رحمه الله تعالى

المعتزلة المعاصرة

أمين نايف حسين ذياب

Get Adobe Flash player

البحث في محتوى الموقع

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 322427

المحنة وقضية خلق القرآن

موسوعة جدل الأفكار (27)

المحنة و قضية خلق القرآن

من 218ـ 231هـ

قراءة تحليلية

الواقع والتاريخ

أمين نايف ذياب

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(1)

مقدمة الكاتب

هذا المدون ليس كتابا، وإنما هو حيثيات قضية، هي قضية خلق القرآن، وتدوين تاريخي شامل لما حدث بسبب منها، تماما كما توثق القضايا في المحاكم، المراد من هذا التوثيق جعل  القارئ قاضياً فاهماً عدلاً قادراً على الحكم ـ بعد اطلاعه على جميع أوراق القضية ـ فقضية محنة خلق القرآن جرت الكتابة فيها من قبل الحنابلة بداية فقط، ثم كتب فيها غيرهم، ومصدرهم أقوال الحنابلة، وكانوا ولا زالوا يسجلون الصراع على غير حقيقته، يزورون المقال ويـخفون الكثير من الأوراق، فمثلا لم يسأل واحد عن الزمن الذي جرى فيه القول بخلق القرآن، هل يعود القول بخلق القرآن إلى زمن المحنة أي : 218-232هـ أم أنه قبل ذلك بكثير، وإذا كان القول يعود إلى زمن قبل زمن المحنة بأكثر من قرن من الزمان على الأقل، فلماذا لم تحدث محنة فيه قبل ذلك ؟ فمدونة أهل الحديث ( الحنابلة ) تقول أنَّ أبا حنيفة ت 150هـ استتابه أصحابه من القول بخلق القرآن، والمدونة تقول بوجود صراع حول سورة المسد، لقد ورد في ترجمة عمرو بن عبيد المعتزلي المشهور في تـهذيب التهذيب وكانت وفاته 144هـ ما يلي : وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي عن معاذ بن معاذ سمعت عمرو بن عبيد يقول : إن كان ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)) في اللوح المحفوظ فما لله على ابن آدم حجة ! يقصد عمرو بن عبيد أنَّ السورة مخلوقة والبنية الفكرية لها دالة دلالة واضحة على خلقها . فما هي الحجة على أبي لـهب إنْ كان قد دُوِّنَ عليه : ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) منذ الأزل ؟ هل هناك واحد من المسلمين يعرف هذه الحقائق ؟ ولماذا غابت هذه الحقائق ؟ . هذه الكتابة تعيد ربط أوراق القضية فقط في كل أزمانـها : قبل المحنة، ومع المحنة، وبعد المحنة . هذه هي خطة تدوين هذه القضية، وليس وضع كتاب فيها، لترك القارئ يواجه ملفا لا كتابا، لقد كلف جمع هذا الملف زمنا طويلا، إذ بدا العمل في هذا الملف قبل عام 1990 م، وهذا هو عام 2005 م وقد اكتملت جـمع كل الأوراق الضرورية، لـجعل القارئ يصدر الحكم في جهتين : جهة الموضوع ـ أي القول هو الحق ؟ القول بخلق القرآن، أم القول بأزليته ـ والثانية هي التثبت من مقدار التزييف في المدونة التاريخية في مسار القضية، أما إعلان تبرئة المعتزلة من صنع المحنة، فقد تكفل به كتاب الدكتور فهمي جدعان ( الـمحنة جدلية الديني والسياسي ) وكتاب الدكتور جدعان أزال الستارة عن وجه المحنة، فمن الـممكن للقارئ الكريم الاطلاع على كتاب المحنة، ويستطيع ـ إن كان على عجل من أمره ـ أن يقرأ محاضرة بعنوان ( قراءة عجلى في كتاب المحنة ) في كتاب موسوعة جدل الأفكار القسم الأول من الجزء الثالث .

لقد حوى الكتاب الملف ما يلي ـ وهذا ذكر لـها حسب ترتيبها في الكتاب الملف : ـ

1. بعضا من مصنوعات مزيفة مزورة، يبدو فيها المعتزلة وقد قطعت حججهم ـ في قولهم بخلق القرآن ـ من قبل مجهولين أو معلومين، وقد توجهت هذه المصوغات، ذات الطلاء البراق، نحو عقل العامة، فتناقلها العوام جيلا بعد جيل، ومن هؤلاء من يدعي العلم والمعرفة ؛ وواحد منهم يصف نفسه بأنه العالم الأوحد، الذي لا يشق له غبار، ولا يلحق بمعرفته العلماء الأخيار، فصاغ ـ لاتصال له بالفن، ولقريب له من أهل الفن ـ كتاب الحيدة المجمع على تزييفه، في موضوعه  أو في وضعه ـ تمثيلية ستعرض في أرقى المسارح ! وكفى بالجهل هاديا ومرشدا ! .

2. رسائل المأمون وهي تكشف السبب لهذه المحنة، وصناعها، والممتحنين و رد المأمون عليهم، وتجيب عن السؤال التالي وهو : هل المأمون ممن ينساق مع المعتـزلة ؟ وهل هو معتزلي أو على دين الملوك الجبر ؟ .

3. كتاب المحنة موضوع البحث وهو من قسمين : 1- سيرة أحمد بن حنبل، كما ألفها محقق الكتاب الدكتور نغش . 2- ذكر قصة المحنة ـ كما دونـها معاصر لأحمد بن حنبل ـ وهو تلميذه وابن عمه، حنبل بن اسحق بن حنبل . وحتى يمكن فهم الكتاب وما فيه من كذب وزيف ومبالغات وتزوير، تقدمت عليه المداخلات التالية .

4. مداخلات في هذا الكتاب وهي : الترجمات للرجال وَقد جرى قِسْمَتُهُمْ إلى أقسام هي :

* الخلفاء الذين حدثت في زمنهم إعلان المحنة ورفعها .

* رجال من أهل الحكم .

* رجال أسند إليهم من قبل الخليفة أدوار في امتحان الممتحنين .

و

* رجال لم يظهر لهم دور في المحنة ومع هذا حشروا في الحدوثة ! .

* شخصيات من المعتـزلة زعم أنـها ذات دور في المحنة .

* شخصيات زعم أنـها من المعتزلة وذات دور في أحداث المحنة .

5. الـممتحنون.

6. مداخلات متعددة تسلط الأضواء على كثير من الأمور والمقالات .

7. وضع عناوين للتمكن من استيعاب الموضوع.

8. أبحاث تلفت النظر لمواضيع من الضروري البحث فيها وهي تحت عنوان التعليق المفصل، أو يشار إليها بأنـها تعليق من واضع هذا الكتاب خلال فصوله  .

تلك هي الجهود التي بذلت لوضع الملف تحت يد القارئ، ولن تقبل دعوى مفادها الإشادة بالجهود المبذولة، فالمطلوب هو تمعن الكتاب وتدبره، ثم بعد ذلك يجري أخذه، لإعادة بناء الذاكرة بسبب من قراءة الملف، وسلام الله على كل من يجعل الحق نبراسه (( بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ )) (الأنبياء:18) .

ويقوم البعض بعرض السؤال التالي ـ بعد قطع قولـهم : " إنَّ القرآن غير مخلوق " ـ هب أنَّ القرآن مخلوق فما فائدة مثل هذا القول ؟ والجواب على ذلك أيضا : ما هي فائدة القول : إنَّ القرآن غير مخلوق ؟ وهو قول لا دليل له، فيجب على ذلك التساوي في الحكم بعبثية القولين من جهة، وليس عبثية قول واحد، وهذا معناه الحكم على مستوى الأمة الفكري في القرون الأربعة الأولى : بأنـهم أهل عبث من جهة ثانية، وكل هذا دال على المستوى الفكري الذي عليه الجيل الحاضر ـ من كونه يصدر الأحكام جزافا ـ فالبعد الحضاري لقدم كلمة الله واضح كل الوضوح، إذ يترتب عليه القول بالتوحيد والعدل على هذه الصورة أو تلك، فهل أمرا التوحيد والعدل أمران ثانويان ؟ أم هما أساس الإسلام ؟ فكيف يقبل هذا الجيل هدم الأساس ؟ القول بخلق القرآن متصل بالتوحيد، ومتصل بالعدل، جاء في مقدمة كتاب البرهان وكتاب المسائل والأجوبة لعمار البصري، وكتابه يدافع عن عقيدة التثليث المسيحية، قال صاحب مقدمة الكتاب : " والدليل الثالث ـ يقصد الزمن الذي عاش فيه عمار ـ هو في صمت عمار عن العقيدة القائلة بأزلية القرآن، فلو كان المسلمون حينذاك ـ يقصد حين تأليف عمار كتابه ـ  يقولون : إنَّ القرآن غير مخلوق، لما تردد عمار البصري في جدله معهم، كما فعل يوحنا الدمشقي قبله ـ في أنْ يعود عليهم بالحجة : إذا كان القرآن غير مخلوق ـ من حيث هو كلام الله ـ فالمسيح وهو كلمة الله بنص القرآن غير مخلوق . لقد عجز أهل الحديث عن الرد على عمار، وهم عاجزون حتى اليوم، لكن ابن النديم يذكر في الفهرست : إنَّ أبا الهذيل العلاف ألف كتابا على كتاب عمار البصري في الرد على النصارى، إذ قد اطلع على مقالات عمار البصري، فهما من البصرة، ويظهر من البحث أنـهما في زمن واحد، وللأسف ضاع كتاب العلاف، وبقي كتاب عمار البصري شاهدا على الظلم الذي وقع على المعتزلة، واتصال خلق القرآن بالعدل ـ أي بالتكليف ـ واضح كل الوضوح عند المعتزلة، إذ يتصل بأفعال الله وليس بصفته .

(2)

الكتاب في سطور

ملاحظة ضرورية لقراءة هذا الكتاب : من الضروري أنْ يُقرأ الكتاب بعناية وتدبر وتمعن وتمحيص، وسيجد القارئ في السطور : عدم ثبات أحمد من جهة، فهو لا يصرح بأن القرآن غير مخلوق، بل يقول : إنَّ القرآن محدث، ومحدث يعني مخلوق واقعيا، ولكنه لا يرى أنَّ الكلمة تعني مخلوق بل تراه يراوغ ويخادع، وهو يحاول أن يثبت الولاء للخلفاء العباسيين، وقد وقف في وجه ثورة أحمد بن نصر الخزاعي، وقد أدرك العباسيين فائدة أحمد لـهم فانتفعوا منه أي انتفاع، فتوجيه الأضواء نحو أحمد بن حنبل ـ دون من قتلوا أو ماتوا في السجن ـ عمل مقصود، فهو من دعاة طاعة الحكام على أي وصف هم عليه، والآن في هذا الزمن ينتفع منه الحكام الظالمين من حكام المسلمين، ومن هو على شاكلتهم، عبر مفهوم القعود .

* مؤلف هذا الكتاب ـ وهو كتاب موضع إعادة التحقيق والدراسة ـ هو حنبل بن اسحق بن حنبل ؛ إبن عم أحمد بن حنبل، وهو تلميذ لابن عمه، لـم يذكر المؤرخون  تاريخ ميلاده، لكنه توفي في واسط سنة 273هـ، كنيته أبو علي، لا يوجد له ترجمة في تـهذيب التهذيب، ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، فيمن ذكر وفاتـهم سنة 273هـ ؛ وقال عنه : أحد الرواة المشهورين عن أحمد، على أنه قد اتـهم في بعض ما يرويه ويحكيه .

* له من الكتب : كتاب التاريخ، وكتاب الفتن، وهما مفقودان، والكتاب هذا وهو : محنة أحمد بن حنبل ؛ وهو مطبوع، وهذا الكتاب بحث حوله وفيه .

* محقق الكتاب هو الدكتور محمد نغش من مصر، وعمل في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، أرسلته الجامعة ـ كما يقول ـ موفدا للدعوة إلى الله في جزيرة تايلاند وقارة استراليا، والدعوة إلى الله تعني الدعوة إلى الفهم السلفي للإسلام .

* قام بقراءة الكتاب والتعليق عليه من جديد : أمين نايف ذياب، بقصد كشف حقيقة الـمحنة من جهة، وحقيقة الـجهد الكبير الذي ادعاه نغش في تحقيق الكتاب من جهة أخرى، وبيان مقدار الزيف المبثوث في طيات الكتاب .

* تسعى هذه القراءة ؛ لإعادة بناء الذاكرة الجماعية للأمة ؛ في موضوع الـمحنة من جديد، وهذه القراءة اعتمدت منهج التمحيص للمقولات، ومن شأنـها أنْ تجري تصحيحا وتقويما جديدا للأفكار .

* توضح هذه القراءة أنَّ الـمحنة ليست من صنيع المعتـزلة، إذ هي صنيع السلطة السياسية ؛ بقصد كشف أهل الحديث ؛ إذ هم أي [جملة أهل الحديث] أصحاب هوى أموي أمام العامة، وهي التي شكلت للمأمون هاجسا لا بد من معالجته .

* قام الخليفة المعتصم ـ ولم يكن من أهل العلم ـ بالسير على هدي وصية أخيه المأمون ؛ في شأن أهل الحديث، ولذلك واصل امتحانـهم، بالإضافة إلى حماية الثغور خاصة من جهة الروم، ولـهذا كان فتح عمورية وإحراقها تأديبا للروم .

* تسلم الخلافة بعد المعتصم ابنه الواثق، وإذا كان الـمعتصم أقربُ لأنْ يكون أميا، فأنَّ الواثق كان عالما من جهة، ورجل دولة مثل عمه المأمون ؛ يدرك ما تتعرض له الدولة من أخطار، فراقب بدقة التحركات في المجتمع، وخاصة حركات العلويين، وأيضا راقب حركات أهل الحديث، لقد استطاع القضاء على ثورة أحمد بن نصر الخزاعي في مهدها، والخزاعي من أهل الحديث أعلن ثورته على الواثق سنة 231هـ وإذ ألقي القبض عليه وقتل وصلب انتهى خطر أهل الحديث .

* من يقرأ كيفية تولي المتوكل الخلافة ؛ يعلم رغم تغير علاقة الدولة بأهل الحديث ـ أي علاقة المتوكل ـ  فإنَّ مسار الدولة وهو الحفاظ عليها من المتربصين بـها ـ من الشعوبية والأموية والعلوية ـ بقي ثابتا، فالعباسيون كان الولاء عندهم لبقاء الدولة في الأسرة العباسية بالدرجة الأولى، ولـهذا لا بد من تفسير مسارِها على هذا الأساس .

* ما زعمه المؤرخون من كون المتوكل منتميا لأهل السنة كلام لا حجة له، إذ لم يكن مسمى أهل السنة والجماعة قد وجد، بل هو امتداد لسياسة العباسيين من ضرورة بقاء الحكم فيهم، فبعد أنْ تحقق الغرض من المحنة، وهو عودة الولاء للدولة العباسية، وضرب خطر أهل الحديث، أوقف المتوكل المحنة ؛ إذ تحقق الغرض السياسي من المحنة، فلا يجوز التفريق بين المتوكل والخلفاء الثلاثة قبله، فكلهم متفقون : على أنْ تسير السياسة على أساس الحفاظ على بقاء الخلافة  في الأسرة العباسية  .

* كلمة أنه من أهل السنة تعني من يبنى قضايا عقيدته على أقوال وفهم أهل الحديث، وهي قضايا حشو المعتقدات، التي تضاهي أقوال النصارى واليهود في باب التجسيم , والجبر , واهتزاز الوعيد , والولاء للحكام الظلمة .

* مشكلة المغالطات في مدونات المحنة قديما وحديثا، وقضية المبالغات، ومسألة التعميمات، كل ذلك جعل موضوع وعي المحنة ـ من جديد ـ حالة شائكة ومعقدة، وجاء هذا الكتاب على نـهج ونمط جديدين في بحث قضايا التاريخ ـ إذ تحولت إلى ذاكرة دينية ـ مساهمة في عودة بناء البحث، في سبيل إيجاد ذاكرة جديدة للأمة، قادرة على التعامل الصحيح مع التاريخ ومع الإسلام، بعد فرز التاريخ عن الإسلام .

* كلمة الذاكرة : تعني توارث آراء عن فكر أو شخص، ومع تكرارها تتركز في ذاكرة الأمة، فتتحول مع طول الزمان إلى دين، وهنا لا تقاس الأمور بمعيار الحق والباطل في المواضيع، والصواب والخطأ حين الاجتهاد في النوازل، والنفع والضرر في نتائج الأعمال، أي يتحول طلب تطبيق المعيارية على الفكر والشخص هرطقة وزندقة، ويستعيذون بالله من شر هذه المعيارية .

* حين قراءة الكتاب هذا من قبل القارئ لا بد من ربط بين الأمور، فلا يجوز القراءة من خلال أفكار مسبقة الصنع، تمعن في ما تقرأ جيدا، دلل عليه من الواقع، تمعن هذه العبارة من عبارات نغش جيدا { ووقف الإمام أحمد في صبر وثبات وقوة عقيدة وإيمان كأنه الجبل الراسخ، يدفع ويدافع، ويصد ويحمي، ويرد ويفتي }. العبارة تمجد شخصا واحدا فقط فهل الأمة التي تبنى على فرد واحد أمة على الحقيقة ؟

* هناك علاقة بين التاريخ وبين تطبيق الإسلام، إحساناً أو سوءاً، ومن التاريخ تطل الأمة على تراثها ؛ فتعرف كيف تتواصل مع عمقها الحضاري ؛ فلا تنقلب على نفسها، من هنا لزمت هذه القراءة .

* على الغالب سيجد القارئ بعض أمور تتكرر في الكتاب الملف والسبب ليس عن غفلة أو رغبة في التكرار ليكبر الكتاب بل المسألة في كون الكتاب ملفا لا غير .


والحمد لله أولاً وآخراً .

 

(3)

رأي في المحنة

يهدي أمين نايف ذياب هذه الملاحظات إلى :

السادة الأجلاء ! أصحاب السماحة، والفضيلة، والأساتذة، والشيوخ : علماء الإسلام من مدرسين أو دارسين أو وعاظ وكل مهتم بالإسلام .

السادة قادة الفكر : أساتذة، أو علماء، الذين طالما رددوا في المنتديات الثقافية  عبارة هي : المعتـزلة الذين كانوا دعاة الحرية في الفكر الإسلامي اضطهدوا الفكر، حينما صار الأمر إليهم  زمن المأمون والمعتصم والواثق، أي قاموا بالـمحنة فقتلوا واشبعوا السياط من ظهور خصومهم ، إليهم جميعاً هذه الملاحظات.

رغم أنَّ النشر اتسع اتساعاً هائلا، ورغم كثرة التحقيق للتراث الإسلامي، إلا أنَّ عقل الأكاديميين بقي أسيرا لمقولات دونت خطأ لظروف سياسية معينة، وتذهب الظروف، ويبقى القول الذي قيل خدمة لتلك الظروف هو السائد.

من الغرائب العجيبة أن جريدة الغد نشرت ثلاثة مقالات في موضوع خلق القرآن والمحنة سارت بنفس الاتجاه دون إعادة نظر بعد ان صار من الممكن دراسة الموضوع من حيث الفكر ومن حيث الصحة والخطأ ومن حيث وقائع الأحداث وهل فيها مبالغة أو تزييف ومن حيث موقف الرجال في الحدث إلخ ممكنات القراءات المتعددة  وكانت المقالات كما يلي :

1. مقال للسيدة جواهر الرفايعة بعنوان بعنوان : [المعتزلة جذر من جذور أزمة الحرية] والسيدة جواهر في مقالها ـ وهو مقال لا بد من وقفة معه ـ تعيد انتاج الخطاب المدون في كتب التاريخ المنحازة لجماعة المحدثين، فمصادرها هي مصادر أصحاب المصلحة والغرض في تشويه المعتزلة .

2. مقال السيد عبد الله فرج الله في العدد [160] الصادر يوم الجمعة 26 ذي القعدة 1425هـ الموافق 7/1/2005م  بعنوان [ أحمد بن حنبل رأس في الأمر ] ويشير رقم 3 قي المقال إلى وجود مقالين سابقين لم اطلع عليهما ولم يأت في المقال بجديد فالمقال عودة لعين المدائح بأحمد بن حنبل وسيرى القارئ قي التعليق على المقال جملة وعينة من المدائح التي دبجها السيد عبد الله فرج في احمد بن حنبل ومصادره هي عين تلك المصادر التي وظفت موضوع المحنة لمدح احمد بن حنبل دون غيره من المتحنين .

3. يوم السبت 27ذي القعدة 1425هـ الموافق 8/1/2005م  في العدد 161 من جريدة الغد أطل علينا استاذ التاريخ والحضارة في جامعة فلادلفيا الدكتور مهند مبيضين بمقال بعنوان [فائض المعرفة وصنعة النظر].

جريدة الحياة نشرت مقالا من قسمين قرأت القسم الأول منه، وحرصت على قراءة القسم الثاني فلم أتمكن، يظهر أنَّ القسم الثاني سينشر فيما بعد، كاتب المقال هو [ ثابت عيد ] وهو مصري مقيم في زوريخ بسويسرا، يكتب عن وضع تأريخي، محاولا إنصاف المعتزلة، لكنه ظلّ أسيراً لمقولات تاريخية، أثبتت الدراسات الجادة عدم صحتها، فمثلا لا زال الباحث يرى : أنَّ للمعتزلة دوراً في أحداث المحنة، مع أنَّ الثابت الآن، أنْ لا علاقة للمعتزلة من قريب، أو من بعيد، في القيام بأحـداث المحنة، أو الإشارة بـها، سوى مشاركة القاضي [ أحمد بن أبي دُؤاد ] في مسائلةِ الممتَحَنين، والمشهودُ له، بأنه عمل على منح الممتَحَنين العذر، لكنَّ أعداءَ الفكر الإسلامي العدلي ـ من الأشاعرة ومن أهل الحديث الحشوية ـ وهم العاجزون عن الوقوف في وجه جور السلاطين، صبُّوا غضبهم وأكاذيبهم على المعتزلة، وكان على الباحث، أنْ يشير إلى ما كشفته الدراسات الجادة الآن .

الأمر الثاني : الذي ينقص الدراسة، هو عدم توظيف التاريخ، لتهيئة الأمة، في عقلها ومشاعرها، لتعمل على بعث الحركة في مشروع النهضة، الإسلامي مضموناً، العربي لساناً، ولهذا جاء البحث لحساب التاريخ فقط .

وأخيرا لم يستطع الباحث تحريك التفكير، من خلال قراءة تاريخ الأمة، قراءةً نقديةً، بحيث تتحول القراءة إلى حركة حضارية، تبادر إلى الإنجاز، والاكتشاف، والاختراع ومن  ثمّ  التقدم الصناعي والتقني، من خلال امتلاك المعلومات، بالانتفاع من الغير، أو بالوصول إليها، بالتجارب والتوليد، وبصورة أخرى، محاولة توظيف القراءة في إنتاج حداثتنا، لا استيرادها، في عهد تعالي أصوات الداعين، لاندثار الأمة، عبر تمجيد العولمة، والتغزل بالخصخصة، والدعوة لاعتبار العدو اليهودي شريكاً في أرضنا وقبول الاحتكام إلى الويلات المتحدة وشرعة الأمم المتحدة، مخترعي المكيال المزدوج ! .

إنَّ بلادة الحس الجماعي السائدة عند مجمل الأمة، وسطحية التفكير، وذاتيته، كلها أمور : تحتاج إلى عمل تغييري عبر التمعن بحوادث التاريخ لإعادة بناء الوعي الحقيقي الصادق المنتج .

تُصِرُّ الذاكرة الجماعية للأمة سواء أكانت ذاكرة أساتذة أكادميين، أو رجال حركات إسلامية أو ما يُسَمَّى بحركات المثقفين العرب، أو المثقفين الإسلاميين، أو وعاظ المساجد، على الدعوى دون تحقيق : بأنَّ المعتزلة مع كونـهم، دعاة عدل، لا جبر وقهر، إلاَّ أنـهم خالفوا مفاهيمهم، حين صاروا أصحاب الأمر، فالمحنة فعلهم، إن الحقيقة الواضحة تظهر عكس ذلك تماماً، فلا هم صاروا أصحاب أمر،  والمحنة صراع بين ملك جبري عضوض [ وليس حُكْماً عَدْلياً معتزلياً ] وأهل الحديث، الذين هم قوة إسناد الملك الجبري العضوض، ولهذا لم تدر مناقشات المحنة حول مفهوم العدل، [ أي تمكين الإنسان من خلق أفعاله ] وإنما دارت حول خلق القرآن، وهي ليست قضية خاصة بالمعتزلة، بل يقول بـها أهل الجبر أيضاً وخاصة الجهمية، وخلطُ الجهميةِ الجبرية بالمعتزلة العدلية، هو نوع من التضليل ! .

لقد رسم المأمون لاحتواء الدعوة الشيعية [ إسماعيلية تعمل سراً ] إذ في زمنه نُشرتْ رسائلُ إخوان الصفا، الأمر الذي جعل المثقفين يقعون تحت تأثيرها، وهكذا فقدت العباسية المثقفين بسبب ميلهم للدعوة الإسماعيلية، فشكلت خطراً ماثلا على الدولة العباسية، فعمد المأمون إلى تبني الشيعة ظاهريا، ولم يستطع أهل الحديث أدراك ما رمى إليه المأمون، من هذا التبني  فأصابـهم الهلع، وانحازوا إلى العمل ضد المأمون بكل الطرق : من وضع الأحاديث ضد المأمون كما فعل نُعيم بن حماد، واشترك أبو مسهر [ عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي الغساني ] المحدث المشهور محدث الشام بثورة الأموي [ أبي العميطر علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ] ورغم هزيمة أبي العميطر، إلاّ أنَّ أبا مسهر، بقي في حالة عداء ظاهر للمأمون، وأخذ أحمد بن نصر الخزاعي يتحفز لإعلان الثورة، ضد الدولة العباسية، وإذا كانت الدعوة الإسماعيلية احتوت المثقفين، فإن دعوة أهل الحديث تحتوي العامة، وهي العامة التي شكلت هاجسا للمأمون، من هنا قام المأمون ـ وهو في حالة غزو وحرب مع الروم ـ بمراسلة نائبه وقائد شرطته اسحق بن إبراهيم المصعبي، في رسالتين مشهورتين، وثقهما ابن جرير الطبري، في حوادث 218 هـ، ذكر فيها معايب الممتَحَنين واحداً واحدا، لقد بقي المصعبي ـ وهو محسوب على أهل الحديث ـ في مركزه أيام المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل، وقد جَزِعَ المتوكل لموته .

إنَّ المحنة لم تكن بتأثير المعتزلة، وهذا ما يكشفه أقدم نص كُتِبَ حول المحنة، من قبل حنبل بن اسحق بن حنبل ( ابن عم أحمد وتلميذه ) ولهذا لم يورد اسم أهم الجدليين المعتـزلة مثل : ثُمـأمـة، والعلاف، والنَّظام، والجاحظ، وغيرهم، بل وردت أسماء مجهولين كل الجهالة ، ولم يرد من أسماء المعتزلة غير أحمد بن أبي دؤاد، بحكم كونه قاضي الدولة في عهد الـمعتصم، ومن المعلوم أن اسـتلام ابن دؤاد القضاء  كان بناء على رأي قاضي المأمون يحيى بن أكثم، الذي لم يكن من المعتزلة، بل كان حنبليا، وردت ترجمته في طبقات الحنابلة ترجمة رقم ( 539 )، ولم يكن المراد من المحنة الانحياز لأراء المعتزلة، بل المراد تحجيم دور المحدثين أمام العامة، وباحتواء خطر الشيعة الإمامية، وخطر الهوى الأموي ودعاته أهل الحديث، وبإلقاء القبض على أحمد بن نصر الخزاعي وقتله بيد الواثق  زالت كل الأخطار، ولهذا عاد العباسيون لتبني رأي أهل الحديث، في قضية خلق القرآن، على يد المتوكل الذي مدحه أهل الحديث، رغم شهرته بارتكاب المحرمات، فالمسألة المهمة لا تزال عند المحدثين هي قضايا حشو المعتقدات أي بناء الإيمان على الصورة الحسية أمسِ واليوم وغداً .

إنَّ الدليلَ على أنَّ المحنة، لم تكن من صنيع المعتزلة ـ رغم قول المعتزلة بخلق القرآن إجماعا ـ فأساس قول المعتزلة بخلق القرآن، بُني على أنـها مسألة من مسائل العدل، بينما هي عند الجبرية من مسائل التوحيد، والقارئ لنقاشات المحنة، يراها تدور حول التوحيد، أي حول انفراد الله بالخالقية، وحول علم الله الأزلي، وليس حول العدل، وهذا يكشف أنَ أيام المأمون، والمعتصم  والواثق لم تكن زمناً اعتزالياً وإنما هو زمن عباسي، يرفض التشبيه، ويقبل الجبر ويمارس الجور أما في أيام المتوكل فهو يقبل التشبيه، والجبر، ويمارس الجور، ويزيد على ذلك ارتكاب الأعمال الحرام [ يقصد من ارتكاب الأعمال الحرام أعمال المتوكل نفسه في شربه المسكر وفي الأمة  بممارسة سياسة الظلم في الرعية ] ويقيم سياسة غاية في السوء مع أهل الكتاب، ويقهر التفكير، ويمنع الجدل، ويهبط مستوى العلم، ويبدأ عصر استهانة العسكر التركي بالخلفاء  وزيادة في التقرب للنواصب، يعمد إلى هدم قبر الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام .

لقد طالت المحنة الكثير من أهل الحديث، وبعض الفقهاء، وعم المأمون إبراهيم بن محمد المهدي، وكان حاذقاً بصنعة الغناء، ومعلوم أنه بويع بالخلافة من 202-204 هـ وقتل بسبب المحنة أحمد بن نصر الخزاعي، ومات محمد بن نوح أثناء حمله وأحمد إلى المأمون، ومات في السجن كل من : نعيم بن حماد، وأبي مسهر الدمشقي، وقد أجاب في المحنة كل الممتَحَنين أما أحمد فلم يُصَرِّحْ أثناءَ الامتحان بأن القرآن غير مخلوق، وإنما كان يعمد إلى المراوغة، ولم يكن الجلد [ الضرب ] بالصورة الدرامية، التي ينشرها جهلة اليوم، فقد كان مجموع ما جُلد أحمد  على ثلاث مرات 68 جلدة في أغصان من الشجر فيها أوراقها [ في مفهوم اليوم لم تُحسلك ( الفعل الرباعي "حَسْلَكَ" ليس عربيا والمراد أن الأغصان لم تـهيأ لشدة الضرب ] وفي أخبار أوردها، حنبل بن اسحق بن حنبل ذكر أحمد خمسا وعشرين حديثا، من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، تحث على طاعة ولي الأمر وإن جار وظلم، فأحمد لا يهتم بزوال المظالم، وإنما همه أنْ يكون متقدما بين العامة، عبر نشر الأحاديث، والأساطير، والزعم بأنَّ الرسول (ص) هو قائلها .

كان للإعلام الحنبلي دور في تضخيم موقف أحمد، وإعطائه صورة درامية، والذي يقرأ أخبار المحنة يظن أنَّ الممتَحَنَ الوحيد هو أحمد، وللعباسية دور في هذا التضخيم، لتستفيد من موقف الطاعة للحكام، والتقوي به على الشيعة المتربصة آنذاك، بلغ من قوة الحنابلة أنْ منعوا دفن العالم الطبري المشهور في مقبرة بغداد، وتـهيأ الأمر لانقلاب الأشعري على المعتزلة، بتسويغات غير مقنعة .

(4)

المزورات

الخرافة الأولى

نـهاية فتنة خلق القرآن على يد شيخ شامي

نكتة ! أم حقيقة ؟

هذا مقال نشره ناشره على الشبكة، من الضروري التمعن في قراءته، ليدرك القارئ الكريم مقدار الزيف في تصوير مسألة خلق القرآن قديما وحديثا، وهي تكشف عن الكيفية التي يقدم بـها موضوع الـمحنة، وسيكشف لك التعليق على الفقرات وهي المصدرة بالأرقام ما يجعلك تدرك الموضوع جيدا، ليقوم القارئ بإصدار الحكم الصائب على الموضوع .

المقال

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن اهتدى بـهديه .

أما بعد .. من أوتي بصيرة في كتاب الله لم يحتج في مناقشة أهل الضلال إلى علم الكلام، ومنطق اليونان، وعلم الفلسفة، ففي كتاب الله غنى، كيف لا، وهو كتاب الله الذي وضّح الدلائل، وبين المسائل، ونفى الضلال والباطل ؟! وإذا قصر الناس في الاستدلال من القرآن وطلبوا الحجة من غيره، فلقصور في عقولهم، وضعف في بصائرهم . وقد ذكر علماء التاريخ مناقشة أحد علماء السنة لقادة فتنة القول بخلق القرآن، فألقمهم حجراً، وأخزى حقه باطلهم، وقد اعتمد في حجاجه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو حِجَاجٌ قريب المأخذ، يدركه الناس بسهوله ويسر، وتستمع إليه فيأسرك روعة الاستدلال، وقوة الحجة .

1. يقدم من أنشأ هذا المقال هذه المقدمة التي أنشأها عقله، وهكذا سقط قوله كله من أول كلمة، فالمطلوب عنده بصيرة في كتاب الله، والاستدلال بالقرآن، والحجة من القرآن، وعدم ذلك، هو قصور في عقولهم !!! والحجاج قريب المأخذ، يدركه الناس بسهولة ويسر، وكل ما يقوله من عمل العقل، فهو يستدل بالعقل، فكيف يدعي أنَّ عقله وصل إلى الحق، وغيره لا يصل الحق، أليست هي المكابرة ؟ !!! .

وهو إذ يستدل بالعقل فهل العقل عنده دليل كما هو واضح من مقدمته ؟ وبذلك يكون العقل هو الدليل المؤسس والناظر والفاهم، والذي يمنع الناس من أنْ يقودهم الهوى، فهل يلغى العقل ؟ والعقل له منهج لإصدار حكمه على المواضيع، وله طريقة لفهم النص، ويفرق بين نص الإنشاء ونص الخبر، ونص الخبر لا يحكم العقل بل يحكم له العقل، فهل كاتب المقال يقبل هذا التأسيس أم يرفضه ؟ قوله دال على جعل العقل يقوده . من المعلوم أنَّ السلفية ترفض العقل كدليل !!!

عودة للمقال

قال الشيخ الإمام الحافظ هبة الله اللالكائي : سأل رجل أبا الهذيل العلاف المعتزلي البصري عن القرآن، فقال مخلوق . فقال له مخلوق يموت أو يخلد ؟ قال : لا بل يموت . قال فمتى يموت القرآن، قال إذا مات من يتلوه فهو موته، قال فقد مات من يتلوه، وقد ذهبت الدنيا وتصرمت، وقال الله عز وجل لمن الملك اليوم ؟ فهذا القرآن ! وقد مات الناس ! فقال ما ادري !!! .

2. هذه القصة أو الخرافة ينقلها هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي [ت418 هـ]، عن رجل، ويذكر حواره مع العلاف، وقطع حجة أبي الهذيل العلاف المعتزلي [ت235 هـ]، وبين موت الناقل وموت العلاف 183سنة بالتمام،  والقصة مكتوبة قبل قصة الحجر الذي ألقمه الشيخ الشامي المجهول لأحمد بن أبي دؤاد [ت240 هـ ]، وهذه القصة وأمثالها لا زال ضعفاء العقول يتناقلونـها على صور أخرى : وهي قولهم : المخلوق يموت، فهل يموت القرآن ؟ أو نقل موت القرآن فيستهجن المعتزلي ذلك ! فيسألونه ـ على سبيل قطع حجته ـ أليس المخلوق يموت ؟ وفي بنية هذه القصة زيادة وهي : إثبات الموت المعنوي للقرآن، ليكون الرد آية من القرآن وهي قول الله تعالى : (( لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ))(غافر: من الآية16) فيقطع الرجل الـمجهول حجة العلاف الحجاجي المشهور، لكن قول الله تعالى يوم القيامة ـ أي في زمن مخلوق هل يعني ذلك قدم القرآن ؟ المشكلة عدم قدرة القائلين بقدم القرآن فهم الدلالات، فأقوالهم ليس لها من معنى، القرآن إما قديم أو مخلوق، لا يمكن أنْ يكون غير ذلك، فهل نطق الناطق به أو قول القائل به يعني أنه غير مخلوق ؟ العامة التي تقول تقليدا بخلق القرآن على فهم السلفية، تقول تقليدا : بأن الله متكلم بصوت وحرف، وتضيف من عند معلمي تحريف القرآن بالقول : كيف شاء ومتى شاء، والقرآن كما يعرف القاصي والداني هو عين كلام القرآن في مبناه ومعناه، وهذا القول مرفوض من الأشاعرة والماتريدية، إذ يقولون بالكلام النفسي وهو ليس صوتا ولا حرفا، فلا ترد عند الأشاعرة أنَّ الله متكلم بالقرآن يوم القيامة، والسؤال الذي يلزم مجهول اللالكائي هل الله متكلم بالعربية، فالكلام في الآية بغير العربية ليس قرءاناً، وكلام الله أيضا هل هو بلسان الحال أم بالمقال ؟ وأخيرا هل القرآن جسم حي أو هو جسم موات ؟ أو لا ينطبق عليه معنى الجسم، بل هو من الأعراض فتوجد حالا بعد حال، ومع كل هذا فالسلفيون يمسكون بخيط العنكبوت ! ومع ذلك فهل هذه أدلة على عدم خلق القرآن ؟ أم هي أوصاف له ؟ فلا يعتريه موت أو حياة بالمعنى المعهود لـهما .

الخرافة الثانية

و حكى المسعودي عن علي بن صالح قال : (( حضرت يوم من الأيام جلوس المهتدي للمظالم، فرأيت من سهولة الوصول ونفوذ الكتب عنه إلى النواحي، فيما يتظلم به إليه – ما استحسنته، فأقبلت أرمُقه ببصري إذا نظر في القصص، فإذا رفع طرفه إلي أطرقت، فكأنه علِم ما في نفسي . فقال لي : يا صالح أحسب أن في نفسك شيئاً تحب أن تذكره . قال : قلت : نعم يا أمير المؤمنين . فأمسك، فلما فرغ من جلوسه أمر أن لا أبرح ونـهض، فجلست جلوساً طويلاً، فقمت إليه، وهو على حصير الصلاة، فقال لي :  أتحدثني بما في نفسك، أم أحدثك ؟ فقلت : بل هو من أمير المؤمنين أحسن . فقال : كأني بك وقد استحسنت مِن مجلسنا . فقلت : أي خليفة خليفتنا، إن لم يكن يقول  بقول أبيه، من القول بخلق القرآن ! فقال – أي الخليفة - : قد كنت على ذلك برهة من الدهر، حتى أُقدِم عَلَى الواثق شيخ من أهل الفقه والحديث من ((أذنه)) من الثغر الشامي، مقيداً طوالاً، حسن الشيبة، فسلم غير هائب، ودعا فأوجز، فرأيت الحياء منه في  حـماليق عينَي الواثق، الرحمة عليه . فقال : يا شيخ، أجب أحمد بن أبي دؤاد عما يسألك عنه . فقال : يا أمير المؤمنين، أحمد يصغر ويضعف، ويقل عند المناظرة . فرأيت الواثق، وقد صار مكان الرحمة، غضباً عليه . فقال : أبو عبد الله يصغر ويضعف عند مناظرتك ؟!

فقال : هوّن عليك يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في كلامه ؟

فقال الواثق : قد أذنت لك .

فأقبل الشيخ على أحمد، فقال : يا أحمد إلامَ دعوت الناس ؟

فقال أحمد : إلى القول بخلق القرآن .

فقال له الشيخ : مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها، من القول بخلق القرآن أداخله في الدين، فلا يكون الدين تامًّا إَّلا بالقول بـها ؟

قال : نعم .

قال الشيخ : فرسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إليها أم تركهم ؟

قال : لا . في هذه الصورة يكون الكلام ناقصا ويظهر أنَّ المقصود تركهم .

قال له: يعلمها أم لم يعلمها ؟

قال : عَلِمَهَا .

قال: فلم دعوت إلى ما لم يدعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وتركهم منه ؟ فأمسك .

فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين هذه واحدة .

ثم قال له : أخبرني يا أحمد، قال الله في كتابه العزيز : ((اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ديِنَكُمْ)) المائدة :3، فقلت أنت : الدين لا يكون تاماًّ إلا بمقالتك بخلق القرآن، فالله تعالى – عز وجل – صدق في تمامه وكماله، أم أنت في نقصانك  ؟ !فأمسك .

فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين، هذه ثانية .

ثم قال بعد ساعة : أخبرني يا أحمد، قال الله عز وجل : (( يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ )) (المائدة : 67)

فمقالتك هذه التي دعوت الناس إليها، فيما بلَّغه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأمة أم لا ؟ فأمسك .

فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين، هذه الثالثة .

ثم قال بعد ساعة : خبرني يا أحمد، لمّا علم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالتك التي دعوت الناس إليها، أَتَّسع له أن أمسك عنها أم لا ؟

قال أحمد : بل اتَّسع له ذلك .

فقال الشيخ : وكذلك لأبي بكر، وكذلك لعمر، وكذلك لعثمان، وكذلك لعلي رحمة الله عليهم ؟

قال : نعم .

فصرف وجهه إلى الواثق، وقال : يا أمير المؤمنين، إذا لم يَّسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه فلا وسع الله علينا.

فقال الواثق : نعم، لا وسع الله علينا، إذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، فلا وسع الله علينا.

ثم قال الواثق : اقطعوا قيوده، فلما فُكَّت، جاذب عليها .

فقال الواثق : دعوه، ثم قال : يا شيخ لماذا جاذبت عليها ؟

قال : لأني عقَدتُّ في نيتي أن أجاذب عليها، فإذا أخذتها أوصيت أن تُجعل بين يدي كفني، ثم أقول يا ربي، سل عبدك : لِمَ قيدني ظلماً، وارتاع بي أهلي ؟

فبكى الواثق، والشيخ، وكل من حضر .

ثم قال له : يا شيخ اجعلني في حلٍّ .

فقال : يا أمير المؤمنين، ما خرجت من منزلي حتى جعلتك في حلٍّ، إعظاماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقرابتك منه .

فتهلل وجه الواثق وسُرَّ .

ثم قال له : أَقم عندي آنس بك .

فقال له مكاني في الثغر أنفع، وأنا شيخ كبير، ولي حاجة .

قال : سل ما بدا لك .

قال : يأذن لي أمير المؤمنين، في رجوعي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم .

قال : قد أذنت لك . وأمر له بجائزة، فلم يقبلها .

قال المهتدي : فرجعت من ذلك الوقت عن تلك المقالة، وأحسب – أيضاً – أن الواثق رجع عنها )) .

 

التعليق على هذه القصة

1 - من حيث السند

2- من حيث المضمون

3- من حيث دلالة القصة

1- من حيث السند : يشمل السند رجلين الأول المسعودي وهو علي بن الحسين المؤرخ المشهور وهو من حيث الانتماء الفكري معتزلي لا يعرف تاريخ ولادته، ت سنة 346 هـ وهو ينقل القصة عن علي بن صالح، ولا يوجد ذكر لواحد اسمه علي بن صالح، يمكن أن يسمع منه المسعودي هذه الحكاية، أما إذا أريد به علي بن صالح بن حي الهمذاني، فقد كانت وفاته سنة 151 أو 154من الهجرة، وهذا خارج زمن الموضوع كله، ولم يشر إلى كتاب المسعودي الذي نُقل منه هذا النص، وعليه فهو نص مختلق لا أساس له . وعلي بن صالح المجهول هذا يقص قصة سمعها من الخليفة المهتدي، وهو : محمد بن هارون بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، تولى الخلافة مدة أحد عشر شهرا ويومين، والقصة تقول برجوع الواثق عن القول بخلق القرآن، بسبب نقاش  أيام خلافة الواثق، بين شيخ مجهول مع ابن أبي دؤاد، والشيخ هذا هو شيخ من أهل الفقه والحديث من ((أذنه)) من الثغر الشامي، فما هي قيمة هذا السند ؟ هذا من ناحية، ولكن لماذا هذه القصة غير متداولة في قضية المحنة ؟ أين الجواب ؟

2- من حيث المضمون : مضمون القصة نقاش بين أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي، وبين شخص هو شيخ من أهل الفقه والحديث من ((أذنه)) من الثغر الشامي، ويقطع حجة ابن أبي دؤاد المعتزلي الجدلي في قضية خلق القرآن، في كونـها لم تظهر في زمن النبوة والصحابة، ولو طبق هذا المعيار على علم مصطلح الحديث أو غيره من المعارف الإسلامية، فهل يكون الجواب عين الجواب ؟ يسع أهل الحديث ما وسع الرسول والصحابة، أم يسوغ زيادتـهم على ما بلغه الرسول بطريقة ملتوية كالعادة، المعرفة نامية تلك حقيقة يعرفها الناس، وللمعرفة مرجعيات متعددة حسب موضوعها، وكل سؤال لا بد من الجواب عليه، وقول أحمد والشيخ الشامي المعاصر لأحمد في كون القرآن غير مخلوق لم يقل به النبي ولا والصحابة، أفلا يسع أحمد والشيخ الشامي ما وسع الصحابة، ولذلك يمكن قلب أسئلة الشيخ الشامي صاحب الحجة عليه بحيث يقطع ابن دؤاد حجته، ومن الطبيعي أنْ يعجز عن الإجابة فيكون قد ألقم حجرا، ولا بد للعودة من الاستدلال بالعقل والواقع والقرآن على القول بالقرآن : هل هو مخلوق أم لا ؟ و النبي (ص) يعلم أنَّ القرآن محدث قال تعالى : (( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ )) (الأنبياء:2) ((وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ )) (الشعراء:5)  ومحدث تعني مخلوق، أي لم يكن فأحدثه الله، والأدلة على خلق القرآن كثيرة، والقول بأن كلام الله غير مخلوق هو عين قول اليهود والنصارى . وهذا هو قول اليهود في قدم كلام الله : [ يعتقد اليهود أنَّ كلَّ كلمة من كتابـهم المقدس من كلمات الله بالمعنى الحرفي لهذه العبارة ، وحتَّى نشيد الإنشاد نفسه إنِ هو إلاَّ ترنيمة من عند الله تعالى، ويرى اليهود أنَّ الشريعة وُجدتْ لا محالة قبل أنْ يخلق الله العالم، في صدره أو عقله، وكان إنزالها على موسى لا شيء غيره حادثاً من حوادث الزمان . والتلمود أو بعبارة أدق جزؤه الذي يبحث في الشريعة [ الهلكا ] هو أيضا كلمات الله الأزلية، وهو صياغة للقوانين التي أوحاها الله إلى موسى شفويا ثم علمها موسى لخلفائه، ولهذا فإن ما فيها من {العقائد} والأوامر والنواهي واجبة الطاعة، تستوي في هذا مع كل ما جاء في الكتاب المقدس، ومن أحبار اليهود من يجعل المشنَّا { السُّنة } مرجعا أقوى حجة من الكتاب المقدس ] . انتهى نص اليهود منقول من قصة الحضارة الجزء الخامس عشر لديورنت.

ويرد نص النصارى في موضوع قدم الكلمة في الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا الأعداد من 1-5 وهذا هو النص وعنوانه المسيح كلمة الله :

1- في البدء كان الكلمة، والكلمة كان مع الله . وكان الكلمة هو الله . 2- هو كان في البدء مع الله . 3- به تكَوَّنَ كل شئٍ، وبغيره لم يتكوَّنْ أيُّ شئ مـما تكوَّنَ . 4- فيه كانت الـحياة . والحياة هذه كانت النور للبشر . 5- والنور يضئ في الظلام، والظلام لم يدرك النور .

3- من حيث دلالة القصة : القصة كما تبين مخترعة من جهة، وهي تلقي بمسؤولية الـمحنة على المعتزلة، بدل إلقائها على السلاطين، ولا بد من ملاحظة القارئقصة الكناني الذي أقام الحجة على بشر المريسي، فاقتنع المأمون بـها، وقصة الشيخ الشامي فاقتنع الواثق بـها، والمعتصم شبه أمي اقتنع بصحة قول أحمد، وإذ تَبَرَّأَ الخلفاء الثلاثة من المحنة، ألقيت مسؤولية المحنة على المعتزلة، وإذ الأدلة لا تثبت أنَّ القرآن غير مخلوق، اخترعوا انتصارا وهميا على المعتزلة، وصارت مادة التوهم تذكر في المجالس، فتلقفتها العامة وأخذت تشيعها، فتكونت ذاكرة ضد المعتزلة وضد قضية خلق القرآن، منها قصة تورية الشافعي بإشارته إلى أصابعه الأربعة بدلا عن الكتب السماوية، وأنـها مخلوقة، ويتداولون القصة، وينسون أنَّ الشافعي ت204 هـ  والمحنة218هـ .

** يلاحظ أن الواثق يقول يا صالح بدلا من علي بن صالح !!! .

خرافة ثالثة حديثة جدا

قبل البدء في سرد الخرافة، من الضروري الانتباه إلى أن الخرافة الثالثة هي واحدة من خرافات وضعت للتأثير على العامة، وإقناعهم بأن القرآن غير مخلوق لمنـزل القرآن، أي الله تعالى، و غير مخلوق لـمحدث القرآن، ـ أي الله تعالى ـ والكلمات : مخلوق، ومحدث ومجعول، ومنـزل، وهو أمر الله، أو كتاب الله، كلها دالة على الحدوث، بمعنى الوجود بعد أن لم يكن، أي دالة دلالة قطعية على خلق القرآن،  وتأخذ الخرافة عادة سبيل قطع الحجة في الظاهر، وهي ليست مهيئة للنقاش، وإنما يأتي بـها قائلها إخراجا لنفسه من مأزق القول بعدم خلق القرآن، وهو السؤال هل القرآن الله ؟ أم هو غير الله ؟ وهل هناك شئ يشارك الله في عدم الخلق ؟ هم يقولون الله بصفاته واحد فلا مشاركة، لكن الصفات دالة على عين الذات دلالة مطابقة، فهل القرآن دال على الذات أم هو كلام الله ؟ أي فعل الله جل وعلا، وتعالى على كل مخلوق، وعلى كل هذه هي الخرافة الثالثة :

سأل واحد من أهل غرفة السرداب وهي غرفة تنشر قول السلفية :

· السلفي :  أليس كل مخلوق ذليلا لله تعالى ؟

· المعتزلي : بلى .

· السلفي : هل القرآن ذليل ؟ كان السلفي يتوقع الجواب بكلمة : لا

· المعتزلي : ( في نفسه مع أنه يقدس القرآن ) لكنه إذ أدرك التلاعب الـمقصود في صياغة السؤال، جعله يجازف ـ ومن الضروري المجازفة ـ أي تقديم جواب فيه شناعة فتسهل المسألة، وهو إثبات أن القرآن مهيمن عليه والمهيمن علية يكون ذال له تعالى، فهو يوم نزوله يقبل النسخ، وهو محدود، وهو بلسان العرب، وهو محفوظ بحفظ الله له قال تعالى : (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) (الحجر:9) فهذه كلها دليل على أنه عزيز على معنى، ذال له تعالى على معنى، فأجاب المعتزلي دون وجل أو تردد : بلى ! أي كل مخلوق ذليل لله تعالى .

· السلفي : كفرت ! والدليل قول الله تعالى : (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ )) (فصلت:41) .

