هو لم ير الأحوال الموافية ولا الظروف المهيأة ولا القوى بجانبه الخ مقولات الأستاذ أليس إذن يستوي القاعد عن العمل لإقامة الخلافة وحمل الدعوة مع العامل لإقامة الخلافة وحمل الدعوة فالخلافة يقيمها الله أم يقول الأستاذ بقول الأشاعرة أنه جرت العادة أن يقيمها الله حين إرادة الإنسان لكسبها سؤال النصر وفاعلية الإنسان فيه لا زال دون إجابة فهل تقوم الخلافة جبراً أم كسباً أم فعل الإنسان مع خلق الله لها أي الفعل بين قادرين أم أن الإنسان هو الذي يقيمها والله يفعل به من باب الألطاف التأييد والتوفيق أم شدة الابتلاء الأولى كمعركة بدر والثانية كمعركة أحد المراد من فضيلة الأستاذ محمود عويضة الصامت أن يخرج من صمته ويجيب.

* ما معنى آية كونية ؟ ما معنى آية تنـزيلية ؟ ما معنى معجزة خارقة للنظام الكوني ؟ ما معنى معجزة أعجزت من هم في حالة قدرة عليها ظاهراً مع عجزهم عنها ؟.

 

1- الآية الكونية هي الكون كله بما فيه من مواد وأجرام وأفلاك وحياة وتكاثر وتوالد وتلائم ومتغيرات مقهورة أي هي الكون والحياة والإنسان .

2- الآية التنـزيلية هي كلام عربي فيه معنى نزل به جبريل على محمد وهي جزء من السورة نزلت الآية وحياً والمقصود هنا الآية القرآنية خاصة.

3- المعجزة الخارقة للنظام الكوني هو فعل القادر بذاته بالنظام الكوني مادة أو خصائص مثل ناقة صالح و خروجها من الصخرة أي خرق للنظام الكوني وعدم حرق النار لإبراهيم عليه السلام وتحول العصا إلى حية لموسى عليه السلام مع الآيات الأخرى ونزول المائدة من السماء لعيسى وإحياء الموتى بإذن الله وشفاء ألاكمه والأبرص إلى آخر آيات عيسى ولا يقال عنها آيات كونية بل خارقة للنظام الكوني ولم تأت لإثبات الألوهية بل لإثبات صدق النبي والرسول في دعوته أنه نبي ومرسل من الله تعالى ومن الخطر جداً أن تكون آية لإثبات الألوهية فالله مستدل على وجوده من الكون والحياة والإنسان والآيات الخارقة للنظام الكوني للدلالة ليس على ما عليه دليل بل على دعوى للتدليل على صحتها هي دعوى النبوة والرسالة.

4- المعجزة العقلية وهي القرآن كله أو عشر سور منه أو سورة واحدة منه أما أقل من ذلك فليس معجزة فآية الحمد لله بانفراد ليست معجزة والمعجزة الفعلية هي ما يظهر للعقل أن الامر من نتاجه ومع هذا يعجز عن الإتيان بمثله لا بسبب المفردات ولا بسبب التراكيب ولا بسبب الأسلوب ولا بسبب المعاني ولا بسبب الفصاحة بل بسبب النظم وحده والنظم أقل ما يظهر في السورة الواحدة.

* فضيلة الأستاذ محمود عويضة وَحَّدَ بين الآيات الكونية وسماها الآيات الكونية العامة وما هو خارق للنظام الكوني وسماها الآيات الكونية الخاصة مع أنها ليست من جنس الأكوان وجَعل الآيات الكونية العامة والخاصة كل منها دالٌ على وجود الخالق المدبر وجعل الآيات الكونية الخاصة أيضاً على النبوة مع أنه إذا لم يسبقها الإيمان بالألوهية فلا يمكن أن تدل على أن مدعيها هو رسول الله لان المضاف إليه وهو الله لا بد أن يكون معلوماً قبل المضاف وإلا فلا فائدة في الإضافة.

* لقد أتى الأستاذ عويضة بالعجب العجاب حين ادعى أن الآيات التنـزيلية هي من الآيات الكونية الخاصة وبما انه تنزل على إبراهيم وموسى وداود وعيسى فتنزيلها لا تسمى آية فهل هذه آيات كونية خاصة وهل هي دالة على الله وعلى نبوة من جاء بها هكذا طبّ فضيلة الأستاذ محمود عويضة في تسرعه فهذه أوامر ونواه ومطالب إيمانية أي هي معتقدات وشرائع دلّ خرق النظام الكوني للنبي الذي جاء بها على أنها من الله تعالى.

قال الأستاذ محمود عويضة أن مزامير داود وصحف إبراهيم وصحف موسى والإنجيل وإن كانت تنـزيلية إلا أنها لم تكن معجزات أي لم تكن هي آيات معجزات أي لم تكن هي المعجزات التي تحدوا بها قومهم للاستدلال بها على صدق نبوتهم وهكذا فهو يعلم أن مهمة المعجزة أنها دليل صدق النبوة فكيف جعلها أيضاً دالة على وجود الخالق وهو يؤكد دائماَ أنها دالة على وجود الخالق لا على وجود الله أي هو لا يفرق بين الألوهية التي هي منتهى العظمة والكبرياء وبين مجرد الخالقية أي خلق المخلوقات ومن المعلوم أن الله أسند الخلق للإنسان أي خلق الأفعال بقوله : { وتخلقون إفكاً} وخَلْقِ فعل التشكيل بقوله تعالى: { إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير } وبقوله تعالى: { تبارك الله أحسن الخالقين } يؤكد سيادة الأستاذ محمود عويضة أن نجاة الخَلْقِ والعصمة لهم إنما تكون لالتجاء إلى أمر الله وتنفيذ أحكامه وأن الهلاك يكون بترك الهدي الإلهي الركون والاقتصار على تدبير العقل المحدود ويستدل على ذلك بهلاك ابن نوح ويقحم هذا الموضوع الخاص وهكذا يُفهم من كلامه أن قضية ابن نوح أنه يؤمن بالتفسير الإشاري أي التفسير الصوفي الباطني فقد أخرج قضية ابن نوح من سياقها ليلغي تدبير العقل ويطالب بعدم الركون إلى العقل وهو هنا لا يبحث القضية من الجانب التشريعي أي مصدر التشريع الذي هو للخطاب بل يطالب بإلغاء تدبير العقل وعدم الركون إلى العقل، وإن العقل هو أول الأدلة فالنص محتاج للعقل حتماً.