· المعتزلي : دعني أجيب لأشرح  .

· السلفي : لن أدعك تجيب .

هذه صورة لنقاش حدث، ومثلها يتكرر كل يوم .

مع أن السؤال لا يلقى بـهذه الطريقة، لكن إدراك المعتزلي أن السلفي يريد إجابة ليست بكلمة : لا . ليقول بعد ذلك : إذن هو ليس مخلوق، والسؤال هل كل عزيز غير مخلوق ؟ والله تعالى يقول : (( وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ )) (المنافقون: من الآية8) فالعزة لله، والعزة للرسول، والعزة للمؤمنين، نصا ظاهرا في الآية، فهل الرسول والمؤمنين غير مخلوقين ؟ وإذ أدرك السلفي أن المعتزلي لم يقع بفخه وهو فخ قديم قطع النقاش .

 

(5)

المعتزلة والمحنة

رفع المحنة

المحنة واندثار المعتزلة

قضى الواثق نحبه، و قام مقامه المتوكّل، و أمر الناس بترك النظر و البحث والجدال، و ترك ما كانوا عليه في أيّام الخلفاء الثلاث : المأمون و المعتصم والواثق، وأمر شيخ المحدِّثين بالتحديث و إظهار السنّة(1). من قراءة كتاب المحنة موضوع الدراسة أنَّ أحمد بن حنبل بقي تحت المراقبة أيام المتوكل .

قال اليعقوبي : « نـهى المتوكِّل النّاس عن الكلام في القرآن ـ أي منع القول بخلق القرآن ـ، و أطلق من كان في السّجون من أهل البلدان، ومن أخذ في خلافة الواثق، فخلاّهم جميعاً و كساهم  وكتب إلى الآفاق كتباً ينهي عن المناظرة و الجدل » (2).

هذه هي الضّربة الأُولى الّتي وجّهها المتوكِّل إلى المعتزلة، وأقفل باب البحث والمناظرة الّذي كان لصالح المعتزلة ضدِّ الحشوية من أهل الحديث، حيث كان المعتزلة يتفوّقون على خصومهم في مجال النِّقاش . ومع ذلك كلّه لم يشكل ذلك ضربة قاضية لفكر الاعتزال، ولأجل ذلك لم يعزل المتوكل أحمد بن دؤاد عن قضاء القضاة ولا عن مظالم العسكر، بل أبقاه في منصبه إلى أن عجز عن القيام بالعمل لإصابته بالفالج عام 233 هـ، و اختار بعده ولده محمّد بن أحمد .

يقول الخطيب : « فلمّا فلج أحمد بن أبي دؤاد في جمادى الآخرة سنة 233 ولّى المتوكِّل ابنه محمّد بن أحمد أبا الوليد القضاء و مظالم العسكر مكان أبيه »(3). تاريخ فلج ابن أبي دؤاد وإنه 233هـ عليه تـحفظ فقد جاء في البداية والنهاية في أحداث سنة 237 ما يلي : وفي صفر منها غضب المتوكل على ابن أبي دؤاد القاضي المعتزلي وكان على المظالم فعزله منها، فهل كان مفلوجا ومتوليا القضاء ؟ يظهر وجود خطأ في قول الخطيب .

ويقول مؤرخو الفرق القول المزعوم التالي : من المعلوم أن أحمد بن أبي دؤاد هو العامل المؤثِّر في دعوة الخلفاء ؛ للوقوف ضدِّ أهل الحديث ؛ القائلين بقدم القرآن ؛ أو كونه غير مخلوق .

هذا القول مجاف للحقيقة : بيان ذلك إنَّ من الضروري التفريق بين قضيتين : القول بخلق القرآن، وهو قول قال به قائلوه في وقت يسبق المحنة بأكثر من قرن من الزمان، والمحنة بسبب عدم القول بخلق القرآن من 218-232هـ، ومن ناحية ثانية فأحمد بن أبي دؤاد لم يكن قاضيا للمأمون، ولم يثبت التاريخ أنَّه كان من دعاة الـمحنة، بل حاول تقديم الأعذار للقائلين بخلق القرآن، والمحنة ذات طابع سياسي وليس ذات مسار إيماني، فكانت اختبارا لأهل الحديث أصحاب الهوى الأموي، أي اختبارا لميولـهم السياسية .

يظهر من ابن الجوزي ـ في كتاب مناقب الإمام أحمد ـ أنّ المتوكِّل وجّه إلى المعتزلة ضربة ثانية مؤثِّرة، إذ قام بإبعادهم عن ساحة المساجد والمدارس وأشخاص أهل الحديث ودعوتهم إليها . يقول : «في سنة 234 أشخص المتوكِّل الفقهاء و المحدِّثين، وأمرهم أن يجلسوا للنّاس و أن يحدِّثوا بالأحاديث فيها الردّ على المعتزلة والجهميّة، وأن يحدِّثوا في الرّؤية، فجلس عثمان بن أبي شيبة في مدينة المنصور، ووضع له منبر، و اجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً من الناس، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة و اجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً»(4).

والتّاريخ يعرب عن شدّة تفاقم أمر الشدة على المعتزلة سنة بعد سنة، وانجذاب المتوكِّل إلى أهل الحديث، وتخطئة عمل أخيه الواثق، حيث إنّ أباه قتل بسيفه أحمد بن نصر لأجل قوله بعدم خلق القرآن وصلبه، و ظلت جثّته باقية على الصّليب إلى عام 237 هـ، ولكنّ المتوكِّل أمر بإنزال جثّته وهو عمل في ظاهره تخطئة لعمل أبيه أوّلاً، وإمضاء لمنهج أهل الحديث ثانياً .

يقول الطبري : « وقد كان المتوكِّل لمّا أفضت إليه الخلافة، نـهى عن الجدال في القرآن وغيره، ونفذت كتبه بذلك إلى الآفاق، وهمّ بإنزال أحمد بن نصر عن خشبته، فاجتمع الغوغاء و الرّعاع إلى موضع تلك الخشبة، و كثروا و تكلّموا، فبلغ ذلك المتوكّل، فوجّه إليهم نصر بن اللّيث، فأخذ منهم نحواً من عشرين رجلاً فضربـهم و حبسهم، وترك إنزال جثّة أحمد بن نصر من خشبته لما بلغه من تكثير العامّة في أمره، وبقي الّذين أُخِذوا بسببه في الحبس حيناً … فلمّا دفع بدنه إلى أوليائه في الوقت الّذي ذكرت، حمله ابن أخيه موسى إلى (بغداد) وغسل ودفن و ضمّ رأسه إلى بدنه»(5).

ومع ذلك لم يكتف في قطع جذور المعتزلة عن بلاطه، و صار بصدد الانتقام من آل ابن أبي دؤاد، وفي ذلك يقول الطبري : «وفي سنة 237 غضب المتوكِّل على ابن أبي دؤاد، و أمر بالتّوكيل على ضياع أحمد بن أبي دؤاد لخمس بقين من صفر، وحبس يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الأوّل ابنه أبا الوليد محمّد بن أحمد بن أبي دؤاد في ديوان الخراج وحبس إخوته عند عبيد الله بن السريّ خليفة صاحب الشرطة»(6).

والظّاهر من كلام الخطيب في تاريخه أنّ عزل محمّد بن أحمد كان يوم الأربعاء بعشر بقين من صفر سنة 240هـ وصوُدرت أمواله، ومات أبو الوليد محمّد بن أحمد ببغداد في ذي القعدة سنة 240 ومات أبوه أحمد بعده بعشرين يوماً (7).

ثمّ إنّ إبعاد المعتزلة عن ساحة النفوذ والقدرة، فَسَحَ للسواد إظهار الحقد على المعتزلة خدمة للظالمين من السلاطين، لقد شحن أهل الحديث بالافتراء والكذب السواد على المعتزلة، ولذا كان السواد ولا زال يظهر إبداء كامل الغيظ في مناسبات شتّى منها : ما مرَّ عند إنزال جثّة أحمد بن نصر، ومنها ما فعلوه في تشييع جنازة أحمد بن حنبل، فقد شيّعه جماعة كثيرة و إن غالى ابن الجوزي ـ كما هو شأنه ـ في حقِّ إمامه، رغم أنَّ ابن الجوزي فيه تنزيه لذات الله عن أقوال المجسمة من الحنابلة،  وقال : « وعن بعض الشهود أنّه مكث طول الأسبوع رجاء أن يصل إلى القبر فلم يتمكّن إلاّ بشقِّ النّفس لكثرة ازدحام النّاس عليه »(8). وأخذ الشعراء يهجون المعتزلة. يقول شاعرهم :

أفـلت سعود نجومـك ابن دؤاد و بدتْ نحوسك في جميع إياد

فرحت بـمصرعك البـريّة كلّها من كـان منهـا موقناً بمعاد

كم من كريـمة معشر أرمـلتَها و مـحدِّث  أوثقتَ بالأقيادِ

كـم مـجلس للهقد عطّلتَه كيلا يـحدّث  فيه بالإسناد
كم من مساجد قد منعتَ قضاتها من أن يعـدّل شاهـد برشاد

كم من مصابيح لـها أطفأتـها  كيما تزلّ عن الطّريق الهادي(9)

وأخذ أهل الحديث يجلسون في المساجد، و يروون الأحاديث ضدّ الاعتزال، ويعلنون بوقاحة كفر المعتزلة . سأل أحدهم أحمد بن حنبل عمّن يقول : إنّ القرآن مخلوق، فقال : كافر. قال : فابن دؤاد ؟ قال كافر بالله العظيم(10).

عند ذلك شعرت المعتزلة بأنّ الظّروف قاسية، و أنّ السّلطة والأكثريّة الساحقة من أهل الأثر  يريدون أن يقضوا عليهم، و يشفوا غيظ صدورهم منهم، ومع ذلك كلّه كانت عندهم طاقة يردّون بـها عن أنفسهم التهم الّتي رشقوا بـها ظلما وعدوانا ، و يتمسّكون بكلِّ قوتـهم الفكرية لرد السهام إلى كبد مطلقيها، فلم تلن لهم قناة أمام شراسة الهجمة . فقام الجاحظ أحد أُدباء المعتزلة وعلمائها فألّف كتاباً باسم «فضيلة المعتزلة»، فأثنى عليهم، و عدّ فضائلهم، وكان الكتاب من حيث الصياغة والتعبير بمكان، فتوجّهت إليه أبصار الخاصة والعامّة، و بالتّالي ظهر عليه ردّ كما فعل ابن الرواندي  الملحد، أو تسجيل الأكاذيب ونشرها من أنـهم قطعوا حجة المعتزلة : مثل القصة التي مرت، وقد سجلت كتب التراث العديد منها، أشهر الردود على المعتزلة ما كتبه أحمد بن يحيى الراوندي (ت 298هـ) الّذي كان من المعتزلة، ثمّ رجع عنهم فألّف كتابه «فضيحة المعتزلة»، ومع معرفة أهل الحديث والأشاعرة أنَّ ابن الريواندي ملحد، مع هذا فقد اعتمدوا مقالاته في نقد المعتزلة والرد عليهم، ولم يبرح زمان حتّى جاء أبو الحسين عبد الرحيم بن محمّد بن عثمان الخيّاط (ت بعد 300هـ) فألّف «الانتصار»، انتصر فيه للجاحظ على ابن الراوندي، والموجود من هذه الكتب الثّلاثة هو الأخير، وقد جرى إعادة بناء كتاب ابن الريواندي من قبل الدكتور عبد الأمير الأعسم.

إنّ ممّا أعان على انقراضهم بالدرجة الأولى هي : السياسة التي رسمت من قبل القادر باسم الوثيقة القادرية، والتي قررت التصفية الجسدية للمعتزلة، ومورست فعلا من قبل الجند والعامة، ويعيد بعض الباحثين الانقراض إلى دواع أخرى منها مثلا تشتّت مذاهبهم و فرقهم، فإنّ القوم تفرّقوا إلى مدرستين : مدرسة معتزلة بغداد، و مدرسة معتزلة البصرة، ولم يكن حتّى في داخل كلِّ مدرسة  منهما وحدة في التّفكير، وهذا القول لا يدل على فهم واقع المعتزلة، فالمعتزلة متفقة تماما على حجج الله على خلقه وعلى الأصول الخمسة، والزعم بأنـهم صاروا فرقاً تنوف على العشرين فرقة، قول من لا يعلم ما هي المعتزلة، فهم منهج يمارس الإنشاء والارتقاء بالأفكار، وما اعترضهم من صعوبات لم يكن بسبب نمو الفكر عندهم، بل سببها أنَّ أصولهم هي أصول سياسية، تقف في وجه الظلمة، فتحالفت قوة السلطة وانتهازية علماء الأشاعرة ومجموعة أهل الأثر وعسكر العجم ضد المعتزلة، فالمعتزلة لم تبلغ ـ بسبب دعوتـها لفتح باب الاجتهاد في المعرفة، وفي أحكام النوازل ـ أي درجة من الضّعف والانحلال، ولهذا  كان ينجم بينهم رجال مفكّرون كأبي عليّ الجبائي (ت303هـ) و ولده أبي هاشم (ت321 هـ)والقاضي عبد الجبار بن أحمد (ت415 هـ ).

لقد تلقت المعتزلة ضّربات عنيفة متتالية أثناء مسارها، فقد انتقل مفهوم الشيعة مثلا من معناه، وهو تأييد أمام الحق ضد القاسطين، إلى تشكيل مفاهيم غير مفاهيم العدل والتوحيد من قبل جعفر الصادق رفضا لزيد بن علي ثم للنفس الزكية واخوته، وهي مفاهيم تدعو إلى القعود والانتظار بدل الخروج، حتى الزيدية وهم معتزلة على الحقيقة منذ ثورة زيد، فالزيدية لم تكن تدل على فكر غير فكر التوحيد والعدل [المعتزلة]، ولا تدل على إمامة منصوص عليها، فاخترعت النص غير الجلي، وبـهذا التفسير صارت الزيدية تطلب الحكم، وليس حركة صلاح للحكم، والفرق بين المطلبين كبير، وإذ هَدَفَ أبو علي الجبائي إلى العمل الحقيقي [لِ] لم الصدع بين الشيعة والمعتزلة مرة ثانية، مستغلا ضعف الدولة العباسية، معلنا أفضلية الإمام علي ـ مع أنَّه بصري المدرسة ـ على غيره من الصحابة عله يتألف قلب الشيعة، أدركت الدولة العباسية خطر أبي علي في توجهه هذا، عمدت إلى وجود انقلاب من داخل المعتزلة، فتشكلت حركة خطيرة من جانب أبي الحسن الأشعريّ الّذي كان ربيب أبي عليّ الجبّائي و تلميذه، وإعلان رجوعه عن الاعتزال بالتحاقه بأهل الحديث بطريقة درامية، فقد رقى في البصرة يوم الجمعة كرسيّاً و نادى بأعلى صوته : «من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا اعرّفه بنفسي أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأنّ الله لا تراه الأبصار، وأنّ أفعال الشّرّ أنا أفعلها، و أنا تائب مقلع، معتقد للردّ على المعتزلة، مخرج لفضائحهم ومعايبهم»(11).

قد كان لرجوع من كان من أكابر تلاميذ أبي عليّ الجبّائي أثر بارز في النّفوس، وبذلك أخذ الدهر يقلب عليهم ظهر المجنّ، تقلّب لجّة البحر بالسفن المشحونة والفلك المصنوعة، ببالغ إلى ساحل النّجاة و هالك في أمواج الدّهر . وينظم من وصفوا أنفسهم بأنـهم أهل السنة والجماعة تدليسا الصفوف، لا للوقوف في وجه الكفر والإلحاد والتحريف والظلم، بل للوقوف في وجه المعتزلة بالتعاون مع السلطة وأهل الحديث، تساندهم الشيعة والخوارج بكل فرقها حسدا للمعتزلة .

تلك هي الضربات التي فككت كتلة المعتزلة، ولكن الضربات لم تفكك أفكارها، فلا تستطيع فرقة مهما كانت، أنْ تدعي أنـها لم تأخذ من المعتزلة، فما من فرقة إلاَّ وقد تبنت فكرا من فكر المعتزلة، توجهت الضربات للمعتزلة من اتجاهين : الشيعة وخاصة الإمامية، والسلطة والأشاعرة وأهل الحديث، لم يواجهوا المعتزلة بجدل الأفكار، بل بسلسلة من الأكاذيب ترفع رجالهم علما وسلوكا وتـهبط بخصومهم علما وسلوكا، قال الله تعالى في حالهم : (( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ )) (المطففين:1-6)

ويتهيأ المسرح للإجهاز على المعتزلة، فهذا هو القادر بالله ـ أحد خلفاء العبّاسيين ـ قام في سنة (408هـ) بإصدار الوثيقة القادرية . يقول الحافظ ابن كثير : «وفي سنة(408هـ)، استتاب القادر بالله الخليفة فقهاء المعتزلة فأظهروا الرّجوع و تبرّأوا من الاعتزال و الرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذت خطوطهم بذلك و أنّهم متى خالفوا أحلّ فيهم من النّكال والعقوبة ما يتّعظ به أمثالهم، وامتثل محمود بن سبكتكين أمر أمير المؤمنين في ذلك واستنّ بسنّته في أعماله الّتي استخلفه عليها من بلاد خراسان و غيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيليّة والقرامطة والجهميّة والمشبّهة و صلبهم و حبسهم و نفاهم وأمر بلعنهم على المنابر وأبعد جميع طوائف أهل البدع و نفاهم عن ديارهم وصار ذلك سنّة في الإسلام» (12).

قال الخطيب : « وصنّف القادر بالله كتاباً في الأُصول : ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، و أورد في كتابه فضائل عمر بن عبدالعزيز، و إكفار المعتزلة و القائلين بخلق القرآن، وكان الكتاب يقرأ كلّ جمعة ـ في حلقة أصحاب الحديث ـ بجامع المهدي  و يحضر النّاس سماعه »(13).

وهذا الكتاب هو المعروف « بالبيان القادري »، وصار هذا الكتاب محوراً لتمييز الحقِّ عن الباطل و الصّحيح عن الزّائف .

وقال ابن الجزري في حوادث سنة (420هـ) : « ولمّا ملك محمود بن سبكتكين الريّ.. نفى المعتزلة إلى خراسان، و أحرق كتب الفلسفة، ومذاهب الاعتزال، والنّجوم، و أخذ من الكتب ما سوى ذلك مائة حمل »(14).

وقال ابن كثير في حوادث سنة (456هـ) ناقلاً عن ابن الجوزي : « وفي يوم الجمعة ثاني عشر شعبان هجم قوم  ـ من أصحاب عبد الصمد ـ على أبي عليّ بن الوليد ؛ المدرس للمعتزلة فسبّوه وشتموه لامتناعه من الصلاة في الجامع، و تدريسه للنّاس بـهذا المذهب و أهانوه و جرّوه ولعنت المعتزلة في جامع المنصور و جلس أبو سعيد بن أبي عمامة وجعل يلعن المعتزلة »(15).

وقال في حوادث سنة (477هـ) : « إنّ أبا عليّ بن الوليد شيخ المعتزلة كان مدرّساً لهم فأنكر أهل السنّة عليه فلزم بيته خمسين سنة إلى أن توفّي في ذي الحجّة منها.

ويقول أيضاً في حوادث (461هـ): « وفيها نقمت الحنابلة على الشيخ أبي الوفاء عليّ بن عقيل وهو من كبرائهم بتردّده إلى أبي عليّ بن الوليد المتكلّم المعتزلي واتّهموه بالاعتزال »(16).

ويقول في حوادث سنة (465هـ) : « وفي يوم الخميس حادي عشر المحرّم حضر إلى الديوان أبو الوفاء عليّ بن محمّد بن عقيل العقيلي الحنبلي، وقد كتب على نفسه كتاباً يتضمّن توبته من الاعتزال»(17).

وبذلك تحقّق في التّاريخ سيطرة من يسمى أهل الأثر والسنّة بتأييد واضح من السلطة، لتوجيه الضربات القاتلة للمعتزلة، يسوقهم غضب لا يحده المدى، ولا ينضبط بمعيار حق، بل معيارهم الكذب والباطل، والاختلاق لقصص سيئة ضد شيوخ الاعتزال، وتوجيه الأنظار من سلطان امتحنهم إلى فكر آخر لا يوافق هواهم ، حجتهم وهي حجة داحضة هي تولي المعتزلة اضهادهم، وأخذت الطّائفتان، الحنابلة ـ تؤيدهم السلطة والأشاعرة ـ أمَّا المعتزلة ـ فلا يؤيدهم إلاَّ قوة الفكر يتصارعان و يقتتلان قتال موت أو حياة، فصار الانتصار لأصحاب الحديث، والهلاك والاضطهاد للمعتزلة، فلم يظهر بعد هذه القرون إلاّ آحاد من المعتزلة ينجمون في الفينة بعد الفينة، والفترة بعد الفترة، لا تجد لهم ذكراً بارزاً في ثنايا التاريخ، ومنذ بداية القرن السابع صار يسمع عنهم فقط .

إنّ تكامل الأُمم و بلوغها الذّروة من العظمة، ثمّ انحدارها إلى هاوية الضعف والانحلال سنّة اجتماعية، متعلقة بسلوك المجتمع نفسه، حدثت في تاريخ جميع الأُمم والفرق، فلم يكن ارتقاء المعتزلة بلا سبب، كما أنّه لم يكن ضعفهم بلا علّة . فيجب على الباحث المتأمِّل في ثنايا القضايا التّاريخية تحليل هذه الظاهرة تحليلاً فكريا علميّاً يوافق الأُصول المسلّمة في تحليل هذه المباحث .

لم تخرج المعتزلة من الساحة السياسيّة فحسب، بل أخرجوا من الساحة الفكريّة، فتمت الكارثة الكبرى لهذه الأمة الخيرة، إذ وقفت المعرفة، فلا تسمع بعد أبي هاشم الجبائي (ت321هـ) في القرن الرابع، وبعد القاضي عبد الجبّار (ت 415هـ) في القرن الخامس، مفكّراً قويّاً في المسائل الكلاميّة، يوازي المتقدّمين منهم مثل أبي الـهذيل العلاّف، والنّظام . بل أكثر ما قام به المتأخّرون بعد القاضي لا يتجاوز عن تبيين  المنهج و توضيح صياغته من دون تأسيس قاعدة أو أصل في المجالات الكلاميّة.

ينطبق انحسار فكر المعتزلة على مساحة واسعة من أقطار العالم الإسلامي المترامي الأطراف ولكن اليمن دون غيرها احتضنت فكر المعتزلة في عهد الإمام أحمد بن سليمان فقد وصلت إليها كتب المعتزلة عن طريق : زيد بن الحسن بن علي البيهقي أبو الحسن البروقني  أو عن طريق القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام بن أبي يحيى التميمي البهلولي الأبناوي ولولا هذا الاحتضان لضاع تراث المعتزلة كليا، وهذا الاحتضان كان شكليا يتقوون به داخليا ولا يحملونه دعوة للمسلمين .

ويبقى السؤال الكبير لماذا اندثرت المعتزلة ؟ هل كان سقوطهم يعود لسبب واحد، هل يستند انحلالهم إلى أسباب متعدّدة ؟ أدى مجموعها بـهم إلى الهلاك والدمار والانقراض إلاّ في نقاط خاصّة كاليمن و غيرها .

إليك أيها القارئ بيان الأُمور الّتي سبّبت خروجهم من حياة المسلمين الفكرية والسياسية :

1- قام مذهب السنّة [ التعامل مع الاسم كما أطلق وليس الإقرار بأنـهم أهل السنة أو مذهب السنة ] بـمفهومه الحقيقي، على دعوى عدالة الصحابة أجمعين وإجلالهم، يستوي في ذلك السابقين والطلقاء، بل على تعديل السلف من التّابعين وتابعي التّابعين في الأقوال والأفعال، فهؤلاء عند أهل السنّة عمدة المذهب، قام عليها صرح منهج أهل السنة . وجرح واحد من الصّحابة أو ترك قوله، إخلال في الأساس، وهذا  ما لا يقبله المذهب بتاتاً . فلأجل ذلك ترى أنّ أهل السنّة، يقدِّسون السلف و يكسونـهم حلية العدالة ؛ الّتي لا تقلُّ عن العصمة عند الشيعة لأئمتهم، ورغم دعوى عدم المطابقة عند الفريقين : عدالة الصحابة عند أهل السنة مع عصمة النبي، ومع أنَّ الشيعة تدعى تميز النبي عن أئمتهم، إلاَّ إنَّ كلا الفريقين يجعلون النبي تابعا، هو تابع للسلف عند أهل السنة، وهو تابع للمعصومين عند الشيعة ـ من ناحية عملية ـ وإذ تصدت المعتزلة للقولين، رافضة مفهوم العدالة كما هو عند أهل السنة، ورافضة لوجود أئمة معصومين منصوص عليهم عند الشيعة، دخل المعتزلة خصما فكريا للفريقين، فرغم اختلاف الفريقين واقتتالهم إلاَّ أنـهم في محل اتفاق للتشويش على المعتزلة والكذب عليهم، والكذب لصالح من يتبعونه من علمائهم، ويكشف هذا الكتاب نظرتـهم لابن حنبل، وما فيها من مبالغات، وتلك هي مشكلة المعتزلة التصدي للباطل كيف كان، وأين ما كان، يدورون مع الحق حيث يدور بـهم الحق، مذهبان غلا كل منهم في اتجاهه، فلم يرفق بـهم المعتزلة، فتحالفا عمليا ضد المعتزلة . ذلك سبب رئيسي لاندثار المعتزلة . فالمعتزلة رفضت مقال الفرقتين في حق من يتبعوه  .

في اتباع كل فريق من الفريقين صفوة، جُعلت محل القدوة بدلا عن الدليل ؛ الذي به يعرف الحق من الباطل، ومع أنّ كثيراً من المفكِّرين منهم يتلون كتاب الله الصّريح في التنديد بمن يخالف الأدلة والحجة والبرهان . جعل أهل السنة مقياس الحق قول أي فرد من الصحابة، ومدلول  الصحابة عندهم يشمل الطلقاء من ناحية، والثانية هي تحكيم الصحابة في النص الكتاب والسنة، بل تحكيم علمائهم، والشيعة الإمامية صار الحكم على القرآن والسنة والعقل هو قول المعصومين المعدودين بأنـهم اثنا عشرَ إمام، غاب الثاني عشر غيبة كبرى بعد الصغرى، فأعلنوا تكفير الصحابة، و يلجأ الشيعة إلى الصحاح والمسانيد عند أهل السنة ويجعلونـها ناطقة صّريحا في ارتداد الكثير من كبار الصحابة بعد وفاة النّبي (ص) ويقلبون للتاريخ ظهر المِجنّ، فيشاهد الشيعة أخطاء يسمونـها موبقات بعض الصحابة وخداعهم و ضلالهم، ويعتذرون لكل خطأ يقع من المعصومين، فلا ينبسون فيهم ببنت شفة، بل يخترعون أقوالا شنيعة ينسبونـها للمعصومين مثل معرفتهم الغيب وأنـهم أفضل من الأنبياء، وهكذا انشغل المسلمون بصراع الأكاذيب الفضائل والمخترعات، ويصل الصراع إلى حد الاقتتال، ويستفيد الظلمة من هذا الاقتتال، ويسندون أهل السنة على الشيعة مع أنَّ الشيعة الإمامية أعلنت القعود مبكرا وانحسر فكران تغييريان ـ رغم نقص في شروط التغيير هي جعل التغيير حالة مذهبية ـ في الركن الجنوبي من جزيرة العرب اليمن وعمان دون أي أثر، هذا المسار التاريخي معناه خروج الأمة مبكرا من صناعة التاريخ ينتظرون المهدي المنتظر كل على الوصف الذي فصله ليوافق هواه .

من جانب آخر : إنّ المعتزلة كانوا منتمين للدليل وليس لسلف أو معصوم، ولهذا يعطون للعقل قسطاً أوفر و يقدِّمونه على غيره من الأدلة فالعقل أول الأدلة ويدرك العقل الحسن والقبح، فالنّصوص عن النبي الواردة في الصِّحاح والمسانيد وعن الصحابة والتابعين، والّتي يرويها المحدِّثون من أهل السنّة تركِّز على التجسيم والرؤية والتشبيه والجبر وسلب الاختيار عن الإنسان، وصار الوصف لمن هو من أهل السنة ـ هو في كونه يقبل  تكريم هذه الأحاديث وعدم الخروج عن خطوطها، والمعتزلة مع الانتماء للنص كدليل بعد العقل، واجهوا هذه النّصوص بشدّة و قسوة، فأخذوا يردّونـها و يضربونـها عرض الجدار، إذ يراها المعتزلة هادمة لأصول الإسلام، وهذان لا يجتمعان .

من هذه الرؤية الصحيحة للمعتزلة حدثت إشكاليتها مع الفرقة التي وصفت نفسها بأنـها منهج أهل السنّة، وأساس المنهج أنه لا ينفكّ عن اقتفاء هذه الآثار و عدم التخطّي عنها، والقيام بنقد  هذه النّصوص وردها يعني في نظرهم محو لمذهب السنّة وهدم لأُسسه، وإذ يتعذر الإيمان بالتوحيد والعدل مع قبول هذه النصوص، حدث الصراع بين منهجين : منهج الاستدلال بالأدلة، ومنهج الاستدلال بالآثار، منهجان لا يجتمعان . وإذ أعوزت الحجة منهج أهل الأثر، تحولت المعركة إلى صراع مزعوم هو العقل والنقل،  فاللازم الضروري حتى يُستدل بالنقل، أن يكون العقل قد شهد للنقل بأنه خبر الصادق، وليس خبر الثقات، وخبر الثقات على زعم من وصفهم بالثقات لا يجوز أن يتعارض مع العقل إذ هو الحجة الأساسية .

يقول السلفيون : والقول الحقّ أنّ التسنّن بالمعنى الصحيح هو : ما كان عليه أحمد بن حنبل وأشياعه من الجمود على ظواهر النصوص، والأخذ في الصفات الخبريّة بالمعنى الحرفي، و رفض العقل والبرهان والدليل في مجالي العقائد والأحكام، وترك التفكير والتعقّل في المعارف، وما هو أشد نكاية من ذلك هو نقل كلام من كلام اليهود والنصارى وجعله نصا قاله رسول الله (ص) بتزوير سند له أو استعارته منهم ثم إدعاء أن رسول الله (ص) قائله . وهذا هو الخطّ السنّي الحقيقيّ، الّذي عليه وهّابية اليوم في نجد والحجاز، وعلى هذا المنهج أيضا من قال عن نفسه : إنَّه سلفي في البلاد الإسلامية الأخرى، فمن أراد الانتماء إلى هذا المذهب، يجب أن يسلك هذا الطريق و يترك التفكّر والاستدلال والبرهنة في جميع هذه المجالات، ولا يمكن  الجمع بينهما ومن فعل ذلك فقد جمع بين الضدّين والنقيضين، تلك هي المعركة التي احتدمت بين الـمحدثين والمعتزلة، وهي احتدمت قبل وجود المحنة، وقبل ظهور أحمد في الصورة الدرامية التي أسبغت عليه، ليكون وحده في دائرة الضوء، ومباشرة التعتيم على المقتولين بسبب السير في هذا الدرب، فما الباعث على تمييز أحمد ؟ وغمط حق من كانوا أكثر قوة وأشد صلابة منه في الموقف ؟ .

حاول الشيخ أبو الحسن الأشعريّ ـ بعد إعلان توبته أن يتزلف ويلتحق بالحنابلة، وحاول إثبات عقائد أهل الحديث بالبرهنة والدليل مستعملا منهج علم الكلام الذي تتلمذ فيه على المعتزلة، قابله إنكار شديد من قبل الحنابلة، ولأجل ذلك لم يترجموه في طبقاتـهم، ولا عدّوه من أنفسهم، فشيخ الحنابلة في زمن ردة الأشعري عن الحق « البر بـهاري » ورئيس حنابلة بغداد استنكر طريقته ورفضه رفضا تاما، ووصفه بأنّه يتجاوز في طرح الأُصول والعقائد النّصوص ويدخل في باب الدليل والبرهان، وقد صار ذلك سبباً لحدوث مخاصمة شديدة بين الحنابلة والأشاعرة على مدى القرون، ولا زالت دائرة رحاها إلى اليوم بين السلفية والأشعرية الأحباش، وإلى هذا الصراع ينتمي صراع بن تيميه مع خصومه من الأشعرية، وينتمي كذلك رد علي بن عبد الكافي المشهور بالتقي السبكي ت756 هـ على نونية ابن القيم، وسلفية اليوم ينظرون إلى النونية على أنـها فوق القرآن من ناحية واقعية وليس من ناحية نظرية .

قابلَ الحنابلة محاولة تقرب الأشاعرة منهم بالرفض البات،  ذلكّ أنّ خطّ الحنابلة هو خطّ الرواية عن التّابعين والصحابة، والاقتفاء بـهم دون أن يقيموا للعقل وزناً، وهذا على طرف النقيض من كتب  الأشعري (سوى الإبانة) ـ و هو كتاب يجري الشك في نسبته للأشعري ـ وكتب أئمّة الأشاعرة مشحونة بالاستدلال العقليّ على العقائد، مع لي عنق الدليل العقلي لصالح آراء أهل الحديث ليثبت الأشاعرة أنـهم في حالة خلاف مع شيوخهم من المعتزلة .

الشيعة الإمامية تصنف المعتزلة بأنـهم من جماعة أهل السنة، والمعتزلة لم تدع ذلك القول مرة واحدة، تصنيف الشيعة يقوم على أنَّ كل من رفض النص في تعيين الأئمة، والعصمة لهم، والغيبة الكبرى والصغرى للمنتظر، فإنه من جماعة أهل السنة، وفي ضوء ذلك يمكن تفسير موقف الشيعة من المعتزلة ـ وهو مناصبتهم العداء ـ مع إنَّ الإمامية أيضا عالة على المعتزلة، والإمامية في العصر الحديث بعد نظرية ولاية الفقيه أخذت تتقرب بطريقة انتهازية من الأشاعرة، علهم يكونوا في  المجتمع السنّي موضع الرقعة من اللّباس، وفي محاضرات السبحاني في الأردن ما يكشف ذلك، ومحاولة إظهار عدم وجود فوارق مع الأشاعرة في المؤتمرات لن يجعلهم في محل القبول من الأشاعرة، فأهل السنّة لا يقبلونـهم، وهذا وحده يكفي في سقوطهم من أعين العامّة و أوساط الناس .

2 - كان لأصحاب الحديث ـ بما أنّهم حفظة السنّة و علماء الدين ـ نفاذ عجيب في نفوس العامّة و كان ذلك كافياً في إثارة سخطهم على المعتزلة، ورغم خروج المعتزلة من الحياة الفكرية والسياسية والوجود الواقعي، إلاَّ  إنَّهم ما زالوا يذكرونـهم على صهوات المنابر وأندية الوعظ والإرشاد ويصفون المعتزلة بالإلحاد ورفض السنّة و مخالفة الدين، ولم تكن الوقيعة فيهم منحصرة بيوم أو شهر أو سنة، بل امتدّت طوال قرون في العواصم الإسلاميّة، بل ولا تزال حتى هذه اللحظة، وبـهذا أمكن تكوين ذاكرة جماعية ضد  المعتزلة عند الناس، حتّى أيقن بسطاء الأُمّة بل علماؤهم بأنّ الاعتزال خروج على الدّين باسم الدّين، ومحو للسنّة باسم البرهنة بالعقل . وكفى هذا في إبعاد المعتزلة عن ساحة المجتمع و إسقاطهم من أعين النّاس والهجوم عليهم والجناية على أرواحهم وعلى أموالهم إذا أتيحت للنّاس الفرصة، و وافقت عليه السّلطة الحاكمة . ومن يطلقون على أنفسهم بأنـهم المفكرون اليوم، لم تكن حالهم بأحسن من بسطاء الناس، فلا زالوا يتهمون المعتزلة بالتأثر بمقالات الفلسفة اليونانية، واستعمال المنطق في برهنة القضايا، ولا يوجد بينهم من قرأ مناظرة السيرافي ليونس بن متى في رفض المنطق، أو كتاب جدلية الـمحنة لفهمي جدعان فقد رفض جدعان من خلال دراسة قيمة مسؤولية المعتزلة عن أحداث الـمحنة .

3 - إنّ المعتزلة ـ وإذ يدورون مع الحق لا تأخذهم في الله لومة لائم ـ كانوا يتبنّون عقائد تخدش عواطف العامّة بخلاف أهل الحديث، فقد كان أهل الحديث يتبنّون ما يوافق أفكار السلاطين من جهة، ويرضي العامة و مصالحهم في الدّنيا و الآخرة، فأهل الحديث مثلا كانوا يدّعون بأنّ شفاعة الشّافعين تعمّ العادل والفاسق، و أنّ رسول الله ادّخرها للمذنبين من أُمّته، و مثل هذا يوجب التفاف عامّة الناس حول رايتهم، وهذا بخلاف ما يتبنّاه المعتزلة، فإنّهم يقولون : بأنّ الشفاعة لا تشمل إلاّ الصالحين من الأُمّة،  والغرض منها رفع الدّرجة لامحو الذّنوب قال تعالى : (( فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ )) (المدثر:48) . فأىُّ العقيدتين أولى بأن تتّبع عند عامّة النّاس ؟

إنّ أهل الحديث يقولون : بأنّ الخلود في النّار يختصّ بالكافر، والمؤمن وإن كان فاسقاً لا يخلّد، و إن مات بلا توبة وخرج من الحياة الدنيا على كبيرته مصرا عليها ومستمرا بـها .

وهذا بخلاف ما يقوله المعتزلة من خلود مرتكبي الكبائر في النّار إذا ماتوا بلا توبة . فكان لفكرة أهل الحديث جاذبيّة تضمّ العامّة إليهم، و هذا بخلاف ما تقوله المعتزلة . وهنا لا يد من تذكير العامة بـهذا المشهد يوم القيامة من حوار بين من سهل دخول الجنة ومن قبلوا التسهيل في قوله تعالى : (( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ )) (الصافات:27-29).

4 - إنّ نجم المعتزلة بدأ رحلة الأفول بعد الواثق عند ما تسنّم المتوكِّل منصّة الخلافة، فعند ذلك صارت السلطة الحكوميّة سيفاً مصلتاً فوق رقابـهم، و شبحاً مرعباً يلاحقهم، بعد مرور زمن الهدوء والهدنة معهم من 212-232هـ، ومن يزعم أن المعتزلة كانوا أهل السلطة، أو أن السلطة  كانت أداة طيّعة لهم، فإنه لم يقرأ التاريخ جيدا، وإذ سواد النّاس على دين ملوكهم وسلاطينهم، وهؤلاء السلاطين أرادوا ولاء العامة لهم أظهروا الغضب على المعتزلة على مرِّ الزمن، فصار ذلك سبباً لذبح المعتزلة تحت كلّ حجر و مدر، وقد استغلّ أهل الحديث والحنابلة غضب السّلطة على المعتزلة وقادوهم إلى الحدّ الّذي عرف القارئ من النكاية .

5 - إنّ المعتزلة قد اشتهروا بالقول بأن المكلفين يخلقون أفعالـهم، أي أنـهم ممكنون من الفعل والترك، إذ خلق الله الإنسان فاعلا باختياره التام، وهو مطلق الحريّة في أعماله، و دافعت المعتزلة عن قولها بقدرة الإنسان على الفعل والترك، ويرفضون أي صورة من صور الجبر، صورة استقلال الإنسان بفعله بناها المعتزلة على نظرية التكليف، والمعتزلة وإن كانت تقول بحرية الإنسان في الفعل إلاَّ أنـها ليست من دعاة الحريات بالمفهوم الغربي، ولذلك يقول المتأثرون بالفهم الغربي : " إن المعتزلة الذين كانوا يدافعون عن حريّة الإنسان و احترام العقل، وهذا لا يتوافق مع ما ارتكبوه في أيّام الخلفاء الثلاث، فناقضوا بذلك أنفسهم، و عارضوا تعاليمهم، و أظهروا أنّهم لا يقدرون العقل حقّ قدره، فإذا كانت الحريّة تفرض على المعتزلة أن يدينوا بخلق القرآن، فهذا بنفسه يفرض عليهم أن لا يسوقوا النّاس بالجبر والحبس والضّرب على الاعتراف بخلق القرآن، وغاية ما كان على المعتزلة تشكيل أندية الوعظ والإرشاد والجدال الصحيح، حتّى يتمّوا الحجّة على متحرّي الحقيقة، أخذاً بقوله سبحانه : (( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ )) (النحل:125) .

* ويضيفون لماذا الإصرار على تبديل السّرائر ؟ والحكم على الضمائر ؟ و فرض العقيدة ( الإيمان ) بالجبر والضّرب والحبس والامتحان ؟" .

والجواب على هذا القول، الذي يتناقله المتأثرون بمدونة التاريخ  وما تحمله الذاكرة الجماعية، دون إعادة قراءة لـمجريات الـمحنة، تخدعهم المقالات المزورة عن دور المعتزلة في مباشرة المحنة، فإن هذا الكتاب غايته فضح هذا التزوير، عبر قراءة حقيقية لموضوع الـمحنة، وللدكتور جدعان دراسة أخرى في الموضوع : يعلن من بدايتها أنه يسير عكس التيار أي يقوم بتبرئة المعتزلة من أفعال المحنة، في كتابه المحنة جدلية الديني والسياسي .

« إنّ الحركة الفكرية العلميّة الّتي بدأت تسير و تنتشر بيد المعتزلة وأخذت تلقى أنصاراً و أعواناً، لو تركت تسير في مجراها الطبيعي، لاستطاعت أن تقضي على روح التحريف والجمود والاستعارة من اليهودية والنصرانية وأساطير الأولين رغم قوّتـها و عنفها . ولكتب لـها الفوز والنجاح، (18) ولكنّ المعتزلة ـ وقد سقط واحد منهم فقط في فخ المحنة ـ ورغم محاولته تخفيف وقعها وخاصة في موضوع أحمد بن نصر الخزاعي كما يبين هذا الكتاب، فقد جعلهم أهل السلطة، وأهل الحديث، وعلماء السلاطين، متحملين المسؤولية التامة عنها .

إنَّ المشكلة ليست في الـمحنة، وإنما هي في قول المعتزلة بخلق القرآن، وهذا يعني بالضرورة الوصول إلى خلق الإنسان لفعله، فيسحب البساط من تحت أرجل الظلمة، ومن تحت أرجل أهل الحديث كاشفا بضاعتهم المزجاة، ومن تحت أرجل الحالمين بعودة العدل بظهور المهدي، كل هؤلاء تحالفوا على تشويه صورة المعتزلة ..

6- إنّ الدعاية التي صنعت في مطبخ العباسيين، بدأً من المتوكل إلى القادر والمقتدر ـ أي من 234هـ تاريخ رفع المحنة إلى القراءة الأخيرة للوثيقة القادرية سنة 433هـ، ومزاعم صمود أحمد بن حنبل في طريق عقيدته، أضفى عليه عند الأُمّة بطولةً في طريق حفظ السنّة، وجعل منه أُسطورة للدّفاع عن العقائد، و قبول الاضطهاد في طريق الدّين، ولمّا أفرج عنه التفّ النّاس حوله، واندفعوا يحاربون أعداءه و يكيدون لهم، ولم يبرح في الإجهاز على الدعاية ضدّ المعتزلة و إثارة النّاس عليهم .

7- إنّ الجمود وتقديس السلف أمران تأصّلا في نفوس العامّة، وتـحكّمت هذه الرؤية ولا زالت في كثير من العلماء، إذ كانوا لا يرغبون في مخالفة السلف قدر شعرة، وهذا أوجب انتصار أهل الحديث على أهل العقل والاستدلال، وكان عمل المعتزلة مثيراً لروح التعصّب فيهم، وزادت حدة البغضاء للمعتزلة بلا نزاهة ولا وازع من دين، وربما كانوا يتقرّبون في ضرب المعتزلة و شتمهم و قتلهم إلى الله تعالى حماية لدينه كما رسمته مخيلة أهل الحديث  .

8- و كان للشّيخ أبي الحسن الأشعري دور مؤثّر في تأليب العامّة وبعض الخاصّة على المعتزلة وعلى الخصوص المجموعة الانتهازية كالباقلاني، وإذ كان الأشعري معتزليّاً فإنه كان عارفاً بسلاح العقل وعلم الكلام . فقد رجع عن المعتزلة لأجل أنّه رأى الهوّة السحيقة بين أهل السنّة و أهل الاعتزال، فأراد أن يتّخذ طريقاً وسطاً بين المذهبين، ولكنّه بدلاً من أن يستعمل ذلك السِّلاح في نصرة الدّين قام بمقاومة الاعتزال قاصداً هدمه، ولم يفعل ذلك إلاّ مجاراة للرأي العامّ رأي الحنابلة، و طامعاً في كسب عطفهم و تأييدهم، وربما لقوة الخلفاء العباسيين دور في انحراف الأشعري عن المعتزلة، وبالتالي خضع المجتمع كله للقوى الخرافية الأسطورية إلى حدّ كبير، فأمضى كلّ ما كان عليه الحنابلة من مسألة القدر والرّؤية بحرفيتّها .

9- إنّ  جنوح السّلطة إلى أصحاب الحديث من عصر المتوكِّل إلى آخر العبّاسيّين، وتأييدهم أصحاب الحديث ضد المعتزلة دعاة العدل والتّوحيد، لم يكن خالياً عن الأهداف السياسيّة الّتي كانت لمصالح عروشهم وحكومتهم، لأنّ من مبادىء أهل الحديث وجوب طاعة السّلطان الجائر، و حرمة الخروج عليه، و وجوب الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر، إلى غير ذلك من الأحكام الّتي ذكرها إمام الحنابلة في عقيدة أهل الحديث، ومن المعلوم أنّ هذا هو ما تتوخّاه السّلطة، فإنّ  في ذلك دعماً لجورها و استبدادها .

وأين هذا من الدعوة إلى التفكّر، و القول بالعدل و وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و وجوب الخروج على السلطان الجائر، و نصب الإمام العادل، إلى غير ذلك من الأُصول الّتي كانت المعتزلة تتبنّاه لصالح الحق والرعية، ولم تكن لصالح الحكومة .

هذا و ذاك صار سبباً لرجوع السّلطة إلى أهل الحديث، ومناصرتـهم ضد المعتزلة، وما جرى أيام المحنة لم يكن من رجال المعتزلة فليس للمعتزلة فترة حكم في عهد العباسيين .

10- إنّ للّه سبحانه وتعالى  سنّة في الأقوام و الأُمم عبّر عنها في الكتاب العزيز بقوله : (( وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ )) (آل عمران: من الآية140) فكل أمة لا تأخذ بأسباب التقدم باستمرار فالسنة في التاريخ انـخفاضها، ولهذا لا تبقى أُمّة في ذروة العزِّ دائماً، ولا في حضيض الذلّ كذلك . ولتحقّق السنّة و تبلورها في المجتمع أسباب وعلل وهي كلها وإن انصبت على سبب اندحار المعتزلة . إلاَّ أنَّ اندحار المعتزلة حمل معه مسيرة أمة نحو الاندثار، ربّما يكون في الأسباب السابقة البعض من الأسباب في انخفاض الأمم .

11- الأمة الناهضة أو الأمة الحية هي تلك الأمة التي تقبض على أسباب النهضة، ونـهضة الأمة تقاس بطريقتها في التفكير، وطريقة التفكير تعني وجود قاعدة فكرية مفسرة للوجود في أبعاده الثلاثة : الله، الإنسان، الطبيعة، وبمقدار صدق التفكير يكون فعل النهضة، والأمة التي لا تـهتم بتفسير الوجود ـ بغض النظر عن صدق التفسير أو خطأه ـ لا تكون سائرة في طريق النهضة، وإنما تكون أمة تقعد على هامش الأمم الناهضة، وهذا ما يتجلى الآن في قسمة العالم إلى عوالم ثلاثة : عالم أول يملك كل شئ الولايات المتحدة وشركائها، وعالم ثالث لا يملك شئ، وهذه القسمة للعالم حدثت بعد زوال العالم الثاني، الذي كان قبل حوالي عقد من الزمان ينافس العالم الأول، وطريقة التفكير تؤدي إلى تحديد علاقات الحكم  بين الحاكم والرعية فتكون أساسا، وتكون القاعدة لإنتاج المعرفة النامية في استمرار في شقي المعرفة : فكر التنظيم، وعلوم التسخير، وتحس الأمة بمعنى كيانـها من حيث الإرادة والسيادة فتحميه من العدوان عليه في الداخل والخارج .

مراجع البحث التاريخي  :

1. مروج الذهب: ج 4، ص 1.2. تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 484 ـ 485.
3. تاريخ بغداد: ج 1، ص 298.
4. مناقب الإمام أحمد: ص 375 ـ 385.
5. تاريخ الطبري: ج 7، حوادث سنة 237، ص 368 ـ 369.
6. تاريخ الطبري: ج 7، حوادث سنة 237، ص 367 ـ 368.
7. تاريخ بغداد: ج 1، ص 298، ولاحظ الكامل لابن الاثير ج 5، حوادث سنة240، ص 294.
8. (8)مناقب الإمام أحمد: ص 418.
9. (9)تاريخ بغداد: ج 4، ص 155.
10. تاريخ بغداد: ج 3، ص 285.
11. فهرس ابن النديم، الفن الثالث من المقالة الخامسة ص 231، ووفيات الاعيان، ج 3، ص 275.
12. البداية والنهاية: ج12 ص6.
13. تاريخ بغداد: ج 4، ص 37 و 38.
14. الكامل: ج 7، حوادث سنة 420.
15. (15)البداية والنهاية: الجزء 12، ص 91.
16. (16) المصدر نفسه: ص 98 و 105.
17. (17) المصدر نفسه: ص 98 و 105.
18. المعتزلة لحسن زهدي جار الله: ص 252.بتصرف


(6)

مقدمة ضرورية

تثيرُ قضيةُ المحنةِ زوبعةً عاصفةً، فهي مستقرة في الذاكرة الجماعية للناس، على غير حقيقتها، عند الأكاديميين، وعند المتشرعين ( أصحاب القراءات الشرعية ) ـ أي الشيوخ ـ وعند الحركيين الإسلاميين، أي الأحزاب الإسلامية والدعوات الإسلامية، وعند العامة، { يقصد من عبارة الذاكرة الجماعية للناس ذاكرة ساحة ما يطلق عليهم أهل السنة والجماعة } وحتى دعاة التغريب، من ماركسيين، وقوميين، وليبراليين، وهم لم ينخرطوا في فهم التراث، بقيت ذاكرتـهم يأسرها التاريخ المدون ؛ الذي تحول من مقرو ء إلى ذاكرة أو وضع متخيل ومبني  على الوهم ، ومع أنَّ أحد الأكاديميين قد تصدى لها ؛ وهو الدكتور فهمي جدعان، في كتابه القيم ( المحنة جدلية الديني والسياسي ) معلنا منذ البداية، أنه يسير عكس التيار، مقررا تبرئة المعتزلة من صناعة أحداث المحنة، ولعدم قيام الأمة بالقراءة، بقي الرأي في المحنة دون تغيير، إذ لا يقرأ الأكاديمي إلا نفسه، ولا يرى في المرآة غير ذاته، أما المتشرع فلا يعرف إلا أقوال شيوخه وأئمته أمواتا وأحياء،  والحَرَكيُّ الإسلامي لا يتجاوز أقوال قادته، والعامة هي العامة في كل عصر ومصر، وأهل التغريب لا يعنيهم الاطلاع على التراث شيئا، من هنا بقيت صيحات طلب إعادة قراءة المحنة خارج الوعي العام، وظل الوعي العام يردد في كل مناسبة، أو بلا مناسبة أحيانا، من أن المعتزلة العدلية، دعاة حرية الفكر، اضطهدت الفكر، حين صار الأمر إليهم، في عهد المأمون والتاليَيْن له : المعتصم، والواثق، ولم تُرْفعْ المحنةُ إلا بانقلاب المتوكل على المعتزلة، مع أنَّ أحمد بن حنبل بقي تحت المراقبة طيلة بقية حياته .

تلك هي صورة وعي المحنة باختصار مكثف، والوعي العام على المحنة، هو محنة أحمد بن حنبل لا غير، واصفين ثبات ابن حنبل بصورة درامية ! مما يجعل الدعوة لإعادة وعيها أمرا عسيرا، وهم يجهلون كل الممتحنين ومختلف مواقفهم .

إنَّ الغاية من هذه القراءة هو الدعوة للمتشدقين، من زمر الأكادميين والمفكرين، والحركيين الإسلاميين وغيرهم، للعودة لقراءة الـمحنة من كتب التاريخ، وليس من المتخيل الموروث، وقد ارتكزت هذه القراءة على أقدم نص دُوِّنَ للمحنة، وهو نص معاصر لأحمد بن حنبل، دَوَّنَهُ تلميذُهُ وابن عمه حنبل بن اسحق بن حنبل وهنا تكمن أهمية النص .

قبل الدخول لنص المحنة المشار إليه، وهو نص المحنة كما دونه حنبل بن اسحق، اقتضت القراءة التمهيد بتدوين النص التاريخي لرسائل المأمون المرسلة من المأمون، وهو في الغزو ـ إذ كان غازيا لبلاد الروم ـ ومن مدينة طَرَطوس قام بإرسال رسائله هذه، أرسلها إلى نائبه ورئيس شرطته اسحق بن إبراهيم المصعبي، وإسحق هذا ليس من المعتـزلة العدلية يقيناً، وهو الذي قام بطلب المُمْتَحَنِين، وسؤالهم عن خلق القرآن، وحسب طلب المأمون دَوَّنَ إجاباتـهم، وأرسلها للمأمون ، الذي قام بقرائتها قراءة فاحصة، ليرسل لنائبه الرسالة الثانية، مدونا فيها مطالعاته على الرسالة الأولى، ومنهما يتبين أنَّ المحنة لم تكن من فعل المعتزلة، بل من فعل السلطة السياسية لأمرٍ بدا لـها .

واحدة من المشكلات ـ التي تواجه من يطلب وعي المحنة، في دواعيها، ورجالها، ومسارها، ونتائجها ـ أنَّ الوعي عليها وقد تمَّ من خلال ما هو مركوز في الذاكرة الجماعية ـ فإنَّ ذلك من شأنه أنْ يمنع وعيها، فالمحنة ـ كما هي في الذاكرة ـ هي مجرد امتحان لشخص واحد من قبل المعتـزلة، هوعلى رأي جماعة الملهمين بالروح القدس :  الصابر المحتسب أحمد بن حنبل، ويغيب عن ذاكرة الجميع الحشد الكبير الذي تعرض للمحنة، ولهذا كان لا بد من وضع جدول بأسماء الممتحنين، ومن ذكروا عرضا، ومن كان لهم دور، أو أسند لـهم دور، إنْ واقعا أو إدعاءً، ومن طالتهم المحنة، لفهمها في دواعيها ورجالها .

جرت أحداث المحنة ورفعت زمن خلفاء أربعة، بدأها المأمون في سنة 218هـ، ورفعها المتوكل سنة 234هـ، وهذه هي أبحاث ضرورية لفهم الـمحنة .

1- سيرة هؤلاء الخلفاء الأربعة .

1.  المأمون ابن الخليفة هارون الملقب بالرشيد : اسمه عبد الله، بن هارون، بن محمد المهدي، بن عبد الله المكنى بأبي جعفر، والملقب بالمنصور، أي ثاني الخلفاء العباسيين، بن محمد، بن علي، بن عبد الله، بن عباس،  بن عبد المطلب هذا هو نسب الخليفة المأمون، وهو ابن جارية من جواري والده اسمها مراجل، كانت حياته من ولادته إلى وفاته سنة 170- 218هـ = 786-833م  وهو سابع خلفاء بني العباس، وهو من أعظم خلفاء الملك الجبري، في سيرته وعلمه وسعة ملكه وطريقة مباشرته لدولته، وكيفية تحديه للأخطار، ومعالـجته لها، ولولاه في سياسته القديرة لضاع ملك بني العباس، فهو المؤسس الثاني لدولة بني العباس كانت مدة حكمه من 198- 218هـ، ترجمت في عهده كتب الفلسفة اليونانية، فتح باب الجدل بين مختلف الاتجاهات، ومن أجل فتح باب الجدل ؛ ومن تقربه من الشيعة باختياره الإمام الثامن من أئمة الإمامية المدعو غلي الرضا ؛ليحتوي خطرها، تفجر غضب أهل الحديث وأعلنوا عداوته، فأعلن المحنة في آخر سنة من حياته ليظهر ضعفهم أمام العامة كان فصيحا مفوها واسع العلم، محبا للعفو، وله من التواقيع والكلم ما يطول مدى الإشارة إليه، كانت وفاته وهو في غزو الروم في بدندون، ودفن في طَرَسُوس وصلى عليه المعتصم .

2. أبو اسحق المعتصم بن الرشيد : هو محمد بن هارون الرشيد الخليفة الثامن للدولة العباسية، أمه أم ولد اسمها ماردة من أصل تركي،  بويع بالخلافة سنة 218هـ، يوم وفاة أخيه المأمون، وبعهد منه، وهو الذي صلى على المأمون بطرسوس، وعاد إلى بغداد بعد سبعة أسابيع ؛ في السنة نفسها، وكان قوي الساعد يكسر زند الرجل بين إصبعيه، ولا تعمل في جسمه الأسنان، وكره التعليم في صغره ؛ فنشأ ضعيف القراءة يكاد يكون أميا، وهو فاتح عمورية من بلاد الروم الشرقية في خبر مشهور { خبر المرأة التي استنجدت به من بعد } وهو باني مدينة سامراء سنة 222هـ حيث ضاقت بغداد بجنده، وهو أول من أضاف إلى اسمه اسم الله تعالى، فقيل المعتصم بالله، وكان لين العريكة، رضِّي الخلق، اتسع ملكه كثيرا، وكان له سبعون ألف مملوك أكثرهم من العنصر التركي، مدة خلافته 8 سنين و8 أشهر، توفي بسامراء وعمره 48 سنة، لم يسمه والده للخلافة بل سمى الأمين والمأمون والمؤتمن، ولكن المأمون عهد إليه بالخلافة من بعده فبقيت في عقبه إلى خروجها من بني العباس إلى بني عثمان .

3.  هو هارون لقبه الواثق بالله ابن المعتصم بالله بن هارون الرشيد :  من 196-232هـ = 815-847م . يكنى بأبي جعفر، كانت ولادته في الطريق إلى مكة وقيل ببغداد، مات عمه المأمون وقد بلغ من عمره 22سنة وتولى الخلافة سنة 227هـ وكان عمره 31سنة، وأمه أم ولد رومية يقال لها قراطيس، قصدتْ الحج في أول سنة من ولاية ابنها الحلافة، فماتت في الحيرة ودفنت بالكوفة، أعلن مرة ثانية المحنة بعد أنْ هدأت من 220-227هـ أي تاريخ موت والده المعتصم، وليس في كتب التاريخ ما يوثق لزمن عودة الامتحان، ولا الأسباب الداعية لذلك،  وربما تَكْشفُ قراءة مقتل أحمد بن نصر الخزاعي على يد الواثق نفسه، الأسباب الداعية للمحنة مرة أخرى، فالظاهر أنَّ سبب ذلك يعود إلى ما ظهر من إعداد للثورة من قبل أهل الحديث، وفقهاء الأثر، بقيادة أحمد بن نصر الخزاعي، فامتحن الواثق الفقهاء والمحدثين بخلق القرآن، لقد أشار كتاب حنبل هذا إلى تحرك ضد الواثق، أي ضد الدولة العباسية . أنظر الفصل الخاص المعنون ب [ أخبار أبي عبد الله في أيام هارون الواثق بن المعتصم " رضوان الله عليهما " * ] لتدرك العلاقة بين المحدثين والواثق، فالعمل للثورة عليه من قبل أهل الحديث واضح في النص المشار عليه، وقد رفض أحمد بن حنبل وأقاربه المشاركة في الإعداد أو القيام أو التأييد لمثل هذه الثورة، لكل ذلك بقي أحمد بن نصر الخزاعي خارج دائرة الضوء، وسطعت الأنوار القوية حول أحمد بن حنبل، لا لسبب، إلاَّ لكونه المنظر الأول لطاعة الحكام، وإنْ فسقوا، وإنْ فجروا، وإنْ قتلوا، وإنْ جلدوا الظهر، وأكلوا أموال المسلمين والضعفاء والزمنى ظلما وعدوانا، كل ما منعه أحمد هو فعل المعصية من قبل الفرد، وهذا الأمر بـهذه الصورة تبناه حزب التحرير بأمر الخلفاء، دون تفريق بين خليفة راشد، أو ملك عضوض ،أو آلت إليه الخلافة بنظام العهد أي الوراثة، المهم عند حزب التحرير اسم خليفة، وليس أمة إسلامية، ودولة إسلامية، فالخليفة هو الذي يعطيها معنى الدولة الإسلامية، لكن السلفية كما هي عند الألباني ؛ ومن مثله ؛ ومن تأثر به ؛ تقول بطاعة الحكام ؛ ما داموا يتظاهرون بالإسلام، ومعلوم وصفه الأردن والسعودية بأنـهما دار هجرة، ويشارك الألباني بـهذا الموقف دار الفتوى والبحوث في السعودية، مع لفت نظر القارئ إلى التحول وما نتج عنه من انقسام في الفكر السلفي، بعد تعاون السعودية مع الولايات المتحدة ضد العراق، والسماح بقواعد للولايات المتحدة داخل الأرض السعودية، والتداعيات تلك أوجدت الجهادية السلفية .

مقالة معترضة

القارئ الكريم ! تأمل ما تحته خط، واقرأه جيدا، وعد إلى التمعن به، والتدبر فيه، وعد للكلام قبله، وإلى ما بعده، فالكلام يعالج أخطر موضوع في الفكر الإسلامي، وهو موضوع الطاعة، ستقول قبيلة حزب التحرير : أليس كلام المؤلف يعني شدة بغض وعداء للحزب ؟ !!! فلماذا هذا العداء وذاك البغض ؟ !!! والجواب بسيط وهو، من الذي يتبنى مدونا ـ من دون كل الأحزاب والحركات الإسلامية ـ مفهوم الطاعة، كما هو في فكر المحدثين غير حزب التحرير ؟ وإذ هي قضية مهمة وضرورية، لابد من عدم ضياع أي فرصة لهدم مفهوم الطاعة ـ كما هو عند أهل الحديث ـ هذا هو الأمر لا غيره . وعودة للتواصل مع حياة الخليفة الواثق .

دون ابن كثير كيفية موته في خبرين مختلفين كثيرا، الأول وهو محمول على محفة ؛ فمات دون أنْ يشعر أحد بموته، والثاني أنَّه حين احتضر جعل يردد هذين البيتين :

الموت فيه جميع الخلق مشترك لا سوقة منهم يبقى  ولا مـلك

ما ضر أهل  قليل في تفاقرهم وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا

ثُمَّ أمر بالبسط فطويت، ثم ألصق خده بالأرض وجعل يقول : يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه، ثم ينقل أبن كثير دون سند من جهة، ودون تعريف بمصدر الخبر،  أو سنده، القصة التالية : وقال بعضهم : لـما احتضر الواثق ونحن حوله غشي عليه فقال بعضنا لبعض : انظروا هل قضي ؟ قال : فدنوت من بينهم إليه لأنظر هل هدأ نَفَسُهُ، فأفاق فلحظ إليَّ بعينه فرجعت القهقرى خوفا منه، فتعلقت قائمة سيفي بشيء فكدت أنْ أهلك، فما كان عن قريب حتَّى مات وأغلق عليه الباب الذي هو فيه وبقي فيه وحده واشتغلوا عن تجهيزه بالبيعة لأخيه جعفر المتوكل، وجلست أنا أحرس الباب فسمعت حركة من داخل البيت فدخلت فإذا جرذ قد أكل عينه التي لحظ إليَّ بـها، وما كان حولـها من الخدين . انتهت القصة . هذا الخبر السمج عن موته أسند إلى بعضهم، أي إلى مجهول ! مع أنَّ سياق القصة السمجة تدل على أنه معلوم، إذ وردت الجمل التالية : فدنوت منه لأنظر هل هدأ نَفَسُهُ، فأفاق فلحظ إليَّ بعينه، فرجعت القهقرى خوفا منه، وقوله وجلست أنا أحرس الباب، ألا يرى القارئ الكريم كم هي تفاهة هذه القصة ! وفي نـهاية أحداث سنة 232 هـ كتب ابن كثير : وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام، وقيل خمس سنين وشهران وأحد وعشرون يوما وصلى عليه أخوه جعفر المتوكل على الله .

4.   المتوكل على الله : 206-247هـ =821- 681م اسمعه جعفر بن محمد ( المعتصم بالله ) بن هارون الرشيد، كنيته أبو الفضل، كانت ولادته في بغداد، وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الواثق سنة 232هـ، وَستجد في ترجمة ابن الزيات كيف أنَّ الواثق رفض أنْ يعهد لابنه، أو لأحد بالخلافة بعده، وقال قولته المشهورة : " لا يراني الله أتقلدها حيا ميتا " وإذ كان أصحاب النفوذ الأتراك ـ أي العسكر ـ عزموا على تولية محمد بن الواثق ؛ فاستصغروه ؛ فتركوه، وعدلوا إلى جعفر هذا،  وكان عمره ستا وعشرين سنة، ألبسه خلعة الخلافة أحمد بن أبي دؤاد القاضي يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة، وهو أول من سلم عليه بالخلافة وبايعه الخاصة والعامة، واتفقوا على تسميته المنتصر بالله، وبقي على هذا اللقب إلى صبيحة يوم الجمعة فقال ابن أبي دؤاد رأيت أنْ يلقب بالمتوكل على الله فاتفقوا على ذلك، وكتب إلى الآفاق بذلك.

2- رجال من أهل الحكم

رجال أسند إليهم من قبل الخليفة أدوار في امتحان الممتحنين.

و

رجال لم يظهر لهم دور في المحنة ومع هذا حشروا في الحدوثة.

1.   أسحق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب المصعبي الخزاعي : لقبه أبو الحسن، صاحب الشرطة ببغداد، أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، توفي في سنة 235هـ، وجزع المتوكل شديدا لموته، استخلفه المأمون حين بارحها لغزو الروم سنة 215هـ، كلفه المأمون برسائله امتحان القضاة والفقهاء والمحدثين، فقام بذلك خير قيام، غير معدود من المعتزلة، وإنما هو معدود من أهل السنة .

إنَّ اسم أهل السنة تغير مدلوله من زمن لآخر، ففي أيام المحنة هو اسم لأهل الحديث والأثر، أي لمن يرى أخذ معتقده من نص الحديث ـ وإنْ كان يفيد التشبيه والجبر، واهتزاز الوعيد، وموالاة الظلمة، وإصدار أحكام التكفير بحق من يرفض حشو معتقداتـهم، وقاموا بإصدار كتب سموها السنة، دونوا فيها هذه المعتقدات الزائفة ـ وصار بعد ذلك مدلول أهل السنة والجماعة مجتمعين هو رأي أبي الحسن الأشعري ؛ بعد ارتداده عن المعتزلة، ومزاوجته بطريقة ملفقة بين الحديث وعلم الكلام .

ينقل ابن كثير في البداية والنهاية عن ابن جرير الطبري في أحداث سنة 235هـ ما يلي : قال ابن جرير : وفيها توفي اسحق بن إبراهيم صاحب الجسر ـ يعني نائب بغداد يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة وجعل ابنه محمد مكانه، وخلع عليه خمس خلع وقلده سيفا (قلت) أي ابن كثير وفد كان نائبا في العراق من زمن المأمون وهو من الدعاة تبعا لسادته وكبرائه إلى القول بخلق القرآن الذي قال الله تعالى فيهم : (( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا )) (الأحزاب:67) وهو الذي كان يمتحن الناس ويرسلهم إلى المأمون . على القارئ ملاحظة ما يقوله ابن كثير في كتابه البداية والنهاية وابن كثير كانت وفاته سنة 774هـ ووفاة المصعبي سنة 235هـ أي الفرق بين زمنيهما فقط 539سنة فمن أين جاء بقوله هذا ؟ يقول ابن كثير : قلت ـ دون أنْ يوثق مصدر القول، فالطبري وهو ينقل عنه الأحداث الحولية ؛ من بدء التاريخ أي من آدم وحتَّى سنة 302هـ، ومع كل ذلك، فهل القول بخلق القرآن هو قول باطل ؟ أم القول بقدم القرآن هو القول الباطل ؟ وعلى أي حال فالمصعبي هذا لا علاقة له بالمعتزلة، وهو الذي قام بأمر المحنة .

2.  محمد بن عبد الملك الزيات : من 173-233هـ =789-847م : هو محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة أبو جعفر ؛ المعروف بابن الزيات، وزير المعتصم والواثق العباسيين، عالم باللغة والأدب، من بلغاء الكتاب والشعراء، نشأ في بيت تجارة في الدسكرة [ قرب بغداد]، ونبغ فتقدم حتى بلغ الوزارة، عول عليه المعتصم والواثق في مهام الدولة، ولما مرض الواثق عمل ابن الزيات على تولية ابن الواثق المدعو محمد ؛ وكان صغيرا، فقال الواثق كلمته المأثورة : " لا يراني الله أتقلدها حياً ميتا " اعتبر المتوكل على الله جعفر بن المعتصم " أنَّ ابن الزيات عمل ضده ولهذا نكبه وعذبه سنة 233هـ  إلى أنْ مات ببغداد، ولهذا لم يُنْكَبُ ابن الزيات لأنه ضد أحمد بن حنبل .

ورد في البداية والنهاية لابن كثير ؛ في أخبار سنة 233هـ ما يلي : قي يوم الأربعاء سابع صفر منها ؛ أمر الخليفة المتوكل بالقبض على محمد بن عبد الملك الزيات وزير الواثق، وكان المتوكل يبغضه لأمور، منها : أنَّ أخاه الواثق غضب على المتوكل في بعض الأوقات، وكان ابن الزيات يزيده غضبا عليه، فبقي ذلك في نفسه، ثم كان الذي استرضى الواثق عليه أحمد بن أبي دؤاد فحظي بذلك عنده في أيام ملكه، ومنها أنَّ ابن الزيات كما مر، كان قد أشار بخلافة محمد بن الواثق بعد أبيه، ولَفَّ عليه الناس، وجعفر المتوكل في جنب دار الخلافة لم يلتفت إليه، ولم يتم الأمر إلاَّ لجعفر، رُغم أنف ابن الزيات ؛ فلهذا أمر بالقبض عليه سريعا ؛ وأمر أنْ يُعَذَّبَ ؛ ومنعوه من الكلام، وجعلوا يساهرونه كلما أراد الرقاد نُخِس بالحديد، ثم وضع بعد ذلك في تنور من خشب، فيه مسامير قائمة في أسفله ؛ فأقيم عليها ؛ ووكل به من يمنعه من القعود والرقاد، فمكث كذلك أياما حتى مات ؛ وهو كذلك . وهناك روايات أخرى في موته، ومثل هذه الطريقة في الموت ـ حتى لو كان من كبار الأعداء أو الخائنين، أي مثل شارون وبوش، أو مثل أبي رغال ومن هو على سيرة أبي رغال من المعاصرين، فلا يجور هذا النوع من القتل، فكيف يتفاخر أهل السنة والجماعة ـ بمثل هذا القتل السادي الشاذ ـ ؟ !!! والرسول  يقول : إذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، اللهم ! إنَّ كُتَّاب التاريخ كتبوا التاريخ لصالح الظالمين، وَيُذَّكُرُ الأحياء من مؤيديهم بقوله تعالى : (( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً )) .

كان ابن الزيات من العقلاء الدهاة، وفي سيرته قوة وحزم، تلك هي حياة الزيات في المصادر، ويستغل نغش خلافه مع المتوكل، فيراه من زاوية كرامات أحمد بن حنبل ! مع أنه أيام ما يسمى محنة أحمد بن حنبل لم يكن وزيرا، إذ تولى الوزارة سنة 220هـ، بدلا عن الفضل بن مروان، ومعلوم كما هو مدون في نص المحنة أنَّ أحمد بن حنبل خرج من السجن في رمضان من سنة 220هـ، فما هي علاقة الزيات بمحنة أبن حنبل ؟ وفي سنة 225هـ تَأَلَّفَ مجلسٌ لمحاكمة الإفشين من : أحمد بن أبي دؤاد، والزيات، وإسحاق الـمُصعبي،  وقد رثى الزيات المعتصم إذ توفي سنة 227هـ، ورثى أبا تمام سنة 228هـ .

يصل قارئ سيرتي المصعبي وابن الزيات : بأنـهما من أهل السلطة، وليسا من أهل العدل والتوحيد ( المعتـزلة )، المصعبي من الشرطة، والزيات من أهل الوزارة، وعداء المتوكل له بسبب  كونه لم ير نقل الخلافة له بعد الواثق، وكل كلام غير ذلك هو كلام باطل .

أسطورة نغش

يغتنم نغش فرصة وجود أسطورة مدونة ؛ متعلقة بقتل أحمد بن نصر الخزاعي ؛ من قبل الواثق فيحولـها إلى كونـها كرامة من كرامات أحمد بن حنبل، [ راجع ص  سيرة أحمد بن حنبل من هذا الكتاب كما دونـها الدكتور نغش ] تقول الأسطورة كما هي مدونة في البداية والنهاية لابن كثير مجلد 5 جزء 10 في أخبار سنة 231هـ ضمن قصة مقتل أحمد بن نصر الخزاعي، وهاهي الأسطورة دون أي تصرف بـها  :

قال عبد العزيز الكناني للمتوكل : يا أمير المؤمنين ما رأيت أو ما رُئي أعجب من أمر الواثق، قَتَلَ أحمدَ بن نصر وكان لسانه يقرأُ القرآن إلى أن دفن، فوجل المتوكل من كلامه، وساءه ما سمع في أخيه الواثق، فلما دخل عليه الوزير محمد بن عبد الملك المشهور [بابن الزيات] قال له المتوكل : في قلبي شيء من قتل أحمد بن نصر، فقال يا أمير المؤمنين ! أحرقني الله بالنار إنْ قَتَلَهُ أمير المؤمنين الواثق إلاَّ كافرا، ودخل عليه هرثمة [المقصود هرثمة بن نصر] فقال له في ذلك فقال قَطَعَني الله إربا إربا إنْ قَتَلَهُ إلاَّ كافرا، ودخل عليه القاضي أحمد بن أبي دؤاد فقال له مثل ذلك فقال : ضربني الله بالفالج إنْ قَتَلَهُ الواثق إلاَّ كافرا  .

وتستمر الأسطورة أو قل الخرافة كما يلي ( قال المتوكل : فأمَّا ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار . وأمَّا هرثمة فإنه هرب فاجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل من الحي فقال : يا معشر خزاعة ! هذا الذي قتل ابن عمكم أحمد بن نصر ؛ فقطعوه إربا ! إربا . وأما ابن أبي دؤاد فقد سجنه الله في جلده – يعني الفالج – ضربه الله قبل موته بأربع سنين ؛ وصودر من صلب ماله بمال جزيل جدا ؛ كما سيأتي بيانه في موضعه . انتهت الأسطورة .

3- شخصيات من المعتـزلة زعم أنـها ذات دور في المحنة

1- أحمد بن أبي دؤاد : قيل بن أبي دُوَاد بن جرير بن مالك الأيادي، أبو عبد الله أحد القضاة المشهورين، وهو من المعتـزلة، حياته من 160-240هـ = 777-854م ولد في قنسرين [ بين حلب ومعرة النعمان ] نشأ في دمشق ؛ وفيها نبغ ؛ ثم رحل إلى العراق، وقيل كانت ولادته بالبصرة، قال أبو العيناء : ما رأيت رئيساً قط أفصح ولا أنطق من ابن أبي دؤاد، وهو أول من فتتح الكلام مع الخلفاء ؛ وكان لا يبدأهم أحدٌ حتى يبدأوه، وكان عارفا بالأخبار والأنساب، وفيه يقول المأمون : إذا استجلس الناس فاضلا فمثل احمد ! وكان يقال : أكرم من كان في دولة بني العباس البرامكة ؛ ثم ابن أبي دؤاد، وكان شديد الدهاء محباً للخير، اتصل أولا بالمأمون ـ عن طريق قاضي المأمون يحيى بن أكثم ـ أوصى المأمون أخاه المعتصم به فجعله المعتصم قاضي قضاته، وجعل يستشيره في أمور الدولة كلها، ولما مات المعتصم أعتمد الواثق على رأيه، ومات الواثق راضيا عنه، وتولى القضاء للمتوكل . جاء في البداية والنهاية لابن كثير في أخبار سنة 233هـ ما يلي : [ وفيها في جمادى الأولى منها بعد مهلك ابن الزيات فلج أحمد بن أبي دؤاد القاضي المعتزلي ؛ فلم يزل مفلوجا حتى مات ـ بعد أربع سنين ـ وهذا القول خطأ، إذ معنى ذلك أنه مات سنة 237 هـ وليس 240 هـ كما هو مشهور فيكون قد فلج سنة 236هـ، أو بقي مفلوجا سبع سنين، ما يجب تأكيده : إنَّ المتوكل أبقى أحمد بن أبي دؤاد قاضيا حتى فلج، عاد يحيى بن أكثم للقضاء ومن المهم التمعن في العبارات التالية التي وردت في البداية والنهاية لابن كثير في أحداث سنة 231هـ وهي :

* وحضر القاضي أحمد بن دؤاد المعتزلي، وأحضر أحمد بن نصر الخزاعي، ولم يظهر منه على أحمد بن نصر عتب، فلما أوقف أحمد بن نصر بين يدي الواثق لم يعاتبه على شئ مما كان منه في مبايعته العوام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل أعرض عن ذلك كله وقال له : ما تقول في القرآن ؟ فقال : هو كلام الله . قال [أي الواثق ] : أمخلوق هو ؟ قال : هو كلام الله . فغير الواثق السؤال وقال له : فما تقول في ربك أتراه يوم القيامة ؟ فقال يا أمير المؤمنين قد جاء القرآن والأخبار في ذلك قال الله تعالى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (القيامة:22، 23) وقال رسول الله (ص) " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته " فنحن على الخبر . زاد الخطيب ( قال الواثق : ويحك ! أيرى كما يرى المحدود الـمجسم ؟ ويحويه مكان ويحصره الناظر ؟ أنا أكفر برب هذه صفته .

* يرد في نفس أحداث سنة 231هـ في محاكمة أحمد بن نصر الخزاعي ما يلي : ( قال الواثق لمن حوله، ماذا تقولون في هذا الرجل ؟ فأكثروا القول فيه . فقال عبد الرحمن بن اسحق ـ وكان قاضيا على الجانب الغربي [من بغداد] فعزل، وكان موادا لأحمد بن نصر قبل ذلك ـ يا أمير المؤمنين هو حلال الدم . وقال أبو عبد الله الأرمني ـ صاحب أحمد بن أبي دؤاد : اسقني دمه يا أمير المؤمنين . فقال الواثق : لا بد أنْ يأتي ما تريد . وقال ابن أبي دؤاد : هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل . فابن أبي دؤاد لم يقل يقتل بل قال : يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل، والمعلوم أنَّ العاهة والنقص هي عذر، أليست عبارة ابن أبي دؤاد تلتمس العذر له ؟ ولا يوجد في كتب التراجم ما يدل على أبي عبد الله الأرمني هذا الموصوف بصاحب أبن أبي دؤاد .

كان أبن أبي دؤاد كما دون ابن كثير موصوفا بالجود والسخاء وحسن الخلق ووفور الأدب وفي موضع آخر من ترجمته قال : كان الرجل [أي أحمد بن أبي دؤاد ] فصيحا جوادا يؤثر العطاء على المنع والتفرقة على الجمع أي إنفاق الأموال .

4- شخصيات زعم أنـها من المعتزلة وذات دور في أحداث المحنة

1.   أبو شعيب بن الحجام : من هو أبو شعيب بن الحجام ؟ مع شدة البحث ،لم أعثر على ترجمة له في الكتب، التي اطلعت عليها، ولم يترجم له المحقق محمد نغش، ورد ذكره في كتاب المحنة كما يلي : ( انظر عنوان ذكر حمل أبي عبد الله إلى المعتصم ) النص كما هو : [ فلما كان الغد من اليوم الذي حُوِّل فيه أبي عبد الله إلى دار اسحق ونحن عند باب اسحق، إذ جاء أبو شعيب بن الحجام ومحمد ين رباح ؛ فدخلا على أبي عبد الله في دار اسحق، ومعهما صورة السماوات والأرض وغير ذلك . قال أبو عبد الله : فسألاني عن شئ ما أدري ما هو . قال أبو عبد الله : فلما سألني ابن الحجام وابن رباح، قلت ما أدري ما هذا ! وما أعرف هذا ! قال ثم قلت لابن الحجام في كلام دار بيني وبينه، ويحك ! بعد طلبك العلم والحديث صِرْتَ إلى هذا ! وسألته عن علم الله ما هو ؟ فقال علم الله مخلوق . فقلت كفرت بالله العظيم يا كافر ! فقال لي رسول اسحق وكان معه : هذا رسول أمير المؤمنين . فقلت له إنَّ هذا كفر بالله ! فقلت لصاحبه ابن رباح الذي جاء معه : إنَّ هذا ـ أعني ابن الحجام ـ قد كفر، زعم أنَّ علم الله مخلوق، فنظر إليه، وأنكر عليه مقالته، وقال : ويحك ! ماذا قلت ؟ ثم انصرفنا .

قال حنبل : فبلغني ما روي عن أبي شعيب بن الحجام، وأنه قال لما خرج من عند أبي عبد الله، قال : ما رأيت لهذا نظيراً، فعجبت من هذا الذي هو فيه، وعظته لي وتوبيخه إياي .

2.    محمد بن رباح : أنظر النص السابق فهو مثل صاحبه مجهول تمام الجهالة .

ويعود السؤال من هما ؟ !!! ولا يجد الباحث الجواب، فهما غير مذكورين في طبقات المعتـزلة، وغبر مذكورين في كتب أخرى . ويأتي السؤال أين هم جدليو المعتـزلة المشهورون كثمامة بن الأشرس والعلاف والنظام والجاحظ وغيرهم ؟ إذ لا يوجد لأي واحد منهم ذكر في كتاب المحنة.

3.   برغوث وأصحابه : برغوث لقبه أسمه محمد بن عيسى ورد اسمه في حكاية هي : عن يحيى بن بر الأرجائي عن النظام أنه قال : ما أشفقت على أبي الهذيل في استشهاد بشعر إلاَّ مرة قال الملقب ببرغوث أسألك عن مسألة ! فرَفَّعَ أبو الهذيل نفسه عن مكالمته، فقال برغوث :

وما بقيا عليَّ تركتماني ولكن خفتما صرد النبال

فلم أعرف في نقيضه بيتا فبادر أبو الهذيل فقال : لا، ولكن كما قال الشاعر :

وأرفع نفسي عن عَلية إنني أذل بـها عند الكرام وتشرف

فبرغوث ليس معتـزليا كما هو واضح من النص، ولا يوجد له ترجمة في الكتب التي عندي .

4.   بشر المريسي : هو بشر بن غياث إبن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي، كانت وفاته سنة 218هـ = 833م .  يورد المحقق الدكتور نغش العبارة التالية في القسم الأول من كتابه ؛ وهو القسم الذي تولى وضعه هو تحت عنوان [ الترغيب والترهيب والتعذيب في عهد المعتصم ] العبارة هي : فيقول ابن أبي دؤاد وبشير المريسي ( هو بشر وليس بشير ) للخليفة : أقتله حتى نستريح منه . هذه هي العبارة الوحيدة التي ذكر فيها بشر المريسي، وواضح لمن له أدنى معرفة بالتاريخ، أنَّ زمن مناظرة أحمد وجلده ؛ تمت في سنة 219هـ ؛ اعتمادا على كتاب المحنة والنجوم الزاهرة، بل إنَّ ابن خلكان يراها حدثت في العشر الأخير من رمضان سنة 220هـ ويومها كان بشر قد توفى، فكيف بعثه الدكتور نغش للحياة ؟ !!! هل هي سقطة متعمدة من نغش ؟ أم أنـها تدل على عدم امتلاك نغش لأدوات البحث والمعرفة، وكلا الأمرين يشكل جريمة ضد المعرفة.

بشر المريسي أُشهرَ كسلاح ؛ يـحمله دعاة تشويه المعتـزلة العدلية ؛ بنسبته إلى المعتـزلة ؛ مع الطعن بإيمانه وسلوكه ونسبه، فهل المريسي من المعتـزلة أم ألصق بـهم زورا وبـهتانا ؟ كيف يمكن التحقق من ذلك ؟ طبقات المعتزلة لا تذكره من المعـتزلة، هل المعتـزلة كاذبون في عدم ذكرهم إياه . لا بد من اللجوء لكتب غير كتب المعتـزلة في موضوع بشر أي في كتب الفرق المشهورة وهي الكتب التالية :

1.كتاب مقالات الإسلاميين وهو لرأس الأشاعرة علي بن إسماعيل الأشعري ت سنة 324هـ . قال الأشعري في ص 140 : ( والفرقة الحادية عشرة من المرجئة أصحاب بشر المريسي يقولون : إنَّ الإيمان هو التصديق، لأنَّ الإيمان في اللغة هو التصديق، وما ليس بتصديق فليس بإيمان، ويزعم أنَّ التصديق يكون بالقلب واللسان ) .

جاء في ص 143 من نفس الكتاب أي كتاب مقالات الإسلاميين : ( واختلفت المرجئة في المعاصي، هل هي كبائر أم لا على مقالتين، فقال قائلون منهم [ "بشر المريسي" وغيره ] : كل ما عصي الله سبجانه به كبيرة )

وقال الأشعري في ص 149 : واختلفت المرجئة في فجار أهل القبلة، هل يجوز أنْ يخلدهم الله في النار إنْ أدخلهم النار على خمسة أقاويل :

فزعمت الفرقة الأولى أصحاب بشر المريسي : ( أنه محال أنْ يخلد الله الفجار من أهل القبلة في النار لقوله تعالى : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } (الزلزلة:7) وأنـهم يصيرون إلى الجنة إنْ أدخلهم الله النار لا محالة . ويعد هذا القول مخالفة واضحة لقول المعتـزلة .

وينقل الأشعري رأي المريسي في الإرادة بما يلي : ( وقال بشر المريسي وحفص الفرد ومن قال بقولهما : إرادة الله على ضربين : إرادة هي صفة له في ذاته، وإرادة هي صفة له في فعله، وهي غيره، فالإرادة التي زعموا أنـها صفة لله سبحانه وتعالى في فعله، وأنـها غيره، هي أمره بالطاعة، والإرادة التي ثبتوها صفة لله في ذاته واقعة على كل شئ سوى الله، من فعله وفعل خلقه .

انتهت مقولات الأشعري في المريسي فهو أولا يضعه مع المرجئة، وثانيا آراءه في حالة مخالفة مع آراء المعتـزلة، فعليه المريسي ليس معتـزليا .

2. كتاب الفرق بين الفرق وهو لأشعري من حيث الفرقة، وهو المدعو عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الإسفرائيني التميمي، وقد جعل الفصل الرابع من كتابه في بيان فرق المرجئة وتفصيل مذاهبهم، انظر كتابه ص 151-158، وقد صَنَّفَ الـمرجئة ثلاثة أصناف، وجعل المريسي من المرجئة الخارجة عن الجبر والقدر ( العدل ) قال في شأنه .

ذكر المريسية منهم :

هؤلاء مرجئة بغداد من أتباع بشر المريسي، وكان في الفقه على رأي أبي يوسف القاضي، غير أنَّه لـما أظهر القول بخلق القرآن هجره أبو يوسف وضللته الصفاتية في ذلك، ولما وافق الصفاتية ـ بأنَّ الله تعالى خالق أكساب العباد وفي أنَّ الاستطاعة مع الفعل ـ أكفرته المعتـزلة في ذلك فصار مهجور من قبل الصفاتية والمعتـزلة معا .

وكان يقول في الإيمان : إنه هو التصديق بالقلب واللسان جميعا .

انتهى قول البغدادي فيه .

3.   كتاب الفِصَل في الملل والأهواء والنـحل : مؤلف الكتاب هو علي بن أحمد بن حزم كنيته " أبو محمد " الظاهري منهجا الأندلسي موطنا الأموي هوىً ( 384-456هـ = 994-1064م .

في كتابه المذكور الجزء الرابع ص 204 وضع عنوانا هو " شنع المرجئة، ولم يأت ذكر فيه للمريسي ولكنه كتب ما يلي : ( قال أبو محمد ) غلاة المرجئة طائفتان إحداهما الطائفة القائلة : بأنَّ الإيمان قول باللسان، وإنْ اعتقد الكفر بقلبه ؛ فهو مؤمن عند الله عزَّ وجلَّ، من أهل الجنة، وهذا قول محمد بن كرام السجستاني وأصحابه، وهو بخراسان وبيت المقدس، والثانية الطائفة القائلة : إنَّ الإيمان عقد بالقلب، وإنْ أعلن الكفر بلسانه بلا تقية، وعبد الأوثان، أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام، وعبد الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام، ومات على ذلك، فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله عزَّ وجلَّ، ولي لله عزَّ وجلَّ، من أهل الجنة، وهذا قول أبي محرز جهم بن صفوان السمرقندي ـ مولى بني راسب، كاتب الحارث بن سريج التميمي أيام قيامه على نصر بن سيار بخراسان، [وهو] قول أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي اليسر [بشر] الأشعري البصري وأصحابـهما، فأما الجهمية فبخراسان، وأما الأشعرية فكانوا ببغداد والبصرة، ثم قامت له سوق بصقلية والقيروان وبالأندلس، ثم رق أمرهم والحمد لله رب العالمين . لقد اطنب ابن حزم في هذا الفصل من كتابه في ذكر فضائح الأشعرية بالمقال وأسماء من قال بها منهم فقال أنَّ الباقلاني مثلا كان يقول : ما وجد في الله من التسميات فإنه يجوز إطلاقها عليه وإنْ لم يسم بذلك نفسه ما لم يرد شرع يمنع من ذلك .

5- الـممتحنون

المجموعة الأولى

الرجال الذين امتحنوا من قبل المأمون وهو بالرقة وقد أجابوا كلهم أي قالوا بخلق القرآن وهم :

1. محمد بن سعد بن منيع الهاشمي، كاتب الواقدي أي صاحب المغازي، اشتهر بأنه مؤرخ، ومن حفاظ الحديث، ولكنه وصف بالتدليس، وله كتاب الطبقات، ت سنة 230هـ أجاب في المحنة، أي قال أمام المأمون وهو بالرقة : بأنَّ القرآن مخلوق . له ترجمة في تـهذيب التهذيب جزء 9ص 161 وقد ذكر أيضا في كتاب الوفيات، وتاريخ بغداد ووصفه الخطيب البغدادي بأنه من أهل العدالة، ومع هذا لم يخرج حديثه من أهل الكتب الستة غير أبي داود، والوافي بالوفيات .

2. عبد الرحمن بن يونس بن هاشم الرومي، لقبه أبو مسلم، وهو مستملي يزيد بن هارون، ولد سنة 164 وتوفي في 224أو225هـ، روى عنه البخاري أربعة أحاديث، ولم يرو عنه الآخرون من أصحاب الكتب الستة، فيه أكثر من قول من قبل أهل الجرح والتعديل مثل ليس بالمتين، ولا يحمد أمره، وكان صاعقة، وابن حبان يذكره في الثقات، أجاب في المحنة .

3. يحيى بن معين ولد سنة 158 هـ وكانت وفاته سنة 233هـ وهو أحد أئمة الجرح والتعديل المشهورين، ويوصف بأنه أستاذ هذه الصناعة في زمانه وهو أكبر من أحمد،  أجاب في المحنة .

4. زهير بن حرب بن شداد النسائي البغدادي، محدث بغداد في عصره، لقبه أبو خيثمة، له كتاب العلم مطبوع، أكثر مسلم من الرواية عنه، روى عنه أصحاب الكتب الستة باستثناء الترمذي كانت ولادته سنة 160هـ ووفاته سنة 234هـ وثقه أهل الجرح والتعديل، أجاب في المحنة .

5. إسماعيل بن داود الجوري، لا توجد له ترجمة في المراجع المتاحة، قال عنه الدكتور نغش : إنه من كبار الذين أحابوا بالمحنة، وأشار إلى كتابي : مناقب الإمام أحمد ص386 والنجوم الزاهرة جزء2ص220 .

6. إسماعيل بن أبي مسعود : ورد في كتاب المحنة بابن أبي مسعود، لكن نغش سماه إسماعيل وذكر أنه من كتاب الواقدي ومن أشهر المحدثين في بغداد وكما يقول نغش نقل ذلك عن النجوم الزاهرة جزء 2ص220 .

7. أحمد الدورقي : لم يذكر له د.نغش ترجمة بل ظن أنه أحمد بن جنبل. هو أحمد بن إبراهيم بن كثير بن زيد الدورقي النُّكري البغدادي أبو عبد الله ولد  سنة 168هـ  وتوفي  سنة 246هـ  عن  78 سنة من أوائل من امتحن فأجاب كان عمره حين المحنة 50 سنة وهو من المحدثين ( أهل الحديث ) روى عن حفص بن  غياث   وجرير وهشيم وإسماعيل و ربعي ابني عُلَيَّة وشبابة ويزيد بن هارون ومبشر بن إسماعيل الحلبي وخالد بن مخلد وغيرهم . روى عنه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وبقي بن مخلد وعبد الله بن أحمد بن حنبل ويعقوب بن شيبة وغيرهم ثقة عند أهل الجرح والتعديل، وله ترجمة في تـهذيب التهذيب  برقم  3  .

 

المجموعة الثانية

وهم رجال طلبهم المأمون ـ من خلال الرسائل ـ وهو في غزو ثغور الروم من نائبه في بغداد ؛ وهو رئيس شرطته، أي إسحق بن إبراهيم المصعبي نسبة لمصعب من خزاعة، وطلب  قراءة رسالته عليهم، وامتحانـهم، مع إرسال رد كل واحد منهم .

1. أبو حسان الزيادي : هو الحسن بن عثمان بن خماد بن حسان بن عبد الرحمن بن يزيد البغدادي، تقلد القضاء قديما، ثم تعطل، وصار قاضي الشرقية في خلافة المتوكل، ورد ذكره في طبقات الأحناف، وهذا يفسر عدم تخريج حديثه في الكتب الستة ؛ مع أنه من أصحاب الحدبث إذ سمع هشيم بن بشير، و وكيع بن الجراح  والوليد بن مسلم ومعلوم عن الوليد بن مسلم هواه الأموي،  وسمع من الواقدي، وآخرين  ت سنة 242هـ

حَدُّوثَة !!! من ص 76 جزء 3 من الطبقات السَّنيَّة في تراجم الحنفية.

فال اسحق الحربي : حدثني أبو حسان الزيادي، أنه رأى رب العزة في النوم، فقال رأيت نورا عظيما لا أحسن أصفه، ورأيت فيه شخصا خيل إلي أنه النبي (ص)، وكأنه يشفع إلى ريه في رجل من أمته، وسمعت قائلا يقول : ألم يكفك أني أنزلت عليك في سورة الرعد (( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ))(الرعد: من الآية6) ثم انتبهت .

2. بشر بن الوليد الكندي : جاء في طبقات الأحناف عنه ما يلي : أحد أعلام الأئمة المشهورين من علماء هذه الأمة، سمع مالك بن أنس وعبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن الغسيل، الغسيل هو حنظلة بن عامر، غسيل الملائكة، وسمع حماد بن زيد، وصالحا الـمري، وحشرج بن نباتة

يا أيها المَلِكُ المـُوَحِّد ُرَبَّه ُقاضيكَ بشرُ بن الوليد حمارُ

ينْفي شهادةَ من يبثُّ بـما بهِ نطقَ الكتاب وجاءَتْ الآثار

فـالنفيُ للتشبيهِ عنْ ربَّ العلا سبـحانَهُ وتـقدَّسَ الجبَّارُ

ويعدُّ عـدلاً من يدينُ بأنـهُ شيخُ تحيط بجسمهِ الأقطارُ

إنَّ المشبِّهَ كافر في دينه والدائنون بـدينه كُـفَّارُ

فاعزله واختر للرعية قاضياً فلعلَّ منْ يرْضى ومنْ يختارُ

عند المريسي اليقين بربه لو لَمْ يشب توحيدهُ إجبارُ

والدين بالإرجاء مبنى أصله ُجهلٌ وليس لهُ به استبشارُ
لكن من جمعَ المحاسن كلها كهلٌ يقال لشيخه المردار

3. علي بن أبي مقاتل : لا يوجد له ترجمة في المراجع المتاحة،  ورد اسمه في رسائل المأمون.

4. الفضل بن غانم : ورد اسمه في تطبيق اسحق بن إبراهيم للرسائل.

5. الذيّال بن الهيتم ورد اسمه في تطبيق اسحق بن إبراهيم للرسائل.

6. سجادة هو الحسن بن حماد المعروف بسجادة قيل أنه كان ملازما للصلاة فدعي بسجادة  سمع أبا معاوية الضرير وغيره وروى عن أبي الدنيا وطبقته ت 241هـ  ورد اسمه في تطبيق اسحق بن إبراهيم للرسائل.

7. أحمد بن إبراهيم القواريري :  لا يوجد اسمه في تـهذيب التهذيب  ورد اسمه في تطبيق اسحق بن إبراهيم للرسائل .

8. أحمد بن محمد بن حنبل : انظر سيرته كما دونها الدكتور نغش، ولاحظ كم هي المبالغات في سيرته !! ولاحظ ما علقه المأمون في رسالته عليه.

9. قتيبة : اسمه قتيبة بن سعيد بن جميل الثقفي بالولاء أبو رجاء البغلاني من أكابر رجال الحديث وهو شيخ البخاري روى عنه البخاري 308 أحاديث، ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273.

10. سعدويه الواسطي : أسمه سعيد بن سليمان الضبي أبو عثمان الواسطي البزار المعروف بسعدويه ت سنة 225هـ وله مائة سنة فيكون قد ولد عام 125هـ نقل عنه أصحاب الكتب الستة البخاري وأبو داوود بلا واسطة والبقية بواسطة محمد بن عبد الرحيم صاعقة نقل عن الكثير منهم معاوية بن صالح وهشيم وشريك القاضي ويونس بن بكير وغيرهم ونقل عنه الكثير قيل له بعد ما رجع من المحنة : ماذا فعلتم ؟ قال : كفرنا ورجعنا . انظر ترجمته في تهذيب التهذيب جزء 4ص38: ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273.

11. علي بن الجعد : هو علي بن الجعد بن عبيد ؛ مولى لبني هاشم ؛ ولد سنة 133و قيل غير ذلك، كانت وفاته سنة 230هـ، كان يتاجر بالجواهر، وهو شيخ بغداد في عصره روى عنه أبو داوود، والبخاري روى عنه 13حديثا .

12.  اسحق بن أبي إسرائيل : هو اسحق بن أبي إسرائيل ( إبراهيم بن كَامَجْرا هذا اسم ابن أبي إسرائيل ) كنية اسحق أبو يعقوب المروزي نزيل بغداد روى عنه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي بواسطة روى عن الكثير وروى عنه الكثير قال بالوقف في مسألة ك246هـ سئل عن قوله بالوقف فقال : لم أقل على الشك ولكني اسكت كما سكت القوم قبلي قال أبو حاتم الرازي : كتبنا عنه فوقف في القرآن، فوقفنا عن حديثه، وقد تركه الناس حتى كنت أمر بـمسجده ، وهو وحيد لا يقربه أحد .

13.ابن الهرش : ذكر إحضاره ابن كثير جزء 10ص273 في أحداث سنة 218هـ .

14.ابن عُلَيَّة الأكبر : ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273.

15.يحيى بن عبد الرحمن العمري : ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273

16.  شيخ من ولد عمر بن الخطاب وعلى الغالب كان قاضي الرقة: ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273.

17.أبو نصر التمار : ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273.

18.أبو معمر القطبعي: ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273.

19. محمد بن حاتم بن ميمون : ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273  أبو عبد الله القطيعي المعروف بالسمين للتحقق مما تحته خط.

20.  محمد بن نوح [ الجنديسابوري ] المضروب : ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273 . ورد اسمه كممتنع عن الإجابة في الـمحنة مع أحمد بن حنبل وأنـهما حملا إلى المأمون فمات في الطريق ثابتا على رأيه مع صغر سنه.

21.ابن الفرَّخان  : ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273.

22.النصر بن شميل : ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273.

23.أبو علي بن عاصم : ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273.

24.أبو العوام البارد : ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273.

25.أبو شجاع : ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273.

26.عبد الرحمن بن اسحق : ذكر إحضاره ابن كثير في البداية والنهاية جزء 10ص 273.

27.عبيد الله بن محمد بن الحسن : ورد اسمه في تطبيق اسحق بن إبراهيم ووصف بأنه لم يقل بأن القرآن مخلوق .

28.إبن البكاء ورد اسمه في تطبيق اسحق بن إبراهيم للرسائل .

29.   عبد المنعم بن إدريس ابن بنت وهب بن منبهورد اسمه في تطبيق اسحق بن إبراهيم ووصف بأنه لم يقل بأن القرآن مخلوق .

30.المظفر بن مرجا : ورد اسمه في تطبيق اسحق بن إبراهيم ووصف بأنه لم يقل بأن القرآن مخلوق .

31.إبن الأحمر ورد اسمه في تطبيق اسحق بن إبراهيم ووصف بأنه لم يقل بأن القرآن مخلوق.

32.رجل ضرير ليس من أهل الفقه ولا يعرف بشيء منه.

من ورد اسمهم بالرسالة الثانية

1. جعفر بن عيسى لا يوجد له اسم في تـهذيب التهذيب.

2. عبد الرحمن بن اسحق القاضي وقد طلب منه ومن جعفر بن عيسى امتحان الشهود . فهل كانا من قضاة المأمون وقائلين بخلق القرآن ؟ .