* يضيف السيد محمود عويضة قائلاً ويستدل بهذه القصة يقصد قصة ابن نوح على ان انتصارات المسلمين عبر التاريخ إنما كانت بأخذهم للهدي الإلهي وأن هزائمهم في المائتي سنة الأخيرة إنما كانت بسبب تركهم الهدي الإلهي وهو لا يستحضر تاريخياً انتصار معاوية على الإمام علي ولا انتصار جيش يزيد على الحسين ولا انتصار الحجاج على ابن الزبير ولا انتصار الصليبيين على المسلمين ولا انتصار هولاكو ولا إخراج أهل الأندلس فالتاريخ أيها الأستاذ معادلة صعبة فيها لغة وليس هي مجرد إيمان سكوني وتحكيم الشرع دون تفعيل دور الأمة بناء إرادتها وإعلان سيادتها ومع أننا مع الأستاذ فنطلب بجدية أحكام الشريعة إلا أننا نطلبها لنمارس الحياة على أساسها لأنها جزء مكمل مبني أو منبثق عن وجهة نظر الأمة بغض النظر عن الانتصار والهزيمة تقول عن تدخل في الصراع معهم { هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا أنا معكم متربصون } آية 52 التوبة أي أن الأيام دولٌ.

* ولادة عيسى بن مريم من أنه دون نكاح هي آية ولكنها ليست آية لعيسى أو أمه وهي ليست معجزة ذاتية له أو معجزة ذاتية لامه بل هما آية أي علامة على صدق عيسى بن مريم أو صدق أمه بل صدق مريم في دعواها أنها لم تكن بغياً وذلك كلام عيسى بالمهد من براءة لامه وميلاد عيسى على هذه الصورة في وقت شدة انحراف اليهود وأيام أشد همجية واستعلاء الرومان وربما يكون موقفهم من المرأة بوصمها بالخيانة الجنسية إذ المنقول عن قادة الرومان أنهم كانوا يضعون الأقفال على فروج نسائهم أثناء غيابهم في جبهات القتال فولادة العذراء آية تعليمية لهؤلاء الهمج من أن المرأة قادرة على صون عرضها وشتان بين من يتهمها وبين من يكون في أمثاله ( تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ) فميلاد عيسى من العذراء حالة تعليم ومع ذلك فهو النقطة الدالة على قرب رسالة النبي الخاتم.

* من هنا كان عيسى بن مريم علمٌ للساعة أي رسالته أما عزيز الذي مرّ على قرية وهي خاوية هو آية للناس أي آية تعليمية وما جرى مع أصحاب الفيل إرهاص لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فالله تعالى حقيقة موجودة من مجرد نظر الإنسان في نفسه أو حياته أو كونه الذي يعيش به أما غير ذلك فهي إما للتعليم أو لزوال غفلة أو لبرهان نبوة أو إرهاص لنبوة وليست للدلالة على الله بل هذه الآيات والعلامات لا قيمة لها إن لم يسبقها الإيمان بالألوهية ولذلك فإن الملحدين يسندونها لقوانين الطبيعة.

* بقي ما يقال أخيراً أن الأستاذ محمود عويضة عجز عن أن يستدل بقصص الأنبياء على الأفكار التي حوتها قصص الأنبياء وهي أفكار غنية وكثيرة وقد اقتصر على بعض الرسل دون بعض فلم يورد العبرة من قصة آدم ولا من كثرة خذل نوح ولا رفعة إدريس ولا معاناة لوط ولا حكمة سليمان بل لم يذكر قصة يوسف الغنية بالمضامين الاجتماعية والاقتصادية ومعرفة التأويل لرؤيا المنام وهل التأويل لرؤيا المنام مرحلة من مراحل الإنسانية أم لا تزال مفتوحة، المعتزلة يرونها مرحلة ولا يرونها مفتوحة بل فتحها يفتح باب الجهالات وهكذا دخل الأستاذ عويضة السرداب ولم يخرج منه عَجَّلَ الله فرجَه.


الحلقة الخامسة

أمين نايف ذياب

موضوع ( النصر لحامل الدعوة )

1. تمهيــــــــد

* هل الكتاب المذكور سيئ الصيت أم هو حسن السمعة؟ إذا كان هذا الكتاب فعلاً يثير هذا الجدل وحقيقة أوجد انقساما داخل حزب التحرير والانقسام أمر لا يمكن إخفاؤه رداً على الاتهاميين الذين يرون في خروج واقعهم إلى الشمس تعاملاً مع تلك الجهة أو الجهة الأخرى فالرد عليهم واضح وجلي إنهم الذين أوصلوا سابقاً ولاحقاً ولا زالوا يوصلون أخباراً من الضروري كتمانها إلى هذه الجهة وتلك الأخرى فالضعيف عقلاً يجب أن يلجأ للسكوت وهكذا يدخل سيئ الصيت التاريخ من أوسع أبوابه!

* مجادلة الكتاب وهذا تكرار للمرة الثانية هي محاولة لتعليم أعضاء حزب التحرير بالذات ( البلاشفة منهم والمناشفة أيضاً ) أن الجدل والحوار والنقاش هو الطريق الوحيد لارتفاع مستوى التفكير في مجمل الأمة وأما الحالات السجالية والاستعلائية الانتفاخية والسطحية والاتهامية فلن تُنهضَ الأمة ولن تغير واقعها ولن يجري السير فيها من الانحطاط والانخفاض إلى الرقي والارتفاع.

2. اقتباسات

1- من كتاب محمود عويضة

يقول محمود عويضة في الفقرة التاسعة ص 45 من كتابه ما يلي:

إن المدقق في آيات الله المتعلقة بالنصر يستنبط منها أن النصر كالرزق هو قضاءٌ، وأن النصر كأمر الرزق بيد الله وحده، وأن قضاء الله بيد الله وليس بيد الناس حتى ولو كانوا أنبياء ورسلاً، فكما أن الرزق قضاء، وكما أن الأعمار قضاء، وكما أن نزول الغيث قضاء، فكذلك نزول النصر قضاء، والقضاء بيد الله وحده وليس بيد أحد من خلقه، فكما أن الإنسان لا يملك تحديد رزقه وقتاً وكمية، ولا يملك تقدير عمره طولاً وقصراً، ولا يملك إنزال الغيث وقتاً وكمية، فكذلك النصر لا يملك أحد إنزاله توقيتاً ومقداراً، وإنما كل ذلك قضاء، وحيث أن النصر قضاء كسائر ما قضى ويقضي الله بأن أحداً لا يملك أسبابه التي تنتجه فلا يتخلف، ولو كان النصر في مقدور أحدٍ صنعه بالإتيان بأسبابه التي تنتجه فلا يتخلف لصنعه الأنبياء والرسل، ولأنزلوه فور حاجتهم إليه، وما دام الأنبياء والرسل لا يملكون أسباب النصر فإن من سواهم لا يملكونه قطعاً.