المجموعة الثالثة

رجال امتحنوا قبل الرسائل، أو أضافهم المأمون في مرحلة ثانية، أو أنـهم من فقهاء الأحناف  القائلين بخلق القرآن وهم :

1. إبراهيم بن المهدي عم المأمون : اسم والده محمد المهدي، الخليفة العباسي الثالث بن عبد الله الخليفة العباسي الثاني، المشهور بأبي جعفر المنصور . لقب إبراهيم أبو اسحق ويقال له : ابن شكلة، لأنَّ أمه جارية سوداء اسمها شكلة، ومن نسبه يتبين أنه من أمراء البيت العباسي، فهو أخ لموسى الهادي وهارون الرشيد ـ أي أخ لخليفتين ـ، في ترجمة حياته طول، وأخباره كثيرة أهم مر في حياته أنه دعا إلى نفسه بالخلافة، إذ أتاح خلاف الأمين والمأمون له الفرصة، وبايعه كثيرون في بغداد، وتغلب على الكوفة والسواد، والمأمون في خراسان، وكانت خلافته ببغداد سنتين إلاَّ خمسة وعشرين يوما، وأثناء خلافته طلبه المأمون فاستتر، فأهدر دمه، وأقام على استتاره ست سنين وأربعة أشهر وعشرة أيام،  فجاءه مستسلما سنة 210هـ، فسجنه ستة أشهر، ثم طلبه إليه وعاتبه على عمله، فاعتذر فعفا عته، وهو من أفصح الناس لسانا، ومن أجودهم شعرا، كان حازما، واسع الصدر، سخي الكف، حاذقا بصنعة الغناء، ت سنة 224هــ وصلى عليه المعتصم .

2.أبو مسهر من 140-218هـ =757-833 م : هو عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى المشهور بأبي مسهر الدمشقي كان قاضيا لأبي العميطر السفياني وهو أي أبو العميطر علي بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان اغتنم فرصة الحرب بين المأمون وأخيه الأمين فأعلن خلافة أموية مستقلة في دمشق وأبو مسهر المترجم له من حفاظ الحديث وقد امتحنه المأمون العباسي بالرقة في قضية خلق القرآن، والأغلب أنه كان أول الممتحنين إذ جابه المأمون في زيارته لدمشق سنة 217هـ فامتنع عن القول بخلق القرآن فوضعه في النطع وجرد المأمون سيفه فمد رأسه وأبى أنْ يجيب وقيل أجاب ولم يرض المأمون إجابته فحمل إلى السجن في بغداد فأقام نحو مئة يوم ومات في السجن . يفهم من ذلك أنه مات في السنة التي مات فيها المأمون .

3. نعيم بن حماد : هو نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي المروزي، أبو عبد الله أول من جمع المسند في الحديث، ت سنة 228هـ كان من أعلم الناس بالفرائض، ولد في مرو الشاهجان، وأقام مدة في العراق والحجاز يطلب الحديث، ثم سكن مصر، ولم يزل فيها إلى أنْ حُملَ إلى العراق في خلافة المعتصم، وسُئل عن القرآن أمخلوق هو فأبى أنْ يجيب، فحبس في سامراء، ومات في سجته . من كتبه الفتن والملاحم، حكم عليه النسائي بأنه ضعيف، وعلق محقق كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي محمود إبراهيم زايد هامش 589  بما يلي : الخزاعي كنيته أبو عبد لله الفرضي الأعور الحافظ، أحد الأئمة الأعلام على لين في حديثه . سكن مصر ويقال أقام بها أربعين سنة . خرَّج له البخاري مقرونا بغيره . وروى عنه يحيى بن معين والذهلي والدارمي وأبو زرعة وخلق . وكان شديدا على الجهمية .ونقل عنه أنه كان جهميا وعرف كلامهم . فلما طلبت الحديث عرفت أنَّ أمرهم يرجع إلى التعطيل . وثقه أحمد وأبو داوود والعجلي . وقال أبو داود : كان عنده عشرين حديثا عن النبي r ليس لها أصل . وقال الأزدي : كان نعيم ممن يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات مزورة في ثلب النعمان كلها كذب . نقل عنه البخاري الحديث التالي : رقم الحديث المتسلسل هو 3849 _ حدثنا نعيم بن حماد : حدثنا هشيم، عن حصين، عن عمرو بن ميمون قال : رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة قد زنت فرجموها فرجمنها معهم .

4.  أبن عرعرة : حدثنا حنبل، قال : سمعت أبا عبد الله يقول : لما احتج علي عبد الرحمن بابن عرعرة واليمامي، هذا ما ورد بشأن ابن عرعرة في كتاب المحنة ولم أعثر على ترجمة له . والظاهر من ذكره ومن النص أنه كان يقول بـخلق القرآن تبعا لقول أبي حنيفة وتلاميذه.

5. إبن الرومي ( اليمامي ) حدثنا حنبل، قال : سمعت أبا عبد الله يقول : لما احتج علي عبد الرحمن بابن عرعرة واليمامي، هذا ما ورد بشأنه في كتاب المحنة ولم أعثر على ترجمة له .

6. صالح الرشيدي :لا يوجد اسمه في تـهذيب التهذيب.

7. أبو بكر بن عبيد الله.

8. محمد بن إدريس الشافعي.

9.  الشافعي الأعمى  ؟.

10. غسان ؟.

11. النوفلي.

12.   ابن سماعة : هو محمد بن سماعة بن عبد الله بن هلال بن وكيع بن بشر التميمي كنيته أبو عبد الله، كوفي حافظ للحديث، روى عن أبي يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن الشيباني والليث بن سعد، ومعلى بن خالد الرازي، والمسيب بن شريك . روى عنه الحسن بن محمد بن عنبر الوشاء، ومحمد بن عمران الضبي، تجاوز المائة وهو كامل القوة، إذ كانت ولادته 130ووفاته 233هـ  وكان يصلي في كل يوم مائتي ركعة، ولي القضاء لـهارون الرشيد، ببغداد، وقال إسماعيل بن علي الحطبي توفي القاضي أبو يوسف وهو على القضاء فتولى قضاء مدينة المنصور بغده ابنه يوسف حتَّى توفي فولي مكانه محمد بن سماعة وقال القاضي أبو عبد الله بن الحسين الصيمري : ومن أصحاب أبي يوسف ومحمد جميعا محمد بن سماعةوضعف بصره فعزله الـمعتصم، وكان يقول بالرأي على مذهب أبي حنيفة.

13.   ابن دنقش ، هذا ما ورد بشأنه في كتاب المحنة فهو من رجال الشرطة يعمل غالبا عند المعتصم وهذه هي العبارة :  "أتاني ابن حماد بن دنقش وهو صاحب أبي إسحاق " .

 

(6)

بحث حول رواة كتاب المحنة

يروي كتاب المحنة كما ورد في المطبوعة.

1. الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن عبد الله بن نصر بن عبيد الله السبكي الراغوي ويفهم بعد التمعن بعبارة " عنهما إجازة منه له " يجب أنْ تكون كلمة منه [منهما]  أنَّ الراغوي ينقل الكتاب إجازة له من :

2. مجيزا الراغوي هما :

* أبو الغنائم محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن عمرو بن عثمان الدقاق الحجازي ولم يعرف به محقق الكتاب .

* أخ أبي الغنائئم السابق ذكره واسمه أبو محمد أحمد بن علي ولم يقدم المحقق تعريفا به.

3. أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن رزقويه البزاز عرف به المحقق نقلا عن تاريخ بغداد جزء1 ص351هـ وصفه بأنه كان ثقة صدوقا كثير السماع والكتابة حسن الاعتقاد جميل المذهب شديدا على أهل البدع توفي في 16 جمادى الأولى سنة 412هـ .

4. أبو عمرو عثمان بن أحمد الدقاق المعروف بابن السماك وصفه محقق الكتاب بأنه كان ثقة ثبتا كانت وفاته يوم الجمعة لأربع بقين من ربيع الأول سنة 344هـ وأشار إلى نقل هذا التعريف الموجز جدا إلى أنه من تاريخ بغداد (جزء 8 ص302 )جاء في البداية والنهاية ( جزء 11ص 229 )بأنه روى عن حنبل بن اسحق وعنه الدارقطني وغيره.

5. الراوي الأساسي هو أبو عبد الله حنبل بن اسحق بن حنبل توفي بواسط في جمادى الأولى سنة 273هـ وقد اختلف باسمه فقيل : عبيد الله وقال قوم عبد الله يراه المحقق بأنه كان ثقة ثبتا إذا نظرت في مسائله شبهتها في حسنها وإشباعها وجودتها بمسائل الأثرم .

يلفت النظر في هذا الذي ورد في أول ورقة أي ورقة (1) من مخطوطة الكتاب كما تكشف المطبوعة أنَّ في السند ثلاثة رجال هم الراغوي وأبي الغنائم وأخيه غير معروفين للمحقق ويلاحظ المطلع على السند الثاني الذي ورد في ورقة (2) يرى أنَّ راوي الكتاب هو الشيخ الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي بتصديره بكلمة أخبرنا وبقية رجال السند هم عين الرجال الذين ذكروا بالسند الأول مع توضيح كيفية السماع فمن هو مسند الكتاب أهو الراغوي السند الأول ؟ أم السمرقندي السند الثاني ؟ أم كلاهما ؟ محقق الكتاب لم يعط رأيا في ذلك ولم يعرف بالسمرقندي جاء في ابن كثير { البداية والنهاية } عن السمرقندي ما يلي : إبن الأشعث، أبو القاسم بن أبي بكر السمرقندي المشقي ثم البغدادي سمع الكثير وتفرد بمشايخ، وكان سماعه صحيحا، وأملى بجامع المنصور مجالس كثيرة نحو ثلاثمائة مجلس توفي وقد جاوز الثمانين وضعه في وفيات 536هـ فهل هو المذكور في السند الثاني ؟

 

(7)

رسائل المأمون

هذا ما سجله ابن جرير الطبري في تاريخه

ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومائتين

ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

فمن ذلك ما كان من شخوص المأمون من سَلَغُوس إلى الرّقة، وقتله بـها ابنَ أخت الداري .

وفيها أمر بتفريغ الرّافقة لينـزلـها حشمه، فضجّ من ذلك أهلها فأعفاهم .

وفيها وجّه المأمون ابنَه العباس إلى أرض الرّوم، وأمره بنزول الطُّوانة وبنائها  وكان قد وجّه الفَعَلة والفروض، فابتدأ البناء، وبناها ميلاً في ميل، وجعل سورَها على ثلاثة فراسخ، وجعل لها أربعة أبواب، وبنى على كلّ باب حصْناً ؛ وكان توجيهُه ابنَه العباس في ذلك في أوّل يوم من جمادى .

وكتب إلى أخيه أبي إسحاق بن الرّشيد ؛ أنه قد فرض على جُند دمشق وحمْص والأردن وفلسطين أربعة آلاف رجل، وأنه يجري على الفارس مائة درهم، وعلى الرّاجل أربعين درهماً، وفرضَ على مصر فَرْضاً، وكتب إلى العباس بمَنْ فرض على قِنَّسرين والجزيرة، وإلى إسحاق بن إبراهيم بمن فرض على أهل بغداد وهم ألف رجل، وخرج بعضهم حتى وافَى طُوانة ونزلها مع العباس .

تلك هي الوقائع والأحداث التي تمت فيها امتحان الفقهاء والمحدثين وقد عرفت في التاريخ باسم المحنة، فما هي الدوافع لتلك المحنة ؟ !! هل الدوافع دوافع عقدية أي ذات موضوع إيماني ؟ لقد حاول المؤرخون ـ وهم من الأشاعرة على وجه الغالب ـ تفسير المحنة تفسيرا يتلائم مع وجه نظرهم عن قصد وعمد، فنقلوا المحنة من موضوعها وهو صراع الأموية مع العباسية، وأهل الحديث منحازون انحيازا تاما للأموية، فالمحنة صراع سياسي بين سلطة عباسية سعت لاحتواء خطر التشيع بالتقرب إليهم وبين علماء الحديث المصابون أمس واليوم بقصر نظرهم عن إدراك الدوافع التي دفعت المأمون لهذا التقرب . ( ما تحته خط هو تعقيب من المؤلف )

رسائل المأمون

على من يريد قراءة المحنة في دواعيها، أنْ يقوم بقراءة رسائل المأمون إلى نائبه في بغداد، ويتدبر تلك الرسائل، وهي من إنشاء المأمون نفسه، وكان قاضيه يحيى ابن أكثم وهو مدون في طبقات الحنابلة، ليدرك أنَّ المأمون رجل دولة، وهو عالم بالعلم الشرعي، وهو صاحب دراية واسعة في معرفة الممتحنين وسلوكهم، ويضحك المرء كثيرا عند وجوده عبارة تؤدي إلى أنَّ المأمون مجرد ألعوبة بيد المعتـزلة، مثل قولهم : ( واتخذوا الخليفة المأمون أبا جعفر عبد الله بن هارون الرشيد أداة لنشر بدعتهم، وترويج ضلالهم، فقد أزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وحسنوا إليه قبيح القول بخلق القرآن،  فصار إلى مقالتهم !!! .

من هنا الكلام منقول من الطبري.

أحداث 218هـ

وفي هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة والمحدّثين، وأمر بإشخاص جماعة منهم إليه إلى الرّقّة ؛ وكان ذلك أوّل كتاب كتب في ذلك، ونسخة كتابه إليه :

الرسالة الأولى

أما بعد ؛ فإن حقّ الله على أئمة المسلمين وخلفائهم، الاجتهادُ في إقامة دين الله الذي استحفظهم، ومواريث النبوّة التي أورثهم، وأثْر العلم الذي استودعهم، والعملُ بالحقّ في رعيّتهم، والتشمير لطاعة الله فيهم، واللهَ يسألُ أميرُ المؤمنين أنْ يُوَفِّقَهُ لعزيمة الرّشد وصريمته، والإِقساط فيما ولاّه الله من رعيّته، برحمته ومنّته. وقد عرف أمير المؤمنين : أنّ الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حَشْو الرعية، وَسَفَلَةِ العامة، ممن لا نظرَ له، ولا روّية ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته، والاستضاءة بنور العلم وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق، أهلُ جهالة بالله، وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإِيمان به . ونكوبٍ عن واضحات أعلامه وواجب سبيله، وقصورٍ أنْ يقدّرُوا الله حقَّ قدره، ويعرفوه كُنْهَ معرفته، ويفرّقوا بينه وبين خلقه، لضعف آرائهم، ونقص عقولهم، وجفائهم عن التفكّر والتذكر ؛ وذلك أنـهم ساووا بين الله تبارك وتعالى وبين ما أُنزلَ من القرآن، فأطبقوا مجتمعين، واتّفقوا غير متعاجمين، على أنه قديم أوّل لم يخلقه الله ويُحْدِثه ويخترعه، وقد قال الله عز وجل في محكم كتابه، الذي جعله لما في الصدور شفاءً، وللمؤمنين رحمةً وهدًى : ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) الزخرف الآية 3، فكلُّ ما جعله الله فقد خلقه .

نقاش موجه للنابتة الـجديدة

أيتها النابتة !

المقصود بفعل جَعَلَ هو الحدوث بعد أنْ لم يكنْ، سواء في الذات أي وجود الذات المشخصة أو الحكم أو التحول، فَجَعَلَ لا تدلُّ ولا بأي صورة على عدم الحدوث، إنَّ الحدوث والخلق والحكم والتحويل كلها صورتـها الوجود ؛ بعد أنْ لم تكنْ، خلافا لزعم ورد في كتاب الحيدة، هنا لا بد من لفت النظر إلى أنَّ واحداً من الجهلاء المعاصرين، قام أخيرا بتحويل كتاب الحيدة إلى حوار في مشاهد تمثيلية، زعم أنَّ جَعَلَ لا تدل في كل موضع على خلق، كما هو مدون في الحيدة، ولكنه نسي أو تناسى عامدا، أنـها في كل معنى من معانيها دالة على الحدوث، ولا تدل أبدا على عدم الحدوث، فهل هو قادر على إدراك هذا المعنى ؟ وما يلزم منه ؟ وما يترتب عليه؟ .

كون النص أي نص القرآن يذكر الخلق، فهو حدوث أمر لم يكن موجودا، وكونه يذكر ( أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ )(الأعراف: من الآية54) فالخلق أحدث المخلوق أي الوجود ( العيان ) بعد أنْ لم يكن، والأمر توجه نحو المأمور على سبيل الحال أو على سبيل المقال ؛ فهو وجود ( عَرَضٍ ) بعد أنْ لم يكن، ولذلك قال تعالى : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (يّـس:82) وهذه الآية دالة على أنَّ أمر الله حادث ـ بعد أنْ لم يكن ـ أي مخلوق . فسبحان الله في هذه العقول الخاوية ! كيف ينطبق عليها قول الله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَذَابَ الحَرِيقِ ) (الحج:8، 9).

( ما سبق من قول هو تعليق من المعقب على الكتاب، وعلى من زعم أنَّ جعل لا تفيد الحدوث أي الخلق، فالوجود هو خالق ومخلوق حصرا )

تواصل مع كتاب المأمون

وقال تعالى : ( الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) (الانعام الآية 1)، وقال عزّ وجلّ : ( كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً ) (طه الآية 99)، فأخبر أنهُ قصصٌ لأمورٍ أحدثه بعدها وتلا به متقدّمها، وقال : ( الر  كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) (هود الآية 1)، وكل محكَمٍ مفصَّل فله محكِم مفصِّل، والله محكمُ كتابه ومفصله ؛ فهو خالقه ومبتدعه .

ثم هم الذين جادلوا بالباطل فدعوا إلى قولهم، ونسبوا أنفسهم إلى السنة، وفي كلّ فصل من كتاب الله قصَص من تلاوته مبطل قولهم، ومكذّب دعواهم  يرد عليهم قولهم ونِحْلتهم . ثم أظهروا مع ذلك أنهم أهل الحقّ والدين والجماعة ؛ وأن مَنْ سواهم أهل الباطل والكفر والفُرْقة، فاستطالوا بذلك على النّاس، وغرّوا به الجهّال، حتى مال قوم من أهل السَّمْت الكاذب، والتخشع لغير الله، والتقشّف لغير الدين، إلى موافقتهم عليه، ومواطأتـهم على سيء آرائهم، تزّيّناً بذلك عندهم وتصنعاً للرياسة والعَدالة فيهم، فتركوا الحق إلى باطلهم، واتّخذُوا دون الله وليجة إلى ضلالتهم، فقبِلت بتزكيتهم لهم شهادتهم، ونفذت أحكام الكتاب بهم على دَغَل دينهم، ونغَل أديمهم، وفساد نيّاتـهم ويقينهم . وكان ذلك غايتهم التي إليها أجرْوا وإياها طلبوا في متابعتهم والكذب على مولاهم، وقد أخِذ عليهم ميثاق الكتاب ألاّ يقولوا على الله إلا الحقّ، وَدَرسوا ما فيه، قال تعالى فيهم وفي من على شاكلتهم اليوم وهم في زمن التردي هذا كثروا وزادت جهالتهم وأصروا عليها ( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ *أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (محمد : 23-24) .

فرأى أمير المؤمنين أنَّ أولئك شرُّ الأمة ورؤوس الضّلالة، المنقوصين من التوحيد حظَّا، والمخسوسون من الإِيمان نصيباً، وأوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه ؛ من أهل دين الله، وأحقّ من يُتّهم في صدقه، وتطرح شهادته، لا يوثَق بقوله ولا عمله ؛ فإنه لا عمل إلا بعد يقين، ولا يقينَ إلاّ بعد استكمال حقيقة الإِسلام، وإخلاص التوحيد، ومن عَمَي عن رُشْده وحظّه من الإِيمان بالله وبتوحيده ؛ كان عمّا سوى ذلك من عمله والقصد في شهادته أعمى وأضلّ سبيلاً. ولعمرُ أمير المؤمنين إنَّ أحجى الناس بالكذب في قوله، وتخرّص الباطل في شهادته، من كذب على الله ووحيه، ولم يعرف الله حقيقةَ معرفته، وإنّ أولاهم بردّ شهادته في حكم الله ودينه من رد شهادة الله على كتابه، وبَهت حق الله بباطله.

فاجمعْ من بحضْرتك من القُضاة، واقرأ عليهم كتابَ أمير المؤمنين هذا إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون وتكشيفهم عما يعتقدون، في خلق الله القرآن وإحداثه، وأعلمهم أنّ أمير المؤمنين غير مستعين في عمله، ولا واثق فيما قلده الله، واستحفظه من أمور رعيّته بمن لا يوثَق بدينه وخلوص توحيده ويقينه ؛ فإذا أقرّوا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه، وكانوا على سبيل الهدى والنجاة . فمرهم بنصّ من يحضُرهم من الشهود على الناس ومسألتهم على علمهم في القرآن، وترك إثبات شهادة من لم يقرّ أنه مخلوق محدَث ولم يره، والامتناع من توقيعها عنده . واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم ؛ والأمر لهم بمثل ذلك ؛ ثم أشرف عليهم وتَفَقَّد آثارهم حتى لا تنفذ أحكام الله إلا بشهادة أهل البصائر في الدّين والإِخلاص للتوحيد، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك، إن شاء الله .

محاولة فهم دلالات الرسالة الأولى

على ماذا يدل مضمون هذه الرسالة ؟ هل سعت الرسالة لنشر الأصول الخمسة للمعتـزلة ؟ أم سعت لاثبات التوحيد التنزيهي ؟ وهو أمر مشترك بين جميع التوجهات الإسلامية في فترة المأمون : من جهمية جبرية، أهم ممثل لها في زمن المأمون بشر المريسي، أو معتـزلة عدلية، من أهم ممثليها في تلك الفترة : أبو معن النميري ثمامة بي الأشرس وأبو موسى المردار والجعفران : جعفر بن  مبشر وجعفر بن حرب وهؤلاء من معتـزلة بغداد مع وجود خلاف حول ثمامة ، وأبو الهذيل العلاف، وإبراهيم بن سيار النظام، وعمرو بن عثمان الجاحظ، وأحمد بن أبي دؤاد، وكل هؤلاء من مدرسة البصرة، وشيعة زيدية عدلية أو أحناف بـهم بعض ميل لشيء من الإرجاء ومثلهم في ذلك الإمامية والإسماعيلية أو الباقي من فرق الخوارج ولم يكن مخالفا لهم في ذلك إلاَّ الكرامية المجسمة وأهل الحديث ولم تكن الأشعرية والماتريدية قد وجدتا بعد، فكيف وصف المأمون بأنه معتـزلي ؟ مع عدم وجود كلمة واحدة تدل أو تكشف على أنه يتبنى رأي المعتـزلة في خلق أفعال العباد من قبلهم لا من قبل الله تعالى وهو الأمر الخاص الذي تميز به المعتزلة والزيدية عن جميع التوجهات الإسلامية أنظر إلى قوله في بداية رسالته : ( أمَّا بعد فإنَّ حقَّ اللهِ على أئمة المسلمين وخلفائهم الاجتهاد في إقامة الدين الذي استحفظهم ومواريث النبوة التي أورثهم وأثر العلم الذي استودعهم ) فنظرية الجبر بل والحق الإلهي واضحان كل الوضوح في الأفعال التي وضع تحتها خط، هاتان الحقيقتان وهي جبرية المأمون  والحق الإلهي، غابتا تماما عند قراءة المحنة .

تواصل مع رسائل المأمون

( وضعت أرقام متسلسلة للممتحنين من قبل الجامع لهذا الكتاب والمعلق عليه أي : أمين نايف ذياب )

وكتب في شهر ربيع الأول سنة ثمان عشرة ومائتين.

وكتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في إشخاص سبعة نفر، منهم 1- محمد بن سعد كاتب ألواقدي 2- وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون 3- ويحيى بن معين 4- وزهير بن حرب أبو خيثمة 5- وإسماعيل بن دؤاد 6- وإسماعيل بن أبي مسعود 7- وأحمد بن الدّوْرقيّ ؛ فأشخِصوا إليه، فامتحنهم وسألهم عن خلْق القرآن، فأجابوا جميعاً إن القرآن مخلوق، فأشخصهم إلى مدينة السلام وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم دارَه، فشهر أمرهم وقولهم بحضْرة الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث، فأقرُّوا بمثل ما أجابوا به المأمون، فخلَّى سبيلهم . وكان ما فعل من ذلك إسحاق بن إبراهيم بأمر المأمون .

الرسالة الثانية

وكتب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم :

أمَّا بعد ُ، فإنّ من حق الله على خلفائه في أرضه، وأمنائه على عباده، الذين ارتضاهم لإقامة دينه، وحمّلهم رعايةَ خلْقه وإمضاء حكمه وسُنَنه والإتمام بعدله في بريته، أن يُجهدوا لله أنفسهم، وينصحوا له فيما استحفظهم وقلدهم، ويدلوا عليه- تبارك اسمه وتعالى- بفضل العلم الذي أودعهم، والمعرفة التي جعلها فيهم، ويهدوا إليه من زاغ عنه، ويردّوا مَنْ أدبر عن أمره، وينهجوا لرعاياهم سَمْت نجاتـهم، ويقِفوهم على حدود إيمانـهم وسبيلِ فوزهم وعصمتهم ويكشفوا لهم مغطّيات أمورهم ومشتبهاتـها عليهم، بما يدفعون الرّيْب عنهم، ويعود بالضياء والبيِّنة على كافّتهم، وأن يؤثِرُوا ذلك من إرشادهم وتبصيرهم، إذْ كان جامعاً لفنون مصانعهم، ومنتظماً لحظوظ عاجلتهم وآجلتهم، ويتذكَّروا ما الله مُرصدٌ من مساءلتهم عمّا حُمِّلوه، ومجازاتهم بما أسلفوه وقدموا عنده، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله وحدَه، وحسبه الله وكفى به . ومما بيّنه أمير المؤمنين برويّتِه، وطالعه بفكره، فتبيّنَ عظيم خطره، وجليل ما يرجع في الدين من وكْفه وضرره، ما ينال المسلمون بينهم من القول في القرآن الذي جعله الله إماماً لـهم، وأثراً من رسول الله(ص) وصفيّه محمد(ص) باقياً لـهم، واشتباهه على كثير منهم، حتى حسن عندهم، وتزيّن في عقولهم ألا يكون مخلوقاً، فتعرّضوا بذلك لدفع خلق الله الذي بان به عن خلقه، وتفرّد بجلالته ؛ من ابتداع الأشياء كلها بحكمته وإنشائها بقدرته، والتقدّم عليها بأوليّته التي لا يُبلَغ أولاها، ولا يدرك مداها ؛ وكان كل شيء دونه خَلْقاً من خلقه، وحدَثا هو المحِدث له ؛ وإنْ كان القرآن ناطقاً به ودالاًّ عليه، وقاطعاً للاختلاف فيه، وضاهَوْا به قول النصارى في دعائهم في عيسى بن مريم : إنه ليس بمخلوق ؛ إذ كان كلمة الله، والله عزّ وجلّ يقول : ( إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرْآناً عَرَبيًّا ) (&)، وتأويل ذلك أنا خلقناه كما قال جلّ جلاله : ( وَجَعَلَ مِنهَا زَوْجهَا ليَسْكُنَ إِلَيْهَا ) (&)وقال : ( وجَعَلْنَا اللَّيْلَ لباساً وَجَعَلنَا النَّهَارَ مَعاشا ) (&)، وقال : ( وَجَعَلنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شيْءٍ حَيٍّ ) (&)فسوّى U بين القرآن وبين هذه الخلائق التي ذكرها في شية الصنعة، وأخبرَ أنه جاعله وحدَهُ، فقال : ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ  فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) (&)، فدل ذلك على إحاطة اللوح بالقرآن، ولا يحاط إلا بمخلوق، وقال لنبيه (ص) : ( لا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) (&)وقال : ( مَا يَأْتيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ) (&)، وقال : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افتَرَى عَلى اللهِ كَذِباً أَوْ كذَّبَ بآيَاتِهِ ) (&)، وأخبر عن قوم ذمَّهم بكذبهم أنهم قالوا : ( مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيءٍ ) (&)، ثم أَكذبهم على لسان رسوله فقال لرسوله : ( قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسى ) (&)، فسمّى الله تعالى القرآن قرآناً، وذكراً، وإيماناً، ونوراً، وهدًى، ومباركاً، وعربياً، وقصصاً، فقال : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ) (&)، وقال : ( قُل لَئِنِ اجْتمَعتِ الإِنْسُ والجنُّ على أَن يَأْتوا بمثلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يأْتُونَ بِمثْلِهِ ) (&)، وقال : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (&)، وقالَ : ( لاَ يأتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه وَلاَ مِنْ خَلْفِه ) (&)فجعل له أَولا وآخراً، ودلّ عليه أَنه محدود مخلوق .

وقد عَظّم هؤلاء الجهلة بقولهم في القرآن الثّلْمَ في دينهم، والحرجَ في أمانتهم وسهّلوا السبيلَ لعدوّ الإسلام، واعترفوا بالتبديل والإِلحاد على قلوبـهم حتى عرّفوا ووصفوا خَلْق الله وفعلَه بالصّفة التي هي لله وحده، وشبّهوه به، والاشتباهُ أولى بخلقه . وليس يرى أميرُ المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظًّا في الدّين، ولا نصيباً من الإِيمان واليقين، ولا يرى أن يحلّ أحداً منهم محلّ الثقة في أمانة، ولا عدالة ولا شهادة ولا صدق في قول ولا حكاية، ولا تولية لشيء من أمر الرّعيّة، وإن ظهر قصْد بعضهم، وعُرف بالسداد مسدّدٌ فيهم، فإن الفروع مردودة إلى أصولها، ومحمولة في الحمْد والذمّ عليها ؛ ومن كان جاهلاً بأمر دينه الذي أمره الله به من وحدانيته فهو بما سوّاه أعظم جهلاً، وعن الرّشد في غيره أعمى وأضلّ سبيلاً.

فاقرأ على جعفر بن عيسى وعبد الرحمن بن إسحاق القاضي كتاب أمير المؤمنين بما كتب به إليك، وانصصهما عن علمهما في القرآن، وأعلمهما أن أمير المؤمنين لا يستعين على شيء من أمور المسلمين، إلاّ بمن وثق بإخلاصه وتوحيده، وأنه لا توحيد لمن لم يقر بأن القرآن مخلوق، فإن قالا بقول أمير المؤمنين في ذلك، فتقدّمْ إليهما في امتحان مَنْ يحضر مجالسهما بالشّهادات على الحقوق، ونصّهم عن قولهم في القرآن ؛ فمن لم يقلْ منهم إنه مخلوق أبطلا شهادته، ولم يقطعا حكماً بقوله ؛ وإن ثبت عفافُه بالقصد والسّداد في أمره . وافعل ذلك بمن في سائر عملك من القضاة، وأشرف عليهم إشرافاً يزيد الله به ذا البصيرة في بصيرته، ويمنع المرتاب من إغفال دينه، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك في ذلك . إن شاء الله .

وقفة مع هذه الرسالة

تفصح هذه الرسالة واضحا عما يترتب في ذهن المأمون من تبنيه لمسألة خلق القرآن فهي تظهر أمرين بجلاء ووضوح :

1.موقفه من حقه بتولي الخلافة، فهو يراها استحقاقا شرعيا، أي الاستمرار على نظرية جد والده أي نظرية أبي جعفر المنصور ( أي الحق الإلهي ) بتولية أمر المسلمين، والمعتزلة هم أشد أعداء هذا الحق الإلهي، فهم المنظرون لعقد المراضاة، وانظر في الرسالة أقواله التالية : خلفائه في أرضه، أُمنائه على عباده، ارتضاهم لإقامة دينه، ويكشفوا لهم مغطَّيات أمورهم ومشتبهاتـها عليهم، فمثل هذه الأقوال تتناقض تناقضا تاما مع نظرية المعتـزلة في الإمامة، فكيف يزعم الزاعمون بعد هذا الدليل أنه من المعتزلة ؟ !!! .

2. ارتباط القول بخلق القرآن بالتوحيد التـنـزيهي ؛ وليس بالأصل الثاني للمعتـزلة ؛ وهو القول بالعدل ؛ والذي يغيب تماما عن مضمون رسائل المأمون، أنظر قوله : وضاهوا به قول النصارى في عيسى بن مريم من دعائهم " أنَّه ليس بمخلوق "، وقوله: وأنه لا توحيد لمن لم يقر بأنَّ القرآن مخلوق . لقد وضع المعتـزلة مسألة خلق القرآن كمسألة من مسائل العدل ففي شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار وضع فصلا في القرآن وذكر الخلاف فيه قال رحمه الله : " ووجه اتصاله بباب العدل هو : أنَّ القرآن فعل من أفعال الله تعالى، يصح أنْ يقع على وجه فيقبح، وعلى وجه آخر فيحسن، وباب العدل كلام في أفعاله، وما يجوز أنْ يفعله، وما لا يجوز .

وأيضا فإنه له بما كنا فيه من قبل اتصالا شديداً، فإنَّه من إحدى نعم الله، بل من أعظم النعم، فإليه يرجع الحلال والحرام، وبه تعرف الشرائع والأحكام ،

تطبيق اسحق بن إبراهيم للرسائل

قال : فأحضر إسحاقُ بن إبراهيم لذلك جماعة من الفقهاء والحكام والمحدّثين  واحضر 1- أبا حسان الزياديّ 2- وبشر بن الوليد الكنديّ 3- وعليّ بن أبي مقاتل 4- والفضل بن غانم 5- والذيّال بن الهيثم 6- وَسجّادة 7- والقواريريّ 8- وأحمد بن حنبل 9- وقُتيبة 10- وسعدوية الواسطيّ 11- وعليّ بن الجعد 12- وإسحاق بن أبي إسرائيل 13- وابن الهرْش 14- وابن عُلَيّة الأكبر 15- ويحيى بن عبد الرحمن العمريّ 16- وشيخاً آخر من ولد عمر بن الخطاب - كان قاضي الرقة- 17- وأبا نصر التّمار 18- وأبا مَعْمَر القطيعيّ 19- ومحمد بن حاتم بن ميمون 20- ومحمد بن نوح المضروب 21- وابن الفَرُّخان 22- وجماعة منهم : 23- النضْر بن شُمَيل 24- وابن عليّ بن عاصم 25- وأبو العوام البزّاز 26- وابن شجاع 27- وعبد الرحمن بن إسحاق . فأدخلوا جميعاً على إسحاق، فقرأ عليهم كتاب المأمون هذا مرتيْن حتى فهموه .

مع بشر بن الوليد

ثم قال لبشر بن الوليد : ما تقولُ في القرآن ؟ فقال : قد عرّفتُ مقالتي لأمير المؤمنين غير مرّة ؛ فقال إسحق : فقد تجدّدَ من كتاب أمير المؤمنين ما قد ترى، فقال: أقول : القرآن كلام الله، قال : لَمْ أسالكَ عن هذا، أمخلوق هو ؟ قال : الله خالق كلّ شيء، قال: ما القرآن شيء ؟ قال : هو شيء، قال : فمخلوق ؟ قال : ليس بخالق، قال : ليس أسألك عن هذا، أمخلوق هو ؟ قال : ما أحسِنُ غيرَ ما قلت لك، وقد استعهدتُ أمير المؤمنين ألاّ أتكلم فيه، وليس عندي غير ما قلت لك . فأخذ إسحاق بن إبراهيم رقعةً كانت بين يديه، فقرأها عليه، ووقّفَه عليها، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله أحداً فرْداً، لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه في معنىً من المعاني، ولا وجه من الوجوه، قال : نعم ؛ وقد كنت أضرب الناس على دون هذا، فقال للكاتب : اكتب ما قال .

مع علي بن أبي مقاتل

ثم قال لعليّ بن أبي مقاتل : ما تقول يا عليّ ؟ قال : قد سمَّعتُ كلامي لأمير المؤمنين في هذا غير مرّة وما عندي غير ما سمع، فامتحنه بالرقعة فأقرّ بما فيها، ثم قال : القرآن مخلوق ؟ قال : القرآن كلام الله، قال : لم أسألك عن هذا، قال : هو كلام الله ؛ وإنْ أمَرَنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا واطعنا. فقال للكاتب : اكتب مقالته .

مع الذيال

ثم قال للذيّال نحواً من مقالته لعليّ بن أبي مقاتل، فقال له مثل ذلك .

مع أبي حسان الزيادي

ثم قال لأبي حسان الزياديّ : ما عندك ؟ قال: سلْ عما شئت، فقرأ عليه الرّقعة ووقّفه عليها، فأقرّ بما فيها. ثم قال : من لم يقل هذا القول فهو كافر، فقال : القرآن مخلوق هو ؟ قال : القرآن كلام الله والله خالق كلّ شيء، وما دون الله مخلوق، وأمير المؤمنين إمامنا وبسببه سمعنا عامّة العلم، وقد سمع ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، وقد قلّده الله أمرنا، فصار يقيم حجنا وصلاتنا، ونؤدي إليه زكاة أموالنا، ونجاهد معه، ونرى إمامته إمامةً، إن أمرَنا ائتمرنا، وإن نهانا انتهينا، وإن دعانا أجبنا. قال : القرآن مخلوق هو ؟ فأعاد عليه أبو حسان مقالته، قال : إن هذه مقالة أمير المؤمنين، قال : قد تكونُ مقالة أمير المؤمنين ولا يأمر بها الناس ولا يدعوهم إليها ؛ وإنْ أخبرتَني أن أمير المؤمنين أمَرك أن أقول، قلتُ ما أمرتَني به ؛ فإنك الثقة المأمون فيما أبلغتَني عنه من شيء ؛ فإن أبلغتَني عنه بشيء صرت إليه، قال: ما أمرني أن أبلغك شيئاً. قال عليّ بن أبي مقاتل : قد يكون قولُه كاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفرائض والمواريث، ولم يحملوا الناس عليها، قال له أبو حسان : ما عندي إلا السمع والطاعة، فمرني آتمر، قال : ما أمرني أن آمرك ؛ وإنما أمرني أن أمتحنَك .

مع أحمد بن حنبل

ثم عاد إلى أحمد بن حنبل، فقال له : ما تقول في القرآن ؟ قال : هو كلام الله، قال : أمخلوق هو ؟ قال : هو كلام الله لا أزيد عليها، فامتحَنه بما في الرّقعة، فلما أتى على “ليس كمثله شيء”، قال : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (الشورى الآية 11) وأمسك عن لا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني، ولا وجه من الوجوه، فاعترض عليه ابن البكَّاء الأصغر، فقال : أصلحك الله ! إنه يقول : سميع من أذن، بصير من عين، فقال إسحاق لأحمد بن حنبل : ما معنى قوله : {سَمِيعٌ بَصِيرٌ} ؟ قال : هو كما وصف نفسه، قال : فما معناه ؟ قال : لا أدري، هو كما وصف نفسه .

ثم دعا بـهم رُجلاً رجلاً، كلهم يقول : القرآن كلام الله، إلا هؤلاء النّفر : 1- قتيبة 2- وعبيد الله بن محمد بن الحسن 3- وابنُ علَيّة الأكبر 4- وابن البكَّاء 5- وعبد المنعم بن إدريس ابن بنت وهب بن منبّه 6- والمظفّر بن مُرَجّاً 7- ورجلاً ضريراً ليس من أهل الفقه ولا يعرَف بشيء منه إلا أنه دُسّ في ذلك الموضع 8- ورجلا من ولد عمر بن الخطاب قاضي الرَّقة 9- وابن الأحمر .

مع ابن البكَّاء

فأما ابنُ البكاء الأكبر فإنه قال : القرآن مجعول لقول الله تعالى : ( إنَّا جَعَلنَاه قُرْآنَا عَرَبيًّا ) (&)والقرآن محدَث لقوله : ( مَا يأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ) (&)قال له إسحاق : فالمجعول مخلوق ؟ قال : نعم، قال : فالقرآن مخلوق ؟ قال : لا أقول مخلوق، ولكنه مجعول ؛ فكتب مقالته .

فلمّا فرغ من امتحان القوم، وكتب مقالاتهم اعترض ابن البكَّاء الأصغر، فقال : أصلحك الله ! إنَّ هذين القاضيين أئمة، فلو أمرتـهما فأعادا الكلام ! قال له إسحاق : هما ممّن يقوم بحجة أمير المؤمنين، قال : فلو أمرتهما أنْ يُسمعانا مقالتهما، لنحكي ذلك عنهما ! قال له إسحاق : إنْ شهدت عندهما بشهادة، فستعلم مقالتهما إنْ شاء الله .

فكتب مقالة القوم رجلا رجلا، ووُجّهت إلى المأمون، فمكث القوم تسعة أيام ؛ ثم دعا بهم وقد ورد كتاب المأمون جواب كتاب إسحاق بن إبراهيم في أمرهم، ونسخته :

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد ؛ فقد بلغ أميرَ المؤمنين كتابُك جواب كتابه كان إليك، فيما ذهب إليه متصنّعة أهل القبْلة وملتمسو الرّئاسة، فيما ليسوا له بأهل من أهل الملة من القول في القرآن، وأمرك به أمير المؤمنين من امتحانهم، وتكشيف أحوالهم وإحلالهم محالَّهم . تذكر إحضارك جعفر بن عيسى وعبد الرحمن بن إسحاق عند ورود كتاب أمير المؤمنين مع من أحضرت ممّن كان ينسب إلى الفقه، ويعرف بالجلوس للحديث، وينصب نفسه للفُتْيا بمدينة السلام، وقراءتك عليهم جميعاً كتابَ أمير المؤمنين، ومسألتك إياهم عن اعتقادهم في القرآن، والدلالة لهم على حظِّهم، وإطباقهم على نفي التشبيه واختلافهم في القرآن، وأمرك مَنْ لم يقل منهم إنه مخلوق بالإمساك عن الحديث والفتوى في السرّ والعلانية، وتقدّمك إلى السنديّ وعباس مولى أمير المؤمنين بما تقدّمت به فيهم إلى القاضيْتن بمثل ما مثّل لك أمير المؤمنين من امتحان مَنْ يحضر مجالسهما من الشهود، وبثّ الكتب إلى القضاة في النواحي من عملك بالقدوم عليك، لتحملهم وتمتحنهم على ما حدّه أميرُ المؤمنين، وتثبيتك في آخر الكتاب أسماء مَنْ حضر ومقالاتهم، وفهم أمير المؤمنين ما اقتصصتَ .

وأمير المؤمنين يحمّد الله كثيراً كما هو أهله، ويسأله أن يصلِّي على عبده ورسوله محمد (ص)، ويرغبُ إلى الله في التوفيق لطاعته، وحسن المعونة على صالح نيّته برحمته . وقد تدبّر أميرُ المؤمنين ما كتبتَ به من أسماء مَنْ سألت عن القرآن، وما رجع إليك فيه كلّ امرئ منهم، وما شرحت من مقالتهم .

رد المأمون على بشر بن الوليد

فأمّا ما قال المغرور بشر بن الوليد في نفي التشبيه، وما أمسك عنه من أنّ القرآن مخلوق، وادّعى من تركه الكلام في ذلك، واستعهاده أميرَ المؤمنين، فقد كذب بشر في ذلك وكفر، وقال الزور والمنكر، ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك ولا في غيره عهدٌ ولا نظرٌ أكثر من إخباره أميرَ المؤْمنين من اعتقاده كلمةَ الإِخلاص، والقول بأنّ القرآن مخلوق، فادعُ به إليك، وأعلمه ما أعلمك به أميرُ المؤْمنين من ذلك، وأنصِصْه عن قوله في القرآن، واستتبْه منه ؛ فإنّ أمير المؤمنين يرى أن تستتيب مَن قال بمقالته ؛ إذ كانت تلك المقالة الكفر الصّراح، والشّرْك المحض عند أمير المؤمنين، فإن تاب منها فأشهر أمره، وأمسك عنه ؛ وإن أصرّ على شركه، ودفع أن يكون القرآن مخلوقاً بكفره وإلحاده، فاضرب عنقه، وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه ؛ إن شاء الله .

إضافة المأمون عمه إبراهيم بن المهدي

وكذلك إبراهيم بن المهديّ فامتحنه بمثل ما تمتحن به بشراً ؛ فإنه كان يقول بقوله . وقد بلغتْ أمير المؤمنين عنه بوالغ ؛ فإن قال : إنّ القرآن مخلوق فأشهرْ أمره وأكشفه ؛ وإلاّ فاضرب عنقه وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه ؛ إن شاء الله .

الرد على علي بن أبي مقاتل

وأما عليّ بن أبي مقاتل، فقلْ له : ألستَ القائلَ لأمير المؤمنين : إنّك تُحلّل وتحرّم، والمكلّم له بمثل ما كلّمتَه به ؛ مما لم يذهب عنه ذكره ! .

رد المأمون على الذيال بن الهيثم

وأما الذّيال بن الهيثم ؛ فاعلمه أنه كان في الطعام الذي كان يسرقه في الأنبار وفيما يستولي عليه من أمر مدينة أمير المؤمنين أبي العباس ما يشغله ؛ وأنّه لو كان مقتفياً آثار سلفه، وسالكاً مناهجهم، ومحتذَياً سبيلَهم، لما خرج إلى الشرك بعد إيمانه.

رد المأمون على أحمد بن يزيد المعروف بابن العوام

وأما أحمد بن يزيد المعروف بأبي العوّام، وقوله إنه لا يحسن الجواب في القرآن، فأعلمه أنه صبيّ في عقله لا في سنّه، جاهل، وأنه إن كان لا يحسن الجواب في القرآن فسيُحسنه إذا أخذه التأديب، ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك، إن شاء الله .

رد المأمون على أحمد بن حنبل

وأما أحمد بن حنبل وما تكتب عنه ؛ فأعلمه أنّ أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك المقالة وسبيلَه فيها، واستدلّ على جهله وآفته بـها .

رد المأمون على الفضل بن غانم

وأما الفضلُ بن غانم ؛ فأعلمه أنه لم يخفَ على أمير المؤمنين ما كان منه بمصر، وما اكتسب من الأموال في أقلّ من سنة، وما شجَر بينه وبين المطّلب بن عبد الله في ذلك  ؛ فإنه مَنْ كان شأنَه، وكانت رغبته في الدّينار والدرهم، فليس بمستنكَر أن يبيع إيمانَه طمعاً فيهما، وإيثاراً لعاجل نفعهما، وأنه مع ذلك القائل لعليّ بن هشام ما قال، والمخالف له فيما خالفه فيه ؛ فما الذي حال به عن ذلك ونقله إلى غيره ؟ ! .

رد المأمون على الزيادي

وأمَّا الزّياديّ، فأعلمهُ أنه كان منتحلاً، ولا كأوّلَ دَعيٍّ كان في الإسلام خولف فيه حكم رسول الله، وكان جديراً أن يسلك مسلَكه، فأنكر أبو حسّان أن يكون مولىً لزياد أو يكون مولىً لأحد من الناس ؛ وذُكر أنه إنما نسب إلى زياد لأمر من الأمور .

رد المأمون على أبي نصر التمَّار

وأما المعروف بأبي نصر التمّار ؛ فإن أمير المؤمنين شبّه خَساسة عقله بخساسة متجره .

رد المأمون على الفضل بن الفَرُّخان

وأما الفضل بن الفَرُّخان، فاعلمه أنه بالقول الذي قاله في القرآن أخذ الودائع التي أودعها إياه عبد الرحمن بن إسحاق وغيره تربُّصاً بمن استودعه، وطمعا في الاستكثار لما صار في يده، ولا سبيلَ عليه عن تقادم عهده، وتطاول الأيام به، فقلْ لعبد الرحمن بن إسحاق: لا جزاك الله خيرا عن تقويتك مثل هذا واتِّمانك إياه، وهو معتقد للشرك منسلخ من التوحيد .

رد المأمون على ثلاثة يأكلون الربا

وأما محمد بن حاتم، وابن نوح، والمعروف بأبي معمَر ؛ ـ يتكلم المأمون هنا عن ثلاثة أشخاص ولم يذكر إلاَّ اثنين لعل الثالث قد سقط من الناسخ ـ فأعلمْهُم أنـهم مشاغيل بأكل الرّبا عن الوقوف على التوحيد، وأن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله ومجاهدتـهم إلا لإربائهم، وما نزل به كتاب الله في أمثالهم، لاستحلّ ذلك، فكيف بـهم وقد جمعوا مع الإرباء شرْكاً، وصار[وا] للنصارى مثلاً ! .

رد المأمون على أحمد بن شجاع

وأما أحمد بن شجاع ؛ فأعلمه أنك صاحبه بالأمس، والمستخرج منه ما استخرجتَه من المال الذي كان استحلّه من مال عليّ بن هشام ؛ وأنه ممّن الدينار والدرهم دريتُه.

رد المأمون على سعدويه الواسطي

وأما سَعدويه الواسطيّ، فقل  له : قبح الله رجلا بلغ به التَصنّع للحديث، والتزين به، والحِرْص على طلب الرئاسة فيه ؛ أن يتمنّى وقت المحنة، فيقول بالتقرّب بـها متى يمتحن، فيجلس للحديث !

رد المأمون على سجادة

وأما المعروف بسجّادة، وإنكاره أن يكون سمع ممّن كان يجالس من أهل الحديث وأهل الفقه القول بأنّ القرآن مخلوق، فأعلمه أنه في شغله بإعداد النّوى، وحكّه لإصلاح سجادته، وبالودائع التي دفعها إليه عليّ بن يحيى وغيره، ما أذهلَه عن التوحيد وألهاه، ثم سله عما كان يعقوب المشهور بابن أبي يوسف ومحمد بن الحسن يقولانه ؛ إن كان شاهدَهما وجالسهما.

رد المأمون على القواريري

وأما القواريريّ ؛ ففيما تكشّف من أحواله وقبوله الرّشا والمصانعات، ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه، وقد انتهى إلى أمير المؤمنين أنه يتولّى لجعفر بن عيسى الحسنيّ مسائله، فتقدّم إلى جعفر بن عيسى في رفضه، وترك الثقة به والاستنامَة إليه .

رد المأمون على العمري

وأما يحيى بن عبد الرحمن العمريّ، فإن كان من ولد عمر بن الخطاب، فجوابه معروف .

رد المأمون على محمد بن الحسن بن علي بن عاصم

وأما محمد بن الحسن بن عليّ بن عاصم، فإنه لو كان مقتدياً بمن مضى من سلَفه، لم ينتحل النّحلة التي حُكيت عنه، وإنه بعدُ صبيّ يحتاج إلى تعلم .

المأمون يوجه نظر المصعبي لأبي مسهر

وقد كان أمير المؤمنين وجّه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصّه أميرُ المؤمنين عن محنته في القرآن، فجمجم عنها ولجلج فيها، حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف، فأقرّ ذميماً، فأنْصِصْه عن إقراره ؛ فإن كان مقيماً عليه فأشهرْ ذلك وأظهره ؛ إن شاء الله .

تواصل مع رسالة المأمون

ومن لم يرجع عن شركه ممّن سميتَ لأمير المؤمنين في كتابك، وذكره أمير المؤمنين لك، أو أمسك عن ذكره في كتابه هذا ؛ ولم يقل إن القرآن مخلوق، بعد بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهديّ فاحملهم أجمعين موثَقين إلى عسكر أمير المؤمنين، مع من يقوم بحفظهم وحراستهم في طريقهم ؛ حتى يؤديهم إلى عسكر أمير المؤمنين، ويُسلِّمهم إلى مَنْ يؤمَن بتسليمهم إليه، لينصّهم أمير المؤمنين ؛ فإن لم يرجعوا ويتوبوا حملهم جميعاً على السيف، إن شاء الله، ولا قوّة إلا بالله .

وقد أنفذ أمير المؤمنين كتابه هذا في خريطة بنُداريّة ؛ ولم ينظر به اجتماع الكتب الخرائطيّة، معجّلا به، تقرُّباً إلى الله عزّ وجلّ بما أصدر من الحكم ورجاء ما اعتمد، وإدراك ما أمّل من جزيل ثواب الله عليه ؛ فأنفذ لما أتاك من أمر المؤمنين ؛ وعجّل إجابة أمير المؤمنين بما يكون منك في خريطة بُنْداريّة مفردة عن سائر الخرائط، لتعريف أمير المؤمنين ما يعملونه إن شاء الله.