انتهى الاقتباس ويورد المؤلف بعد ذلك الآيات لتكون شاهداً لمقولاته لا لمحاولة فهم الآيات فالآيات في خدمة مقرراته ولا بد من عودة لمناقشة البنية الفكرية في هذه الفقرة وبيان مقدار تهافتها بعد اكتمال الاقتباسات ولا يعلم القارئ العلة أو الوصف الجامع للرزق والأجل والغيث والمطر.

2- اقتباس من جواب سؤال للشيخ تقي الدين النبهاني الاقتباس منقول من صفحة 94 ملف النشرات الفكرية وهو جواب سؤال مؤرخ 21 محرم 1389 هجري الموافق 11/04/1969 ميلادي.

(( والذي نريده أن يفهم بوضوح أن آيات النصر غير هذه يقصد الشيخ آية { وكان حقاً علينا نصر المؤمنين } صريحة بضمان النصر { ولينصرُنَّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز } { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا } ولكن هذا يجب أن يقرن بما طلبه الله في نصوص أخرى، من الأخذ بأسباب النصر، وهي أسباب وليست حالات، أي هي ليست من قبيل الرزق والموت، بل من قبيل الأخذ بالأسباب والمسببات، فإذا لم يأت النصر حين لا نعمل بالنصوص الآمرة بالأخذ بالأسباب فإن ذلك لا يناقض آيات النصر، بل هو من المؤكد أن النصر لا يأتي إلا إذا أخذ بأسبابه، ولو كان الذي يصطدم بالكفار نبياً فالأخذ بأسباب النصر فرضٌ، وهو سبب وليس حالة، ولا يمكن أن يحصل المسَبَّبُ وهو النصر إذا لم يوجد السبب، وهو الأخذ بأسباب النصر فآيات النصر كلها مشروطة تحققها بتوفر الأخذ بأسباب النصر.

هذا هو رأي حزب التحرير في أيام المرحوم تقي الدين النبهاني وقبله رأي فضيلة العلامة الأستاذ محمود عويضة والرأيان مختلفان ومتباينان وكان الأولى بقيادة الحزب أن تقول لأعضاء الحزب أنها قد غيرت الرأي وأن تعلن أسباب تغيير الرأي لكن الرأي تمرر دون الإشارة لهذا التغيير.

3- عبد القديم زلوم وموضوع النصر

أصدر عبد القديم زلوم وهو أمير الحزب بعد تقي الدين النبهاني نشرة داخلية في 19 جمادى الأولى 1405 هجري الموافق 10 شباط 1985 م جاء فيها حول موضوع النصر ما يلي:

{ إنه بالرغم من هذا التجمد في أوضاع الحزب والأمة والمجتمع فإن الحزب تغمره الثقة التامة أن نصر الله سيحصل وأن الله سييسر له الوصول إلى الحكم وتطبيق الإسلام أما متى سيتحقق فعلمه عند الله وحده في الوقت الذي يحدده ويريده } ويقول أيضاً في نفس النشرة: { ومع ذلك فإننا نؤمن إيماناً لا يتطرق إليه ارتياب أننا لو حققنا جميع أسباب النصر وشروطه فإنه لا يتم لنا النصر إلا بإرادة الله سبحانه وتعالى لان النصر من عنده وحده ( وما النصر إلا من عند الله ) وأنه سبحانه حتى أراد النصر هيأ أسبابه من حيث يدري الإنسان ومن حيث لا يدري ولا يخطر له على بال }.

4- نقاش أحد أعضاء الحزب مع تقي الدين النبهاني حول النصر.

هذا الكلام موثق بملف النشرات الفكرية ص 95 لجواب سؤال مؤرخ 3 ذي القعدة 1389 هجري الموافق 10/01/1970 م.

 

يستشهد المناقش بكلام ينقله من الدوسية بأن الأخذ بأسباب النصر أي الإعداد وما عبر عنه بالتفوق هو حالة من الحالات التي يحصل فيها النصر وليس سبباً للنصر وعند العودة للدوسية نجد المدونة كما يلي: ( قد حصل التفوق ولا يحصل النصر بل قد يحصل لمن هو أقل قوة ) وهنا يستنتج السائل من مراجعته للدوسية في موضوع الرزق أن موضوع النصر شبيه بموضوع الرزق فكما أن الرزق بيد الله فالنصر بيد الله.

هكذا يعلم أن موضوع النصر مشكلة معقدة عند حزب التحرير بين أنه فعل مرتبط بالأسباب أو مرتبط بالحالات أو مرتبط بالشروط أو مرتبط بالقضاء أو بالقضاء مع تحصيل الأسباب أو الحالات أو الشروط وسبب هذه الاختلاطات عدم دراسة الموضوع دراسة صحيحة، وهكذا بقيت الإشكالية.

5- الإجابة التي تراها المعتزلة في موضوع النصر.

بالعودة لآيات النصر كلها لم تصرح الآيات بأن الله فاعل النصر بل الآيات تضيف النصر إلى الله بإضافة اسم المعنى النصر إليه مثل ألا إن نصر الله قريب أو أيدكم بنصره أو والله يؤيد بنصره من يشاء أو أسند فعل النصر إلى نفسه مثل لقد نصركم الله في مواطن كثيرة فهل الإضافة والإسناد تدلان دلالة قطعية على أن المضاف والمسند من فعله تعالى؟ مثل خلق الكون أي هل النصر داخل في إرادة الله الكونية أو هو داخل في إرادة الله الشرعية وما لم يجرِ التفريق الواضح بين معنى إرادة الله الشرعية وإرادة الله الكونية فسيبقى الاختلاط والأخاليط هي السائدة ومن المعلوم أن الله أسند النصر للمكلفين قال تعالى { والذين آووا ونصروا } فمن هو فاعل النصر؟

لا بد من التوكيد أن الإضافة وإسناد الفعل بل والوصف والخبر لا يجوز التعلق بظاهره إذ التعلق بظاهره فيه من الخطر على الإيمان الإسلامي وعلى التكليف الشرعي أي خطر!

إن النصر المضاف أو المسند إلى الله تعالى يقسم إلى جهات فلماذا يتعلق الجبريون على اختلاف أسمائهم بظاهر القول دون حقيقته؟ مع ملاحظة أن حزب التحرير يؤمن بالجبرية!