وكتب سنة ثمان عشرة ومائتين.

فأجاب القوم كلُّهم حين أعاد القول عليهم إلى أنّ القرآن مخلوق، إلاّ أربعة نفر ؛ منهم أحمد بن حنبل، وسجّادة، والقواريريّ، ومحمد بن نوح المضروب . فأمر بـهم إسحاق بن إبراهيم فشُدّوا في الحديد ؛ فلما كان من الغد دعا بـهم جميعاً يساقون في الحديد، فأعاد عليهم المحنة، فأجابه سجّادة إلى أن القرآن مخلوق، فأمر باطلاق قَيْده وخلّى سبيلَه، وأصرَّ الآخرون على قولهم، فلمّا كان من بعد الغد عاودهم أيضاً، فأعاد عليهم القول، فأجاب القواريريّ إلى أن القرآن مخلوق، فأمر بإطلاق قيده وخلّى سبيله، وأصرّ أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما، ولم يرجعا، فشُدَّا جميعاً في الحديد، ووُجّها إلى طَرَسُوس، وكتب معهما كتاباً بإشخاصهما، وكتب كتاباً مفرداً بتأويل القوم فيما أجابوا إليه . فمكثوا أياماً، ثم دعا بهم فإذا كتابٌ قد ورد من المأمون على إسحاق بن إبراهيم، أن قد فهم أمير المؤمنين ما أجاب القوم إليه، وذكر سليمان بن يعقوب صاحب الخبر أنّ بشر بن الوليد تأوّل الآية التي أنزلها الله تعالى في عمار بن ياسر : ( إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مطمئِنٌّ بالإِيمان )(&) وقد أخطأ التأويل ؛ إنما عني الله عزّ وجلّ بهذه الآية مَنْ كان معتقد الإيمان، مظهرَ الشرك، فأما مَنْ كان معتقدَ الشرّك مظهر الإيمان ؛ فليس هذه له . فأشخصْهم جميعاً إلى طَرَسُوس ؛ ليقيموا بها إلى خروج أمير المؤمنين من بلاد الروم .

فأخذ إسحاق بن إبراهيم من القوم الكُفلاء ليوافُوا العسكر بطرَسوس، فأشخص أبا حسان وبشر بن الوليد والفضل بن غانم وعليّ بن أبي مقاتل والذّيال بن الهيثم ويحيى بن عبد الرحمن العمريّ وعليّ بن الجَعْد وأبا العوَّام وسجّادة والقواريريّ وابن الحسن بن عليّ بن عاصم وإسحاق بن أبي إسرائيل والنّضْر بن الفرُّخان وأحمد بن شجاع وأبا هارون بن البكّاء .

فلما صاروا الرَّقة بلغتهم وفاة المأمون ؛ فأمر بهم عنبسة بن إسحاق ـ وهو والي الرّقة ـ أن يصيروا إلى الرّقة، ثم أشخصهم إلى إسحاق بن إبراهيم بمدينة السلام مع الرسول المتوجّه بهم إلى أمير المؤمنين، فسلّمهم إليه، فأمرهم إسحاق بلزوم منازلهم، ثم رخّص لهم بعد ذلك في الخروج، فأما بشر بن الوليد والذّبال وأبو العوّام وعليّ بن أبي مقاتل ؛ فأنهم شخصوا من غير أن يؤذَن لهم حتى قدموا بغداد، فلقوا من إسحاق بن إبراهيم في ذلك أذىً، وقدم الاخرون مع رسول إسحاق بن إبراهيم ؛ فخلى سبيلهم .

وفي هذه السنة نُفّذت كتبُ المأمون إلى عمّاله في البلدان : من عبد الله عبد الله الإمام المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبي إسحاق بن أمير المؤمنين الرّشيد . وقيل إنّ ذلك لم يكتبه المأمون كذلك ؛ وإنما كتب في حال إفاقة من غَشْيَةٍ أصابته في مرضه بالَدَندُون، عن أمر المأمون إلى العباس بن المأمون، وإلى إسحاق وعبد الله بن طاهر ؛ أنه إن حدَث به الموت في مرضه هذا، فالخليفة من بعده أبو إسحاق ابن أمير المؤمنين الرّشيد . فكتب بذلك محمد بن دؤاد وختم الكتب وأنفذها.

فكتب أبو إسحاق إلى عمّاله : من أبي إسحاق أمير المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين .

فورد كتاب من أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد إلى إسحاق بن يحيى بن مُعاذ عامله على جند دمَشق يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلتْ من رجب، عنوانه: من عبد الله عبد الله الإمام المأمون أمير المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين أبي إسحاق أمير المؤمنين الرشيد : أما بعد ؛ فإنّ أمير المؤمنين أمر بالكتاب إليك في التقدّم إلى عمالك في حسن السيرة وتخفيف المؤونة وكف الأذى عن أهل عملِك ؛ فتقدّم إلى عمّالك في ذلك أشدّ التقدمة، واكتب إلى عمّال الخراج بمثل ذلك .

 

(8)

ذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل

جمع

أبي عبد الله حنبل بن إسحاق بن حنبل

قراءة وتعليق

أمين نايف ذياب

 

فصل (1)

تصدير  وهو للدكتور لاشين

سيأتي التعليق على تصديره بعده مباشرة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وتمسك بسنته إلى يوم الدين .

"أما بعد" فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في التمسك بالحق، والدفاع عن العقيدة، والصبر على الأذى، ورَفَضَ الإغراء، لقد عذب وأُغرىَ به صبيان الطائف، فقذفوه بالحجارة حتى أدموا قدميه، ووضع القذى على رقبته صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، وحوصر في الشعب هو وأهله، وقوطع مقاطعة اقتصادية رهيبة، وتؤومر على قتله، فما وهن وما استكان، وأُغريَ بالملك وما شاء من أموال، فكان جوابه : والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه .

ولقد وجد في أمته صلى الله عليه وسلم من سار على دربه، واهتدى بنوره، فاستعذب الآلام في سبيل الدفاع عن العقيدة الإسلامية الصحيحة، ولم يتزحزح عن قولة الحق في مواجهة الإمام الظالم، وصمد أمام العواصف والبرق والرعد حتى أظهر الله الحق  وأعلاه على الباطل .

من هؤلاء الإمام الصابر المحتسب أحمد بن حنبل، لقد تأججت فتنةُ خلق القرآن في عصره، وتطاير شررها على فقهاء الإسلام وعلمائه، ففر من نارها بعضهم، وتحايل عليها بعضهم، ووقف الإمام أحمد في صبر وثبات وقوة عقيدة وإيمان كأنه الجبل الراسخ، يدفع ويدافع، ويصد ويحمي، ويرد ويفتي .

وإذا كان الفرار مرخصا فيه أمام العدو الذي لا يُقدر عليه، فإن الاستبسال وبيع النفس هو المثل الأعلى، ومن هنا كان الإمام أحمد مثلا أعلى في وقت قلت فيه المثل العليا أو انعدمت .

ومن هنا كان الإمام أحمد بدرا في ليلة حالكة، ومن هنا كان الإمام أحمد بطل هذه المعركة بلا منازع، معركة خلق القرآن، ومن هنا اقترن اسمه بها، وارتبطت مأساتها به رضى الله عنه.

ولقد صور هذا الكتاب تلك البطولة الفذة في مواجهة الجيوش الخاسرة أبدع تصوير وأصدقه . صور الزبد والحق ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ) (الرعد: من الآية17) صور الجبروت والإيمان، صور سيف المعادن، وسيف الحق، صور سجن الدار وحرية النفس، صور قيد الحديد وانطلاق القلب واللسان، صور أن دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، صور واجب العلماء في مواجهة المنكر.

فكان هذا الكتاب دليل الحيران في هذا الزمان، ومصباح الرشاد في بحر الظلمات، وكان نشره اليوم إسهاما في الدعوة إلى الله، ورسما للسلوك القويم وما ينبغي أن يكون عليه الداعية من ثبات في العقيدة وقوة في الإيمان وصلابة في الحق.

وقد بذل فيه محققه جهدا مشكورا يسر الطبع والإخراج . كما قدم له نبذة قيمة عن الظروف التي أحاطت بالمحنة، فحرر الهدف، وزاد النفع، وأحاط الكتاب بهالة علمية أوضحت وأفادت . والله أسأل أن يجعل هذا العمل الطيب خالصا لوجهه وأن ينفع به إنه سميع مجيب.

دكتور موسى شاهين لاشين

وكيل كلية أصول الدين ورئيس

قسم الحديث بجامعة الأزهر

 

فصل (2)

تعليق على تصدير الكتاب

يقوم بتصدير الكتاب أي كتاب (ذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل) ـ والكتاب جمع أبي عبد الله حنبل بن إسحاق ـ الدكتور موسى شاهين لاشين ؛ وكيل كلية أصول الدين ؛ ورئيس قسم الحديث في جامعة الأزهر . (مركزه هذا في أيام تحقيق الكتاب وصدوره عام 1977م) .

ذكر الدكتور في بداية التصدير مقدار تحمل رسول الله صلوات الله عليه لأذى الكفار، أثناء حملة دعوة الإسلام، ليقرر بعد ذلك : إنَّ هناك من أمة الرسول ـ صلوات الله عليه ـ من سار على الدرب، وتحمل الأذى، كما تحملَّه الرسول ـ صلوات الله عليه، قائلاً : إن الإمام الصابر المحتسب احمد بن حنبل هو واحد من هؤلاء، وهو يقصدُ صبرَهُ أمام ما يسمى بمحنة خلق القرآن، ولم يكلف الدكتور نفسه، فحص تحقيق المحقق،  ودون أنْ يقوم الدكتور بإعادة النظر في مادة الكتاب .

المسألة عند شيوخ هذا العصر وعلمائه، سواء الحاصلين منهم على أعلى الدرجات العلمية، أو الثابتة علميتهم بلا درجات، أنهم ومنذ بداية القرن الخامس الهجري، وبالتحديد تاريخ 408هـ، أي تاريخ إصدار الوثيقة القادرية المشؤومة التي أوقفت الفكر والتفكير، والبحث العلمي والتمحيص، وهم يرددون المقالات دون تكليف أنفسهم بالتمحيص والفحص .

أحمد بن حنبل دافع عن القول بأنَّ القرآن غير مخلوق !  لكن السؤال الذي بقي بلا جواب هو السؤال التالي : هل قال الرسول أو أحد صحابته : إن القرآن غير مخلوق ؟ وهل دل الدليل العقلي أو الشرعي على عدم خلق القرآن ؟! هذان سؤالان حول فكرة خلق القرآن، ويحضر القارئ سؤال حول ثبات أحمد بن حنبل وحقيقة ذلك الثبات ومدى أهميته لخدمة الإسلام، فرغم عدم إجابة أحمد في المحنة، إلاّ أن الثابت تاريخياً، أنه مارس المراوغة في الأمر،  فهو لم يقل : إنَّ القرآن غير مخلوق، إذْ كان يلجأُ حين الإلزام إلى قوله : "لا أدري ما هذا، ما اعرف هذا" ويطلب دائما منطوق من كتاب أو سنة : أنَّ القرآن مخلوق، ضارباً عرض الحائط بكلمات هي : الجعل، والإنزال، والتنزيل، والمُحْدَثُ، وأنه في لغة العرب، وانه حرف اثر حرف، وكلمة إثر كلمة، وجملة اثر جملة، وانه حالٌ في السطور كتابةً، وهو متحصلٌ في الصدور حفظاً، وتنطق به الألسنة تلاوةً، وأنه مفصل، ومجمل ومتشابه، ومحكم، وانه نزل منجماً حسب الحوادث .

كل ذلك لا يلفت نظر احمد وأقرانه من المحدثين، لإدراك أن القرآن كلام الله خلقه الله إذ هو فعله، فهو مخلوق خلقه الله على قلب جبريل، ليقرأه على محمد صلوات الله عليه ـ  وهو النبي الخاتم، المرسل رحمة للعالمين، وإذا كانت الرسالة والرسول رحمة للعالمين، فالرحمة فعل الله لامة مرحومة، أي خلق له تعالى فالقرآن مخلوق يقينا، وهو قول كل الفرق من أولها إلى آخرها، إلا الحنابلة القائلة بقول اليهود والنصارى في قدم الكلمة .

الماتريدية والأشاعرة وابن حزم يقولون بخلق القرآن الذي بين أيدينا، ولكن يزعمون ان القرآن الكريم المنزل هو حكاية كلام الله تعالى لكلامه النفسي فهو مخلوق على هذا الوجه، أمَّا الكلام النفسي فهو غير مخلوق، من المعلوم أنَّ المعتزلة والزيدية والإمامية والإباضية كل هذه الفرق تقول إن القرآن مخلوق .

خلق القرآن قضية حيوية، ليس لبعدها في إثبات التوحيد، وهو أمر مهمٌ جداً بل للقول بخلق القرآن أهمية كبيرة ،إذ هو مهم في قضية العدل، فالأخبار التي في القرآن إنما هي أخبار حدثت من آدم إلى محمد ـ صلوات الله عليه ـ، والأمم والجماعات والزمر والأفراد التي ورد لهم ذكر في القرآن، ومواقفهم هي أمور حادثة، أخبر عنها القرآن وتنزل بها قرآن، أي سجل القرآن الكريم ووثق حدوثها وطلب التفكر فيها، واخذ العبرة منها، فهي كلها حوادث، والقرآن اخبر عن حوادث حدثت، ولا يعطينا القرآن علم الله، بل القول بأن القرآن من علم الله مقولة فاقدة للمحتوى، لأنَّّ كل الحوادث والأشياء المخلوقة والأعراض الحادثة فيها من قرب وبعد وحركة وسكون وألوان وطعوم هي معلومة لله على الإحاطة، فكون الله يعلمها على الإحاطة، لا يجعلها تنتمي إلى الصفة التي يستحقها الله لذاته، لا لمعنى زائد عن الذات، وهي صفة انه عالم، بل على صفة أنَّه علم الأمر.

والقائلون بان القرآن كلام الله غير مخلوق، وهذا الكلام غير المخلوق هو : الكلام المدون في الصحف، والمحفوظ في الصدور، والمتلو في الألسنة، يقولون أيضا بان الإنجيل والتوراة والزبور هي أيضا غير مخلوقة، وهم يثبتون تحريف التوراة والإنجيل فهل يقبل كلام الله الأزلي التحريف ؟

هنا يُعطى القائلون فرصة للقول : أن القرآن الكريم هو كلام أزلي بدليل أنه لم يتعرض للتحريف، وهنا يقعون في ورطتهم، حين يفرقون بين كلام الله القرآن، وبين غيره من كلام الله : كالتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى فالأول أي القرآن لم يقبل التحريف، والثلاثة الأُخر قبلت التحريف، فهل يلجأوون للتفريق دون مفرق ؟ بين كلام الله القرآن، وكلام الله التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، ويرون الاول هو الكلام غير المخلوق، والكلام الآخر مخلوق .

على الحقيقة هم لا يفرقون بين كلام الله المحفوظ من التحريف، وبين كلام الله الذي لم يحفظ من التحريف، ويرى الحنابلة تحديداً انهما أزليان قديمان، ولا يفرقون تفريق الاشاعرة والماتريدية بين الكلام النفسي وهو الكلام غير المنزل وحكايته وهو المنزل،  بل يجعله الحنابلة بمنزلة واحدة، وانهما على صورتيهما أزليان قديمان .

إنَّ الاعتماد على الإنشاء في مدح أحمد أو غيره، لا يمكن ان يكوَّن المفاهيم وإنما تتكون به معلومات، تلوى بها الألسنة، ويتكرر قولها المرة تلو المرة بلا زيادة ولا نقصان، إنها مجرد جمل محفوظة، ويشار إلى الذي أعاد تكرارها بجمل جديدة أي غير قوالبها الكلامية بقوالب كلامية أخرى، هو عالم علاّمة وحبر فهَّامة.

والأستاذ الدكتور لاشين، هو واحد من هؤلاء العلاّمات، وليتدبر القارئ الكريم مقدمة لاشين المرة تلو المرة، ويستخرج أن الدكتور لاشين لا يعلم عن المحنة اكثر من ثبات أحمد.

ما يسكت عنه الأستاذ الدكتور موسى لاشين، بصفته وكيلاً لكلية أصول الدين ورئيس قسم الحديث بجامعة الأزهر الشريف فانه، غالباً يتبنى الأصول الاشعرية وبالتالي فهو يقول بقدم الكلام النفسي لا المنزل والحنابلة أو السلفية يرفضون رفضاً باتاً الكلام النفسي، ويرون أن كلام الله قديم بالنوع حادث بالأفراد .

فما هو موقف الدكتور لاشين ؟ أيقول بقول الأشاعرة ؟ أم يقول بقول الحنابلة؟ أي بقول ابن تيمية ! لم يقدم الدكتور أية إجابة حول هذا الموضوع .

الدكتور لاشين قدم هذا التقديم إما مجاملةً ؛ أو قدمه بمقابل مالي ، لا يمكن الجزم أي الأمرين هو السبب ، لكن المشكل في الأمر أن وضع العلم والمعرفة موضع المداهنة والقفز عن الموضوع لا يجوز ان يقع فيه الناس العاديون فكيف بمن هو في قمة الأكادميين بل هو أكثر من ذلك هو الرجل الثاني في مؤسسة الأزهر الشريف .


فصل (3)

مقــــــدمـــة ( المحقق د. محمد نغش )

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد بن عبد الله (ص)، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين إلى يوم الدين . أما بعد :

فقد التقيت بالأستاذ الكبير عبد العزيز عبد الحق في القاهرة ؛ في صيف عام 1396هـ ؛ عند ذهابي إلى الدعوة لله في جزيرة تايلاند ؛ وقارة استراليا ؛ موفدا من قبل الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وعثرت لديه على مخطوط نادر، عن الإمام الممتحن أحمد بن حنبل رضوان الله عليه، نقله فضيلته عن المخطوط رقم 2000 تاريخ ؛ بمكتبة تيمور بدار الكتب المصرية، وحاول تحقيقه منذ حوالي عشرين سنة، ولكن لرداءة المخطوط ولوجود سطور ممحوة فيه، وتعذر حصوله على نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق، توقف عن إتمامه، وأهداني هذا المخطوط، فاتصلت فوراً بالمكتبة الظاهرية بدمشق التي أرسلت مشكورة إليّ في المدينة المنورة الجزء الثاني من المحنة الموجود لديها، إذن ما زالت مشكلات التحقيق قائمة لعدم وجود الجزء الأول من المحنة، فرجعت إلى ما يربو على خمسين مرجعاً للتعريف بالأعلام ؛ والأماكن والبلدان الواردة فيه، ولاستنباط مجريات الحوادث ؛ لسد الخرم بمخطوط القاهرة ؛ الذي اعتبرته أصلا لتمامه، وَخَرَّجْتُ الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وبذلت الجهد في تصحيح المتن وضبطه، وقد شجعني على ذلك أن الأستاذ عبد العزيز عبد الحق بخطه الجميل ؛ ووضعه لعلامات الترقيم، وعنونته الجانبية للمواضيع، وتصحيحه لبعض التحريف في النص، قد شجعني على المضي في التحقيق ؛ لأهمية هذا المخطوط الذي يرويه : حنبل بن إسحاق ابن عم الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنهما.

وقد رأيت لكي تعم الفائدة، أن أقدم لهذا الكتاب بدراسة عن المحنة أولاً، وقبل كل شيء، ثم بالتعريف الموجز المركز لسيرة الإمام أحمد ابن حنبل، لتكون عبرة للذين يتصدون للبدع !!! والمبتدعين ! ليعرفوا مكانة الإمام أحمد في إعلاء كلمة الدين، وكيف حقق الله له ولأتباعه المخلصين النصر المبين .

واللهَ أسألُ ! أن أكونَ قد وفقتُ في الإسهام في الكتابة عن الإمام أحمد بن حنبل، صاحب القدر الجليل، وأن ينفع الله الناس بهذا المخطوط النفيس، الذي يشتمل على أخبار مثيرة عن المحنة الخطيرة، بين أهل السنة والمعتزلة، وكيف انتصر الحق وانتشر نور الله، وحفظ الله بمنه وكرمه للسنة مكانتها، وأعلى رايتها.

والله ولي التوفيق.،،

جمادى الأولى سنة 1397هـ

محمد نغش

 

فصل (4)

وقفة توضيحية

مع مقدمة المحقق الدكتور محمد نغش

حقق الدكتور هذا الكتاب، أو هذه الرسالة، على مخطوطة اعتبرها أصلا، نقلها الأستاذ الكبير { هذا وصف الدكتور المحقق له } عبد العزيز عبد الحق، عن المخطوط رقم 2000 تاريخ ؛ بمكتبة تيمور بدار الكتب المصرية، والمخطوط الأصل ـ كما يقول المحقق ـ رديء وفيه سطور ممحوة .

قام الدكتور نغش بالاتصال بالمكتبة الظاهرية، التي أرسلت إليه الجزء الثاني من كتاب المحنة الموجود لديها، ولم يقم الدكتور بوصف هذا الجزء الثاني، ولم يقم بتعيين هذا القسم،  ولم يشر إلى رقمه في المكتبة الظاهرية، ولم يرفق الكتاب بأي صورة لورقة أو أكثر من المخطوطين، ولم يقدم أية دراسة عن ناسخ المخطوطين .

كان عمل الدكتور بالكتاب كما قال هو :

1.  تخريج الآيات القرآنية .

2.  تخريج الأحاديث النبوية .

3.  التعريف بالأعلام والأماكن والبلدان الواردة في المخطوط .

4.  بذل الجهد في تصحيح المتن وضبطه، ذاكرا أنَّ الأستاذ عبد العزيز عبد الحق كتبه ـ وهو يحاول تحقيقه ـ بخطه الجميل ووضعه لعلامات الترقيم، وعنونته الجانبية للمواضيع، وتصحيحه لبعض التحريف بالنص : والسؤال الذي يرد ضرورة بعد هذا الكلام، ماذا بقي للدكتور نغش بعد ما عمله الدكتور عبد العزيز عبد الحق ؟

5.  قال الدكتور نغش كما هو مدون في مقدمته : { وقد رأيت لكي تعم الفائدة أنْ أقدم لهذا الكتاب بدراسة عن المحنة أولاً، ثم التعريف الموجز المركز لسيرة الإمام أحمد بن حنبل } معللا هذه الكتابة بقوله المدون في المقدمة : { لتكون عبرة للذين يتصدون للبدع والمبتدعين، ليعرفوا مكانة الإمام أحمد في إعلاء كلمة الدين، وكيف حقق الله له ولأتباعه المخلصين النصر المبين } .

الكتاب إذن كما يقول محققه هو كتاب مذهبي، يريد به الدفاع عن أحمد بن حنبل وموقفه من قضية خلق القرآن، وبالتالي هو يفتقد الموضوعية .


الكتاب كما هو واضح من صورة الجلد مطبوع الطبعة الأولى :

في سنة 1397هـ = 1977م

تعليق أمين نايف ذياب

لقد حصلتُ على الكتاب من مصورة من مكتبة السيد أحمد عطية، ويشير الختم أنَّ أصل الكتاب المطبوع من مقتنيات السيد وصفي يوسف عودة، أما المكتبة التي طبعت الكتاب ـ وكما هو ظاهر في صورة الصفحة الأخيرة منه ـ فهي مطبعة دار نشر الثقافة، وعنوانها هو : 21 شارع كامل صدقي بالفجالة ت 946076 .

ما يلفت النظر ! ـ ولم أجد له جوابا، رغم السؤال ـ لماذا لم يطبع الكتاب طبعة ثانية، وثالثة، ورابعة ؟ كما اعتاد الناس على تعدد الطبعات من ناشري ومحققي الكتب المذهبية الحنبلية السلفية إذ المعلوم أنَّ المملكة العربية السعودية تدعم مثل هذه الكتب ويحصل المحققون على مكافئات سخية، هل اكتشفوا أنَّ في الكتاب ما لا يخدم وجهة نظرهم ؟ .

دعوى بذل الدكتور نغش الجهد في تحقيق هذا الكتاب، سيظهر عدم صحتها في الدراسات التالية، التي ستتناول موضوع الكتاب، وطريقة إخراجه، ووقوع كثير من النقص فيه، وعدم التحقق من بعض مقولاته بل أكثرها .

فصل (5)

عجالة من ملاحظات على المخطوطة والتحقيق

أشار المحقق إلى أوراق المخطوطة فظهر أنـها تحوي 39 ورقة ولم يشر إلى أرقام بعض الورقات فقمت بوضعها اجتهادا .

حقق الدكتور هذه الرسالة ؛ وليس الكتاب، بناء على مخطوطتين : الأولى : رقم 2000 تاريخ بمكتبة تيمور بدار الكتب المصرية، ويقول الدكتور : إنَّ المخطوطة رديئة، وبـها سطور ممحوة، ورغم ذلك جعلها الأصل ؛ لأنـها كاملة، ولم يكشف كيف تعامل مع السطور الممحوة . الثانية : مخطوطة المكتبة الظاهرية ؛ ولكنها تفقد جزءاً من أولهـا، ولم يعين هذا الجزء، لقد دل الاستقراء لهوامشه، أنَّ القسم الأول المفقود من مخطوطة الظاهرية ؛ هو إلى رقم 21 من المخطوطة، ويقابل في كتابه من ص 33-69، أدعى الدكتور أنَّه حقق القسم المفقود بالعودة للمراجع .

لم يتناول تحقيقه التعريف بكثير من الرجال الذين وردت أسماؤهم، وسكت عن الكلام الذي ورد مسندا ؛ إذ لم يبحثه من حيث اتصال السند، ومدار تحقيقه كان يدور على بعض الكلمات، وعند ذكر الحوادث ومدى إمكانية صحتها ووقوعها، فقد أهمل ذلك تماما، كان جل اعتماده مدح أحمد بن حنبل ؛ وليس تحقيق الكتاب، أو التعليق على مقولات في الكتاب ؛ تلفت النظر، فالـمحقق ليس معنيا ببيان وضع الكتاب الحقيقي، فقد انصبت عنايته على الناحية الإعلانية للكتاب ؛ ولأحمد بن حنبل ـ دون من قدم حياته في سبيل مقاومة القول بخلق القرآن ـ وهذا دال على تحيز شخصي وليس موضوعيا، ويجب أنْ يعلم القارئ : أنَّ واحدة مـما أتدين لله تعالى به هو القول بخلق القرآن، فمدح من نال قطع رأسه لوقوفه في وجه القائلين بعدم خلق القرآن ليس مهمتي، لكنَّ نقدَ الكتاب حسب موضوعه أمر ضروري .

 

(9 )

دراسة المحنة

وسيرة الإمام احمد بن حنبل

(رضي الله عنه)

الباب الأول

محنة الإمام أحمد بن حنبل

بداية المحنة في عهد المأمون

استطاع الإمام أحمد بن حنبل، بإيمانه الصادق وصلابته في الحق، أن يهزم المعتزلة التي ادعت فيما ادعت خلق القرآن، واتخذوا الخليفة المأمون أبا جعفر عبد الله بن هارون الرشيد أداة لنشر بدعتهم، وترويج ضلالهم فقد أزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وحسَّنوا له قبيح القول بخلق القرآن، فصار إلى مقالتهم *، وكانت ولاية المأمون في المحرم، وقيل في رجب سنة 198 للهجرة.

وَقَدَّرَ أنه في آخر عمره خرج من بغداد لغزو بلام الروم، فعَنَّ له أن يكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب ـ صاحب الشرطة ـ أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، فاستدعى جماعة من العلماء والقضاة وأئمة الحديث، ودعاهم إلى ذلك، فامتنعوا واشتد غضبه * .

الإمام أحمد مكبلا في الأغلال

واتخذوا الخليفة المأمون أبا جعفر عبد الله بن هارون الرشيد أداة لنشر بدعتهم، وترويج ضلالهم فقد أزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وحسَّنوا له قبيح القول بخلق القرآن، فصار إلى مقالتهم *.

ولما استعصى على المأمون وأذنابه * التأثير على الإمام أحمد بن حنبل في ميدان الحجة والإقناع، أمر بإشخاصه مكبلا في الأغلال، هو ورفيقه في المحنة محمد بن نوح - رضي الله عنهما - وتوفي محمد بن نوح في طريقه إلى المأمون، وصلى عليه أحمد بن حنبل وبقي وحده، والخليفة يتوعده بالتعذيب والقتل إن لم يجبه إلى القول بخلق القرآن . فتوجه الإمام أحمد بالدعاء إلى الله تعالى أن لا يجمع بينه وبينه، فبينما هو في الطريق قبل وصوله إليه، إذ جاءهم الصريخ بموت المأمون، وكان موته في شهر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، فَرُدَّ الإمام أحمد إلى بغداد وحبس .

الترغيب والترهيب والتعذيب في عهد المعتصم

ثم ولي الخلافة المعتصم، وهو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد، قدم من بلاد الروم، فدخل بغداد في مستهل شهر رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين، فامتحن الإمام أحمد وضرب بين يديه. ويقف الإمام أحمد بين يدي الخليفة المعتصم ثابت الجنان، قوي الإيمان، وقد ازدحم الناس ليشاهدوا مشهدا رهيبا *، فهذا الخليفة وحوله جنوده، وهذا أحمد في قيوده . الأول سلاحه البطش والجبروت، والثاني سلاحه القرآن والسنة، يستعذب العذاب في سبيل الله، ويسأله وحده العفو والمغفرة، ويرجو رضاه ورضوانه، يجلس الخليفة على كرسيه، ويقف الإمام أحمد بين يديه، والسيوف قد جردت، والرماح قد ركزت، والأتراس قد نصبت، والسياط قد طرحت *، يريدون إرهابه، وهو قد باع نفسه ربه، وبكل ما يصنعون وأكثر لا يأبه

يرد على الخليفة بالبرهان الساطع، والدليل القاطع *، ويعجز الخليفة في ترغيبه أو ترهيبه ليقول : بكلام المعتزلة "القرآن مخلوق" ويُحضر المعتصم له الفقهاء والقضاة فيناظرونه بحضرته ثلاثة أيام *، وهو يناظرهم ويقهرهم، فيقول ابن أبي دؤاد وبشر المريسي  للخليفة * : اقتله حتى نستريح منه * .

ولكن المعتصم يقيم مباراة بين الجلادين لقتله بالسياط الموجعة *، ويحدثونه في الرجوع عن إصراره، ولكنه يقول لهم في صلابة : أعطوني شيئا من كتاب الله وسنة رسوله أقول به .

ويستمر الضرب وتزداد شدته، حتى يقع الإمام أحمد - رحمه الله - على الأرض في غيبوبة، لا يدري ما يفعلون به.

وعندما عادت لأحمد ذاكرته، تقدم إليه ابن أبي دؤاد، وقال له : يا أحمد ! قل في أذني القرآن مخلوق، حتى أخلصك من يد الخليفة، فقال له الإمام أحمد : يا ابن أبي دؤاد ! قل في أذني القرآن كلام الله عز وجل وليس بمخلوق حتى أخلصك من عذاب الله عز وجل *، فقال المعتصم : أدخلوه الحبس فحمل إلى الحبس وانصرف الناس .

وهكذا واجه الإمام أحمد بن حنبل المحنة في صبر جميل وشجاعة نادرة، يقول أحد جلاديه : “ ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطا لو ضربته فيلا لهدمته * "(&).

والراجح أن المحنة كانت في سنة تسع عشرة ومائتين ـ من واقع ما جاء في هذا الكتاب ـ الذي يرويه ابن عمه، وفي كتاب النجوم الزاهرة(&)، وذهاب العليمي إلى احتمال أن تكون المحنة في سنة تسع عشرة(&)، بخلاف ما ذكره ابن خلكان من أن ضربه في العشر الأخير من رمضان سنة عشرين ومائتين(&).

وكانت مدة حبس الإمام ثلاثين شهراً ـ منذ بداية المحنة في عهد المأمون إلى أن أخرج من السجن في شهر رمضان سنة عشرين ومائتين ـ .

رأي أحمد بالتقية

وقد رأى الإمام أحمد - رحمه الله - أن الأخذ بالتقية في دار الإسلام لا يصح، لأن المنكر في دار الإسلام يجب استنكاره، وإلا تحولت صفتها، ولم يعدلها اسمها وأن الاستنكار له مراتب، والتقية تكون حيث لا يكون للإسلام قوة وسلطان، كبلاد يضطهد الإسلام فيها، ولا سبيل للمسلم في الخروج منها فيستخفي بدينه، وتلك رخصة، رخصت له تيسيراً وتسهيلاً وكل نفس وما تطيق .

ولأن التقية لا تجوز ـ من الأئمة الذين يقتدى بهم ويهتدى بهديهم ـ، حتى لا يضل الناس، لأنهم إن نطقوا بغير ما يعتقدون، وليس للناس علم ما في الصدور، اتبعوهم في مظهرهم، وظنوا أنه الحق الذي ارتضوه ديناً، وبذلك يكون الفساد عاماً، ولا يخص، وحقٌ على الإمام أن يكون الممتحنَ المبتلى ؛ فتنشر الفكرة السليمة ويكون الابتلاء سبيل نشرها وذيوعها(&) .

وينتصر الدين بصاحب العقيدة القوية، ويتحمله في سبيل نصرة دين الله كل بلية، وترفع راية الإسلام عالية، ويندحر أصحاب البدعة والضلالة.

ويصفح الإمام أحمد رضوان الله عليه عن المعتصم *، راجياً غفران ربه، وحسن ثوابه، مستجيباً لأوامره ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ) (&)، ولقوله عز وجل : ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه )(&).

تحديد إقامة الإمام أحمد في عهد الواثق

وتولى الواثق الحكم بعد المعتصم في ربيع الاول سنة سبع وعشرين ومائتين ولم يتعرض للإمام، وقد رأى أن التعذيب لا يفيد فيمن كانت إرادته كالحديد *، وعرف فيه أنه عن الحق لا ولن يحيد، ورأى أتباعه في مزيد ؛ ولكنه كتب إلى محمد بن أبي الليث بامتحان الناس أجمعين، فلم يبق أحد من فقيه ولا محدث ولا مؤذن ولا معلم حتى أخذ بالمحنة، فهرب كثير من الناس وملئت السجون بمن أنكر المحنة، وأمر ابن أبي الليث أن يكتب على المساجد { لا إله إلا الله رب القرآن المخلوق } فكتب ذلك على المساجد بفسطاط مصر ومُنع الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي من الجلوس في المساجد *(&) .

وبعث إلى الإمام أحمد يحدد إقامته : { لا تساكني بأرض } وقيل: أمره ألا يخرج من بيته، ويظل الإمام أحمد متخفيا حتى مات الواثق، ووقاه الله شره، وأراه سبحانه ثمرة جهاده وصبره، فكرمه وأعلى ذكره، وخسف بأعدائه، وأذلهم وكان في ذلك عبرة .

انتصار أهل السنة واندحار أهل البدعة

ففي عهد المتوكل بعد الواثق - وهو أبو الفضل جعفر بن المعتصم- وكانت ولايته في ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين ومائتين، خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقاد، وطعن عليهم فيما كانوا يقولونه من خلق القرآن، ونهى عن الجدال والمناظرة في الأراء وعاقب عليه، وأمر بإظهار الرواية للحديث، فأظهر الله به السنة، وأمات به البدعة، وكشف عن الخلق تلك الغمة، وأنار به تلك الظلمة، وأطلق ما * [من] كان اعتقل بسبب القول بخلق القرآن، ورفع المحنة عن الناس فاستبشر الناس بولايته، وأمر بالقبض على محمد بن عبد الملك الزيات الوزير ووضعه في تنور * إلى أن مات وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وابتلى الله أحمد أبن أبي دؤاد بالفالج *، بعد موت الوزير بسبعة وأربعين يوماً، فولى القضاء مكانه ولده أبو الوليد محمد، فلم تكن طريقته مرضية، وكثر ذامّوه، وقل شاكروه، ثم سخط المتوكل على أحمد ابن أبي دؤاد وولده محمد في سنة تسع وثلاثين ومائتين وأخذ جميع ضياع الأب وأمواله من الولد : مائة وعشرون ألف دينار وجوهراً بأربعين ألف دينار، وسيره إلى بغداد من سر من رأى وولى القضاء يحيى بن أكثم قاضي القضاة فإنه كان من أئمة الدين  وعلماء السنة، ثم مات أحمد بن أبي دؤاد بمرض الفالج في المحرم سنة أربعين ومائتين، ومات ولده محمد قبله بعشرين يوماً، وكان بشر المريسي قد أهلكه الله ومات في ذي الحجة سنة ثماني عشرة وقيل : تسع عشرة ومائتين .

وعن عمران بن موسى قال : دخلت على أبي العروق الجلاد الذي ضرب أحمد لأنظر إليه، فمكث خمسة وأربعين يوماً ينبح كما ينبح الكلب *(&) .

وتقبل الدنيا على الإمام أحمد وهو زاهد فيها، لا يريد منصباً ولا جاهاً، ولا يريد طعاماً فاخراً، أو خلعة سنية، أو مسكنا شاهقاً في الدنيا الدنية، وهو يريد أخرى فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لا يريد بعد صبره الطويل في محنته، أن يبيع الآجلة بالعاجلة، إنه لا يرفض عطايا السلطان حتى لا يوجده عليه، ولكنه يتصدق بها، ويأتيه طعام الخليفة المتوكل الخاص، فلا يأكل منه لقمة، رغم فقره المدقع، ولكن الغنى غنى النفس  فيالها من نفس أبية غنية .

قال عبد الله بن الإمام أحمد : بعث المتوكل إليه يقول : قد أحببت أن أراك وأتبرك بدعائك، فخرجنا من بغداد فأنزلنا داراً والمتوكل يرانا من وراء الستر، وأخبر بعض الخدم أن المتوكل لما كان قاعداً وراء الستر ودخل الإمام أحمد قال لأمه : يا أماه قد أنارت الدار * . قال عبد الله : فأمر لأبي بثياب ودراهم وخلعة فبكى، وقال : أسلم من هؤلاء منذ ستين سنة، فلما كان آخر العمر ابتليت بهم، ولما جاء بالخلعة لم يمسها، ولا غَيَّرَهَا، فجعلها على كتفيه، فما زال يتحرك حتى رمى بها، وأرسل إليه المتوكل مالاً جزيلاً فأبى أن يقبله فقيل له : إن رددته وجد عليك في نفسه، ففرقه على مستحقيه ولم يأخذ منه شيئاً(&).

وعظمت مكانة الإمام أحمد لدى الخليفة المتوكل، فكان لا يولي أحداً إلا بمشورته * . ( ومكث الإمام إلى حين وفاته قلّ أن يأتي يوم إلا ورسالة الخليفة تنفذ إليه في أمور يشاوره فيها ويستشيره رحمهما الله ورضي عنهما )(&).

وهكذا خرج من الاختبار رجلاً صالحاً، وقد تنوعت طرائق الاختبار، اختبره المأمون بالقيد، فساقه إليه مقيداً مغلولاً يثقله الحديد مع بعد الشقة وعظم المشقة واختبره المعتصم بالحبس والضرب، واختبره الواثق بالمنع والتضييق، فما نهنهوا من نفسه وما يعتقد، وبعد تلك البلايا ابتلى بالبلاء الأكبر، فساق إليه المتوكل بالنعم، فردها وهو عيوف النفس، وكان يشد على بطنه من الجوع، ولا يتناول مما يشك في حلِّه أو يتورع عنه، ثم ابتلى أحمد بعد كل هذا بلاء ينزل بالنفس البشرية، وهو إعجاب الناس، فقد ابتلى بعد أن انتصر على كل الرزايا بإعجاب الناس، فما أورثه ذلك عُجْبَاً ولا ولاه بغرور، بل كان المؤمن المحتسب المتواضع لعزة الله وجلاله، الذي لم يأخذه الثناء، وبذلك نجح في أعظم البلاء(&) .

وتعالت سلطة المحدثين وعلى رأسهم الحنابلة وقوي نفوذهم حتى كانوا حكومة داخل الحكومة *(&).

حتى أنه في سنة 333 هجري { عظم أمر الحنابلة ببغداد وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون دور القواد والعوام وإن وجدوا نبيذاً أراقوه وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء فأرهبوا بغداد }(&).

 

الباب الثاني

سيرة الإمام أحمد بن حنبل

مولده

ولد أحمد بن حنبل في شهر ربيع الاول من سنة أربعين وستين ومائة أي في نوفمبر سنة 780 للميلاد، كما جاء على لسان ولديه صالح وعبد الله(1)، وليس في ربيع الآخر من تلك السنة(&)، وجيء به حملاً في بطن أمه من مرو(&)، بخلاف ما انفرد به ابن خلكان : من أنه ولد بـها وحمل إلى بغداد وهو رضيع(&) .

وتوفي أبوه، وهو ابن ثلاث سنين، فكفلته أمه(&). وتذكر المصادر أن والده كان والي سرخس(&)، وقيل قائداً(&) . وأمه صفية  بنت عبد الملك الشيباني(&)، ومن أسرة عريقة .

نــسبـــه

الإمام أبو عبد الله هو : أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار بن معد بن عدنان  الشيباني، المروزي الأصل.

هذا هو الصحيح في نسبه، وقيل : أنه من بني مازن بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة، وهو غلط، لأنه من بني شيبان بن ذهل لا من بني ذهل بن شيبان وذهل بن ثعلبة المذكور هو عم ذهل ابن شيبان(&).

صفاته الخلقية

كان حسن الوجه، أسمر اللون، متوسط القامة، يخضب رأسه ولحيته بالحناء خضباً ليس بالقاني، في لحيته شعيرات سود(&) وكان شديد العناية بنظافة بدنه وثوبه(&) عليه سكينة ووقار(&) .

طلبه العلم

التحق أحمد بن حنبل بالكتاب صغيرا ً، ولم نعرف بالضبط سنة التحاقه به، وعرف بذكائه وحسن أدبه .

ثم اختلف إلى الديوان وهو ابن أربع عشرة سنة(&)، وطلب الحديث في السادسة عشرة من عمره(&)، سنة تسع وسبعين ومائة(&) وقال الإمام أحمد بن حنبل : { حفظت كل شيء سمعته من هشيم وهشيم حي قبل موته }(&).

وهكذا اتجه إلى طلب الحديث، وفقه الآثار، منذ نعومة أظافره، ولكنه لم يترك نفسه للمنازع العلمية المختلفة من غير هادٍ يهتدي به، بل لزم إماماً من أئمة الحديث وعلم الآُثار في بغداد واستمر يلازمه نحو أربع سنوات فلم يتركه حتى بلغ العشرين من عمره(&) ولم تكن تلك الملازمة تامة أي أنه لم ينقطع له انقطاعاً تاماً ولم يتصل بغيره في مدى الأربع سنوات، بل كان يتلقى من غيره أحياناً، ويحضر بعض مجالس سواه فيروى أنه سمع من عمير بن عبد الله بن خالد سنة 182 قبل موت هشيم .

ولقد سمع أيضاً في هذه الأثناء من عبد الرحمن بن مهدي وكان أيضاً يستمع إلى أبي بكر بن عياش ويروي عنه.

ورحل إلى الحجاز خمس مرات، أولها سنة 187 وفي هذه الرحلة أخذ الحديث عن { سفيان بن }  أبي عيينة والتقى مع الإمام الشافعي وأخذ عنه الفقه وأصوله وبيانه لناسخ القرآن ومنسوخه، وكان لقاؤه بالشافعي بعد ذلك في بغداد عندما جاء الشافعي إليها(&) واستقر معه في بغداد من عام 195 إلى 197 للهجرة الموافق 810 إلى 813 للميلاد(&).

في هذه الفترة درس فقه الرأي دراسة فاحص ناقد يوازن بين ما انتهى إليه من علم الحديث وما وصل إليه أولئك الفقهاء من تفريع فقهي، فاختار طريق الصحابة والتابعين وإن كان قد قبس قبسة من فقه الرأي(&).

تلاميذه

روي عنه من أقرانه على بن المديني ويحيى بن معين ودحيم الشامي وغيرهم(&) وروى عنه عبد الرازق بن همام ويحيى بن آدم وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي وأبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي والأسود بن عامر شاذان والبخاري ومسلم وأبو داود وأكثر عنه في كتاب السنن وروى الترمذي عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه وروى النسائي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عنه وعن ابن عبد الله عنه وروى ابن حاجة عن محمد بن يحيى الذهلي عنه وإبراهيم الحربي والأثرم وأبو بكر أحمد المروزي وعمر بن سعيد الدارمي ومحمد بن يحيى الذهلي النيسابوري وخلق لا يحصون(&).

مؤلفاته :-

صنف { المسند } وهو ثلاثون ألف حديث، وكان ابتداؤه فيه سنة ثمانين ومائة، وكان يقول لابنه عبد الله : احتفظ بـهذا المسند فإنه سيكون للناس إماماً(&)، وقد اشتهر من مؤلفات أحمد بن حنبل بنوع خاص كتابه المسند : وهو كتاب جامع في الأحاديث ( طبع بالقاهرة عام 1311 هجري في ستة مجلدات ) ونشر له غير المسند { كتاب الصلاة وما يلزم فيها }.( طبعة حجرية مجهولة التاريخ في بمباي، وطبعة الخانجي في القاهرة عام 1223هجري ).

ويذكرون له { كتاب طاعة الرسول } الذي بين فيه ما ينبغي اتباعه عندما يبدو الحديث متعارضاً مع بعض آيات القرآن . ولقد قرر ابن حنبل عقائده في مصنفه { كتاب السنة } وله كتب تبين وجهة نظره الفقهية نذكر منها على سبيل المثال :

{ مسائل صالح } وهي المسائل التي وجهها إليه ابنه صالح وكذلك أجوبته على مسائل تلميذه حرب(&) وقد بلغت فتاواه التي استطاع بن القيم أن يرجع إليها نحو عشرين مجلداً(&) .

ولم يكن في زمان الإمام أحمد بن حنبل مثله، قال الإمام الشافعي :  أحمد إمام في ثماني خصال :  إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة * . وصدق الشافعي في هذا الحصر(&) .

كأن الله عز وجل جمع له علم الأولين من كل صنف * يقول ما شاء ويمسك ما شاء، وعن الحسن بن عباس قال : قلت لأبي مسهر : هل تعرف أحداً يحفظ على هذه الأمة أمر دينها ؟ قال : لا أعلم إلا شاباً بالمشرق يعنى أحمد بن حنبل .

وقيل لقتيبة : يُضم أحمد بن حنبل إلى التابعين ؟

قال : إلى كبار التابعين(&).

أولاده

كان له ولدان عالمان وهما صالح، وعبد الله، فأما صالح فتوفى في شهر رمضان سنة ست وستين ومائتين، وكان قاضي أصبهان فمات بها، وأما عبد الله فإنه بقي إلى سنة تسعين ومائتين، وتوفي يوم الأحد لثمان باقين من جمادى الأولى، وقيل : الآخرة - وله سبع وسبعون سنة - وكنيته أبو عبد الرحمن وبه كان يكنى الإمام أحمد، رحمهم الله أجمعين(&).

وفـــــاتــه

توفي الإمام أحمد بن حنبل -رحمة الله عليه - ضحوة نهار الجمعة الثاني عشر من ربيع الاول(&) . وقيل : بل لثلاثة عشرة ليلة باقين من الشهر المذكور، وقيل : من ربيع الآخر(&)، سنة إحدى وأربعين ومائتين للهجرة(&) 31 يوليو 855 للميلاد(&) . فكانت سنه سبعاً وسبعين سنة عند وفاته .

ودفن في مقابر الشهداء في حي الحربية ببغداد(&).

وقيل : أسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرة آلاف من اليهود والنصارى والمجوس . قال الوركاني : يوم مات أحمد بن حنبل ؛ وقع المأتم والنوح في أربعة أصناف من الناس : المسلمين، واليهود، والنصارى، والمجوس *(&).

مكارم أخلاقه

عرف الإمام أحمد بن حنبل بقوة إيمانه ؛ وبحبه لله ورسوله، وزهده في الحياة من أجل رضاء مولاه . ولم يكن في زمانه مثله في العلم والورع .

كان أحمد من أخيار * الناس، وأكرمهم نفساً، وأحسنهم عشرة وأدباً، كثير الإطراق والغض، معرضاً عن القبيح واللغو لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث وذكر الصالحين والزهاد في وقار وسكون ولفظ حسن، وإذا لقيه إنسان بشر به وأقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ تواضعاً شديداً ؛ وكانوا يكرمونه ويعظمونه(&)، وكان نوراً لأهل زمانه بعلمه وخلقه وورعه، وصبره وقوة احتماله، واستهانته في الأذى في سبيل ما يعتقد(&).

وكانت روح [الجد]* والسكينة هي التي تظل مجلسه ؛ لان ذلك هو الذي يتفق مع رواية السنة النبوية الشريفة، وآثار الرسول الكريم، وفتاوى السلف الصالح رضوان الله تعالى عنهم، ومن شأن السكينة أن تجعل للقول مكانه من القلب ومنزلته، وإنه وإن كانت الدعابة تذهب بالملال ؛ [ فإنَّ ] كثرتها تذهب بالروعة ورواء العلم، وقد تجنب أحمد المزاح جملة ؛ إذ رواية السند عبادة عنده ؛ ولا مزح في وقت العبادة ؛ بل المزاح ينافيها(&).

إن لنشأة الإمام أحمد أثراً بالغاً على سلوكه، فهو كما علمنا من نسبه من أصل كريم من ناحية أبيه وأمه .

وقد كان لليتم فضل في صبره على أذى أعدائه، فهو الذي حرم حنان الأب وعطفه ونشأ مسئولاً من صغره، ورث الذكاء عن والده، الذي كان في مكانة مرموقة، وعن أمه السيدة الفاضلة.

وتكفي شهادات الناس له في كافة مراحل حياته بالفضل وبإجماعهم على علو مكانته، ويجدر بنا أن نذكر بعضها لأن المقام لا يتسع لحصرها .

والحلم من السمات التي تحلى بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشاركه في هذه الصفة الحميدة الأنبياء والمرسلون عليهم السلام، والحلم صفة لازمة لرجال الدين، الذين يقصدون وجه ربهم الكريم، وهذا أحمد بن حنبل يقول : " أحللت المعتصم من دمي(&)" ونحن نعرف كم من صنوف العذاب صب المعتصم على الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه، وأحب الناس الإمام أحمد، وأرادوا أن يغدقوا عليه من أموالهم، إنهم يعلمون فقره وحاجته، ويريدون أن يمدوا يد المعونة له ولأولاده، ولكنه يتعفف في أدب جم، وشكر جزيل، يرهن متاعه، ويأكل من عرق جبينه، ومن كسب يديه .

ونسوق على ذلك مثلاً واحداً من أمثلة عديدة "عرض عليه بعض التجار عشرة آلاف درهم ربحها من بضاعة، جعلها باسم -الإمام أحمد- فأبى أن يقبلها، وقال : نحن في كفاية، وجزاك الله عن قصدك خيراً(&).