من المعلوم لكل دارس للقرآن الكريم أن الإنسان مكلف وأنه في محل القدرة على أن يفعل أو لا يفعل ومعلوم أن للحق جلّ جلاله ألطافا تحصل للمكلف تأييداً وعوناً وتثبيتاً ومدداً إن كان الفعل على وجه التوفيق وقد يفعل الله للمكلف الابتلاء والتمحيص، أي يفعل الله الأصلح لخلقه فكيف يقولون أن الله فاعل النصر ؟ .

إن كلمة النصر في اللسان تأتي على معان وجهات، فالنصر كما يكون بالغلبة والقهر للعدو في المعركة يكون في الحجة إذا ظهرت للمؤمن على العدو، وتكون بالمنزلة الرفيعة وللكافر الاستخفاف والإهانة، وقد يكون النصر بتحمل المشقة فيما يؤدي إلى الثواب وقد يكون النصر هو الثواب نفسه ولذلك يحص القول بأن المؤمنين منصورون دائماً وإن الكفار مخذولون دائماً لان النهاية ثواب المؤمنين وعقاب الكافرين.

والله قد ينصر المؤمنين في الحرب بأن يمدهم بالملائكة ولكن الإمداد بالملائكة إنما هو إمداد بشري واطمئنان قلوب وقد ينصر الله المؤمنين بأن يخطر ببالهم ما أعد الله لهم من ثواب في الجنة فتقوى نفوسهم وتثبت أقدامهم وقد يؤيدهم بإنزال ضعف النفس بالعدو لان ذلك يوهن حاله ويضعف قلبه، فيؤدي إلى استيلاء المؤمنين وغلبتهم مع ملاحظة أن قد مع الفعل المضارع تفيد التوقع وليس التحقيق أو التوكيد، ولهذا ربما علم الله تعالى أن الصلاح للمؤمن أن لا يؤيده بشيء فيحمله الصعب ويلزمه المشاق، من حيث يعلم أن له فيه المصلحة، فلا يكون الله تعالى مؤيداً له في باب الظفر، وإن كان فاعلاً فيه ما هو الأصلح له . وعلى كل ومهما قيل فإن هذه التأييدات ليست أفعالاً بل هي خواطر ودواعي فقط، وهي دواعي وخواطر للعاملين المخلصين الثابتين العابدين الذين قاموا بإيجاد العدد والعدة وباشروا المعركة فعلاً لا انتظارا ولا دعاءً فقط، مع العلم بأن الله قد يجري عكس التأييد لمصلحة المؤمنين يعلمها الله.

لقد فطنت الدول لأثر مثل هذه القوى النفسية المعنوية والروحية فأوجدت كل دولة في جيشها دائرة من دوائر الجيش تسمى دائرة التوجيه المعنوي والمسلمون مطالبٌ منهم مع الإعداد تحريك القوى النفسية المعنوية والروحية وخاصة الروحية فهي التي تجعلهم يعملون بجدية للنصر حتى بعد الهزيمة مباشرة لان عزيمتهم لا تُفل.

إنّ إنهاض المسلمين بالإسلام عملٌ لا يفعله الله تعالى وإنما يفعله المكلفون وإن شدة الحرب في المعركة لا يفعلها الله دائماً يفعلها المحاربون وأن الثبات في المعركة لا يفعله الله وإنما يفعله المؤمنون بإحدى الحسنيين ومن هنا فإن نصر الدعوة أو النصر في المعركة منوط بمن يعمل لذلك.

أمام هذه الاختلافات داخل حزب التحرير في موضوع النصر ومع مواجهة قضية النصر بالآيات والحقائق التي يضع الإنسان الإصبع على مدلولها وأمام خطورة دعوى أن النصر فعل من أفعال القضاء على الأمة والمجتمع والإسلام والشهادة بالإسلام يجد المؤمن ضرورة لوضع مجموعة من الأسئلة لكسر هذه الأفكار المنحرفة.

الخاتمة أسئلة تحتاج إلى إجابة

هل موضوع النصر فعل من أفعال القضاء؟ كما هي دعوى الأستاذ محمود عويضة أي هو فعل كوني مثل خلق الشمس وتسخيرها أي هل فعل النصر شامل للكفار والمؤمنين؟ أي هو فعل الله سواء ظهر للأمريكان واليهود أو ظهر للمسلمين فإن قال أنه فعل مستو يفعله الله للكفار وللمؤمنين ضمن الشروط التي ادعاها فهل حقق الكفار الشروط؟ وإذا قال أن شرط انتصار الكفار على المؤمنين هو من باب الزجر والتنبيه يفعله الله للكافرين تنبيهاً للمؤمنين فقد قال بأن الله يفعل الأصلح لعباده وربما أن النصر عنده ليس من باب الألطاف بل هو من باب القضاء فالنصر يفعله الله قضاءاً للكافرين أليس هذا هو التجديف بحق رب العالمين ؟ .

إذا تقاتلت قوتان كافرتان المحور والعالم الحر مثل الحرب الكونية الثانية فهل انتصار العالم الحر هو قضاء الله فعله للعالم الحر دون المحور؟ وإذا انتصر الامر فكان على العراق الحرب الكونية الثالثة فهل انتصار الأمريكان على العراق هو فعل القضاء؟

إن المطلوب الآن أمام الأسئلة السابقة دعوة لعلماء المسلمين وقادة الأحزاب الإسلامية والحركات الإسلامية الفكرية والمؤسسات التي تعتني بالأفكار الإسلامية المشاركة الفعالة في هذا الجدل حول مفهوم النصر أي المطلوب جدل يفتح الآفاق حتى لا تبقى الآفة في حالة قعود وانتظار ويوم القيامة سيتعرضون للسؤال عن قعودهم وانتظارهم وهم يعيشون مرحلة المآسي والانتظار.

بقي أخيراً القول أن الأستاذ محمود عويضة وهو الصامتُ والراكد يكتب دون تحقيق وإنما يكتب ما يجول في خاطره دون فحص وتمحيص والذي يريد أن يفهم طرائف عويضة فهو مع رؤيته أن النصر قضاء يرى أن الله يحققه بتسخير آخرين أي أن فعل القضاء لا يفعله الله مباشرة وإنما يفعله بالواسطة ومع أنه يحذّر من الأخذ بالهوى إلا أن كتابه مبني على ما يهوى. { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } (النجم: من الآية23).