كان إماما في الزهد، ومن أقواله فيه : "أسر أيامي إلي يوم أصبح وليس عندي شيء(&)"، وقوله، "إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل(&) " وهكذا من يزهد في الدنيا، يجود بما ملكت يداه، فما بالك بهذا الإمام الذي باع نفسه ابتغاء مرضاة مولاه، ذكر المؤرخون عن جوده وكرمه الكثير، فمن ذلك : قال عمر بن صالح الطرسوسي : " وقع من يد أبي عبد الله أحمد بن حنبل مقراض في البئر، فجاء ساكن له فأخرجه، فلما أن أخرجه ناوله أبو عبد الله مقدار نصف درهم أو أكثر، فقال : المقراض يساوي قيراطا لا آخذ شيئا، فلما أن كان بعد أيام قال له : كم عليك من كرى الحانوت ؟ قال : كرى ثلاثة أشهر، وكراؤه في كل شهر ثلاثة دراهم، فضرب على حسابه، وقال : أنت في حل"(&) وقال هارون المستملي : "لقيت أحمد فقلت : ما عندنا شيء فأعطاني خمسة دراهم، وقال : ما عندنا غيرها"(&).

فالشافعي يقول : " خرجت من بغداد، وما خلفت أورع ولا أتقى ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل "(&) .

وقيل أن الشافعي قال له : ألا تقبل قضاء اليمن ؟ فامتنع من ذلك امتناعا شديداً، وقال للشافعي : إني إنما اختلف إليك لأجل العلم المزهد في الدنيا، فتأمرني أن ألي القضاء ؟ ولولا العلم لما [أكلمك]* ـ الصحيح في اللسان ما كلمتك ـ بعد اليوم، فاستحى الشافعي منه(&) .

وروي أنه كان لا يصلي خلف عمه إسحاق بن حنبل ولا خلف بنيه، ولا يكلمهم أيضا لأنـهم أخذوا جائزة السلطان(&) والأمثلة على ورعه كثيرة نحو قول أبي عبد الله السمسار : كانت لأم عبد الله بن احمد دار معنا في الدرب، يأخذ منها أحمد درهما بحق ميراثه، فاحتاجت إلى نفقه لتصلحها فأصلحها ابنه عبد الله فترك أبو عبد الله أحمد الدرهم الذي كان يأخذه وقال : قد أفسده عليّ، قلت: إنما تورع من أخذ حقه من الأجرة، خشية أن يكون ابنه أنفق على الدار مما يصل إليه من مال الخليفة .

ونـهى ولديه وعمه عن أخذ العطاء من مال الخليفة، فاعتذروا بالحاجة فهجرهم شهراً لأخذ العطاء(&) . إنه لم يذق طعاما من حاكم تنـزها منه، وكان يتصدق بخلع المتوكل ولا يقبل أن يلبسها على جسده وأبى أن يسكن في قصر يبنيه له وأوصى أن يكفن في ملابسه خشية أن يقبل أولاده من أحد كفنا له .

ولم يكن ورعه قاصراً على مأكله وملبسه ومسكنه، بل شمل علمه الذي كان يتقنه، وهو درايته بالحديث وإجادة حفظه ؛ فهذا علي بن المديني يقول : " ليس في أصحابنا أحفظ من أحمد بن حنبل، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة"(&) .

وهذا ابن الحربي يقول : " لزمت أحمد بن حنبل سنتين فكان إذا خرج يحدثنا يخرج معه محبرة مجلدة بجلد أحمر وقلماً، فإذا مر به سقط أو خطأ في كتابه أصلحه بقلمه من محبرته، يتورع أن يأخذ من محبرة أحدنا شيئا، وكنا نقول لأحمد في الشيء يحفظه، فيقول : لا إلا من كتاب "(&).

وشهد له الناس بالتواضع ؛ فهو لا يتقدم الناس في الخروج من المسجد، بل يجعلهم يتقدمونه، وهو لا يفتخر بحسبه ولا نسبه ولا بعلمه وفضله، وكان يسأل الله دائماً أن يجعله خيرا مما يظنون ويغفر له ما لا يعلمون .

يقول فيه يحيى بن معين : " ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا مما كان فيه من الصلاح والخير"(&) .

وكان يؤثر العزلة والوحدة، هروباً من الشهرة، وتحصيلاً للمعرفة، وتجنباً للقيل والقال، فهو يرى الخلوة أروح لقلبه تذكره بربه، ولكنه كان لا يتخلى عن واجب اجتماعي أو حضور صلاة الجماعة " لم يره أحد إلا في مسجد، أو حضور جنازة، أو عيادة مريض، وكان يكره المشي في الأسواق"(&) . وقد رآه الناس حين تحدى الحاكمين، وصبر على إيذائهم ليعلي كلمة الحق والدين " .

" وانعقد إجماع أهل الأقطار الإسلامية المتنائية على أنه رجل صالح وتسايرت الركبان بذكر صلاحه، وتقواه وورعه وقوة إيمانه وزهده، وإذا كان الإجماع حجة فقد قامت الحجة على صلاح الإمام أحمد ابن حنبل(&)".

ومما قيل فيه من شعر، قول الإمام الشافعي ـ رضى الله عنه ـ :

أضْحَى ابنُ حنبلَ حُجةً مبرورةً               وبُحبِّ أحمد يُعْرفَ المُتَنسِّك(&)

ومن ذلك ما قال أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج البغدادي فيه:

دَعـَوهُ إلى خَلْق القُرآن كمـا دَعـَوا سـواه فـلم يسمـع ولـم يـتـأوَّلِ

ولا رَدَّه ضربُ السيـاط وسجْنُــه   عـن السـُّنة الـغـرّاء والمذهب الجَلّيِ

لقد عاش في الدنيا حميـداً مـوفقـاً  وصـار إلى الأخـرى إلى خـيـر منزِل

وإنـــي لأرجو أن يكون شـفـيع مَنْ  تـولاه مـن شـيـخ ومن مـتكـهل

ومـن حـَدثِ قد نـوَّرَ الله قـلبَه إذا سـألـوا عن أصله قال : حنـبـلِي(&)

هذه هي السيرة العطرة للإمام أحمد بن حنبل أحد الأئمة الأربعة ـ رضوان الله وسلامه عليهم أجمعين ـ إنه قد وضع روحه على كفه، ليقدمها في سبيل ربه، لم يساوره الخوف لحظة من مخلوق، مهما كانت لديه من قوة، إنه يدافع من أجل أن ينتصر الحق ويزهق الباطل .

فقد قدم الإمام أحمد بن حنبل كل ما يملك ليرد البدع والخرافات عن الدين الإسلامي الحنيف، صبر وصابر حتى لقي ربه .

أعز الله به دينه، فما نراه اليوم من تمسك بالكتاب والسنة أثر من آثاره الخالدة . فهنيئاً له برضوان الواحد الديان، وبرفقته لنبيه الكريم خير الأنام محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام .

تحت المجهر (قراءة نقدية)

التعليق على عبارات من إنشاء نغش

·   واتخذوا الخليفة المأمون أبا جعفر عبد الله بن هارون الرشيد أداة لنشر بدعتهم، وترويج ضلالهم فقد أزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وحسَّنوا له قبيح القول بخلق القرآن، فصار إلى مقالتهم * .

·        فاستدعى جماعة من العلماء والقضاة وأئمة الحديث، ودعاهم إلى ذلك، فامتنعوا واشتد غضبه .

·       ولما استعصى على المأمون وأذنابه * .

·       وقد ازدحم الناس ليشاهدوا مشهدا رهيبا * .

·       والسيوف قد جردت، والرماح قد ركزت، والأتراس قد نصبت، والسياط قد طرحت .

·       يرد على الخليفة بالبرهان الساطع، والدليل القاطع .

·       ويُحضر المعتصم له الفقهاء والقضاة فيناظرونه بحضرته ثلاثة أيام * .

·       فيقول ابن أبي دؤاد وبشر المريسي  للخليفة * : اقتله حتى نستريح منه * .

·       ولكن المعتصم يقيم مباراة بين الجلادين لقتله بالسياط الموجعة .

·       قل ـ في أذني ـ : القرآن كلام الله عز وجل، وليس بمخلوق، حتى أخلصك من عذاب الله عز وجل * .

·       يقول أحد جلاديه : “ ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطا لو ضربته فيلا لـهدمته .

·   ولم يكن في زمان الإمام أحمد بن حنبل مثله، قال الإمام الشافعي :  أحمد إمام في ثماني خصال :  إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة * . وصدق الشافعي في هذا الحصر

·        وأخبر بعض الخدم أن المتوكل لما كان قاعداً وراء الستر ودخل الإمام أحمد قال لأمه : يا أماه قد أنارت الدار * .

ما مر عليك أيها القارئ الكريم هي بعض من عبارات نغش، جاء بـها في سيرة أحمد بن حنبل، وهي منقولة من كتب الحنابلة، التي كتبت سيرة إمامهم، فهل يرى الدكتور نغش ـ وهو من الجيل المعاصر وأكاديمي ـأنَّ ذلك قول حق ؟ أم يعلم أنـها مبالغات، لا تصح ولا تجوز في العلم  والعقل، ولا يجوز تناقلها إلا وهي مصحوبة بالدحض، وهي بعض من كثير من مبالغات من شأنـها أن تضعف التفكير وتـهدم التحقيق .

جعل الدكتور محمد نغش كتابه من قسمين ـ بعد التصدير والمقدمة ـ جعل عنوان القسم الأول  [ دراسة المحنة وسيرة الإمام أحمد بن حنبل ] وقد استغرقت الصفحات من 82- 95 من هذا الكتاب، وقد ادعى كما هو في المقدمة * : نظرا لعدم وجود الجزء الأول من المحنة، رجوعه إلى ما يربو على خمسين مرجعا، للتعريف بالأعلام والأماكن والبلدان الواردة فيه لكن الراصد لانتفاعه بالمراجع كما دلت عليه قائمة المراجع يجد أنـها تسعةَ عشرَ مرجعا بالتم والتمام، ولا يجد دعواه بأنه عرف بجميع الأعلام، بل لم يعرف التعريف الشافي للأعلام أو الأماكن أو البلدان الواردة في الكتاب .

ثبتٌ بالمراجع كما وردت بالهوامش

لم يقم المحقق د. محمد نغش بوضع فهرس للمراجع التي عاد إليها لتحقيق الكتاب ولم يقم أيضا بفهرسة للأعلام والأماكن التي وردت في متن الكتاب وقد قام بالتعريف لبعض الأعلام والأماكن في هوامشه لكن طريقته بالتعريف لم تقدم الفائدة المرجوة  فهذه الفهرسة هي من عمل المعلق على هذا الكتاب .

(1) المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد مؤلف الكتاب هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي أبو اليمن مجير الدين ولد سنة 860هـ وتوفي 928هـ وهو من أهل القدس منسوب إلى علي بن عليم المقدسي .

(2) النجوم الزاهرة لابن تغره بردي، اسمه يوسف بن تغرة بردي وهما كلمتان من التترية والمعنى هو عطاء الله أو الله أعطى ولد سنة 813هـ وتوفي سنة 874هـ وهو ظاهري حنفي مؤرخ وبحاثة نشأ في حجر قاضي القضاة جلال الدين البلقيني لوفاة أبيه سنة 815هـ.

(3) وفيات الأعيان لابن خلكّان ( بفتح الخاء وتشديد الياء المكسورة ) اسمه أحمد بن محمد يتصل نسبه بالبرامكة وكتابه من أشهر كتب التراجم، ولد سنة 608هـ وتوفي سنة 681هـ تولى القضاء ثم التدريس ومات في دمشق فدفن في سفح قاسيون.

(4) أحمد بن حنبل لمحمد أبو زهرة هو الشيخ الأزهري محمد أبو زهرة مات في نهايات القرن العشرين كتب في سيرة أئمة المذاهب أورد المحقق لكتاب المحنة استشهادا واحدا من كتاب محمد أبو زهرة حول التقية.

(5) ضحى الإسلام مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ أحمد أمين ابن الشيخ إبراهيم الطباخ كانت ولادته وموته سنة 1295-1273هـ = 1878-1954م كتابه المذكور ثاني كتبه في تاريخ الإسلام له فجر الإسلام وضحى الإسلام ومنه نقل المحقق هذا اقتباساته وللمؤلف من نفس السلسلة ظهر الإسلام ويوم الإسلام وله كتب أخرى .

(6) كتاب سيبويه المصري : لا يوجد لسيبويه المصري ترجمة في المراجع المتاحة، ولم يقدم نغش أي ترجمة له، ولم يشر له بالهامش إلاَّ مرة واحدة هذه هي " حتى أنه في سنة 323 هجري { عظم أمر الحنابلة ببغداد وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون دور القواد والعوام وإن وجدوا نبيذاً أراقوه وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء فأرهبوا بغداد }(5).

(7) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المكنى بأبي الفرج مولده ووفاته في بغداد تاريخ  ولادته وموته هو سنة 508- 597هـ = 1114- 1201م صاحب التصانيف الكثيرة جاء في طبقات الحنابلة إظهار عدم الرضا عنه والسبب يعود إلى إعلانه مقاومة أحاديث التجسيم التي انتشرت بين الحنابلة وقد قال عنهم أنهم شانوا المذهب فخلافه مع الحنابلة معلوم  رغم أنه منهم قال عنه الشيخ موفق الدين المقدسي بعد ثنائه عليه : إلا إننا لم نرض تصانيفه في السنة ولا طريقته وقال عنه ابن رجب : نقم عليه جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم ميله إلى التأويل في بعض كلامه واشتد نكيرهم عليه.

(8) دائرة المعارف الإسلامية : مؤلف هذه الدائرة وهي قاموس موسوعي محمد فريد بن مصطفى وجدي ولد ونشأ بالإسكندرية وولادته ووفاته سنة 1295- 1373هـ = 1878-1954م تتابع نشر  الدائرة في أجزاء بلغت عشرة، اقتبس منها نغش التواريخ الميلادية مثل :  تاريخ وفاته كمقابل لسنة 241هـ و= 31 يوليو 855 للميلاد(&) .

(9) حلية الأولياء للحافظ الأصفهاني : مؤلف الكتاب هو أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني . كنيته أبو نُعَيْم : حافظ، مؤرخ، من الثقات في الحفظ والرواية . ولد سنة 336 ومات سنة 430 هـ في أصبهان اسم كتابه حلية الأولياء وطبقات الأصفياء وهو مطبوع يتألف من عشرة أجزاء .

(10) البداية والنهاية لابن كثير  : مؤلف الكتاب هو إسماعيل بن عمر بن كثير شهرته بابن كثير ولد سنة 701 هـ ومات سنة 774هـ = 1302-1373م ولد في بصرى وانتقل إلى دمشق كتابه المذكور يتألف من 14 جزءا في التاريخ على نسق الكامل لابن الأثير انتهى فيه إلى حوادث 767هـ وقد اعتمد كتاب الطبري في التاريخ حتى سنة 301هـ .

(11) المنهج الأحمد لأبي اليمن العليمي : مؤلف الكتاب هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي ولادته سنة 860 ووفاته سنة 928هـ =1456-1522م كنيته أبو اليُمْن ولقبه مجير الدين من أهل القدس اسم كتابه المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد.

(12) طبقات الشافعية الكبرى : مؤلف الكتاب هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي المشهور بالتاج السبكي ولد سنة 727وكانت وفاته سنة 771هـ = 1327-1370 توفي بالطاعون وكتاب الطبقات هذا يتألف من 6أجزاء كان شافعيا أشعريا وله كتب عديدة أخرى منها الـمطبوع ومنها المخطوط وقد جرى عليه من المحن بسبب اتهامه بأمور مخالفة للإسلام وكانت له جلسة محاكمة من قبل القضاة شهد ضده القاضي الحنبلي والمالكي .

(13) شذرات الذهب لابن العماد : مؤلف كتاب الشذرات عبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد العكري الحنبلي ولد سنة 1033 وكانت وفاته بمكة وهو يؤدي الحج 1089هـ =1623-1679م واسم الكتاب شذرات الذهب في أخبار من ذهب 8 أجزاء مطبوع وله كتب ورسائل أخرى .

(14) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية :

(15) هداية الحيارى

(16) طبقات الحنابلة للقاضي أبي يعلي :

(17) تهذيب الأسماء واللغات

(18) تاريخ بغداد : صاحب الكتاب هو أحمد بن علي بن ثابت البغدادي المشهور بالخطيب ولد سنة 392 وتوفي سنة 463هـ ذكر ياقوت له 56كتابا تاريخ بغداد 14 مجلد

(19) وفيات الأعيان لابن خلِّكان : هو كتاب في التراجم مؤلفه أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر المشهور بابن خلّكان ولد سنة 608وتوفي سنة 681هـ = 1211-1282م اتـهمه أبن كثير بأنه يترك ذكر زندقة الزنادقة قيل في كتابه : من أحسن كتب التراجم ضبطا وإحكاما .

ملاحظات على المراجع

لم يقم محقق الكتاب الدكتور نغش بإثبات المراجع في نـهاية الكتاب، ولم يقم بأية فهرسة ـ لما يحتاج فهرسة ـوالأنكى من مثل هذا العمل انه أورد المراجع المهمة دون أن يذكر اسم المؤلف ولم يضع بين حاصرتين ما اقتبسه من هذه المراجع، فنتج عن ذلك ضيعة لا يدري الباحث ما إذا تقصدها المحقق أم لا.

نظرة في المصادر : ترى أنَّ هذه المصادر هي مصادر غير موضوعية في أكثرها، ولا يركن أو يطمأن لتوثيقها، كل ما يمكن قوله : إنـها مؤلفات تنقل عن بعضها، ولا تتحقق مما تنقله، فجاءت المادة العلمية تكرارية، يكفي فيها أنْ تقرأ الجزء العاشر من ابن كثير، الورقات الخاصة بأحمد فلا حاجة لتسعة عشر مرجعاً .

أمام هذه الحقائق نعلم ان المحقق أراد المدح والتمدح بأحمد، لا التحقيق، والعمل بمجمله يخلو من أية ملامح إبداعية / تعمد المحقق ان لا يشير لمؤلف الكتاب المرجع وطبعته والدار الناشرة ولهذا صعبت العودة إلى المراجع للتحقق مما أشار إليه من معلومات .

 

- 2 -

تحقيق المحنة

ذكر محنة الإمام أحمد بن محمد بن حنبل

جمع أبي عبد الله بن إسحاق بن حنبل، ابن عم أحمد بن حنبل(&)

رواية أبي عمرو عثمان أحمد بن الدقاق، المعروف بابن السمَّاك(&) عن رواية أبي الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن رزقوية البزاز(&) عن رواية أبي الغنائم محمد بن [علي] بن الحسن بن محمد بن عمرو بن عثمان الدقاق الحجازي، عن ابن رزقوية، وكذلك أخوه أبو محمد أحمد بن علي، رواية الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن عبد الله بن نصر بن عبيد الله السبكي الراغوي، عنهما إجازة منه له .

{ 2 } أخبرنا الشيخ الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي، قال : أخبرنا الشيخ أبو محمد أحمد بن علي بن الحسن بن محمد بن عمرو الحجازي، وأخوه أبو الغنائم، قراءة عليهما، وأنا أسمع، قالا : أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزقوية البزاز، قراءة عليه، في جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وأربعمائة. قال : أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن الدقاق، قراءة عليه، وأنا أسمع، وبعضها قراءة علينا من لفظه . قال حدثنا أبو علي حنبل بن إسحاق بن حنبل، ابن عم أحمد ابن حنبل “ قال : سمعت أبا عبد الله رضي الله عنه، وذكر المحنة، فقال : رأيت في المنام عليّ بن عاصم(&)، فأولهما : عليٌّ عُلُواً، وعاصم : عصمة من الله *،  والحمد لله على ذلك، قال : وسمعت أبا عبد الله، وذكر الذين حملوا إلى الرقة(&)، إلى المأمون، وأجابوا، وهم سبعة، فذكرهم، فقال هو : لا !! لو كانوا صبروا وقاموا لله عز وجل، لكان الأمر قد انقطع، وحذرهم الرجل، يعني المأمون، ولكن لما أجابوا وهم عين البلد، اجترأ على غيرهم . فكان أبو عبد الله، إذا ذكرهم، يغتم لذلك فيقول : هم أول من ثلم هذه الثلمة، وأفسد هذا الأمر .

قال أبو علي : وكان أول من حمل للمحنة، هؤلاء السبعة، حيث جاء كتاب المأمون في أمرهم، أن يجمعوا إليه، ولم يمتحنوا ها هنا . إنما أخرجهم إليه، وأجابوه بالرقة، وهم هـ[ؤلاء] . وحضرت خروجهم، حيث أخرجوا يحيى بن معين(&)، وأبو خيثمة(&)، وأحمد بن [حنبل]* وإسماعيل [بن داود] الجوري(&)، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي(&)، وأبو مسلم المستملي عبد الرحمن [بن] يونس(&)، وابن أبي مسعود(&) . وحضرتهم حين أخرجوا إلى الرقة في الخان، بباب الأنبار. أخرجوا جميعا، فأجابوا وأطلقوا، قال أبو علي* حنبل : ثم خرجت إلى الكوفة إلى أبي نعيم(&)، فحدثني أبي قال : ورد كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم(&) يأمر بإحـ[ـضار] أبي عبد الله أحمد، وعبيد الله بن عمر القواريري(&)، والحسن بن حماد المعروف بسجادة(&)، ومحمد بن { 3} نوح(&)، بأن يمتحنهم، فوجه إليهم إسحاق [بن إبراهيم] عند أبي نعيم الفضل، فأخبرني أبو نعيم بقصة أبي عبد الله، وأنه قد أخذوا [من] حضر للمحنة، فقدمت بعد ذلك، وقد أخرج أبو عبد الله ولم أحضر خروجه إلى الرقة، وأخبرني أبي بعد قدومي من الكوفة : أنَّ أبا عبد الله، أتاه رسول صاحب الربع، عند غروب الشمس، فذهب به، قال أبي : وذهبت معه فقال له صاحب الربع : إذا كان غداً فاحضر دار الأمير، قال أبي : لما انصرفنا من عنده قلت لأبي عبد الله : لو تواريت قال : كيف أتوارى ؟ إنْ تواريت لم آمن عليك وعلى ولدي وولدك والجيران، ويلقى الناس بسببي المكروه، ولكني أنظر ما يكون .

فلما كان من الغد، حضر أبو عبد الله، وهؤلاء المسمون معه، فأدخلوا إلى إسحاق فامتحنهم، فأبى أبو عبد الله، والقوم أن يجيبوا، وأجاب بعضهم : علي بن الجعد(&) وأبو معمر إسماعيل(&) وغيرهم أجابوا فأطلقوا، والذين لم يجيبوا أمر بحبسهم جميعا ممن لم يجب . قال : فسمعت أبا عبد الله يقول : بعد ما خرج من الحبس، قال : لما دخلنا على إسحاق بن إبراهيم، قرأ علينا كتاب المأمون، الذي كتب به إلى إسحاق، تسمية رجل رجل، بنسبه ولقبه وكان فيه : أما أحمد فذاك الصبي، وأما ابن نوح فذاك ماله ولهذا عليه بالغيبة، وأما فلان فالا كل أموال اليتامى، وأما فلان فكذا وفلان كذا، يسمي رجلاً ! رجلاً  ! .

قال أبو عبد الله : وكان في الكتاب، أقرأ عليهم : {ليس كمثله شيء}(&)، قال أبو عبد الله : فقال لي إسحاق : ما أردت بهذا ؟ قلت : كتاب الله، لم أزد في كتابه شيئا، كما وصف نفسه تبارك وتعالى، ثم امتحن القواريري، فأبى أن يجيبه وامتنع، فأمر بحبسه وتقييده، وسجادة أيضا كذلك . فلما كان بعد ذلك بيوم أو يومين، [جاء بهما فأجاباه]، فخلَّى عنهما . فكان أبو عبد الله بعد ذلك يقول : أليس قد حُبِسْنا ؟ [ أليس قد ضُربنا ] ؟ قال الله عز وجل : ( إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ  {4 } بِالأِيمَانِ ) (&)، ثم قال : القيد كره، والحبس كره والضرب كره فأما إذا لم ينل(&) بمكروه فلا عذر له.

حدثنا حنبل، قال : أخبرني أبي، إسحاق بن حنبل، قال : حدثنا حسين بن محمد، قال : حدثنا المسعودي عن القاسم عن شريح، قال : السجن كره والقيد كره والضرب كره والوعيد كره . قال أبو عبد الله : وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار(&): إن عادوا فعُد ْ، يريد إن عادوا لك بالمكروه من العذاب، فعد للقول، فأما ما لم يُنَل بمكروه فلا أرى له عذرا، وقد يكون وعيد بلا نيل مكروه، ولكن إذا نيل بمكروه من ضرب أو حبس أو قيد، [فهو] معنى حديث عمار : إن عادوا فَعُدْ : أمره النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله ألا يعذبوه فينالوه بالمكروه، من ضرب وعذاب. وذكر أبو عبد الله هذا الكلام في وقت ما امتحن عباس ابن عبد العظيم [العنبري](&) وعلي بن المديني(&) بالبصرة، فأما عباس فأقيم فضرب بالسوط فأجاب، وأقعدَ علي [بن المديني] فلم يُمتحن حتى ضرب عباس وهو ينظر : فلما رأى ما نزل بعباس العنبري، وأن عباسا قد أجاب، أجاب عليٌّ عند ذلك، ولم يُنل بمكروه ولا ضرب، وحذر لما رأى ما نزل بعباس من الضرب، فَعذر أبو عبد الله عباساً، ولم يعذر عليَّاً لذلك .

وسمعت أبا عبد الله وذكر المحنة، فقال : تلك فتنة كانت، فتن الله بها الناس، أعاذنا الله وإياكم من الفتن والعذاب . وقد صار القوم إلى الله، طلبوا دنيا، يعني لما أجابوا، وقوم على الطمع، ولم ينالوا الذي أرادوا وآخرون على التقية والعذاب، وآخرون على ديانة، فنسأل الله العافية والسلامة، فالحمد لله الذي كشف ذلك عن هذه الأمة، إن الله ناصر دينه .

ذكر حمل أبي عبد الله إلى المأمون

قال أبي : ثم ورد كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم : أن أحمل إليّ أحمد بن محمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، فأخرجنا جميعا على بعير، ومحمد بن نوح، زميل أبي عبد الله - فبلغني أن رجلا سأل أبا عبد الله قال له : يا أبا عبد الله، إن عرضت على السيف تجيب ؟ قال : لا أجيب فقال : فسمعت أبا عبد الله بعد ذلك يقول : لما وصلنا إلى الرُّحـ[ـبة](&) وذلك في السحر، ونحن في خارج الرحبة، إذا رجل سأل عني وتقدم [إلى {5} محمد بن نوح فقال] له : ذاك أحمد بن حنبل، فدنا مني وسلَّم على بكلام شدد به عزمي، ثم قال لي : يا أحمد، أو يا هذا ؛ وما عليك أن تُقتل هنا وتدخل الجنة ها هنا ؟ ثم سلَّم وذهب . فجعلت أنظر إليه في أثره حتى غاب، فسألت عن أمره، فقيل لي : رجل من العرب من ربيعة، مسكنه البادية، متخل عن الدنيا، يعمل الصوف .

وسمعت أبا عبد الله يقول : ما رأيت أحداً على حداثة سنه، وقلة علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون الله قد ختم له بخير، قال لي ذات يوم وأنا معه خلْوَيْن : يا أبا عبد الله، الله ! الله ! الله ! إنك لست مثلي ولست مثلك، إنِ الله ابتلاني فأجبتُ فلا تقتاس بي، فإنك لست مثلي أنت رجل يقتدى بك، وقد مد هذا الخلق أعناقهم إليك، لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله، أو نحو من هذا الكلام . قال أبو عبد الله : فعجبت من تقويته لي وموعظته إياي . ثم قال أبو عبد الله أنظر بما ختم له، فلم يزل ابن نوح كذلك، ومرض حتى صار إلى بعض الطريق فمات، فصليت عليه، ودفنته أظنه قال بعانة(&) .

قال أبو عبد الله : وكنت أدعو الله ألا يريني وجهه، بعني المأمون، وذلك أنه بلغني أنه كان يقول : لئن وقعت عيني على أحمد، لأقطعنَّه إرباً ! إرباً ! . قال أبو عبد الله : فكنت أدعو الله ألا يريني وجهه . قال ـ فلما دخلنا طَرَسُوس(&) ـ : أقمنا أياما، فإذا رجل قد دخل علينا، فقال لي : يا أبا عبد الله، قد مات الرجل، يعني المأمون . فحمدت الله وظننت أنه الفرج، إذا رجل قد دخل، فقال : إنه قد صار مع أبي إسحاق المعتصم، رجل يقال له ابن أبي دؤاد(&)، وقد أمر بإحداركم إلى بغداد، فجاءني أمر آخر، وحمدت الله على ذلك، وظننت أنا قد استرحنا، حتى قيل لنا : انحدروا إلى بغداد .

قال أبو عبد الله : فصُيرِّت في سفينة من الرقة ومعـ[ـى(&)] أسرى لهم، فكنت في أمر عظيم من الأذى . فقدم أبو عبد الله إلى بغداد، وذلك في شهر رمضان، وهو مريض، فحبس في دار عمارة(&)، وكان مقيدا، فحبس في ذلك الحبس قليل ا، ثم تحول إلى سجن العامة في التغيير، فمكث في السجن نيفاً وثلاثين شهرا [فكنا نأتيـ]ـه(&) إلى السجن أنا وأبي وأصحاب أبي عبد الله، فأكثر ذلك، ندخل عليه [حينا(&)] وحينا {6} لم(&) يأذن لنا السجان، فسأله أبي أن يحدثني ويقرأ عليّ وقال له : أنت هاهنا فارغ، فأجابه، فقرأ عليّ في السجن كتاب الإرجاء وغيره، فرأيت أبا عبد الله، يصلي بأهل الحبس، وهو محبوس معهم، وعليه القيد، وكان قيداً واسعاً .

فكان في وقت الصلاة والوضوء والنوم، يخرج إحدى الحلقتين من إحدى رجليه ويشدها على ساقه، فإذا صلى ردها في رجله، وكان ذلك بغير علم من إسحاق بن إبراهيم .  فقلت له في الحبس : يا عم، أراك تصلي بأهل الحبس.  قال : ألا تراني وما أصنع ؟ يعني في إخراج القيدين من إحدى رجليه . قلت : بلى ثم ذكر أبو عبد الله حجرا(&) أو أصحابه، فقال : أليس كانوا مقيدين ؟ أليس كانوا يصلون جماعة على الضرورة ؟ لا بأس بذلك قال أبو عبد الله : وإن كان فيهم مطلق وَرَضُوه صلى بهم . قلت : فالذي في رجله القيد، لا يمكنه أن يقعد في الصلاة على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله، في الركعة الآخرة، يمنعه القيد ذلك . قال أبو عبد الله : كيف ما تيسَّر وأطاق، إلا أني أنا أطيق ذلك، لأني أخرجه من رجلي . ثم قال : فكرْت في أمرنا، فرأيت مثلنا في هذا الأمر مثل حَجْر وأصحابه، لما أخرجوا وقيدوا، فكأنا كنا في مثال أمرهم، ثم قال أبو عبد الله : أولئك أنكروا شيئا، ونحن دعينا إلى الكفر بالله، فالحمد لله على معونته وإحسانه، وسبحان الله لهذا الأمر الذي أبلى به العباد .

ذكر حمل أبي عبد الله من الحبس إلى المعتصم

فلما طال حبس أبي عبد الله، وكان أبي، إسحاق بن حنبل، يختلف في أمره، ويكلم القواد وأصحاب السلطان في أمره، رجاء أن يطلق ويُخلى له السبيل . فلما طال ذلك، ولم يره يُتم أتى على إسحاق بن إبراهيم فدخل عليه، فقال له : أيها الأمير، إن بيننا وبين الامير حرماً، في حرمة منها ما يرعاها الأمير : جوار بمرو(&)، وكان والدي حنبل مع جدك الحسين بن مصعب . قال : قد بلغني ذلك . قال : فقلت: فإن رأى الامير أن يرعى لنا ذلك ويحفظه، وقلت له(&) : الأمير على ما يحبه ابن أخي {7} لم يجحد التنزيل، وإنما اختلفوا في التأويل، فاستحل منه [ ما استحل ] من الحبس الطويل، يا أيها الأمير، اجمع له الفقهاء والعلماء . قال أبي : ولم أذكر له أهل الحديث والآثار . قال : فقال لي إسحاق : وترضى ؟ قلت : نعم أيها الامير فمن أفلحت حجته كان أغلب . قال أبي : فقال لي ابن أبي ربعي : ماذا صنعتَ ؟ تجمع على ابن أخيك المخالفين له، فيثبتون عليه الحجة، وممن يريد ابن أبي دؤاد من أهل الكلام والخلاف ؟ وهَلا شاورتني في ذلك ؟ قلتُ له : قد كان الذي كان .

قال أبي : ولما ذكرت لإسحاق بن إبراهيم ما بيننا وبينه من الحرمة المتقدمة، قال لحاجبه محمد البخاري : يا بخاري، اذهب معه إلى ابن أخيه، فلا يكلم ابن أخيه بشيء، إلا أخبرتني به . فقال أبي : فدخلتُ على أبي عبد الله، قد أجاب أصحابك، وقد أعذرت فيما بينك وبين الله، وقد أجاب أصحابك والقوم، وبقيتَ أنت في الحبس والضيق، فقال لي : يا عم : إذا أجاب العالم تقيه والجاهل بجهل، فمتى نتبين الحق ؟ قال أبي : فأمسكت عنه .

فلما كان بعد أيام من لقاء أبي لإسحاق بن إبراهيم، وكلامه إياه، لقي إسحاق المعتصم، فأخبره بقول أبي وما كلّمه به، فغدونا بعد ذلك إلى الحبس وأردنا الدخول على أبي عبد الله، على ما كنّا نختلف . وكان في دارنا رجل يقال له : هارون، يختلف إلى أبي عبد الله بطعامه من المنزل ويقضي حوائجه ويخدمه، فقيل له : قد حُوِّل الليلة أبو عبد الله الى دار إسحاق بن إبراهيم . ذهبت أنا وأبي وأصحابنا الى دار إسحاق، فأردنا الدخول على أبي عبد الله والوصول إليه، فحيل بيننا وبين ذلك وجاء هارون بإفطار أبي عبد الله، وذلك في رمضان في خمس بقين من شهر رمضان سنة تسع عشرة ومائتين . فدفع هارون إفطار أبي عبد الله الى بعض الأعوان ليوصله الى أبي عبد الله، فبعث إسحاق فأخذ الزنبيل(&) الذي فيه إفطاره، فنظر إليه، فإذا فيه رغيفان وشيء من قثّاء وملح، فعجب إسحاق من ذلك .

مجالس الجدل  *

الجدل في اليوم الأول

فلما كان الغد من اليوم الذي حٌوِّل فيه [ أبي عبد الله الى ] دار إسحاق، ونحن عند باب إسحاق، إذ جاء أبو شعيب بن الحجام ومحمد [ بن رباح ] * {8}، فدخلا على أبي عبد الله في دار إسحاق، ومعهما صورة السماوات والأرض وغير ذلك . قال أبو عبد الله : فسألاني عن شيء ما أدري ما هو . قال أبو عبد الله : فلما سألني ابن الحجام وابن رباح : قلت : ما أدري ما هذا، وما اعرف هذا . قال ثم قلت لابن الحجام في كلام دار بيني وبينه : ويحك بعد طلبك العلم والحديث، صِرْتَ إلى هذا ؟ وسألتهُ عن علم الله ما هو ؟ فقال : علم الله مخلوق . فقلت له : كفرتَ بالله العظيم يا كافر. فقال لي رسول إسحاق وكان معه : هذا رسول أمير المؤمنين . فقلت له : إن هذا كُفر بالله . وقلتُ لصاحبه ابن رباح الذي جاء معه : إنَّ هذا، أعني ـ ابن الحجام ـ قد كفر، زعم أن علم الله مخلوق فنظر إليه، وأنكر عليه مقالته، وقال : ويحك، ماذا قلت : ثم انصرفنا . قال حنبل : فبلغني ما روي(&) عن أبي شعيب بن الحجام، وأنه قال لما خرج من عند أبي عبد الله ، قال : ما رأيت لهذا نظيراً، فعجبتُ من هذا الذي هو فيه، وعظته لي وتوبيخه إياي .

وقال أبو عبد الله : قال لي إسحاق، لما دخلت عليه في السجن : يا أحمد، لو أجَبْتَ أمير المؤمنين الى ما دعاك إليه . قال : فكلمتُه بكلام . قال لي : يا أحمد إني عليك مشفق، وإن بيننا وبينك حرمة، وقد تألىَّ(&) لئن لم تجبه ليقتلنك . فقلت له : ما عندي في هذا الامر إلا الامر الأول .

فقال لي إسحاق حينئذ، وأمرني فحُملتُ في زورق الى دار أبي إسحاق . قال : وكانت في سراويلي تكة، فلما حوّلوني من السجن، زادوا في قيودي وثَقُلَت عليَّ القيود ولم أقدر أن أمشي بها، أخرجت التكة من السراويل وشَدَدْت بها قيودي، ثم لففت السراويل لفاً بغير تكة ولا خيط، فمضى بي الى دار أبي إسحاق المعتصم ومعي بغا، ورسول إسحاق بن إبراهيم، فلما صِرْت الى [ دار أبي إسحاق(&) ] ثم أخرجت من الزورق وحملت على دابة، والأقياد عليّ، وما معي أحد يمسكني فظننت أني سأخر على وجهي الى الأرض من ثقل القيود، وسلم الله حتى انتهيت الى الدار، فأدخلت إلى الدار في جوف الليل(&)، وأغلق عليّ، وأقعد عليه رجلان، وليس في البيت سراج، فقمت أصلي ولا أعرف القبلة، فصليت فلما أصبحت فإذا أنا على القبلة .

الجدل في اليوم الثاني *

{9} الإشارة إلى ورقة {9} ناقصة من المطبوعة .

قال أبو عبد الله : فلما أُدخلت من الغد الى أبي إسحاق(&)  [ و] هو قاعد وابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع أصحابه *، فلما نظر إلى أبي [ عبد الله أحمد بن حنبل ] وقد قربت منهم : أليس زعمتم لي أنه حدث ؟ أليس هذا شيخ مكتهل {؟ } فلا أدري ما احتج به الخبيث(&) عليه، لم أفهمه، وفي الدار كثير من الناس *، فلما دنوت سلمت . فقال لي: أدنه، فلم يزل يدنيني، حتى قربت منه، ثم قال : اجلس، فجلست، وقد أثقلني الحديد والأقياد، فلما مكثتُ ساعة، قلت له : يا أمير المؤمنين، تأذن لي في الكلام ؟ قال : تكلم. فقلت له : إلام دعا إليه ابن عمك رسول الله (ص)؟ قال : إلى شهادة لا إله إلا الله، قلتُ : فأنا أشهد ألا إله إلا الله . ثم قلت له : إن جدك ابن عباس يحكي أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرهم بالإيمان بالله .  قال : فذكرتُ الحديث كله [ وقلتُ ] : يا أمير المؤمنين، فإلى ما أدعْى وهذه شهادتي وإخلاصي لله بالتوحيد ؟ يا أمير المؤمنين، دعوة بعد دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال : فسكت . قال : وتكلم ابن أبي دؤاد بكلام لم أفهمه *. قال : وذلك أني لم أكن أتفقد كلامه، ولا ألتفت الى ذلك منه .

حدثنا حنبل، قال : حدثنا مسدد، قال : حدثنا حماد بن زيد عن أبي حمزة عن ابن عباس، قال سمعتهُ يقول : قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا : يا رسول الله، هذا الحي من ربيعة قد حالت بيننا وبينك فلسنا نخلص إليك إلا في شهر حرام، فلو أمرتنا بأمر نأخذ به ونبلغه من وراءنا : قال آمركم بأربعة وأنهاكم عن أربعة أمركم بالإيمان بالله وشهادة ألا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا الى الله خمس ما غنمتم، وأنهاكم عن الدباء(&) والحنتم والنقير والمزفت(&) .

حدثنا حنبل قال : حدثنا عاصم بن علي، قال : أخبرنا الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن نافع عن حبيب عن أبيه، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أصحابه وهم جلوس ينتظرونه، فلما خرج إليهم جلس معهم، فقال : ابشروا، ألستم تشهدون ألا إله إلا الله لا شريك له وتشهدون أني رسول الله، وتشهدون أن هذا القرآن من عند الله ؟ قالوا : بلى، نشهد على هذا . قال فابشروا، فإن هذا القرآن سبب من الله طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تهلكوا بعده أبداً(&) .

قال أبو عبد الله ثم قال لي أبو إسحاق : لولا أنك كنت في يدي من كان قبلي، لما عرضتُ لك، ثم قال لعبد الرحمن بن إسحاق ألم آمرك أن ترفع المحنة ؟ قال أبو عبد الله : فقلت في نفسي : الله أكبر [ إن في هذا لفرجاً ](&) للمسلمين، ثم قال : ناظروه وكلموه، يا عبد الرحمن : كلِّمه {10} فقال عبد الرحمن : ما تقول في القرآن ؟ فلم أجبه . ثم قال ابن أبي دؤاد لعبد الرحمن : كلِّمه .  فسألني عبد الرحمن، فقال لي : ما تقول في القرآن ؟  فقال لي أبو إسحاق : أجبه . فقلت له : ما تقول في العلم ؟ فسكت . فقلتُ لعبد الرحمن القزاز [ القرآن ] من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله . قال : فسكت عبد الرحمن . فلم يردَّ عليّ شيئاً . فقالوا بينهم يا أمير المؤمنين، أكفرنا وأكفرك . فلم يلتفت الى ذلك منهم.

قال أبو عبد الله : فقال لي عبد الرحمن، كان الله ولا قرآن، قلت له : فكان الله ولا علم ؟ فأمسك . ولو زعم أن الله كان ولا علم لكفر بالله، ثم قال أبو عبد الله : لم يزل الله عالماً متكلماً، نعبد الله لصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه، ونرد القرآن الى عالمه تبارك وتعالى، إلى الله فهو أعلم به، منه بدأ واليه يعود *.

قال أبو عبد الله : وجعلوا يتكلمون من ها هنا ومن ها هنا *، فأقول : يا أمير المؤمنين، ما أعطوني شيئاً من كتاب الله، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقـول به، قال : فقال ابن أبي دؤاد : وأنت لا تـقول إلا ما في كتاب الله أو سنة رسوله ؟ فقلت له : وهل يقوم الإسلام إلا بالكتاب والسنة ؟ ثم قلتُ له : تأولتَ تأويلاً تدعو الناس إليه، فأنت أعلم وما تأولت، وتحبس عليه وتقتل عليه . فقال ابن أبي دؤاد : هو والله يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع، وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسلهم :  قال لهم : ما تقولون ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين، هو ضال مضل مبتدع، فلم يزالوا يكلموني، وجعل صوتي يعلو على أصواتهم إلى أن قال لي عبد الرحمن بن إسحاق : قال الله عز وجل ( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ) (&)، أفيكون محدث إلا مخلوقاً ؟ فقلت له : قال الله عز وجل : ( ص وَالقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) (&)، فالذكر هو القرآن، وتلك ليس(&) فيها ألف ولا لام ؟ قال : وكان ابن سماعة(&) لا يفهم ما أٌقول، فقال : ما يقول ؟ قالوا : إنه يقول : كذا وكذا، وقال لي إنسان منهم : حديث خبَّاب : يا هناه ! تقرب إلى الله بما استطعت، فإنك لن تقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه(&) قلت : نعم، هو هكذا .

قال أبو عبد الله : فجعل ابن أبي دؤاد [ ينظر ] إليه ويلحظه متلظياً مغضباً عليه، قال أبو عبد الله : واحتج على بعضهم، فذكرت ابن عرعرة في حديث : إن الله عز وجل كتب الذكر(&) فقال المحتج، على أنَّ الله خلق الذكر، فقلت : حدثناه غير واحد، أن الله كتب الذكر واحتج علي بن اليمامي أبو محمد(&) عبد [ الله ] الرومي(&) عن إسماعيل بن عبد الكريم، حديث * ( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ) (&).

فقلت : هذه نَكرة، فقد يكون على جميع الذكر *، والذكر معرفة وهو {11} القرآن [ وتلك ليس فيها الألف واللام ](&) ولما احتج علي بابن عرعرة وابن الرومي قطعي * .

قال أبو عبد الله : وما كان في القوم أرأف بي ولا أرحم من أبي إسحاق، فأما الباقون فأرادوا قتلي، وشاركوا فيه لو أطاعهم أو أجابهم الى ذلك . قلت لأبي عبد الله : فكان لابن أبي دؤاد علم ؟ فقال : كان من أجهل الناس بالعلم والكلام *، إنما كان أهل البصرة، المعتزلة الذين يقومون بأوده، فإذا انقطع الرجل منهم عرض ابن أبي دؤاد في الكلام، يوهم الآخر أن عنده شيء، ولم يكن عنده شيء من ذلك، قال : وسمعتُ أبا عبد الله وقال له أبو بكر بن عبيد الله : يا أبا عبد الله، كان ابن أبي.

دؤاد يناظر ويتكلم ؟ قال : لا، ما كان له معرفة بشيء، إنما كان يعول على هؤلاء المعتزلة، أهل البصرة : بر([1]) في الأصل : وحُلَّ .

غوث وأصحابه، فأما هو، فلا صاحب علم ولا كلام ولا نظر، ولقد قال لي يوماً في تلك الأيام في شيء ذكره، فقلت له مجيباً له : فهل معك في هذا، كتاب أو سنة *؟ فقال : وأنت لا تقول إلا بما في الكتاب والسنة ؟ فقلت له : وهل يقوم الإسلام إلا بالكتاب والسنة ؟ اخترعتَ رأياً وتأولته تأويلاً تدعو إليه الناس، قال : فأمسكَ .

حدثنا حنبل : قال : سمعت أبي يقول : قال لي عبد الرحمن بن إسحاق بعد ما أطلق أبو عبد الله وخليِّ(&) من الحبس، حقد عليّ بن أبي دؤاد، يوم كلّمت أبا عبد الله، لما لم أجرد له من القول، فتسببتَ بذلك عليَّ العزل، فقال أبي، لأبي عبد الله، هذا الكلام عن عبد الرحمن، فقال أبو عبد الله : فما كلّمني عبد الرحمن إلا بالمسألة الأولى، فلما لم يجبني أمسك عن المسألة، يعني حين سأله أبو عبد الله عن علم الله . قال سمعت أبا عبد الله يقول : كان القوم إذا انقطعوا عن الحجة، عرض ابن أبي دؤاد فتكلم، فلما كان في اليوم الثاني من آخر النهار، قال لهم أبو إسحاق انصرفوا . واحتبس عبد الرحمن بن إسحاق، فخلا بي وبعبد الرحمن وقال أبو عبد الله : واحتج أبو إسحاق عليّ بصالح الرشيدي، وكان مؤدبه وكان صالح صاحب سنة، فقال لي أبو إسحاق : كان صالح في هذا الموضع جالساً(&)، وأشار الى موضع من الدار، وتكلم بكلام في القرآن فأمرت به فسحب ووطئ .

قال أبو عبد الله : فقال له عبد الرحمن [ ابن إسحاق ] : يا أمير المؤمنين [ أنا ](&) وأحمد هذا، منذ ثلاثين سنة، نبدي(&) طاعتكم والحج معكم والجهاد معكم [ ولعله يجيب بعد ](&) ليلته . فقال أبو إسحاق : {12} والله إنه لفقيه، والله إنه لعالم، ولو وددت أنه معي يصلح من شأني، فإن أجابني الى ما أريد لأطلقن عنه . ثم قال لي : يا أحمد، ويحك، لقد همني أمرك ولقد أسهرتَ  ليلي، ولولا أنك كنت في يدي من كان قبلي، ما عرضت لك، ولا امتحنت أحداً بعدك، ولو أنه وراء حائطي هذا . ثم التفت إلي وقال : ويحك يا أحمد ما تقول ؟ فأقول له : يا أمير المؤمنين، ما أعطوني شيئاً من كتاب الله ولا سنة عن رسول الله . فلما طال ذلك قام، فرددت إلى الموضع الذي كنت فيه، ووجه الرجلين : الشافعي وغسان، فكانا معي، فلما حضر الإفطار وجيء بالطعام، فأكلا ولم آكل إلا تعللا، ولم آكل إلا الشيء الذي أقيم به رمقي من التلف، وجعلته عندي بمنزلة المضطر . فقال له أبو بكر بن عبيد الله : يا أبا عبد الله، فَلِمَ تخافهم على نفسك في مثل هذا ؟ قال : الأمر الذي كنتُ فيه أعظم، فلم يلتفتوا الى هذا مني، وأعانني الله على ذلك .

قال حنبل : فبينما نحن في ليلة خمس وعشرين من شهر رمضان في مسجدنا نصلي التراويح، إذا رسول إسحاق بن إبراهيم قد وافانا . قال إسحاق بن حنبل : فأجابه إلى(&) ما أحب الأمير، فأخذ أبي وحمله على دابة، وذهبنا معه والناس يصلون التراويح، فذهبنا معه الى دار إسحاق، فمضوا به الى دار أبي إسحاق في المخرم(&)، فبتنا تلك الليلة .

الجدل في اليوم الثالث

بجري الكلام على لسان اسحق عم أحمد بن حنبل *

وفي صبيحتها ضرب أبو عبد الله، فقال لي : إني لما أصبحت، أتاني ابن حماد بن دنقش وهو صاحب أبي إسحاق، فقال لي : إن أمير المؤمنين يقرئك السلام، ويقول لك : ابن أخيك، إذا كانت له حجة أنساب عليهم، فإذا كانت الحجة عليه، قال : لست بصاحب كلام، إنما أنا صاحب أثرة* { آثار }، فكلمه فليجبني .

قال أبي : فصرت إلى أبي عبد الله، فقلت : يا أبا عبد الله، قد عرف الأمر، وقد أبليت عذراً فيما بينك وبين ربك وأنت أعلم، قال أبي : فسكت أبو عبد الله، فلم يرد علي شيئاً، وجاء ابن أبي دؤاد، فدخل علينا، وقد كان غسان قال لأبي إسحاق : يا أمير المؤمنين، إن أحمد من بلادي، يعني من مرو، فإن رأيت أن تأذن لي حتى أكلمه وأناظره فأذن له، فكان غسان والشافعي الأعمى يكلمانه ويناظرانه *، وجاء ابن أبو دؤاد، فجلس، فقال : يا أحمد : إني عليك مشفق، ولقد غمني حين وجدت اسمك مع هؤلاء، فأجبني : فقال له أبو عبد الله : عَلامَ أجيبكم لا أمر من كتاب الله ولا سنة عن رسول الله . قال له ابن أبي دؤاد : وأنت لا تقول إلا بما كان عن رسول الله وفي كتاب الله ؟ قال له ابن أبي دؤاد : يا أحمد، والله ما هو القتل بالسيف، يا أحمد، إنما هو ضرب [ بعد ضرب ] . ثم قام ابن أبي دؤاد، فالتفت إلي، فقال لي : كلمه، فقلت له {13} تنح حتى أكلمه [ إنه والله ليس السيف ](&) الأمر أدهى(&) من ذلك . فقلت له : فإن كان كذلك فشأنكم به، فقام وأمر به فأخرج، وذلك في اليوم الثالث من مناظرته .

فقال لي أبي : فخرجت مع أبي عبد الله، فلما صرنا في الدار، قلت لابن أبي دؤاد : مُر البواب ألا يعرض لي، فالتفت ابن أبي دؤاد الى ابن دنقش، فقال : هذا مالكم وله ؟ هذا محبوس، هذا ماله ولهذا الأمر، ثم التفت أبو عبد الله إليَّ، فقال لي : يا عمي، أين تذهب ؟ انتظر حتى ننظر ما يكون من أمري، فقلت له : وأين أذهب ؟ أنا ها هنا قاعد . قال أبي : وإنما أردت ألا يكون لهم عليّ سبيل، وأراد أبو عبد الله يقول : لعله القتل . فأكون بالحضرة فأحمله، لأنه أعلِم أنهم أجمعوا على قتله . قال أبي : فجلست عند الستر، وجاء عبد الرحمن، فجلس إلى جنبي، وأدخل أبو عبد الله، فقال لي عبد الرحمن : سألني أمير المؤمنين أمس، فقال عمه : يعني عم أبو عبد الله، في أي الرجال هو ؟ قلت : يا أمير المؤمنين، من أدبه وهيبته كذا وكذا، وهم يا أمير المؤمنين أهل بيت لهم قدر وقديم، فإن سألك أمير المؤمنين عن شيء فلا تخالفه، قال أبي : فورد عليّ أمر أنساني أمر ابن أخي، وصرت، أفكر في أمري وما قد بليت به، ففرج الله ولم أدخل عليه، وجاء النوفلي فجلس، فقال لأصحاب ابن أبي دؤاد : هذا الجاهل : يعني أبا عبد الله يقول : العلم وما العلم والقرآن، قال أبي : فَسَكَتُّ، فلم أجب أحداً منهم .

حدثنا حنبل، قال: سمعت أبا عبد الله يقول : لما احتج علي عبد الرحمن بابن عرعرة واليمامي، قطعني، فَسَكَتُّ. قال برغوث : يا أمير المؤمنين، كافر حلال الدم، اضرب عنقه، ودمه في عنقي، وقال شعيب كذلك أيضاً فقلت أعلا(&) أحلاَّ دمي، فلم يلتفت الى قولهما . قال وسمعت أبا عبد الله أيضاً يقول : أما برغوث وشعيب فإنهما تعللا(&) تَحَلَّلاَ قتلي، وقالا له : يا أمير المؤمنين، اضرب عنقه ودمه في أعناقنا، ولم يكن في القوم أشد تكفيراً ولا أخبث منهما، وأما ابن سماعة فجعل يكلمني بكلام رقيق، وقال له ابن سماعة : يا أمير المؤمنين، إنه في أهل بيت شرف ولهم قديم، ولعله يصير الى الذي يحبه أمير المؤمنين، فكأنه رقَّ عند ذلك . وكان أبو إسحاق(&) ألين علي، قال لي : أنا عليك شفيق، لقد أسهرتَ ليلي، كيف بليت بك ؟ ويحك، اتق الله في نفسك ودمك .

قال أبو عبد الله : وكان إذا كلمني ابن أبي دؤاد لم أجبه ولم ألتفت الى كلامه، وإذا كلمني أبو إسحاق ألنت له القول والكلام، فلم [ يكن لـ ]هم علي حجة، فقال لي أبو إسحاق في اليوم الثالث : أجبني يا أحمد الى ما أدعوك إليه، [ قد بلغـ]ني أنك تحب الرياسة *. وذلك لما أوقروا {14} قلبه عليّ وأعطوه العشوة(&)، ثم قال لي : إن أجبتني الى ما يكون فيه خلاص لك، أطلقت عنك ولأتينك في حشمي وموالي، ولأطأن بساطك ولأنوهن باسمك يا أحمد، الله ! الله ! في نفسك . قلت له : يا أمير المؤمنين، هذا القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخباره، فما وضح(&) عليّ من حجة صرتُ إليها . قال : فيتكلم هذا ويتكلم هذا، وهم جماعة كبيرة، فأرد على هذا وأكلم هذا، فإذا تكلم بشيء من الكلام مما ليس في كتاب الله ولا سنة الرسول ولا عندي خبر، قلت : ما أدري ما هذا ؟ ! ما أعرف هذا، ! فيقولون : يا أمير المؤمنين، إذا توجهت له الحجة علينا وثب علينا، وإذا كانت عليه قال : لا أدري ما هذا .

قال أبو عبد الله : وكان أبو إسحاق لا يعلم ولا يعرف ويظن أن القول قولهم ولا يدري فيقول : يا أحمد، اتق الله في نفسك، إني عليك مشفق . قال أبو عبد الله : فاحتججت [عليهم(&)] وقلت : ما يقولون في قول الله عز وجل ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ) (&)، قالوا : خص الله بها المؤمنين . قلت : ما يقولون في كذا وكذا ؟ ولم يكن عندهم في ذلك حجة ولا علم، فسكتوا، وذلك أنهما احتجوا عليَّ بظاهر القرآن، وقال علي : إنك تنتحل الحديث .

قال أبو عبد الله : ولقد احتجوا بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني أن أحكيه، وأنكروا الرواية والآثار، وما ظننتهم على هذا حتى سمعت مقالتهم، ولقد جعل برغوث يقول لي : الجسم كذا وكذا، وكلام هو الكفر بالله العظيم، فجعلت أقول : ما أدري ما هذا، إلا أني أعلم أنه أحد صمد، لا شبه له ولا عدل، وهو كما وصف نفسه، فسكت عني .

قال أبو عبد الله : واحتججت عليهم، فقلت : زعمتم أن الأخبار يروونها باختلاف أسانيدها، وما يدخلها من الوهم والضعف، وهذا القرآن، نحن وأنتم مجمعون عليه، وليس بين أهل القبلة فيه خلاف، وهو إجماع . قال الله في كتابه، تصديقا منه لقول إبراهيم، غير دافع مقالته ولا منكر، فحكى الله ذلك فقال : ( إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ) * (&) " في المطبوعة زيادة واو في أول الآية "  فذم إبراهيم أباه، بأنْ عبد ما لا يسمع ولا يبصر، فهذا منكر عندكم ؟ فقالوا : شبه يا أمير المؤمنين قال : أليس هذا القرآن ؟ هذا منكر مدفوع، وهذه قصة موسى، قال الله في كتابه، حكاه عن نفسه (  وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً ) (&)، فأثبت الله الكلام لموسى كرامة منه لموسى، ثم قال بعد كلامه له تكليما، تأكيداً، للكلام قال الله تعالى(&) يا موسى ( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا ) (&)إني وتنكرون هذا (ص15) فيكون هذه الياء [المذكورة(&)] ترد على غير الله، ويكون مخلوقاً يدعى الربوبية إلا هو عز وجل، وقال الله : " لموسى لا تخف "، ( إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ ) (&)، فهذا كتاب الله يا أمير المؤمنين . فأمسكوا وأداروا عليهم كلاما لم أفهمه *.

قال أبو عبد الله : وكان القوم يدفعون هذا وينكرونه . قلت له : فأبو إسحاق ؟ قال : لم يقل شيئا ولم يقروا على رفع القرآن(&)، وأنكروا الكلام والرؤية .

حدثنا حنبل، قال : سمعت أبا عبد الله يقول : قال له ابن دؤاد، يعني لأبي إسحاق، لما انقطع أصحابه : والله الذي لا إله إلا هو، يا أمير المؤمنين، لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة ألف، ومائة ألف عدد مراراً كثيرة، وكان شعيب وبرغوث أشدهما تعليلا(&) تحليلاً لإباحة دمي . وكان عبد الرحمن ألينهم قولا وأشدهم ميلا إليَّ .

قال أبو عبد الله : وقد كنت في اليوم الذي حدث من أمري ما حدث، يعني اليوم الثالث : جاءني ابن أبي دؤاد، فقال، يا أحمد، إنه قد حلف أن يضربك ضرباً شديداً، وأن يحبسك في أضيق الحبوس، فكلمت رجلا، فطلب لي خيطا، فجعلته في تكتي، وخشيت أن تتُفلت السراويل، لما لم يكن فيه تكة ولما أدخلت عليه في اليوم الثالث، وعنده ابن أبي دؤاد وأصحابه، قال ناظروه وكلموه، فدار بيننا كلام كثير وكان مما احتججت [به] عليهم يومئذ ، قلت : قال الله (أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ )(الأعراف: من الآية54)، ففرق بين الخلق والأمر، وذلك أنهم قالوا لي : أليس كل ما دون الله مخلوق ؟ فقلت لهم : ما دون الله مخلوق، فأما القرآن فكلامه وليس بمخلوق فقال لي شعيب : قال الله : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً ) (&)أو ليس كل مجعول مخلوق ؟ فقلت له : قال الله : ( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً ) (&)( كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) (&)، أفخلقهم؟  أفكل مجعول مخلوق ؟ كيف يكون مخلوقا ؟ وقد كان قبل أن يخلق الجُعْل : فأمسك وقالوا فيما قال ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (&)فقلت له حينئذ الخلق غير الأمر قال الله ( أَتَى أَمْرُ اللَّه ) (&)، فأمره كلامه واستطاعته، ليس بمخلوق، فلا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فقد نهينا عن هذا، فقالوا : كفر يا أمير المؤمنين من غير وجه .

قال : وسمعت أبا عبد الله يقول : واحتجوا علي يومئذ، فقالوا : ( ص وَالقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) (صّ:1)، فقلت له : يا أمير المؤمنين ( ص وَالقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) (صّ:1)  ( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ )(الانبياء: من الآية2)، هذا، يا أمير المؤمنين ينصرف على [غير القرآن] وليست فيه ألف ولا لام، و ( ص وَالقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)، فهذا هو القرآن  {16} يا أمير المؤمنين، ليس عندهم تمييز لهذا ولا بيان، فعلام تدعوني إليه لا من كتاب الله ولا من سنة نبيه، تأويل تأولوه، ورأي رأوه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن جدال في القرآن، وقال : {المراء في القرآن كفر}(&)، ولست صاحب مراء ولا كلام، وإنما أنا صاحب آثار وأخبار، فالله الله في أمري، فأرجع إلى الله، فوالله لو رأيت أمراً وصح لي وتبينته، لصرت إليه، فأمسك، وكان أمره قد لان، لما سمع كلامي ومحاورتي عرف فلم يترك، وكان أحلمهم وأوقرهم وأشدهم عليّ تحننا، إلا أنهم لم يتركوه، واكتنفه إسحاق وابن أبي دؤاد، فقالا له : ليس هو من التدبير تخليته هكذا، يا أمير المؤمنين ابلُ فيه عذرا يا أمير المؤمنين هذا، يناوئ خليفتين، هذا هلاك العامة، وقال له الخبيث : يا أمير المؤمنين، إنه ضال مضل . وتكلم أهل البصرة المعتزلة، فقالوا : يا أمير المؤمنين : كافر، يا أمير المؤمنين : إنه ضال مضل، وقال إسحاق : ليس من تدبير الخلافة تخليته هكذا، يغلب خليفتين . فعند ذلك أشتد عليّ وغلظ وعزم على ضربي، وكان من أمره ما كان(&) *.

وقلت(&) لعبد الرحمن : القرآن من علم الله، ومَنْ زعم أن علم الله مخلوق، فقد كفر بالله. فسكت عبد الرحمن، فلم يرد على شيئا. وقالوا هم منهم: يا أمير المؤمنين، أكفرنا وأكفرك.

حدثنا حنبل قال : سمعت ابن(&) عمي عبد الله بن حنبل، قال :  قلتُ لأبي عبد الله ،في الحبس ؛ إلى أي شيء دُعيتم ؟ قال : دُعينا إلى الكفر بالله . قال أبو عبد الله : حتى إذا كان ذاك وانقطع ابن أبي دؤاد، وأصحابه، نحاني وخلا بي، وبعبد الرحمن، فقال : يا أحمد، إني عليك مشفق، فأجبني، والله لوددت أني لم أكن عرفتك يا أحمد، الله ! الله ! في دمك ونفسك، إني لأشفق عليك كشفقتي على هارون ابني، فأجبني . قلت : يا أمير المؤمنين، ما أعطوني شيئا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله . ولما كان في آخر ذلك . قال لي : لعنك الله، لقد طمعتُ فيك أن تجيبني . ثم قال : حدُّوه، خلعوه، واسحبوه . قال : فأخذت ثم خلعت، ثم قال : العقابين(&) والأسياط، فجئ بعقابين وأسياط .

قال أبو عبد الله : وأنا أنظر، وكان معي شعر النبي [صلى الله عليه {17} وسلم](&) أعطانيه ابن الفضل بن الربيع، وكان في صرة من قميص . فقال : انزعوا عنه قميصه ولا تخرقوه، ثم قال : ما هذا في ثوبه ؟ فقالوا لي : ما هذا في ثوبك ؟ قلت : هذا شَعْر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم . قال : صُيرت بين العقابين فقلت : يا أمير المؤمنين : الله ! الله !، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : {لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد ألا إله إلا الله، إلا بإحدى ثلاث} وتلوت الحديث(&) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم }(&). فبم تستحل ( دمي ولم آت شيئا من هذا يا أمير المؤمنين، الله ! الله !، لا يكفي الله وبيني وبينك مطالبة، يا أمير المؤمنين : اذكر وقوفك بين يدي الله كوقوفي بين يديك، يا أمير المؤمنين : راقب الله، فكأنه أمسك ولم يترك(&). فقال ابن أبي دؤاد وخاف أن يكون منه عطف أو رأفة، يا أمير المؤمنين : إنه ضال مضل كافر بالله . قلت : يا أمير المؤمنين : اتق الله في دمي ونفسي، فقال : هذا كافر وقال : هذا كافر . فأمرني حينئذ فأقمتُ بين العقابين وجئ بكرسي فوضع له، فجلس عليه وابن أبي دؤاد وأصحابه قيام على رأسه، فقال لي إنسان : خذ الخشبتين بيدك وشد عليهما فلم أفهم منه ذلك فتخلعت يداي(&) . ثم قال أبو إسحاق للجلادين : أروني سياطكم فنظر، فقال : ائتوني بغيرها(&) فأتوه بغيرها، ثم قال لهم : تقدموا . وقال لهم : ادنوا واحدا واحدا، ثم قال : أوجع قطع الله يدك فتقدم : فضربني سوطين ثم جاء آخر، فلم يزل كذلك، فأغمي علي لما ضربني أسواطاً، فلم أعقل حتى أرخى عني، فجاء فوقف وهم محدقين به، فقال : يا أحمد، ويلك تقتل نفسك، ويحك أجبني، أطلق عنك . وقال لي بعضهم : ويلك أمير المؤمنين قائم، ويلك إمامك على رأسك قائم، ويعجني عجيف بقائمة سيفه . فقال لي : يريد يغلب هؤلاء كلهم .

وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول لي : ويلك الخليفة على رأسك قائم . وهذا يقول : يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي . ثم يرجع فيجلس على الكرسي ثم يقول للجلاد : أدنه، أوجع، قطع الله يدك، ولم [ يزل يدعو ](&) واحداً واحداً حتى يضربني سوطين سوطين، ويتنحى وهو يقول : [ شد، قطع الله يدك ](&) أوجع . قال : ثم قام إليّ الثالثة، وما أعقل، فجعل {18} يقول : يا أحمد، أجبني، قال : وجعل عبد الرحمن يقول لي : أصحابك يحيى وفلان وفلان، أليس قد أجابوا ؟ قال للجلاد، أوجع، وذهب عقلي، وما عقلت واسترخيت . فلما أحس أني ميت، كأنه أرعبه ذلك، فأمر بتخليتي حينئذ، وأنا على ذلك  لا أعقل، فما عقلت إلا وأنا في حجرة مطلق عني الأقياد .

قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول : ذهب عقلي مراراً، فإذا رفع عني الضرب، رجعت إليَّ  نفسي، وإذا استرخيت وسقطتُ رفع عني الضرب . أصابني ذلك مراراً لا أعقل . قال : وسمعتُ أبا عبد الله يقول : وكان ابن أبي دؤاد قبل أن أضرب يختلف إلي، فأخذه القلق [ وهو ](&)، ذاهب الى أبي إسحاق وجاء إلي(&) بالوعيد والتهديد(&)، وحاجبه ابن دنقش أيضاً يأتيني برسالة أبي إسحاق يقول لك كذا، فلما لم يروا الامر يصل الى الذي أرادوا عزموا على أن ينالوني بما نالوني به، فقال له أبو بكر بن عبيد الله : يا أبا عبد الله، فكيف رأيته هو، يعني أبا إسحاق ؟ قال : رأيته في الشمس قاعداً بغير ظلَّةٍ، يخطب ويتكلم، فربما لم أعقل وربما عقلت، فإذا عاد الضرب ذهب عقلي فلا أدري، فيرفع عني الضرب، فسمعته يقول لابن أبي دؤاد : لقد ارتبكت في أمر هذا الرجل . فقال له : يا أمير المؤمنين، إنه والله كافر مشرك، قد أشرك من غير وجه، فلا يزال به، حتى يصرفه عما يريد، وقد أراد تخليتي بغير ضرب، فلم يدعه هو ولا إسحاق بن إبراهيم وعزم حينئذ على ضربي .

قال حنبل : وبلغني عن النوفلي قال : قال أبو إسحاق لابن أبي دؤاد، بعد ما ضرب أحمد وهو يسأله كم ضرب الرجل ؟ فقال له ابن أبي دؤاد : نيف وثلاثين، ثلاثة أو أربعة وثلاثين سوطاً، قال أبو عبد الله : وقال لي إنسان ممن كان [ هنالك ](&) : ثم ألقينا على ضربك بارية(&) وأكببناك على وجهك ودسناك .

قال أبو عبد الله : وما عقلت بهذا كله، وأمر بإطلاقي، فلم أعلم حتى أخرج القيد من رجلي، وقال له ابن أبي دؤاد، بعد ما ضُربت وأمر بتخليتي : يا أمير المؤمنين، احبسه فإنه فتنة، يا أمير المؤمنين، إنه ضال مضل، وإن أخليته فتنت به الناس، فقال يا إسحاق، أطلقه . وقام أبو إسحاق فدخل [ وما ] عقلت بالقيد وقد نُزع من رجلي . وقام أبو إسحاق من مجلسه ذلك، فلم يجد بداً [ من أن يخلي ] عني، ولولا ذلك، كان قد حبسني .

{19} وقال أبو بكر بن عبيد الله : لأبي عبد الله، يا أبا عبد الله، فأبن سماعة ؟ فقال أبو عبد الله، سمعته يقول له وقد أفقت من الضرب، وأنا بين العقابين : يا أمير المؤمنين : إنه رجل شريف، وهو رجل في نفسه مستور، ولعله أن يجيب أمير المؤمنين الى ما يكون له مندوحة عما دعاه إليه أمير المؤمنين ثم قال لي ابن سماعة : ويحك، أمير المؤمنين مشفق عليك، وهو هذا بين يديك، فأجبه إلى ما يريد منك، فقلت له : ما رأيت أمراً أوضح لي من كتاب ولا سنة، فتنحى ابن سماعة : وتكلم بكلام لم أفهمه.

قال : وسمعت أبا عبد الله يقول : لما أن حلت القيود من رجلي، عقلت فسمعت ابن أبي دؤاد يقول : يا أمير المؤمنين يحبس عن الناس، فإنك إن أخليته، كان فتنة على الناس، يا أمير المؤمنين : إنه كافر ضال مضل، ما كان أجرأهم(&) على أبي إسحاق بالكلام والرد والجواب . وأرادوا حبسي بعد الضرب، فقال، فدخل، وأمر بإخراجي وتخليتي . قال أبو عبد الله : وجاءوني بسويق(&) فقالوا لي : اشرب، فأبيت، فقلت : لا أفطر، قال أبو علي حنبل : وبلغني أن أبا عبد الله قال لي : ولهم موقف بين يدي الله عز وجل، فكتب بها إليه، فقال : يخلى سبيله الساعة، وبلغني أن أبا العلاء الأهتم قال : ما رأيت رجلاً كان أشجع قلباً من أحمد .

حدثنا حنبل قال : وأخبرني أبي، قال : قال لي بعض من حضر يومئذ : وكان أحمد في دهره مثل صاحب بني إسرائيل في دهره، كان هؤلاء يحتجون [ عليه ]، وهؤلاء يحتجون عليه، فيحتج على هؤلاء، ويحتج على هؤلاء بقلب ثابت وفهم، ليس ثم شيء ينكر، وقال لهم أبو إسحاق : ليس هذا كما وصفتم لي، وذاك أنهم وضعوا من قدره عنده، وقللوه وصغروه عنده، فلما شاهده ورأى ما عنده، عرف له فضله .

قال أبو عبد الله : وقد أراد ابن أبي دؤاد أن يحبس بعد الضرب، فقال له أبو إسحاق : يخلى سبيله، فعادوه *، فغضب أبو إسحاق وقال : {20} يخلى عنه، فلا أعلم إلا والقيد قد نزع مني . وقال لي إسحاق في اليوم الثالث حين أمر بضربي، أجبني إلى شيء يكون لي فيه بعض الفرج حتى أطلق عنك، فقد قيل أنك تحب الرياسة [ ولو أحببت(&) ] لأتيتك وولدي وحشمي ولأنوهن باسمك، وأطأ عقبك . وأراد بذلك أن يتشبث بشيء يكون له فيه عذر، فقلت : ما أتيتموني ببيان من كتاب الله ولا من سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال أبو عبد الله : وكان أبو إسحاق أرق عليّ منهم كلهم، فأما ابن أبي دؤاد، فكان لا يحسن يحتج ولا يهتدي الى شيء إنما كان يعتمد على أولئك البصريين المعتزلة مثل برغوث وأصحابه .

ولما أمر أبو إسحاق بتخلية أبي عبد الله، خلع عليه أبو إسحاق مبطنة وقميصاً وطيلساناً وخفاً وقلنسوة، فبينا نحن على باب أبي إسحاق، في الدهليز، والناس في ذلك الوقت مجتمعون في الميدان وفي الدروب وغيرها، وأغلقت الأسواق واجتمع الناس، ونحن كذلك إذ خرج أبو عبد الله على دابة من دار أبي إسحاق، وقد ألبس تلك الثياب، وابن أبي دؤاد عن يمينه وإسحاق بن إبراهيم عن يساره، فلما صار في دهليز أبي إسحاق، قبل أن يخرج الى الطريق، قال لهم ابن أبي دؤاد : اكشفوا رأسه فكشفوه، وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان نحو طريق الجسر، فقال لهم إسحاق : خذوا به ها هنا، يريد دجلة، فذهبت به الى الزورق فحمل الى دار إسحاق، ومعه غسان والشافعي، فأتى به الى دار إسحاق، فأقامه عنده، إلى أن صليت الظهر، وبعث إلى أبي والى جيراننا ومشايخ المجالس، فجمعوا وأدخلوا عليه، فقال لهم : هذا أحمد بن حنبل، إنْ كان فيكم من يعرفه، وإلا فليعرف، وجاء بن سماعة فدخل .

{21} الإشارة لهذه الورقة غير موجودة في المطبوعة .

قال أبو عبد الله : فقال ابن سماعة، حين دخل على الجماعة : هذا أحمد بن حنبل، فإن أمير المؤمنين ناظره في أمر، وقد خلى سبيله، وها هو ذا . فأخرج على دابة لإسحاق بن إبراهيم عند غروب الشمس، فصار إلى منزله ومعه السلطان والناس . فلما صار إلى الباب سمعت عُـ[ـياشاً ] صاحب الجسر، لما رأى أبا عبد الله قد أقبل، فقال عياش لصاحب إسحاق، والناس قيام : تازية ! تازية ! يعني عربي عربي، فدخل أبو عبد الله، ودخلت معه من باب الزقاق، وهو منحن . على الضربة التي كانت قد أحافت، ولم ينقب بحمد الله، وكان عليها منحن، فلما صار الى باب الدار، ذهب لينزل فاحتضنته، ولم أعلم، فوقعت يدي على موضع الضربة، فصاح وآلمه ذلك، ولم أعلم، فنحيت يدي، فنزل متوكئاً عليَّ، وأغلق الباب ودخلنا معه، ورمى أبو عبد الله بنفسه على وجهه ولا يقدر يتحرك هكذا ولا هكذا إلا بجهد، وخلع ما كان خلع عليه فأمر به فبيع وأخذ ثمنه فتصدق به .

وكان أبو إسحاق أمر إسحاق بن إبراهيم ألا يقطع عنه خبره، وذلك أنه تركه فيما حكى لنا عند الاياس منه وبلغنا أن أبا إسحاق ندم بعد ذلك وأسقط في يده حتى صلح، وكان صاحب خبر إسحاق بن إبراهيم يأتينا في كل يوم، يتعرف خبر صحتي* صح وبرأ بعد العلاج، وخرج للصلاة والحمد لله رب العالمين وبقيت يده وإبهاماه(&) متخلعتين، يضربان عليه، إذا أصابه البرد حتى يسخن له الماء، وأصاب سوط  من الضرب في خاصرته، وظنوا أنها قد نقبت، فسلمه الله من ذلك ورزقه العافية .

قال أبو علي حنبل : جاء رجل من أهل السجن، يقال له أبو الصبح ممن يبصر الضرب والجراحات، فقال : قد رأيت من ضُرب الضرب العظيم، ما رأيت ضرباً مثل هذا ولا أشد، فهذا(&) ضرب التلف . ولقد جرَّ عليه الجلادون، قطع الله أيديهم، من قدامه ومن خلفه، وإنما أريد قتله، ثم سبره بالميل(&) مخافة أن تكون نقبت، فلم تكن نقبت .

قال : ورأيت أبا عبد الله وقد أصابت أذنه ضربة، فقطعت الجلد، فأُنقبت أذنه، فأصابت وجهه غير ضربة مما كان يضطرب . وقال أبو عبد الله : وقال لي بعضهم يا أبا عبد الله لا تتحرك وانتصب .

قال حنبل : ولما أردنا علاجه، خفنا أن يدس ابن أبي دؤاد الى المعالج فيلقى في دوائه سماً يقتله، فعملنا الدواء والمرهم في منزلنا، وكان في برنية عندنا، فكان إذا جاء المعالج ليعالجه منها، فإذا فرغ دفعناها . وكان في ضربه شيء من اللحم، قد مات، فقطعه بسكين، فلم يزل أثر الضرب في ظهره، وكان إذا أصابه البرد ضرب عليه، وإذا آذاه الدم، بعث إلى الحجام في أي [ وقت(&) ] فيخرج الدم حتى يسكن عنه ضربان كتفيه، وكان يسخن له الماء [ ليصب عليها(&) ] .

{22} قال : سمعت أبا عبد الله بعد هذا يقول : ظننت أني قد أعطيت من نفسي المجهود، والله أعلم .

 

أحكام الإكراه *

هذا العنوان من وضح المعلق

قال أبو عبد الله : قال الله عز وجل : ( إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ)(&)  فالكره عندي النيل بالعذاب والضرب والقيد، فإذا نيل بالعذاب، كان ذلك كرهاً فأما الوعيد، فقد قالوا : إنه كره، ولا أراه حتى تنال(&) بالعذاب من ضرب أو قيد قلت له : فالحبس كره ؟ قال : الضرب كره والقيد كره، فأما أن يتهدد ويقال له : تفعل(&) كذا فلا حتى يضرب وينال منك، قد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : عمار وبلال ومن كان معهم، ينالون بالعذاب والضرب والجوع ويصهرون في الشمس، فصبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ذلك لهم أن يعطوهم ما أرادوا عندما نالوهم بالعذاب، فأما غير ذلك فلا يعجبني ولا أرى إلا ذلك(&) .

أحاديث من السنة عن الإكراه *

هذا العنوان من وضع المعلق

قال حنبل : وأملى عليّ أبو عبد الله هذه الأحاديث، فيمن أكره عند ذلك :

1.   أخبرنا (&) حنبل قال : حدثني أبو عبد الله قال : حدثني جرير عن منصور عن مجاهد، قال : أول من أظهر إسلامه سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنعه عمه، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأُخذ الآخرون، فالبسوا أدراع الحديد، ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ، فأعطوهم ما سألوا . وجاء كل رجل منهم قومَه بأنطاع الأدم، فيها الماء، فألقوهم(&) فيها، وحملوا بجوانبها(&) إلا بلال، فلما كان العشاء، جاء أبو جهل، فجعل يشتم سمية، ويرفث، ثم طعنها فقتلها، فهي أول شهيدة في الإسلام، وأما بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله عز وجل، حتى ملوه فجعلوا في عنقه حبلاً، ثم أمروا صبيانهم واشتدوا به في جنبتي(&) مكة، فجعل يقول : أحدٌ، أحدٌ .

2.    حدثنا حنبل، قال : حدثني أبو عبد الله، قال : حدثني(&) جرير، قال : قال : المغيرة عن الشعبي : أعطوهم ما سألوا إلا خبابا، فجعلوا يلزقون ظهره بالرضف(6)، حتى ذهب ما ندر منه(7) .{23}

3.   حدثني حنبل : قال : حدثني أبو عبد الله، قال : حدثني روح، قال : حدثني هشام عن محمد أن المشركين أخذوا عمار بن ياسر، فأرادوه على الشرك، فأعطاهم، فانتهى إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل يمسح الدموع عن عينيه، ويقول : أخذك المشركون فغطوك في الماء(8)، وأمروك أن تشرك بالله، ففعلت، فإن أخذوك مرة أخرى فافعل ذلك بـهم(9) .

4.   حدثنا حنبل، قال : حدثني أبو عبد الله، قال : حدثني روح، قال : حدثنا(10) المبارك عن الحسن، قوله عز وجل(11) : (  إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ ) (النحل: من الآية106) قال : إلا من أكره على الكفر وقلبه مؤمن .

5.   حدثنا حنبل، قال(12) : حدثنا أبو عبد الله، قال : حدثنا(13) ابن أبي بكير، قال : حدثنا(14) زائدة عن عاصم بن أبي النجود عن عبد الله، قال : كان أول من أظهر إسلامه سبعة [ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد *، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله عز وجل(1)، وهان على قومه فأعطوه الولدان، فأخذوا يطوفون به شع اب مكة، وهو يقول، أحدٌ، أحدُ .

6.   حدثنا حنبل، قال : حدثنا أبو عبد الله، قال : حدثنا وكيع، قال : حدثنا إسرائيل  (2) عن جابر عن الحكم : ( إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ ) (3)، قال : نزلت في عمار بن ياسر .

7.   حدثنا حنبل، قال : حدثني أبو عبد الله، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين عن أبي مالك، قوله : ( إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ ) (4) قال : نزلت في عمار بن ياسر.

فضل العفو والصفح *

1. قال أبو علي(5) حنبل : حضرت أبا عبد الله وإياه رجل وهو في مسجدنا، وكان الرجل حسن الهيبة، كأنه(6) كان مع السلطان، فجلس حتى انصرف من كان عند أبي عبد الله، ثم دنا منه، فرفعه أبو عبد الله، لما رأى من هيبته(7)، فقال له : يا أبا عبد الله اجعلني في حل، فقال : مماذا ؟ قال : كنتُ حاضراً يوم ضُربت، وما أعنت ولا تلكمت(8) * { لعلها تكلمت } [ على ضربك ]، إلا أني حضرت ذلك : فأطرق أبو عبد الله، ثم رفع رأسه إليه فقال : أحدث [ لله عز وجل توبه{ة } ]   (9) ولا تعد الى مثل ذلك الموقف، {24}  فقال له : يا أبا عبد الله، أنا تائب الى الله عز وجل من السلطان، قال له أبو عبد الله : فأنت في حل، وكل من ذكرني إلا مبتدع . وقال أبو عبد الله : وقد جعلت أبا إسحاق في حل، ورأيت الله عز وجل، يقول : ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ) (10) . وأمر النبي صلى الله عليه وسلم، أبا بكر بالعفو (11) في قصة مسطح(12) . قال أبو عبد الله : العفو أفضل، وما ينفعك أنْ يعذب أخوك المسلم في سبيلك، ولكن تعفو(13) أو تصفح(14)، فيغفر الله لك، كما وعدك، قال أبو عبد الله : وقد قال  الله عز وجل : (15) ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) (16) عز وجل.

2. حدثنا حنبل، قال : حدثني أبو عبد الله، قال : حدثنا هاشم بن القاسم قال : حدثنا المبارك، قال: حدثني من سمع الحسين يقول : إذا جثت الأمم بين يدي الله عز وجل(17) رب العالمين يوم القيامة، نودوا : ليَقُمْ من أجره على الله فلا(18) يقوم إلا من عفا في الدنيا .

3. حدثنا حنبل، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا أبو إسرائيل عن يونس بن خباب عن أبي كبشة الأنماري(&)، رَفَعَ الحديث، قال : ما نقص مال من صدقة، فتصدقوا، وما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزاً، فاعفوا يعزكم الله، وما فتح رجل باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر(&) .

4 .حدثنا حنبل، قال : حدثنا هارون بن معروف، حدثنا سفيان عن أمي قال : جاء به جبريل صلى الله عليه وسلم(&) ( خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ ) (&)فقال له : يا جبريل، ما هذا ؟ قال : لا أدري، حتى أسأل العالم، فلبث ما شاء عز وجل(&) ثم أتاه، فقال : يا محمد، إن الله أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك(&) .

5 .حدثنا حنبل(&) قال : سمعت أبا عبد الله، وقال له صالح ابنه : يا أبت، إن فضل الأنماطي، جعل أبا إسحاق المعتصم في حل مما صنع به وضربه، فقال أبو عبد الله وقرأ : ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ )(النور: من الآية22) ؟ ثم قال أبو عبد الله : إذا كان يوم القيامة، قال الله عز وجل : { لا يدخل الجنة إلا من عفا، فيقوم أهل العفو، فيدخلون الجنة بعفوهم، وما على الرجل أن يعفوا عن أخيه، فيعفو الله عنه، ولا يعذبه ثم قال : وأنا قد جعلت المعتصم في حل مما نالني به من الضرب والحبس والقيد، لعل الله يعفو عني بعفوي .(ص25)

6 حدثنا حنبل، قال(&) : حدثنا إبراهيم بن مهدي، قال : حدثنا سفيان بن مسعر عن عون بن عبد الله، قال : أخبر بالعفو قبل العقوبة، فقال : ( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُم ) (التوبة: من الآية43).

موضوع الطاعة *

1.   حدثنا حنبل، قال(&) : حدثنا عاصم بن علي، قال : حدثنا أبو أويس عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : السمع والطاعة على المسلم، فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية الله، فليس لأحد أن يطاع في معاصي الله عز وجل (&) .2.   حدثنا حنبل قال : حدثني أبي إسحاق قال : حدثنا يزيد قال : أخبرنا شعبة بن قتادة عمن حدثه عن عمران بن حُصَيْن قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق }(&) .

ذكر عفان وبشر [بن] الوليد (&) والقواريري وغيرهم

قال أبو علي حنبل : حضرت أبا عبد الله أحمد، ويحيى بن معين، عند عفان(&) بعدما دعاه إسحاق بن إبراهيم للمحنة وكان أول من أمتُحن من الناس، عفان فسأله يحيى بن معين من الغد، بعدما أمتُحن، وأبو عبد الله حاضر، ونحن معه، فقال له يحيى : يا أبا عثمان، أخْبرنا بما قال لك إسحاق بن إبراهيم، وما رَدَدْت عليه، فقال عفان ليحيى: يا [ أبا ](&) زكريا(&) لم أسَوِّد وجهك ولا وجوه أصحابك، يعني بذلك أني لم أجب فقال له : فكيف كان ؟ قال : دعاني إسحاق بن إبراهيم، فلما دخلتُ عليه قرأ عليّ الكتاب الذي كتب به إليه المأمون، من أرض الجزيرة من الرقة، فإذا فيه : امتحنْ عفان، وادعُه إلى أن يقول القرآن كذا وكذا، فإن قال ذلك فأقره على أمره، وإن لم يجبك الى ما كتبتُ به إليك، فاقطع عنه الذي يجري عليه . وكان المأمون يُجري على عفان، خمسمائة درهم كل شهر(&)، قال عفان : فلما قرأ عليّ الكتاب، قال لي إسحاق بن إبراهيم: ما تقول ؟ قال عفان : فقرأت عليه، قل هو الله أحد، الله الصمد(&)، حتى ختمتها، فقلت : أمخلوق هذا ؟ فقال لي إسحاق بن إبراهيم : يا شيخ، إن أمير المؤمنين يقول : إنك إن لم تجبه الى الذي يدعوك إليه، يقطع عنك ما يجري عليك، وإن قطع أمير المؤمنين عنك، قطعنا عنك نحن أيضاً، فقلتُ له : يقول الله عز وجل : ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) * (&) . قال : فسكت عني إسحاق، وانصرف .  فسُرَّ بذلك أبو عبد الله، ويحيى، ومن حضر من أصحابنا .

· حدثنا حنبل(&)، قال : وسمعت(&) أبا عبد الله بعد ذلك، يقول : شيخان(&) كانوا يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما، ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقُم به أحد أو كثير أحد، مثل ما قاما به : عفان وأبو نعيم.

· حدثنا حنبل(&)، قال : سمعت أبا عبد الله يقول : لم يزل الله عز وجل(&) متكلماً، والقرآن كلام الله عز وجل (6) غير مخلوق، وعلى كل جهة، ولا(&) يوصف الله بشيء أكثر مما وصف به نفسه عز وجل(6) .

·   قال حنبل(&) : ورأيت بشر بن الوليد يأتي الى أبي عبد الله، بعد صلاة المغرب، بعد ما برأ أبو عبد الله من الضرب فيخلو معه فوق سطح المسجد مراراً، يتحدثان جميعا ً، حتى اعتل(&) بشر، وانقطع عن المجيئ وكان بشر امتحن هو وإبراهيم بن المهدي(&)، فأبى أن يجيب هو وإبراهيم، فذهب الكتاب الى المأمون، وحبسا، فعاد الكتاب يأمره إن لم يجيبا، أن يعرضهما على السيف، فلما سمعا بذلك، أجابا . فكان أبو عبد الله يعذر بشر لما حبس، ويجعل هذا منهما على تقيه، لما [ أقتيـ]ـدا (&) وحبسا وإن لم ينالا الضرب .

قال حنبل(&) : وكل ما حكيته في [ هذا الكتاب(&) عن أبي عبد الله مما حضرته ومما سمعته عن أبي ولم أحضره [ فهو المعنى(&) ] {26} وربما تقدم الشيء وتأخر، غير أنه لا يزيل المعنى، نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى، ورحم الله أبا عبد الله : وكان أبو عبد الله يعذر عباس المنبري، لما ضرب ونيل بالضرب والقيد . ويذكر علي بن المديني فيغتم له ولما صار إليه، ويقول أخرج إليهم كتاب يحيى، فعرفوا من الحديث ما لم يكونوا يعرفون، يعني من أخبار الحديث، وما فيها من الوهم ؟ فكان يغتم لذلك(&) .

أخبار أبي عبد الله في أيام هارون الواثق بن المعتصم

رضوان الله عليهما(&)

أحكام صلاة الجمع والجماعات مع الواثق *

في رأي أحمد بن حنبل

1. قال أبو علي(&) حنبل : لم يزل أبو عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه(&) بعد أن أطلقه المعتصم، وانقضاء أمر المحنة، وبرأ من ضربه، يحضر الجمعة، والجماعة، ويفتي ويحدث أصحابه، حتى مات أبو إسحاق، وولي هارون ابنه، وهو الذي يدعى الواثق، فأظهر ما أظهر من المحنة والميل الى ابن أبي دؤاد وأصحابه، فلما اشتد الامر على أهل بغداد، وأظهروا لقضاة المحنة، وفرق بين فضل الأنماطي وامرأته، وبين أبي صالح(&) وامرأته، كان أبو عبد الله يشهد صلاة(&) الجمعة، ويعيد الصلاة إذا رجع، ويقول : الجمعة تؤتى لفضلها(&)، والصلاة تعاد خلف من قال بهذه المقالة .

2. قال: وسمعتُ أبا عبد الله يقول : إذا صلّى بك إمام يؤم(&) الجمعة وله رأي، فأجبْ للجمعة، إذا كان الذي يأمره به، يعني الداعي، يدعو إلى رأي، فأجبت الجمعة، وأعدت الصلاة، فلا بأس . فكان أبو عبد الله يحضر الجمعة في أيام الواثق(&)، الى أن توارى، ثم يرجع فيعيد، فلما كانت أيام المتوكل، كان يحضر الجمعة ولا يعيد .

3. حدثنا حنبل(&)، قال سمعت أبا عبد الله، وسأله يعقوب بن الدورقي(&)، فقال له : يا أبا عبد الله، ما ترى في الصلاة خلف من قال هذا الكلام يعني ممن(&) قال بخلق القرآن ؟ فقال أبو عبد الله : إذا كان الذي يأمر(&) بالصلاة، لا يقول هذا القول إلا(&) عند الصلاة ولا يترك الجمعة على حال(&) ،[ فأما الجمعة فلا بد من إتيانها، فإن كان ممن يقول هذا، أعيد(ت) الصلاة(&) . وكان أبو عبد الله يأتي الجمعة في أيام الواثق، وكان يصلي بنا رجل من ولد عيسى بن جعفر . فقيل لأبي عبد الله : إنه يقول هذا القول، فكان أبو عبد الله يعيد الصلاة . ثم ولّى آخر(&) له لقب، فكان يعيد الى أن ولى المتوكل : فرفع هذا الكلام، فكان لا يعيد بعد ذلك، فكنت ربما ذهبت معه في يوم الجمعة، أمشي وراءه، فكان يتخلل الدروب حتى لا يعرف، فيمضي، فيصلي وينصرف .

موقف أحمد بن حنبل من الخروج على الخلفاء *

فلما أظهر الواثق هذه المقالة، وضرب عليها وحبس، جاء نفر الى أبي عبد الله، من فقهاء أهل بغداد : فيهم بكر بن عبد الله، وإبراهيم بن علي المطبخي، وفضل بن عاصم، وغيرهم، فأتوا أبا عبد الله [ وسألوا أن يدخلوا ](&) عليه، فاستأذنت لهم، فأذن لـهم *، فدخلوا عليه فقالوا له : {27} يا أبا عبد الله هـ[ـيا إن الامر قد] فشا وتفاقم، وهذا الرجل يفعل ويفعل، وقد أظهر ما أظهر، ونحن نخافه على أكثر من هذا، وذكروا له أن ابن أبي دؤاد [ مضى ](&) على أن يأمر المعلمين بتعليم الصبيان في الكتاب مع القرآن، القرآن كذا وكذا . فقال لهم أبو عبد الله : وماذا(&) تريدون ؟ قالوا : أتيناك نشاورك فيما نريد . قال : فما تريدون ؟ قالـ[وا] : لا نرضى بإمرته ولا بسلطانه . فناظرهم أبو عبد الله ساعة . حتى قال لهم، وأنا حاضرهم : أرأيتم إن لم يبق(&) لكم هذا الأمر، أليس قد صرتم من ذلك الى المكروه ؟ عليكم بالنكرة(&) بقلوبكم، ولا تخلعوا بداً(&) من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ولا دماء المسلمين معكم، انظروا إلى عاقبة أمركم، ولا تعجلوا، واصبروا حتى يستريح برُّ، ويستراح من فاجر . ودار بينهم في ذلك كلام كثير لم أحفظه، واحتج عليهم أبو عبد الله بهذا . فقال له بعضهم : إنا نخاف على أولادنا، إذا ظهر هذا، لم يعرفوا غيره ويمحى(&) الإسلام ويدرس . فقال أبو عبد الله : كلا، إن الله عز وجل، ناصرٌ دينه، وإن هذا الأمر، له رب ينصره، وإن الإسلام عزيز منيع .

فخرجوا من عند أبي عبد الله، ولم يُجبهم الى شيء، مما عزموا عليه، أكثر من النهي عن ذلك، والاحتجاج عليهم بالسمع والطاعة، حتى يفرج الله عن الأمة، فلم يقبلوا منه، فلما خرجوا، قال لي بعضهم، امض معنا إلى منزل فلان، رجل سموه، حتى نوعده لأمر نريده، فذكرت ذلك لأبي، فقال لي أبي : لا تذهب، واعتل عليهم، فإني لا آمن أن يغمسوك معهم، فيكون لأبي عبد الله في ذلك ذكر، فاعتللتُ عليهم، ولم أمض معهم . فلما انصرفوا دخلت أنا وأبي، على أبي عبد الله، فقال أبو عبد الله لأبي : يا أبا يوسف ( هؤلاء قوم قد أشرب قلوبهم ما يخرج منها فيما أحسب فنسأل الله السلامة(&) ) [ ما ](&) لنا ولهذه الأمة، وما أحب لأحد أن يفعل هذا . فقلت له(&) : يا أبا عبد الله، وهذا عندك صواب ؟ قال : لا، هذا خلاف الآثار التي أمرنا فيها بالصبر، ثم قال أبو عبد الله : قال النبي صلى الله علبه وسلم : إن ضربك فاصبر، وإن حرمك فاصبر، وإن وليت أمره*(&) فاصبر(&)، وقال عبد الله بن مسعود : كذا، وذكر أبو عبد الله كلاماً، لم أحفظه قال أبو علي حنبل(&) : بل، فمضى القوم، فكان من أمرهم، أنهم لم يحمدوا، ولم ينالوا ما [ أرادوا و* ](&) اختفوا من {28} السلطان وهربوا وأخذ بعضهم فحبس، ومات في الحبس.

فبينا نحن في أيام الواثق، في تلك الشدة، وما نزل بالناس منه إذ جاء يعقوب بن بحر، في جوف الليل، برسالة إسحاق بن إبراهيم، الى أبي عبد الله، فدخل على أبي عبد الله، فقال له : يقول لك الامير إسحاق بن إبراهيم إن أمير المؤمنين قد ذكرك، فلا يجتمعن إليك، ولا يأتينك أحد، ولا تساكني(&) بأرض ولا مدينة أنا فيها، فاذهب حيث شئت من أرض الله، فاختفى أبو عبد الله بقية حياة الواثق وولايته، وكانت تلك النائبة(&) وتلك الفتنة . وقتل أحمد بن نصر بن مالك [ الخزاعي ](&)، فلم يزل أبو عبد الله مختفياً(&)، في غير منزله في القرب(&)، يعني بمنزل أبي محمد فوران(&) ثم عاد الى منزله بعد أشهر أو سنة، لما طفا خبره، فلم يزل مختفياً في البيت لا يخرج الى الصلاة ولا غيرها، حتى هلك الواثق .

تعليق على موقف أحمد بن حنبل من الخروج على الخلفاء

تكشف الصفحات السابقة موضوعا مهما خطيرا، فالصفحات تتكلم عن تنظيم للثورة على الواثق ـ من قبل أهل الحديث ـ بعد أنْ شدد من وتيرة المحنة، لقد سارت المحنة من 218-232هـ وربما 233 في مراحل عدة مختلفة، أثناء حياة أربع خلفاء من بني العباس، وهذا بيان للمراحل وكيفية سيرها :

1. المرحلة الأولى :

أعلنها المأمون في آخر سنة من حياته ـ سنة 218هـ ـ بعد أنْ تكشف له موقف العداء من أهل الحديث، ومارسوا شحن قلوب العامة بالبغضاء له، اعتمدت هذه المرحلة الجدل، والتضييق بالفصل من القضاء، والتهديد بالحبس، وحبس البعض، ولم يجر قتل أي واحد بسبب المحنة، خلافا لمن يزعم ذلك، ويقال لهم هاتوا اسم واحد فقط قتله المأمون، أو رجاله، ولا  يوجد أي مقال عن واحد جُلد في أيام المأمون بسبب المحنة، مات أثناء المحنة في هذه المرحلة بالوفاة العادية أبو مسهر، ومحمد بن نوح، ومات المأمون يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب، وقيل غير ذلك، كان قاضي المأمون يحيى بن أكثم، ورئيس شرطته اسحق بن إبراهيم المصعبي، وكلاهما ليس من المعتـزلة بل هما من ما يسمى أهل السنة .

2. المرحلة الثانية :

مرحلة المحنة أيام المعتصم، وهي مرحلة شكلت مسارا مكملاً ؛ لـما بدأه المأمون، فشدد النكير على أحمد بن حنبل، ليقول قولا صريحا بخلق القرآن، فكان امتحانه أي إلقاء الأسئلة عليه في ثلاث مجالس، وكانت إجاباته كلها مراوغة، فلم يقل : إنَّ القرآن غير مخلوق وقد جلد على ثلاث دفعات 68جلدة ؛ في أغصان فيها ثمارها ـ أي ورقها ـ وكل دعوة بشدة الجلد هي كذبة كبرى ودعاية مزيفة.

أخبار أبي عبد الله رضي الله عنه(&) مع المتوكل رضوان الله عليه(&)

قال أبو علي حنبل(&) : ثم ولى جعفر المتوكل، فلما ولي، انكشف ذلك عن المسلمين وأظهر الله السنة، وفرَّج عن الناس، فكان أبو عبد الله يحدثنا، ويحدث أصحابه، في أول أيام المتوكل، وسمعته يقول : ما كان الناس الى الحديث والعلم أحوج منهم في زماننا هذا، ثم أن المتوكل ذكره، وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم في إخراجه إليه *، فجاء رسول إسحاق بن إبراهيم الى أبي عبد الله بالحضور، فمضى أبو عبد الله عند صلاة العصر، وجئنا(&) معه، فدخل عليه، وجلسنا بالباب، فلما خرج أبو عبد الله : رجعنا معه، فقال له أبي، وسأله عما دعي له، فقال أبو عبد الله :  قرأ عليّ كتاب جعفر، يأمرني بالخروج الى العسكر .

قال أبو عبد الله : وقال لي إسحاق بن إبراهيم : ما تقول في القرآن ؟ فقلت إن أمير المؤمنين، قد نهى عن هذا، فقال، لا تعلم أحداً بما جرى بيني وبينك، في هذا . فقلت لإسحاق : مسألة مسترشد أو مسألة متعنت ؟ قال : بل مسألة مسترشد . فقلت له : القرآن كلام الله عز وجل(&)، وليس بمخلوق على كل الجهات، وقد نهى أمير المؤمنين عن هذا .

وخرج إسحاق إلى العسكر، وقدَّم ابنه أحمد*، خليفة ببغداد، ولم يكن عند أبي عبد الله ما يتحمل به وينفقه . فقال لي أبي وكنت في(&) تلك الأيام أختلف إلى السوق : إن عمك ليس عنده ما يتحمل به وينفقه وكانت(&) عندي مائة درهم، فأتيت بها إلى*(&) فـ[ـذهب بها الى ](&) أبي عبد الله . فقال له : يا أبا عبد الله : هذه الدراهم من عند أبي[ على {29} فتحمل بها ](&) فأخذها أبو عبد الله وأصلح بها ما احتاج، واكتر منه، وخرج ولم يلق محمد بن إسحاق [ أي ابن إبراهيم ] ولا سلّم * عليه فكتب بذلك محمد الى أبيه بالعسكر، فحقدها إسحاق عليه، مع ما قد تقدم منه، فيما كان يجري بينهما، في مسألته إياه عن القرآن، فقال إسحاق بن إبراهيم للمتوكل، يا أمير المؤمنين، إن أحمد بن حنبل خرج من بغداد ولم يأتِ(&) محمداً مولاك، ولم يسلم عليه : فقال المتوكل : يردُّ ولو وطئ بساطي . وكان أبو عبد الله قد بلغ بصرى(&)، فوجه إليه رسولاً وقد بات(&) ببصرى يأمره بالرجوع، فرجع أبو عبد الله، وامتنع عن الحديث إلا لولده ولنا، وربما قرأ في منزلنا .