موضوع الطائفة الظاهرة

حديث الطائفة الظاهرة حديث موضوع ؛ رغم صحة سنده ظاهراً ، ينقل الأستاذ محمود عويضة حديث الطائفة الظاهرة ، من ثمانية طرق ، عن معاوية ، وعن أبي أُمامة ، وعن ثوبان ، وعن معاوية مرة ثانية ، وعن أبي هريرة ، وعن عمر بن الخطاب ، وعن أبي هريرة ثانية ، وعن المغيرة بن شعبة أخيراً . ويَذكرُ المخرجين لهذه الطرق ، من أصحاب كتب الحديث ، وهم البخاري ، ومسلم ، وأحمد ، والطبراني ، وأبو داود ، وابن ماجة ، والبزَّار ، والدارمِي ، ولا يذكر في هذه الطرق رجال السند ، بين مخْرِجِه من أصحاب هذه الكتب ، وبين الصحابي المنقول عنه هذا الحديث ، وبالتالي فهو لا يعيد قراءة رجال السند ، ولا يذكر أسباب اختلاف المتون ، ولا يقوم بمحاولة فهم معانيها ، من خلال المباني ، فالأستاذ عويضة يريد أن يطمئن أعضاء حزبه ، وقد طال عليهم الطريق ، أنـهم الطائفة الظاهرة الموعودة بالنصر ، وما هو عليهم هو البقاء الراكد الساكن والقعود انتظاراً للنصر ، وقبل أن يقوم بسرد الأحاديث ، قَدَّمَ موجزاً تاريخياً ، عن ظروف وزمن وجود ومكان الحزب ، ونبذة عن مسيرته .

القيمة المعرفية لأحاديث الأنباء المستقبلية

تمتلئُ كتب الحديث بالأحاديث ذات المطلوب الخبري ، عن الماضي والمستقبل ، مع أن الماضي والمستقبل هما أمران نسبيان بالنسبة للإنسان ، وهما حاجبان يحجبان المخلوق الإنساني عن علم الغيب ، الذي اختص به الله تعالى ، ولكن الإنسان محبٌ لاكتشاف أو معرفة ما هو محجوب عنه ، فلجأ إلى التنجيم ، والعرافة ، وتفسير الأحلام ، والتخيل ، والكهانة ، والاتصال بعوالم الأرواح ، وعالم الجن، بل فسَّر نعيق بومٍ أو نعيب غرابٍ ، بأنها إعلام بوقوع حوادث سيئة .

إنَّ أسوء هذه الأمور، هو لجوء الإنسان إلى محاولة تفسير نص القرآن الكريم، بأنه أنباء من غيب، اعتماداً على قوله تعالى { يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } (البقرة: من الآية3) وقد سبق أن نشرت اللواء، موضوعاً بعنوان الإيمان بالغيب وأن الإيمان بالغيب هو إيمان بأن الله عالم الغيب، وليس المراد به بناء اعتقاد أو إيمان على موضوع غيبي، بل أن الإيمان الإنساني بما لا يقع تحت حسه مباشرة، إنما هو إيمان بالخبر المقطوع بصحته بدليل العقل، أي أن العقل أسس لصحة الخبر.

لقد امتلأت كتب اليهود ( العهد القديم )، وكتب النصارى ( العهد الجديد ) بمثل هذه النبوءات، فالطائفة المنصورة موجودة عند اليهود بظهور المسيّا المنتظر،  والطائفة المنصورة موجودة عند النصارى بالعودة الثانية للمسيح، والطائفة الظاهرة غير الطائفة المنصورة، فالظاهرة في حالة النصر دائماً، والمنصورة هي الطائفة المنتقلة من القمع إلى النصر، فأي الطائفتين أراد الأستاذ محمود عويضة من بحثه؟ الظاهرة! أم المنصورة! ظاهر بحثه وحقيقته أنه أراد الطائفة المنصورة، وهذا لم تصرح به الأحاديث التي استشهد بها، فالأحاديث الثمانية التي جاء بها مصدرة بفعل من أفعال الاستمرار، العاملة عمل كان، فكلها مصدرة في لا يزال، ولا تزال، ولذلك أهمل في تحليله للأحاديث الثمانية هذا الفعل، وحوله بطريقة المغالطة الواضحة أنه يفيد استمرارية الحزب، في سيره وعدم توقفه، ومن المعلوم أن الذي يقبل هذا النص يجب أن يأخذ بالاستمرارية، منذ أن قاله الرسول صلوات الله عليه وحتى قيام الساعة، ولهذا فإن أحمد بن حنبل ظنّ أنهم أهل الحديث، والبخاري هم أهل العلم، والقاضي عياض هم أهل السنة والجماعة، وعلي بن المديني هم أهل العرب، ومعاوية يراهم أنهم أهل الشام، والأحاديث تصرح وهم بالشام، وهم ببيت المقدس، وهم بأكناف بيت المقدس، وهم لا تدل على نشأتهم، وإنما تدل على وجودهم.

يكشف هذا الاختلاف في فهم من هم ! أنّ هذا الحديث ليس من أحاديث المصطفى صلوات الله عليه، إذ أن الإبانة والوضوح هو الهدف الأساسي من رسالة المصطفى صلوات الله عليه، فالحديث موضوع لمصلحة أهل الشام في زمن معاوية، ولهذا اشتدت عناية معاوية بن أبي سفيان في هذا الحديث، كما سترى أيها القارئ الكريم من خلال التوثيق.

الأستاذ محمود عويضة ليس هو أول من حاول وضع هذا الحديث في خدمة زمرته، فمعاوية أول من استخدمه، لكن معاوية استخدمه استخداما ذرائعياً ، إذ كان  في محل الغلبة ، فأراد تكوين رأي عام أنه على الغلبة لمسيرته على الحق، وهذا أمر في محل النزاع، فلجأ إلى هذا الحديث، لكن زمرة حزب التحرير ليست في محل الغلبة والانتصار.

ولـهذا يكون استعماله تسويغاً للقعود ، وقبولاً بالركود والسكون والانتظار ، وهذا هو الهدف الحقيقي لكتاب الأستاذ محمود عويضة ، من أول كلمة منه إلى آخر كلمة منه ، وكل موضوع من مواضيع كتابه هو في خدمة هذا الهدف .

لجأ الأستاذ عويضة لتمرير هذا الحديث إلى حديثين هما : حديث أبو سعيد الخدري ، الذي رواه الترمذي ، حول إنباء الرسول عن كل ما يكون إلى قيام الساعة ، وحديث حذيفة الذي رواه أبو داود وابن حبان ، الذي تضمن نفس معنى حديث الخدري .

عندما انعقد مؤتمر القمة في عمان عام 1987 ، مؤتمر الوفاق والاتفاق سألتُ الأستاذ خضر الزواهرة، هل حدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقامه عن مؤتمر الوفاق والاتفاق؟ فنسيه من نسيه أم أن جملة ( فما ترك شيئاً يكون –في مقامه ذلك –إلى قيام الساعة إلا حدًّثَه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه ) لا تحمل على مبانيها ومعانيها ! أليس في الحديث إشكالية تحتاج إلى حل؟ وبعد ذلك يمكن الاستشهاد به، هكذا استشهد عويضة بحديث غيرُ ممكن في ذاته .

أهمّ طريق يمكن أن يرتكز إليه الأستاذ عويضة، فهو طريق أبي أُمامة ، لأنه النص الوحيد مع تعدد النصوص حول الطائفة الذي يتحدث عن بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، ويأتي بحديث معاوية الذي يقول وهم بالشام كشاهد لحديث أبي أمامة، والمفروض في الأستاذ عويضة أن يقوم بقراءة السند لهذين الطريقين .

حديث أبي أمامة أورده أحمد بالسند التالي في الجزء 5 ص 269:

قال أبو عبد الرحمن: ( المقصود عبد الله بن أحمد بن حنبل ) وَجَدَّتُ في كتاب أبي بخط يده، حدثني مهدي بن جعفر الرملي، حدثنا ضمرة عن الشيباني ، واسمه يحيى بن أبي عمرو ، عن عمرو بن عبد الله الحضرمي عن أبي أمامة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين ، لا يضرهم الله من خالفَهم ، إلا ما أصابـهم من لأواء ، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك ، قالوا : يا رسول الله وأين هم ؟ قال : ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس ).

فالحديث يا أيها الأستاذ عويضة ! وجادة ! ومعلوم رأي المحدثين بالوجادة ، أما من حيث الرواة ؛ فإنَّ مهدي بن جعفر الرملي وصف البخاري حديثه بأنه منكر ، ويراه بن عدي بأنه لا بأس به ، ويروي عن الثقات أشياء لا يتابعه عليها أحد ، ويحكم عليه صالح بن محمد بأنه لا بأس به ، ويقول يحيى بن معين بأنه ثقة لا بأس به .

انظر ذلك في كتاب تـهذيب التهذيب جزء 10 ص289 وقد ورد بأنه تمييز ، أي لم يرو عنه أحد من أصحاب الكتب الستة ، أما عمرو بن عبد الله الحضرمي الراوي عن أبي أمامة ، فإنه لم يرو عنه إلا أبو داود، وذكره ابن حبان في الثقات، والذهبي يقول ما علمت أحداً روى عنه سوى يحيى، وقال العجلي شامي تابعي ثقة، وذكره الحاكم في كنيته (أبو العجماء) أنه فيمن لا يعرف اسمه، وفرق الدولابي بين أبي العجماء وبين عمرو هذا، أما ضمرة بن ربيعة الفلسطيني أبو عبد الله الرملي الدمشقي الأصل، فهو في الطبقة التاسعة من المحدثين أي من لم يرد عنه إلاّ راو واحد، ويحيى بن أبي عمرو الشيباني أبو زرعة الحمصي، فهو من السادسة، وهو مقبول إذا تابعه من هو أوثق منه، وزيادة في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس ساقطة يقيناً، إذ لم يتابعه عليها أحد.

الإطالة على القارئ وخاصة الذي لا يعلم، كيف تجري الأحكام على الأحاديث، تجعل الإطالة مملة، وكان الأولى بالأستاذ محمود عويضة أن يحاول معرفة الحكم على الحديث، وأن لا يكون كمن لقي خرزة.

حديث معاوية الذي فيه وهم بالشام، فإن الزيادة ينقلها منفرداً مالك بن يخامر السكسكي، زاعماً أن معاذ قال وهم بالشام، ويسمعها معاوية، وبرفع صوته بها قائلاً: هذا مالك بن يخامر يزعم أنه سمع معاذاً يقول وهم بالشام، فالحديث وخاصة هذه الزيادة لا يمكن إثباتها، وهكذا تنهار إنهياراً تاماً دعوى الأستاذ محمود عويضة، بأن حزب التحرير هو الطائفة الظاهرة.

إن الدراسة الصحيحة للطائفة الظاهرة، تبين أنها محاولة من معاوية، تأكيد معنى أن المنتصر إنما هو على الحق، ولذلك جاهد لإثبات أنه على الحق، بسبب انتصاره على الإمام علي، ولذلك فإن ثلاثة عشر طريقاً لهذا الحديث حديث الطائفة الظاهرة تنتهي إلى معاوية! وهذه الطرق مستخرجة من مسند أحمد والبخاري ومسلم والترمذي فقط.

ليس من المستغرب أن يقع الأستاذ محمود عويضة، في أخطاء كثيرة، أثناء الاستشهاد بالحديث لصالحه، فزيادة وهم بالشام لم يخرجها مسلم، وإنما فقط البخاري وأحمد، والمتحمل لهذه الزيادة هو مالك بن يخامر كما مر، وفي حديث أخرجه أحمد جزء4 ص369 يحدث معاوية بحديث الطائفة التي على حق ظاهرين، يدعي معاوية أنها سمعها من زيد بن أرقم، ويعلق معاوية وإني لأرجو أن تكونوا أنتم يا أهل الشام، ويأتي تعليقه على استحياء.

من الواضح عناية معاوية بحديث الطائفة الظاهرة، أو المنصورة، ويجاهد معاوية مجاهدة واضحة، لان ينطبق الوصف على أهل الشام، وأهل بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وطبعاً معاوية لم يكن من غايته مجرد التبليغ، لتصل إلى محمود عويضة، ليجعل الحديث مفصلاً تفصيلاً تاماً لحزبه بل فصلها معاوية لنفسه ولأهل الشام.

لسد الطريق أمام القوّالين، لا بد من القول بأن حديث الطائفة الظاهرة اهتم به عدد من المتأخرين فقد صرح أحمد عبد الحليم ابن تيمية ت سنة 728 هجري في كتابه (( اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم )) قائلاً في أول كتابه : (( قد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة )).

وقد أورد حديث الطائفة الظاهرة أيضاً الجلال السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر المتوفى سنة 911 هجري، في كتابه الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة، في كتاب الأدب وبلغت طرقه عند السيوطي عن أحد عشر صحابياً.

لقد أورده أيضاً أبو الفيض محمد مرتضى الزَّبيْدَي صاحب تاج العروس ت1205 هجري، في كتابه لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة، عن اثني عشر صحابياً، كما أورده محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني المتوفى سنة 1345 هجري في كتابه (( نظم المتناثر في الحديث المتواتر )) في كتاب الجهاد عن حوالي سبعة عشر صحابياً.

إن الحديث قد أخرجه البخاري في أكثر من كتاب في صحيحه، وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان وكتاب الأمارة، وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن، وأخرجه النسائي في كتاب الخيل، وابن ماجة في الفتن، وأخرجه الدارمي في صحيحه، والطيالسي وأحمد بن حنبل في مسنده كلاهما في أكثر من طريق.

أمام هذا العدد الكثير من تخريجات هذا الحديث، وأمام دعوى تواتره من قبل أربعة من العلماء، وأمام أعداد الصحابة الذين يروون الحديث، على رأي أهل الحديث، فهل يمكن لواحد بعد ذلك أن يقول وبكل قوة أن الحديث موضوع في أساسه وزياداته؟ والجواب نعم إن الحديث موضوعٌ يقيناً رغم كل ما سبق.

إن رواة الحديث من الصحابة هم كما يلي وبالمقابل مخرج الرواية من أصحاب الحديث:

1.

معاوية بن أبي سفيان

ويفوز بالعدد الأوفر من طرق الحديث وفي العديد من كتب الحديث

2.

المغيرة بن أبي شعبة

البخاري ومسلم وأحمد

3.

جابر بن سمرة

البخاري مسلم وجابر بن سمرة لا تثبت صحبته

4.

معاذ بن جبل

مسلم   لم أعثر عليه في مسلم

5.

جابر بن عبد الله

مسلم وأحمد في المسند

6.

زيد بن أرقم

أحمد في المسند

7.

أبو أُمامة

أحمد والسند تالف كما هو مبين قبل ذلك

8.

عمر بن الخطاب

أبو يعلى الموصلي!! يقول عويضة بأن الحاكم رواه!!

9.

جابر....

أبو يعلى الموصلي من هو جابر؟

10.

أبو هريرة

البزار في مسنده

11.

مرة البهزي

الطبراني في معجمه والهيثمي في مجمع الزوائد

12.

شرحبيل بن السمط

ابن عساكر مختلفٌ في صحبته وهو شامي

13.

عقبة بن عامر

مسلم في كتاب الإمارة

14.

ثوبان

مسلم في كتاب الإمارة

15.

سعد بن أبي وقاص

مسلم في كتاب الإمارة وأوردها ابن الأثير والطائفة في الغرب

16.

سلمة بن نفيل الحضرمي السكوني

أحمد في المسند لم يخرج له من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي وأخرج له حديثاً واحداً

17.

عمران بن حصين

أحمد في المسند في إحدى الروايات ابن لهيعة عن أبي الزبير

18.

عمرو بن العاص

الحاكم في المستدرك

19.

معاوية بن أبي قرة

أحمد في المسند والترمذي في سنته


لا بد من وقفة ضرورية عند متون هذه الأحاديث، فالمتون مختلفة، إذ هو في رواية سعد بن أبي وقاص ( لا يزال أهل الغرب ظاهرين ) والمتن عند معاوية بن أبي قرة عن أبيه ( إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ولا يزال أناس من أمتي منصورين ) وفي رواية ثانية له ( ولن تزال طائفة من أمتي منصورين ) ودعوى التواتر مردودة، فالأسانيد فيها من الأقوال الأمور الكثيرة، ومع هذا فهي لم تتواتر في الوسط والطرف ، وحَكَمَ متقدمو أهل الحديث عليها، بقولهم حسن صحيح أما الزيادات التي في الحديث التي تبين من هم ؟ والى متى هم منصورون ؟ فالأمر أغرب من ذلك ، إنَّ من الغرابة أن يستند فكر نـهضوي إلى مثل هذه الأخبار، التي لا تحرك العمل للنهضة ، وإنما تؤدي إلى القعود .

ويُصرّ الأستاذ محمود عويضة دائماً على إتحاف الأمة بكل جديد ، فهو يبشر بدولة الخلافة الراشدة ، من خلال حديث جعله مروياً عن طريق حذيفة عند أحمد ، وهو حديث متداخل ، فأحمد بن حنبل جعله في مسند النعمان بن بشير ، ولم يجعله في مسند حذيفة ، وفي إسناده رجلان ضعيفان وهما : داود بن إبراهيم الواسطي ، وحبيب بن سالم ، والحديث مفسر في مسند أحمد من إنَّ خلافة عمر بن عبد العزيز هي الخلافة الراشدة بعد الملك العاض والجبرية ، ويقول النص أن عمر بن عبد العزيز سُرَّ به .

كم يود القارئ لو لم يقع الأستاذ محمود عويضة في طاماته ! ولولا أن موضوع الحكم على طرق الحديث لا يمكن أن يكون طريق نشره الجرائد ، لنُشر الحكم ولكن الحكم التفصيلي وهو معدٌّ سينشر في كتاب.

القدوة والمثال

ذلك هو عنوان الموضوع السادس بعد المقدمة ، كما وضعه مؤلف كتاب ( حمل الدعوة الإسلامية ـ واجبات وصفات ، السيد محمود عبد اللطيف عويضة ، بلغت فقرات الموضوع 18 فقرة تطول وتقصر ، يرى المؤلف في فقرته الأولى - أنَّ الأصل في حمل الدعوة في الإسلام أنْ تتولاه الدولة ـ أي الخلافة ، وهذا العمل هو ما دأبت عليه الخلافة عبر تاريخها كله ، ولم يتوقف دخول الشعوب في الإسلام إلاَّ عندما توقف هذا العمل بهدم الخلافة في عام 1924 م ) ويقيم المؤلف بعد ذلك مباشرة سؤالا هو لماذا توقف دخول الشعوب في الإسلام بعد هدم الخلافة ؟ .

أمام سؤاله وأمام وصفه لانتشار الإسلام لابد من تعليق على هذه الفقرة وهذا هو التعليق ليدرك المسلمون خطأ الربط بين الدولة وانتشار الإسلام ومخالفة ذلك للتاريخ والواقع .

لا ينكر أحدُ انتشار الإسلام وصهره شعوبا وقبائل في الإسلام ، لكن هل كان الانتشار بسبب الخلافة ؟ أم بسبب قوة الفكر الإسلامي وقدرة الدعاة على نشره ؟ وهنا يرد على الخاطر سؤال ، من هم الدعاة الذين ردوا الهجمات على الإسلام ؟ وأدخلوا شعوباً وقبائل في الإسلام ، أهي دولة الخلاقة الأموية التي يقول عنها عمر بن عبد العزيز : ( إنَّ بني أمية لم تفتح البلاد للهداية وإنما للجباية ) وقد طلب الحجاج بن يوسف امتحان الموالي حين رغبتهم بدخول الإسلام حفاظاً على الجباية ، ونتج عن ذلك ثورة القراء ، ولهذا أوقف عمر بن عبد العزيز الفتح ، أهي الدولة العباسية ؟ لقد كان هم الدولة العباسية من السفاح إلى القادر أي منذ 132 – 422 هـ مطاردة خصومها من المعتزلة والشيعة وحماية ثغورها من الروم البيزنطيين ولم يسجل التاريخ عناية لها بنشر الإسلام فالإسلام في زمنها انتشر بجدل حي شرقا وغربا مع زمر الكفر من قبل المعتزلة والزيدية وهم معتزلة أيضا وللإباضية دور في نشر الإسلام في شرقي أفريقيا ولكنه دور أقل أهمية من دور العدلية المعتـزلة والزيدية جاء في جمهرة أنساب العرب لابن حزم حين بحثه في أنساب البربر بعد أنْ عدد أنسابـهم ما يلي :

وكل من ذكرنا معتـزلة حاشا بني برزال وبني واسِّين فهم إباضية وأمَّ جمهور بني مغراوة وبني يفرن فسنية.

لا يتحدث المؤلف عن حركة نشر الإسلام بسبب الدعوة التي بوشرت من قبل الفرق الإسلامية العدلية خاصة وإنما يتحدث عن إسلام انتشر بسبب الخلافة الإسلامية قاصدا الأموية والعباسية والعثمانية العلية فأين أعمال نشر الإسلام من قبل الدولة الفاطمية ؟ وهي دولة قامت على أساس الدعوة الإسماعيلية .

إن هذه المصارحة تحمل في طياتـها إضعاف العزيمة ، لقيام الدولة الإسلامية مرة أخري ، من رؤى المداحين ، لأنـهم يخلطون بين الإسلام ومجريات التأريخ ، أي ما يحدث به من قصور ومظالم ، لكن بيان أهمية الإسلام ، من كونه حقا واضحا ، وبيان نسبية إحسان التطبيق  والكشف عن أثره الحضاري ، في زوال شقاء الإنسانية ، بالمقارنة مع تطبيق المبادئ الوضعية  وما جرته ولا تزال تجره هذه المبادئ من شقاء ، هو الكفيل بتحريك العزيمة ، وبعث الحركة الجادة لقيام الدولة الإسلامية مرة أخرى ، فلا ضير من المصارحة ، بل المصارحة مطلب ضروري ، من شأنـها أن تسد الثغرات التي تظهر أثناء المسار التاريخي .

إنَّ إدعِّاء أنَّ سبب انتشار الإسلام هو أعمال الخلافة ، وإهمال قوة الفكرة وجدية الدعاة مع ظروف أخرى متعددة ؛ أمر مضر بالدعوة ؛ وقد قام أعداء الإسلام بالترويج لهذه الفكرة قائلين : دين محمد  قام بالسيف ، وهذه فرية ما بعدها فرية ! فالنصوص واضحة مانعة من إدخال أحد من الناس دين الإسلام قسرا لقوله تعالى : (( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )) (البقرة:256) وقال تعالى : (( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ  إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً )) (الكهف:29) وحتى لا يظن ظان أنَّ الكفر محل رضا من الله تعالى جاء القسم الأخير من الآية ليفهم أنَّ المطلوب الإيمان لكن بالاختيار.

يسوغ تفسيره لانتشار الإسلام في ظل الدولة وتوقفه في غياب الدولة بسبب كون الإنسان يؤمن بالماديات والمحسوسات ؛ أكثر بكثير من إيمانه بالمغيبات أو الأفكار المجردة ؛ ويطيل في شرح هذه المقولة بحيث تستغرق ورقة من ورقات الكتاب أي تبلغ صفحتين الفقرة 2، 3 ويؤكد هذا الموضوع بالفقرة الرابعة قائلاً : [ وإذا أردنا تلخيص ما سبق بعبارة موجزة ، قلنا : إنَّ الطبيعة البشرية تؤمن بالمحسوسات ، بسرعة تفوق إيـمانـها بالأفكار الـمجردة ،والأحكام النظرية ، والإسلام وهو في حقيقته أفكار وأحكام ؛ إنْ هو طبق في دولة فتمثل فيـها فصار له واقع محسوس اندفع الناس إلى الإيمان به والدخول فيه ، أما إنْ بقي أفكارا وأحكاما تنقل فقط على ألسنة حملة الدعوة ، أي ظل لا واقع له محسوسا لم يؤمن به إلاَّ القليلون ] انتهت الفقرة .

عن أي أمر يتحدث ؟ هل ير تمسك الناس بالموروث وتحجرهم عليه أنه إيمان ؟ هذا من جهة ومن جهة أخرى الفرق بين المحسوس وغير المحسوس فرق في الإدراك ، وليس فرقاً في الإيمان ، فلا يقال : آمنت بوجود الشمس ، بل أدركت وجود الشمس حسا ، وأدركت وجود الله استدلالا ، يظهر أنه يريد بحث عوامل انتشار الإسلام وهي في انتصار الفكرة أسرع منها ؛ والفكرة دعوة قال تعالى : (( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً )) (النصر:3) وهذا الأمر بحث في انتقال العامة وليس بحثا من أبحاث الإيمان ، وتأتي الفقرة الخامسة لتهدم كل ما ورد في الفقرات الثلاث قبلها إذ يقول : [ بل إننا رأينا عبر تاريخنا ، أنَّ تمثل الإسلام في دولة إنْ كان تمثلا صحيحا وكاملا ؛ أي عندما تكون الدولة خلافة راشدة ؛ ينتج دخولا كثيفا من الشعوب في الإسلام ، فإنْ قلَّ التمثل ونقص ؛ نقص الدخول في الإسلام ، فإن صار التمثل في أدنى درجاته ـ كما حصل في الخلافة العثمانية ـ لم يدخل من الشعوب في الإسلام إلاَّ القلة القليلة منها ، ولكنها على أي حال أكثر بكثير مما حصل عقب هدم هذه الخلافة ] انتهت الفقرة . يلاحظ كيف يربط دخول الشعوب في الإسلام : بقوة الدعوة ، ووضوح الفكرة ، وإحسان التطبيق ، مع أنه لم يهتد لـهذه الكلمات الثلاثة ، وإنما جاء بكلمة التمثل ! وهي كلمة لا يتحدد معناها ؛ وليس لـها صورة معيارية ؛ أي ما هي درجة التمثل ؟ وكيف ترتفع ؟ ومتى تنخفض ؟

الإيمان والأعمال

علاقة الإيمان بالأعمال ليست قضية جديدة في الفكر الإسلامي ، فكل من له علاقة بتاريخ الفكر الإسلامي ؛ يعلم أهمية هذا الموضوع في التراث ، وقد حدث حول هذه الفكرة اختلاف معلوم ومدون ، فهل جاء عويضة بحل يؤدي إلى وحدة المسلمين فيه ؟

_______________________________


بحث غير مكتمل .......