قال أبو علي(&) حنبل : إن رافعاً رفع الى المتوكل، على أبي عبد الله أن أحمد بن حنبل قد ربض(&) علوياً في منزله، وأنه يريد أن يخرجه ويبايع له . وكان الذي دسه رجل من أهل بغداد، وكان الرافع من أهل الجبل(&)، ولم يكن عند أبي عبد الله ولا عندنا من ذلك علم، وعلمنا بذلك بعد فبتنا نحن ذات ليلة . نيام، وذلك في الصيف، ونحن فوق السطوح، سمعنا الجلبة، ورأينا النيران في دار أبي عبد الله، فقال لي أبي : ما هذا في دار أبي عبد الله ؟ فقلت : ما أدري وأشرفت من السطح، فإذا النيران والشمع، فنزلنا سريعا، فبلغنا(&) رسول مظفر الى أبي والينا . فجئنا فدخلنا، فسألنا عن الخبر، فقال أبو عبد الله : ما علمت، وأنا نائم، إذا الباب يدق، فقلت : من هذا ؟ قال : أنا، قلت : من أنت ؟ قال : أنا، افتح، فنزلت فعجبت(&) فهجموا(&) عليّ ودخلوا، وكان أبو عبد الله قاعداً(&) في الدار في إزاء فراشه، ومظفر وابن الكلبي، صاحب الخبر وجماعة معهم، فقرأ صاحب الخبر كتاب المتوكل : وردّ على أمير المؤمنين أن عندك علوي ربضته لتبايع له، وتظهره، في كلام طويل وكلام كثير .

فلما فرغ ابن الكلبي من قراءة الكتاب، وأبو عبد الله يسمع، قال له مظفر : ما تقول وما ترد(&) ؟ فقال أبو عبد الله : ما أعرف من هذا شيئاً، وإني لأري له السمع والطاعة في عسري ويسري، ومنشطي(&) ومكرهي وأثره عليَّّ(&) وإني(&) لأدعو(&) الله له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار في كلام كثير، غير هذا، قاله أبو عبد الله، فقال مظفر لصاحب الخبر اكتب ما سمعت، فقال صاحب الخبر : ما أكتب من هذا، فقال له مظفر : فأنا أكتب ما سمعت وأرفعه الى صاحبي إسحاق بن إبراهيم.

وقال أبو عبد الله المظفر* فيما يقول : [ ما خـ]ـلعت يداً من طاعة، وإني لأري له الطاعة، في كل أحوالي، في عسري ويسري ومنشطي [ ومكرهي ]، ففتشوا منزل أبي(&) عبد الله والبيوت والغرف والسطوح، وفتشوا [تابوت الكتب](&) وكان معهم نساء ومناخيس، فجعلوا ينخسون بها الأرض، {30} ونزل النساء الى منزلنا ومنزل صالح، ففتشوا النساء والمنازل، فلم يروا شيئاً، ولم يحسوا بشيء ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً ) (&)وكتب بذلك الى المتوكل، فوقع منه موقعاً حسناً، وعلم أن أبا عبد الله مكذوب عليه عنده، وكان الذي دس من رفع الى أبي عبد الله، رجل من أهل البدع والخلاف، ولم يمت حتى بين الله أمره للمسلمين، وهو ابن الثلجي(&) .

[ قائمة بأحاديث حول طاعة الخلفاء سندا ومتنا هذه الأحاديث مدونة في الكتاب لماذا ؟ وما المقصود من ذكرها ؟ سيقرأ القارئ الكريم التعليق على ذلك ] *

1.   حدثنا ( حنبل، قال )(&) حدثنا سعيد بن منصور، قال : حدثنا(&) يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : السمع والطاعة في يسرك وعسرك ومنشطك(&) ومكرهك وأثره عليك(&) 0

2.    ( حدثنا حنبل، قال )(8) : حدثنا حجاج بن منهال، قال(9) : حدثنا حماد بن علي بن زيد عن الحسن عن ضبة بن محصن(10) عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يكون أمراً تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ ومن كره(11) فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، فأولئك هم الهالكون(12) .

3.    ( حدثنا حنبل، قال )(13) : حدثنا حجاج بن المنهال، قال : حدثنا(14) جرير بن حازم عن الحسن، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيكون عليكم أمراً تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا : يا رسول الله، أولا نقتلهم ؟ قال لا، ما صلوا الصلاة(&) .

4.   ( حدثنا حنبل، قال )(&) : حدثنا حجاج، قال : حدثنا حماد بن سلمة، قال : حدثنا سماك بن علقمة بن وائل : أن يزيد بن سلمة، قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب، فقال : يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراً * بعدك يسلونا * الحق ويمنعوناه، فجذب(&) الأشعث بن قيس جنبه جذبة(&) [ ثم قام أيضاً، فقال مثلها، فحدث الأشعث بن قيس جنبه(&) ثم قام، ](&) فقال : لا أزال أسأله حتى تغرب الشمس أو يخبرني، فقال، يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراً يسلونا الحق ويمنعوناه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم واسمعوا وأطيعوا(&) .

5.   ( حدثنا حنبل، قال )(4) : حدثنا حجاج، قال حدثنا حماد بن سلمة، قال : أخبرنا يحيى بن سعيد بن عبادة عن جده عبادة بن الصامت، قال : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وألا تنازع الامر أهله، وأن تقوم بالحق حيث كان، لا تخاف في الله لومة لائم(&) .

6.   ( حدثنا حنبل، قال )(&) : حدثنا حجاج، قال : حدثنا حماد بن سلمة، قال : حدثنا(11) علي بن زيد عن أنس بن مالك، قال : قدمت المدينة فقد مات أبو بكر، فقلت لعمر : ارفع يدك أبايعك على ما بايعت عليه صاحبيك من قبلك على السمع والطاعة ما استطعت .

7.   (حدثنا حنبل، قال )(&) : حدثنا حجاج، قال : حدثنا حماد، قال : حدثنا سعيد الحريري عن أبي تميمة(&) العجمي(&) عن عمر والبقالي(&) قال : إذا كان عليك أمير، فأمرك  بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فقد حل لك أن تصلي خلفه وحرم عليك سبه .

8.   (حدثنا حنبل،  قال )(1) : [ حدثنا ] حجاج، قال : حدثنا حماد عن حميد عن أبي الصديق التاجي، قال : قال أبو سعيد الخدري : [ إياك ](&) وقتال عمية وميته جاهلية، قلتُ : وما قتال عمية ؟  قال : ( أن يقال {31} يا لبني )(&) فلان، قلتُ : وما ميته جاهلية ؟ قال : أن تموت وليس عليك أمير .

9.   ( حدثنا حنبل، قال )(1) : حدثنا حجاج، قال : حدثنا(&) مهدي بن ميمون عن غيلان بن جرير عن زياد بن رباح عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : من خرج من الطاعة وفارق الجماعة، ثم مات، مات ميته جاهلية، ومن قبل تحت راية عمية يقاتل للعصبيه، ويغضب للعصبية، فليس من أمتي، ومن خرج من أمتي على أمتي، يضرب برها وفاجرها، لا يتحاشى مؤمنها . ولا يفي لذي عهدها، فليس مني(&).

10.  ( حدثنا حنبل، قال )(1) : حدثنا حجاج، قال : حدثنا(7) حماد بن زيد عن الجعد أبي عثمان، قال : حدثنا(7) أبو رجاء العطاردي، قال : سمعتُ ابن عباس يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحداً يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية(&) 0

11.   ( حدثنا حنبل، قال )(1) : حدثنا حجاج، قال : حدثنا(7) سلام بن مسكين عن يحيى بن أبي كثير، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه .

12.  ( حدثنا حنبل، قال )(1) : حدثنا حجاج، قال : حدثنا (7) هشيم عن العوام(&) بن حوشب عن أبي صادق، قال : قال : على الإسلام ثلاثة أثافي : الإيمان والصلاة والجماعة، لا تقبل(&) صلاة إلا بإيمان، فمن صلى فقد آمن وجامع، ومن فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه قال(&) وكان يقول : والرابعة ومن مات ولا إمام عليه مات ميتة جاهلية .

13.  ( حدثنا حنبل )(&) حدثنا حجاج، قال : حدثنا حماد عن أيوب عن أبي قلابة، أن عمر قال : يا معاذ، ما ملاك هذا الأمر ؟  قال : الإخلاص وهي الفطرة، والصلاة وهي الملة والطاعة، وسيكون اختلاف، وسنوك خير من سني غيرك(&).

14.  ( حدثنا حنبل، قال )(&) : حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو، قال : حدثنا(&) عبد الوارث قال : حدثنا الجعد أبو عثمان عن أبي رجاء العطاردي عن أبن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كره من أمير أمراً [ فليـ]ـصبر، فإنه فليس أحد من الناس، خرج من السلطان شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية(&) .

15. ( حدثنا حنبل، قال )(4) : حدثنا عارم بن الفضل، قال : حدثنا حماد بن زيد، قال : حدثنا أبو عمران الجوني(&) عن المنبعث [ بن طريف ](&) عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا ذر، قلت: لبيك وسعديك . قال : كيف أنت، إذا أصاب الناس جوع، تأتي مسجدك، فلا تستطيع أن تأتي فراشك، وتأتي فراشك فلا تستطيع أن تنهض الى مسجدك ؟ قلت : الله ورسوله أعلم، أو ما خار الله لي [ ورسـ]ـوله(&) . قال، عليك بالصبر، قال يا أبا ذر، قلت : لبيك وسعديك، قال : كيف أنت إذا أصاب [ الناس موت يقدم ](&) البيت فيه بالوصيف، قال : يعني القبر؟ قلت : الله ورسوله أعلم أو خار [ الله لي ورسوله ](&)، قال : عليك بالصبر، أو قال : تصبر، ثم قال : يا أبا ذر . قلت : لبيك وسعديك [ قال : كيف أنت إذا رأيت ](&) أحجار الزيت قد {32} عرقت بالدم، قلت : ما خار الله لي ورسوله، قال : عليك بمن أنت معه. قلت : أو آخذ سيفي وأضعه على عاتقي ؟ قال : شاركت القوم إذن . قلت : فما تأمرني(&)؟ قال : الزم بيتك، قلت : فإن دخل على بيتي، قال : فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فالق  رداك * على وجهك، فليبؤ بإثمك وإثمه(&) .

16.  ( حدثنا حنبل، قال ) : حدثنا عاصم بن علي، قال : حدثنا عاصم بن محمد، قال : سمعت هذا الحديث من أبي، فلم أحفظه، فقَوَّمَه لي، واقد(&) عن أبيه، قال : سمعت أبي يقول : قال عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف بك إذا بقيت يا عبد الله بن عمرو في حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم وما تأتيهم(&)، واختلفوا، فصاروا هكذا، وشبك بين أصابعه ؟ قال : كيف تأمرني يا رسول الله ؟ قال : تأخذ ما تعرف وتدع ما تنكر وتقبل على خاصتك، وتدعو عوامهم(&) .

17.  ( حدثنا حنبل، قال )(&) : حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال : حدثنا(&) شعبة، قال : حدثنا يحيى بن الحصين، أخبرني : قال : سمعتُ جدي يقول(&) : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخطب : اسمعوا وأطيعوا، وإن أمر عليكم عبد يقودكم بكتاب الله عز وجل(&) .

18.  ( حدثنا حنبل، قال )(5) : حدثنا سليمان بن داود، قال : حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر، قال : قام يزيد بن سلمة الجعفي الى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب الناس، فقال : يا رسول الله، أرأيت إن كان علينا قوم من بعدك يأخذونا بالحق، ويمنعونا حق الله ؟ قال : فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، ثم قام إليه الثانية، فلم يجبه شيئا ً، ثم قام إليه الثالثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما عليكم ما حملتم، وعليهم ما حملوا، اسمعوا لهم وأطيعوا(&) . ( انظر رقم 4)

19.  ( حدثنا حنبل، قال )، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث(&)، قال : سمعت أم حصين الأحمسية تقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، عليه برد قد التفع به من تحت إبطه، وأنا أنظر الى عضلة ساقه، ترتج(&) وهو يقول : يا أيها الناس اتقوا الله وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدّع، فاسمعوا له وأطيعوا، ما أقام فيكم كتاب الله عز وجل(&) .

{33}  الإشارة لهذه الورقة غير موجودة بالمطبوعة

20.   ( حدثنا حنبل، قال )(&) : حدثنا أبو عبد الله أحمد، قال : حدثنا(&) وكيع، قال : حدثنا(3) الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو، قال : كنت جالساً في ظل الكعبة، وهو يحدث الناس، يقول : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلاً، فمنا من يضرب خباه ومنا من هو في جَشرِه، إذ نادى مناد رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلاة جامعة، قيل : فانتهيت إليه، وهو يخطب الناس ويقول : أيها الناس، إنه لم يكن قبلي(&)، إلا كان حقاً لله عز وجل عليه، إن يدل أمته على ما يعلمه * خيراً لهم، وينذرهم [ ما ](&) يعلمه شراً لهم، ألا وإن عاقبة هذه الأمة في أولها وآخرها بلاء وفتن(&) يعلو(&) بعضها بعضاً، تجئ(&) الفتنة، فيقول المؤمن هذه مهلكي(&) [ ثم تتكشف ](&) ثم تجئ فيقول : هذه ! هذه !  ثم تنكشف(&)، ثم تجئ فيقول : هذه ! هذه ! ثم تنكشف، فمن أحب أن يزحزح من النار، ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، يأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه . ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، وقال مرة : ما استطاع، قال : فلما سمعته أدخلتُ رأسي بين رجلين، فقلت : إنَّ(&) ابن عمك معاوية(&) يأمرنا قال : فوضع إصبعه على جبهته ثم نكس، ثم رفع رأسه، فقال : أطِعه في طاعة الله واعصه في معصية الله، قال : فقلت له : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم، سمعته أذناي ووعاه قلبي .

21.   ( حدثنا حنبل، قال )(&) : حدثنا عاصم بن علي، قال : حدثنا أبو أويس عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : السمع والطاعة على المسلم، فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية الله، فليس لأحد أن يطاع في معاصي الله عز وجل(&) .

22.   ( حدثنا حنبل، قال )(1) سمعت أبا عبد الله يقول لرسول المتوكل حيث جاء في سبب ما رفع عليه من ذكر العلوي : أرى أنَّ السمع والطاعة في عسري ويسري ومنشطي ومكرهي، وأثرة عليَّ، وإني لأدعو الله [ له ](&) بالصلاح والتأييد، وأرى له ذلك واجبا عليّ .

23.   ( حدثنا حنبل، قال )(‍1) : حدثنا قبيصة بن عقبة(&) قال : حدثنا(&) سفيان الثوري عن إسماعيل بن مسلم والربيع بن صبيح عن الحسين، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها ستكون بعدي أمراً، تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع . فقيل له : ما تقول في قتالهم فجارهم ؟ قال : لا، ما صلوا الصلاة، لا، ما صلوا الصلاة، لا، ما صلوا الصلاة(&) .

24.   ( حدثنا حنبل، قال )(1) : حدثنا قبيصة، قال : حدثنا(5) سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البحيري(&)، قال : جاء رجل الى حذيفة فقال(&) : ألا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فقال : إنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحسن، ولكن ليس من السنة أن ترفع السلاح على إمامك .

25.   ( حدثنا حنبل، قال )(‍1) : حدثنا قبيصة، قال : حدثنا(5) سفيان الثوري(&) عن(&) معاوية بن إسحاق عن سعيد بن جبير، قال : قلت لابن عباس : أمر أميري بالمعروف، قال : إن خفت أن يقتلك فلا تغتب(&) الإمام، وإن كنت لا بد فاعلاً مقيماً بينك وبينه .

جوائز المتوكل لأحمد بن حنبل

قال أبو علي(&) حنبل : فلما كان بعد أيام من هذه الفتنة التي رفع على أبي عبد الله في ذكر العلوي، بينا نحن جلوس بباب الدار، وقت انتصاف النهار، إذا يعقوب المعروف بقوصرة، وكان أحد حجّاب المتوكل، قد أقبل، فاستأذن على أبي عبد الله، فدخل ودخل أبي وأنا معه، ومع بعض غلمانه بدرة على بغل، فدخل إلى [ أبي عبد الله ](&) ومعه كتاب المتوكل، فقرأه على أبي عبد الله : إنه صَحَّ عند أمير المؤمنين براءتك(&) [ مما ] رفع عليك عند أمير المؤمنين، وقد وجه إليك هذا المال لتستعين على [ حاجتك ](&) فأبى أبو عبد الله أن يقبله(&)، وقال : مالي إليك {34} حاجة، وكلام نحو هذا، فقال له يعقوب : يا أبا عبد الله، اقبل مال أمير المؤمنين ما أمر لك به، فإن هذا أخير لك عنده، وقال له أبي : أبا عبد الله، افعل ولا ترده، فإنك إن رددته، خفت أن يظن بك الرجل سوءاً، فاقبله، واصرفه فيما أحببت، فحينئذ قبلها.

فلما خرج يعقوب، قال لي أبو عبد الله : يا أبا علي، قلت : لبيك، قال ارفع هذه الإجانة(&) وكانت في الدار إجانة موضوعة(&)، فرفعتها(&) فقال : ضعها تحتها، فوضعتها تحتها . وخرجنا من عند أبي عبد الله، وترك المال تحت الإجانة(5)، بقية يومه وليلته فلما كان من الليل، إذا أم ولد لأبي عبد الله تدق علينا الحائط الذي بيننا وبينه، فقلت لها : مالك ؟ فقالت : مولاي يدعو عمه، فأعلمت أبي، فخرجنا جميعاً، فدخلنا عليه، وذلك في جوف الليل، فقال : يا عم، ما أخذني النوم هذه الليلة، فقال له أبي : ولِمَ ؟ قال : لهذا المال الذي عندي، وجعل يتوجع لأخذه، وجعل أبي يسكنه ويكلمه ويسهل عليه، وقال له : حتى يصبح وترى فيه رأيك، فإن هذا ليل، والناس في منازلهم، فإذا أصبحت إن شاء الله، نظرت ما تصنع، فأمسك وخرجنا .

فلما كان في السحر، وجه إلى عبدوس بن مالك(&)، وحسن بن البزاز فحضرا وحضر جماعة فيهم هارون الجمال، وأحمد بن منيع، وابن الدورقي وغيرهم، وحضرت أنا وأبي وصالح وعبد الله، ومن حضر، فجعلنا نكتب من يذكرونه(&) من أهل الستر والصلاح ببغداد والكوفة وغيرهما، ووجه منها إلى أبي سعيد الأشج، وإلى أبي كريب، والى من ذكر من أهل العلم وأهل الستر، ممن يعلم(&) أنه محتاج، ففرقها كلها ما بين الخمسين الى المائة والمائتين، فما(&) بقي في الكيس درهم واحد . ثم أمر بالكيس فتصدق به على مسكين .

فلما كان بعد ذلك، مات إسحاق بن إبراهيم ومات ابنه محمد، وولي ببغداد عبد الله بن إسحاق . فجاء رسول عبد الله بن إسحاق الى أبي عبد الله، فذهب إليه، فقرأ عليه كتاب المتوكل، وقال له : يأمرك بالخروج، فقال أبو عبد الله : أنا شيخ ضعيف وأنا عليل، فقال : أكتب بذلك الى أمير المؤمنين . فكتب عبد الله بن إسحاق بما رد عليه(&) أبو عبد الله، فورد جواب [ الكتاب ] : أن أمير المؤمنين يأمره بالخروج، فوجه عبد الله بن إسحاق برابطة وجنود، فباتت(&) على بابنا أياماً ولياليا، حتى اضطر أبو عبد الله للخروج، فخرج أبو عبد الله، وخرج صالح وعبد الله، وأبي زميله، فلما صرنا نحو باب الشماسية، قال لي : ارجع فليس في(&) أمة رجل تكون(&) أنت، فرجعت .

{35} الإشارة غير موجودة في المطبوعة لهذه الورقة

وأخبرني أبي، قال : لما دخلنا [ العسكر وصرنا ](&) الى موضع يقال له الحير(&)، وأنا مع أبي عبد الله في المحمل، إذا نحن [ بموكب عظيم ](&) من بعيد مقبل، فلما حاذانا(&) : قالوا : هذا وصيف، وإذا فارس أقبل، فقال : أحمد، فقلت له : هذا،  فقال له : الأمير وصيف يقرئك السلام، ويقول لك : إن الله قد أمكنك من عدوك، يعني ابن أبي دؤاد، وأمير المؤمنين يقبل منك، فلا تدع(&) شيئاً إلا تكلمت به . فقال أبي فما رد عليه أبو عبد الله شيئاً، وجعلت أنا أدعو لأمير المؤمنين ودعوت لوصيف، قال أبي : فمضينا، وأنزلنا دار إتياخ، ولم يعلم أبو عبد الله، فسأل بعد ذلك : لمن هذه الدار ؟ قالوا : هذه دار إتياخ . فقال : حولوني واكتروا دارا ً. قالوا له : هذه دار أنزلكها أمير المؤمنين . قال : لا أبيت ها هنا . قال لأبي : فلم يزل حتى أكترينا داراً غيرها وتحول عنها .

قال أبي : وكانت تأتينا في كل يوم مائدة أمر بها المتوكل، فيها ألوان الطعام والفاكهة والثلج(&) وغير ذلك، فما نظر إليها أبو عبد الله، ولا ذاق منها شيئاً، وكانت نفقة المائدة في كل يوم مائة وعشرين درهماً، فما نظر إليها أبو عبد الله، كان يحيى بن خاقان(&)، وعبيد الله بن يحيى بن خاقان(&)، وعلي بن الجهم(&)، يأتون أبا عبد الله ويختلفون برسالة المتوكل إليه.

ودامت العلة بأبي عبد الله وضعف ضعفاً شديداً، وكان بواصل، فمكث ثمانية أيام بواصل(&) لا يأكل ولا يشرب، فلما كان في اليوم الثامن قال أبي : دخلت عليه في اليوم الثامن، وقد كاد أن يطفأ . فقلت له : يا أبا عبد الله، ابن الزبير كان يواصل سبعة أيام، وهذا لك اليوم ثمانية أيام، فقال(&) : إني مطيق . قلت : وقد(&) نهى * النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال، قلت(&) : بحقي عليك، فقال : إذ تحلف بحقي فإني أفعل، قال أبي : فأتيته بسويق فشرب .

قال أبي : ووجه المتوكل الى أبي عبد الله بصلة قال عظيم : فرده، فقال له عبيد الله بن يحيى : فإن أمير المؤمنين يأمرك أن تدفعها الى ولدك وأهلك . قال : هم مستغنون ، فردها عليه، فأخذها عبيد الله، فقسمها على ولده وأهله، ثم أجرى المتوكل على ولده وأهله أربعة [ آلاف درهم ](&)  في كل شهر. فبعث إليه أبو عبد الله : أنهم في كفاية وليست لهم حاجة . فبعث إليه المتوكل : إنما هذا لولدك، ما لك ولهذا ؟ فأمسك أبو عبد الله . فلم يزل تُجرى(&) علينا، حتى مات المتوكل.

وجرى بين أبي عبد الله وبين أبي في ذلك كلام كثير، وقال له أبو عبد الله بالعسكر(&)، فيما أخبرني أبي : يا عم، ما بقي من أعمارنا [ كأنك بالأمر ](&) قد نزل بنا، فالله الله، فإن أولادنا إنما يريدون(&) يتآكلون بنا [ وإنما هي أيام قلائل ](&) لو كشف للعبد عما قد حجب عنه، لعرف ما هو عليه [ من خير أو شر ](&) صبر قليل وثواب طويل، إنما {36} هذه فتنة، قال أبي : فقلت له : يا أبا عبد الله، أرجو أن يوقيك الله مما نحذر(&)، قال : وكيف ؟ وأنتم لا تتركون طعامهم، يعني المائدة ولا جوائزهم، ولو تركتموها لتركوكم، ثم قال : ما هذا ينتظر(&)، إنما هو الموت، فإما إلى جنة وإما الى نار، فطوبى لمن قدم على خير .

قال أبي : فقلت له : أليس قد أمرت بما(&) جاءك من هذا المال، من غير مسألة ولا إشراف نفس، أن تأخذه ؟ فقال لي : قد أخذت مرة بلا إشراف نفس والثانية(&) والثالثة، فما بال نفسك ؟ ألم تستشرف ؟ فقلت : ألم يأخذ ابن عمر وابن عباس جوائز السلطان ؟ فقال : وما هذا أو ذاك ؟ وقال : لو أعلم أن هذا المال يؤخذ من وجهه، ولا يكون فيه ظلم ولا حيف لم أبالي(&) .

قال أبو علي(&) حنبل : فلما طالت علة أبي عبد الله، كان المتوكل يبعث بابن ماسويه المتطبب إليه، فيصف له الأدوية، فلا يتعالج، فدخل ابن ماسويه على المتوكل، فقال له المتوكل : ويحك ابن حنبل ما ينجح فيه دواء ؟ قال : فقال له(&) : يا أمير المؤمنين، إن أحمد بن حنبل ليست به علة في بدنه، إنما هذا من قلة الطعام والصيام والعبادة، فسكت المتوكل .

وبلغ أم المتوكل خبر أبي عبد الله، فقالت لابنها : أشتهي أن أرى هذا الرجل،  يعني أبا عبد الله، فأجابها ابنها الى ذلك، ثم وجه المتوكل الى أبي عبد الله، يسأله أن يدخل على ابنه المعتز، ويسلم عليه، ويدعو له، وأراد المتوكل أن يدخل أبو عبد الله على المعتز، فيدعو له، ويجعله في حجرة *، فامتنع أبو عبد الله من ذلك، وأشتد عليه الدخول عليهم، ثم أجابه رجاء أن يطلق ويحدر(&) الى بغداد، فوجه إليه المتوكل بخلعة، وأتوه بدابة يركبها الى المعتز، فامتنع، وكانت عليه نثرة تموز(&)، فقدم إليه بغل رجل من التجار، يقال له ابن خباب الجوهري، فركبه وجلس المتوكل مع أمه، في مجلس قريب من المكان الذي أجلس فيه المعتز، وعلى المجلس ستر رقيق، يُرَى من مر عليه، من داخله . فدخل أبو عبد الله على المعتز، ونظر إليه المتوكل وأمه، فلما رآه(&)، قالت له أمه : يا بني الله ! الله ! في هذا الرجل، فليس هذا ممن يريد ما عندك(&)، ولا هو بالصالح أن تحبسه عن منزله أو نحو هذا من الكلام [ فيأذن له ](&) فليذهب الى منزله، ولا تحبسه عندك، فدخل أبو عبد الله [ على المعتز ](&) فقال السلام عليكم وجلس، ولم يسلم عليه بالإمرة، فبلغني [ أن إبراهيم بن {37} إسحاق ](&) قال : لقد هممتُ أن أضربه بسيفي غيظاً‏(&) عليه، لما لم يسلم على المعتز بالأمارة، فسمعت(&) أبا عبد الله بعد ذلك، ببغداد، يقول : لما دخلت عليه، يعني المعتز، وجلست، قال له مؤدبه الضبي : أصلح الله الأمير، هذا هو الذي أمر أمير المؤمنين يؤدبك ويعلمك . قال أبو عبد الله : فرد عليه الغلام : إن علمني شيئاً تعلمته . قال أبو عبد الله : فعجبت من ذكائه وجوابه على صغره وكان صغيراً.

وكان أبو عبد الله قد عاهد الله في وقت خروجه من بغداد ألاّ يُحَدّث أحدا من الناس بحديث، فأريد على أن يحدث المعتز فأبى .

ودامت علته، وبلغ الخليفة ما هو فيه، وكلمه يحيى بن خاقان أيضا وأخبره أنه رجل لا يريد الدنيا، فأذن له في الانصراف، فجاءه عبد الله ابن يحيى وقت العصر، فقال : إن أمير المؤمنين، قد أذن لك، وأمر أن تفرش لك حراقة تنحدر فيها . فأخبرني ابن حرب الخطاب(&) *، وكان بالحضرة : أن أبا عبد الله، لما جاءه عبيد الله بالإذن، قال : اطلبوا لي زورقاً أنحدر فيه الساعة . فقلنا له : انتظر إلى غد . قال : لا، الساعة. فطلبنا له زورقا، فانحدر فيه من ساعته، ولم ينتظر الحراقة ولا غيرها .

قال حنبل(&): فما علمنا بقدومه، حتى قيل إنه قد وافى فاستقبلتُه ناحية القطيعة، وقد خرج من الزورق، فمشيت معه . فقال لي : تقدم لئلا(&) يراك الناس فيعرفوني فتقدمت بين يديه، حتى وصل إلى المنزل، فلما دخل المنزل : ألقى نفسه على قفاه من التعب والعياء . ثم اجتمعنا عند أبي عبد الله . وكان أبي وأنا وصالح وعبد الله، فالتفت إليّ مغضباً، فقال : لا جزاك الله عني خيرا، فعلت [و](&) فعلت وخرجت إلى العسكر ونوهت(&) باسمي، حتى ذكرني الرجل، يعني المتوكل . وجعل أبو عبد الله يتكلم(&) ويوبخه، فقلت له أنا : يا عم، لعله إنما أراد كذا وكذا الشيء، واعتذرت له من لائمة أبي عبد الله . فقال لي أبو عبد الله : كيف ؟ وهو يقول كذا وكذا لكلام(&) ذكره أبو عبد الله .

ولم يقرأ أبو عبد الله على أحد من الناس حديثاً واحداً، أقل أو(&) أكثر من وقت خروجه إلى العسكر إلى أن مات . وكان بعد ذلك، أذن في القراءة [عليه](&) فكان عبد الله يقرأ عليه، فمن زعم أنه سمع منه حديثا واحدا بعد أن [عاهد الله عز وجل فقد كذب](&) وتقول على أبي عبد الله مقالة البهتان والباطل [نسأل الله المغفرة في الدنيا](&) والآخرة .

{38}* ذكر(&)وفاة أبي عبد الله رحمه الله

قال أبو علي حنبل(&) : فلم يزل أبو عبد الله، بعد قدومه من العسكر [ظاهرا](&) يخرج(&) إلى الجمعة والجماعة، ويجيب في المسائل والفتيا، ممتنع من الحديث، إلى سنة إحدى وأربعين ومائتين، فاعتل أبو عبد الله يوم الأربعاء من شهر ربيع الأول، من سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكان قبل ذلك يصلي من الليل، وكنت أسمع قراءته فوق السطح، فأصابته الحمى، فلما كان بعد يومين، لم أسمع قراءته من الليل ولا حركته، فدخلت عليه، فقلت له : يا عم، ما سمعت قراءتك الليلة ولا حركتك، فقال : لم أصعد إلى السطح، وجاء أمر منعني من ذلك، وكنت أنا اعتللت قبل ذلك بأيام، فدخل على أبو عبد الله يعودني وأنا عليل، ودعا لي، فقلت له : يا عم، ألست عني راض ؟ فقال : وكيف لا أكون عنك راض، ولم تؤذيني ؟ ثم دعا لي، وخرج من عندي، فاعتل بعد هذا بأيام، فدخلت عليه بعد ثلاثة أيام .

وقد كان ولد قبل موته بنحو من خمسين يوما، فسماه سعيداً، وكان له ولد، سماه محمداً، وكان محمد في وقت مرض أبي عبد الله قد مشى ورعاه(&) أبو عبد الله والتزمه وقبله، ثم قال له : ما كنت أصنع بالولد على كبر السن ؟ فقلت له : يا عم، ذرية تكون(&) بعدك يدعون الله عز وجل(&) لك . فقال : وذاك وجعل يحمد ال له . فلم يزل في علته إلى يوم الجمعة، وهو اليوم(&) العاشر من مرضه وفيه(&) توفي، فدخلت عليه في أول النهار وهو مقلوب(&) في الـ[ـسرير](&)، فرأيته يشير بيده، يرفعها، كما يرفع(&) في الصلاة، يرفع ثم يرفع، فعلمت أنه يصلي بغير ركوع ولا سجود فلما أضحى النهار من يوم الجمعة، قبض رضي الله عنه(&)، فلما صلينا الجمعة اجتمع الناس، وجاء ابن الكردية الهاشمي، وأبو العباس بن موسى الهاشمي والإ[مام](&) ونظرائهم من الهاشميين وغيرهم . وحضر فوران ومن حضر من أصحاب [أبي عبد الله](&) وأهله وولده . فغسله ابن الكردية والإمام الذي كان(&) يصلي بالناس و[يعظهم](&) وعبد الله ونحن نناولهم ما يحتاجون، ونصب عليه(&) الماء، وكفناه في ثلاثة أثواب من غزل جاريته، وكانت أعدته له كفنا(&)، وفي(&) تلك الثياب [أدرجناه فيها](&) وأخرجناه إلى مقابر باب قطربل وكان محمد بن عبد [الله أميرنا](&) ببغداد(&)، فوجه(&) إلينا في وقت وفاته بمنديل فيه أثواب [للكفن وغيره](&) [و](&) قال : أنا أكفنه وأحنطه، فأبينا عليه، وقلنا : كفنه وحنوطه [معه فرددناه](&) عليه .

فلما وضعت الجنازة في الميدان للصلاة عليها، أراد صالح أن يتقدم فيصلي، فأشار عليه أصحاب ابن طاهر، وأخذ بعضهم بيده، ويكلمه(&)، ويسأله أن يترك ابن طاهر يصلي عليه، وجعل محمد بن نصر يقول له : الأمير الأمير، بَدَرَ ابن طاهر، فتقدم، فكبّر وصلى عليه، وأكثر الناس يرون أن صالح صلى عليه . وأراد ابن طاهر أن يتزين بذلك عند المتوكل، وكتب إلى المتوكل بذلك .

ودفن رضي الله عنه من آخر النهار، يوم الجمعة، جمع الله بيننا وبينه في رضوانه ورحمته.

قال أبو علي : وجاء الفتح بن سهل في مرض أبي عبد الله، يستأذن عليه يعوده، فرده، وأبى(&) أن يأذن له، فخرج من الزقاق، وهو يقول : نحن نعرف فضله وستره، وهذا يوم، أهل المريض أولى به . ووصف لأبي عبد الله، عبد الرحمن المتطبب(&)، ومتطبب مسلم أيضاً كان يأتيه من المدينة وصفى له دهن اللوز، فلما جئناه به، قال : ما هذا، قلنا : دهن اللوز، فأبى أن يذوقه، وقال : السيرج(&) . فلما ثقل واشتد علته، جئناه بدهن اللوز، فلما تبين له أنه دهن اللوز كرهه ودفعه، فتركناه، فلم نعد له(&) .

وقد كان أبو عبد الله في حياته، ربما استعار الشيء من منزلنا ومنزل ولده مما ينتفع به، فلما صار إلينا من مال السلطان ما صار، امتنع من ذلك، حتى لقد وصف له في علته قرعة تشوى ويؤخذ ماؤها، فلما جاءوا بالقرعة، قال بعض من حضر : اجعلوها(&) في تنور في منزل صالح، فإنهم قد خبزوا، فقال بيده : لا . وأبى أن يوجه بها الى منزل صالح، ( ومثل هذا كثير رحمة الله )(&) .

تم(&) كتاب المحنة، والحمد لله وحده(&)، وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما(&).


([1]) في الأصل : جالس .

([1]) أنا : غير واضحة في الأصل .

([1]) في الأصل : يبدي .

([1]) لعل السياق يقتضي ما أثبتناه . من ص 114

 

التعليق المفصل

على بعض مواضيع وردت في الكتاب

هذا القسم  من الكتاب بالإضافة إلى ما سبق أنْ أشير إليه هو من وضع المعقب

أمين نايف ذياب

* وردت في كتاب المحنة أرقام وضعت بين معكوفتين على هذه الصورة {} وهي أرقام صفحات المخطوطة

أهل النقل ورؤيا المنام

آيات وردت فيها كلمة الرؤيا وهي :

1. ( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَاناً كَبِيراً ) (الإسراء:60).

2. ( قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ) (الصافات:105).

3.   ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ) (الفتح:27).

4.      (  يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ )(يوسف: 43).

جاء في لسان العرب الرؤيا ما رأيته في منامك وبعد بحث في صرفها قال وقد جاء الرؤيا في اليقظة، قال الراعي :

فَكَبَّر لِلرُؤيا وَهَشَّ فُؤادُهُ وبَشَّرَ نَفْساً كانَ قَبْلُ يَلُومُها

وعليه فُسِّرَ قَوْلُهُ تعالى (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ )(الاسراء: من الآية60).

قال وعليه قول أبي الطيب : ورؤياك أحلى في العيون من الغمض .

على ذلك يمكن أنْ تكون الرؤيا في اليقظة أو في المنام .

ورد في متن النص ما يلي : سمعت أبا عبد الله رضي الله عنه، وذكر المحنة فقال : رأيت في المنام علي بن عاصم، فأولها : عليٌّ علواً، وعاصم : عصمة من الله .

*يعول أهل النقل المقصود أهل الحديث على رؤيا المنام كثيرا مع أنَّ الأحاديث المتعلقة بالرؤيا وتعبيرها في محل النزاع وهم يتمحلون لموضوع الرؤيا بالآيات فضلا عن الآيات التي وردت فيها كلمة الرؤيا والمدونة في أول هذا البحث وردت الآيات التالية الدالة على وقوع الرؤيا والتعبير لهذه الرؤيا وهي :

الأولى :

هي رؤيا إبراهيم عليه السلام ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (الصافات:102).

الثانية:

الآيات التي وردت في سورة  يوسف عليه السلام وهي :

1. ( إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) (يوسف:4)

2. ( وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ ) (يوسف:43).

3. ( وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ ) (يوسف:36).

* صلة الأنبياء ليعلموا رسالة ربـهم بالسماء تكون عبر الوحي والوحي بالاستقراء يتم بأربعة صور هي :

1-  سماع كلام الله من واحد من الملائكة وأهم هؤلاء جبريل عليه السلام .

2- سما ع كلام الله من وراء حجاب والحجاب هو ما يخلق الله به كلامه للنبي قال تعالى : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (الشورى:51) وفي كلام الله لموسى عليه السلام بقوله تعالى : (  وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً )(النساء: من الآية164) فقد دل البحث على أنَّ الله خلق كلامه لموسى في الشجرة قال تعالى ( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الوَادِ الأَيْمَنِ فِي البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ ) (القصص:30)

وقد وثق القرآن ذهاب موسى للشجرة في ثلاث آيات إذ رأى فيها نارا قال تعالى :

*. ( إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ) (طـه:10)

*. ( إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) (النمل:7)

*. ( فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) (القصص:29)

وعودة لصور سماع كلام الله

3-   سماع كلام الله معنى بإلهام يقع على قلب النبي مباشرة في حالة اليقظة والسنن التي وردت عن الرسولr عملاً أو قولاُ أو إقرارا هي على هذه الصورة .

4- رؤيا المنام كما وردت لإبراهيم عليه السلام ولم يرد صريحا لغير إبراهيم .

** تلك هي الصور التي ورد فيها كيفيات الوحي وهي خاصة بالرسل ولا علاقة لها بعادي الناس سواء أكانوا على الصلاح أو على غير الصلاح .

 

رؤيا يوسف عليه السلام

الفرق بين الأحلام والرؤيا :

عند ما حلم الملك أجابوه وطلب تعبير الحلم قَالُوا ( أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ ) (يوسف:44)

وتكرر في أية أخرى هذا المعنى بقوله تعالى :

( بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ) (الانبياء:5)

هذه مقالة الملأ من قريش للنبي محمد والأية قبلها هي قول الملأ لملك مصر والقرآ ن الكريم لم ينف وقوع أضغاث الأحلام بل نفى أنْ تتسرب أضغاث الأحلام لرسالات الأنبياء .

رؤى يوسف عليه السلام وتعبيره الرؤيا هو أمر خاص به فهو إرهاصه قبل النبوة ومعجزته بعد النبوة ولهذا افترقت رؤيا إبراهيم وهي رؤيا واحدة عن رؤى يوسف فرؤيا إبراهيم لم تحتج لتعبير بل لتنفيذ (  قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ) (الصافات: من الآية102) بخلاف الرؤى المتعلقة بيوسف فهي احتاجت إلى تعبير أو تأويل والـتأويل لم يكن اجتهادا من قبل يوسف عليه السلام بل بتعليم الله له (( قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) (يوسف:37)

(وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)(يوسف: من الآية6) ) وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)(يوسف: من الآية21) ) هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْل)(يوسف: من الآية100) ) وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيث)(يوسف: من الآية101)

أمّأ تأويل الواردة في سورة الكهف فلا علاقة لها بموضوع رؤى المنام (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً )(الكهف: من الآية82) ومثل آية الكهف آيتا الأعراف ويونس )هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (الأعراف:53)

(بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (يونس:39)

ومعنى تأويله الواردة بقوله تعالى ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الالبَابِ) (آل عمران:7)

يفهم من ذلك أنَّ التأويل يتعامل مع حالات ثلاث هي :

1- تأويل الواقع أي إدراك ما يخفيه الواقع وهذا مبين في سورة الكهف وسورة الأعراف وسورة يونس .

2- تأويل النص أي إدراك المعنى المراد بالعدول عن ظاهر النص لمعنى آخر تقضيه القرينة العقلية أو النصية .

3- تأويل الرؤيا أي فهم ما ظهر بالمنام  بتفسيره بواقع معين وهذه الخصيصة هي مختصة بيوسف بدلالة أنَّ الآيات ناطقة بتعليم الله له تأويل الأحاديث .

3-أمام حقائق الآيات يعلم أنَّ التعامل مع الأحلام وهو أمر شائع لا مستند له من أي الذكر الحكيم مستنده أحاديث أو تفسيرات قسرية والتمحل فيها ظاهر وهو أمر ليس بالجديد جاء في كتاب الاعتصام للشاطبي ت 790هـ فصلٌ من فصول الباب الرابع عنوانه في مأْخذ أهل البدع بالاستدلال والشاطبي هذا من أهل السنة والجماعة قال في ذلك الفصل :

وربما قال بعضهم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال لي كذا وأمرني بكذا فيعمل بها ويترك بها ؛ معرضا عن الحدود الموضوعة في الشريعة . وهو خطأ لأنَّ الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم شرعا على حال إلاَّّ أنْ تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية فإنْ سوَّغتْها عمل بمقتضاها، وإلاَّ وجب تركها والإعراض عنها وإنما فائدتها البشارة أوالنذارة خاصة، وأمَّا استفادة الأحكام فلا، كما يحكى عن الكتاني رحمه الله تعالى قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت أدعو الله أنْ لا يميت قلبي، فقال : قل كل يوم أربعين مرة " يا حي يا قيوم لا إله إلاَّ أنت " فهذا كلام حسن لا إشكال في صحته وكون الذكر يحيى القلب صحيح شرعا، وفائدة الرؤيا التنبيه على الخير، وهو من ناحية البشارة، وإنما يبقى الكلام التحديد بالأربعين، وإذا لم يوجد على اللزوم استقام .

وعن أبي يزيد البسطامي رحمه الله، قال : رأيت ربي في المنام : فقلت : كيف الطريق إليك ؟ فقال أترك نفسك وتعال . وشأن هذا الكلام من الشرع موجود فالعمل بمقتضاه صحيح لأنه كالتنبيه لموضع الدليل، لأنَّ ترك النفس معناه ترك هواها بإطلاق، والوقوف على قدم العبودية والآيات تدل على هذا المعنى كقوله تعالى : ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى) (النازعـات:40، 41) .

وما أشبه ذلك، فلو رأى في النوم قائلاً يقول : إنَّ فلانا سرق فاقطعه، أو عالم فاسأله، أو اعمل بما يقول لك، أو فلان زنى فحده، وما أشبه ذلك لم يصح له العمل حتى يقوم له الشاهد في اليقظة، وإلاَّ كان عاملا بغير شريعة، إذ ليس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيٌ .

ولا يقال : إنَّ الرؤيا من أجزاء النبوة ؛ فلا ينبغي أنْ تهمل، وأيضا إنَّ المخبر في المنام قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قد قال : " من رآني في النوم فقد رآني حقاً فإنَّ الشيطان لا يتمثل بي " وإذا كان [ذلك] فأخباره في النوم كإخباره في اليقظة .

لأنَّا [ إلاَّ أنَّا] نقول إنْ كانت الرؤيا من أجزاء النبوة فليست إلينا من كمال الوحي، بل جزء من أجزاءه، والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه، بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه، وقد صُرِفَتْ إلى جهة البشارة والنذارة وفيها كاف .

وأيضا فإنَّ الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة من رطها أنْ تكون صالحة من الرجل الصالح، وحصول الشروط مما ينظر فيه، فقد تتوفر، وقد لا تتوفر.

وأيضا فهي منقسمة إلى الحُلْم، وهو من الشيطان، وإلى حديث النفس، وقد تكون [بـ]سبب هيجان بعض أخلاط، فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها وتترك غير الصالحة ؟ .

ويلزم على ذلك أنْ يكون تجديد وحي بحكم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو منهي عنه بالإجماع .

يحكى أنَّ شريك بن عبد الله القاضي دخل على المهدي، فلما رآه قال : عليَّ بالسيف والنطع، قال : ولمَ يا أمير المؤمنين ؟ قال : رأيت في منامي كأنَّكَ تطأُ بساطي وأنت معرضٌ عني، فقصصتُ رؤياي على من عبرَّها فقال لي : يظهر لك طاعة ويضمر معصية فقال له شريك، والله ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل عليه السلام، ولا أنَّ معبرَك بيوسف الصديق عليه السلام، فبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين ؟ فاستحيى المهدي، وقال : أُخرج عني ثمَّ صرفه وأبعده .

وحكى الغزالي عن بعض الأئمة أنه أفتى بوجوب قتل رجل يقول بخلق القرآن . فروجع فيه فاستدل بأنَّ! رجلاً رأى في منامه إبليس قد اجتاز بباب المدينة ولم يدخلها، فقيل هل دخلتها ؟ فقال إبليس أعفاني عن دخولها رجل يقول بخلق القرآن، فقام ذلك الرجل فقال : لو أفتى إبليس بوجوب قتلي في اليقظة هل تقتلوني في فتواه؟ فقالوا : لا، فقال قوله في المنام لا يزيد عن قوله في اليقظة .

وأمَّا الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الرائي بالحكم فلا بد من النظر فيها أيضا، لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته فالحكم مما استقر، وإنْ أخبر بمخالف، فمحال، لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته، لأنَّ الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية . لأنَّ ذلك باطل بالإجماع، فمن رأى شيئا من ذلك فلا عمل عليه، وعند ذلك نقول أنَّ رؤياه غير صحيحة . إذ لو رآه حقا لم يخبره بما يخالف الشرع .

لكن يبقى النظر في معنى قوله صلى الله عليه وسلم " من رآني في النوم فقد رآني " وفيه تأويلان أحدهما ما ذكره ابن رشد إذ سئل عن حاكم شهد عنده عدلان مشهوران بالعدالة في قضية، فلما نام الحاكم ذكر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ما [لا] تحكم بهذه القضية فإنها باطلة، فأجاب [ أي ابن رشد] بأنه لا يحل له أنْ يترك العمل بتلك الشهادة، لأنَّ ذلك إبطال لأحكام الشريعة بالرؤيا، وذلك باطل لا يصح أن ْيعتقد، إذ لا يعلم الغيب من ناحيتها ألاَّ الأنبياء الذين رؤياهم وحيٌ، ومن سواهم إنما رؤياهم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة .

ثم قال : وليس معنى قوله " من رآني فقد رآني حقا " أنَّ كل من رأى في منامه أنَّه رآه فقد رآه حقيقة، بدليل أنَّ الرائي قد يراه مرات على صور مختلفة، ويراه الرائي على صفة، وغيره على صفة أخرى، ولا يجوز أنْ تختلف صور النبي صلى الله عليه وسلم ولا صفاته، وإنما معنى الحديث، " من رآني على صورتي التي خلقت عليها . فقد رآني، إذ لا يتمثل الشيطان بي " إذ لم يقل : من رآني أنَّه رآني فقد رآني، وإنما قال : من رآني فقد رآني . وأنَّى لهذا الرائي الذي رأى أنَّه رآه على صورة أنَّه رآه عليها ؟ وإنْ ظنَّ أنَّه رآه، ما لم يعلم أنَّ تلك الصورة صورته بعينها، وهذا ما لا طريق لأحد إلى معرفته .

فهذا ما نقل عن ابن رشد . وحاصله يرجع إلى أنَّ المرئي قد يكون غير النبي صلى الله عليه وسلم وإن اعتقد الرائي أنه هو .

والتأويل الثاني يقوله علماء التعبير : إنَّ الشيطان قد يأتي النائم في صورة ما من معارف الرائي وغيرهم فيشير إلى رجل أخر : هذا فلان النبي، وهذا الملك الفلاني، أو من أشْبُه هؤلاء ممن لا يتمثل الشيطان به . فيوقع اللبس على الرائي بذلك وله علامة عندهم . وإذا كان كذلك أمكن أنْ يكلمه المشار إليه بالأمر والنهي غير الموافقين للشرع، فيظنُّ الرائي أنَّه من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يكون كذلك، فلا يوثق بما يقول له أو يأمر أو ينهى .

وما أحرى هذا الضرب أنْ يكون الأمر أو النهي فيه مخالفا لكمال الأول، [أو] حقيق بأنْ يكون فيه موافقا، وعند ذلك لا يبقى في المسألة إشكال . نعم لا يحكم بمجرد الرؤيا حتّى يعرضها على العلم، لإمكان اختلاط أحد القسمين بالآخر وعلى الجملة لا يستدل بالرؤيا في الأحكام المُنَّة . نعم يأتي المرئي تأنيساً وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكماً، ولا يبنون عليها أصلاً، وهو الاعتدال في أخذها، حسبما فهم من الشرع فيها، والـلـه أعلم .

(2)

النتيجة الطبيعية للقول بعدم خلق القرآن

يدرك كل مسلم وهو يفتح القرآن ويتلوه، عربية لغة القرآن الكريم ـ وإذ يقول البعض  بقدم كلام الله تعالى ـ تتحول اللغة العربية ـ على سبيل التلازم ـ إلى لغة الله القديمة وهي غير مخلوقة، ووصف الله تعالى بأن له لغة هي العربية، وعليه فهي أصل لغات العالم كلها، وقد قال ذلك صراحة مجموعة رابطة الأدب الإسلامي في الأردن، ووصفت حواريات القرآن بين الله ومخلوقاته، بأنـها بلسان المقال لا بلسان الحال، وقال قائل منهم : إن قول الله تعالى (( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) (قّ:30) بأن هذا كلام عربي يقوله الله على الحقيقة، بلسان المقال لا بلسان الحال، ومع أن الصورة لهذا الكلام أنه كلام له تعالى يوم القيامة ـ وهو كلام لم يحدث بعد ـ ومع ذلك فهو كلام الله غير المخلوق، وليست هذه الغريبة الوحيد لهذه الرابطة، فكم هي غرائبها !!!! بعد حضور لنشاطهم امتد أكثر من سنه، أنـهم الكراميون الجدد !!! .

في سبيل الوقوف في وجه هذه الكرامية الجديدة التي تقول بعين فكر اليهودية التلمودية أرسلت لهم الحواريات التالية أنتجت على مذهبهم علهم يخجلون من الله تعالى، ولكن أنَّى لهم ذلك .

حواريات على مذهب رابطة الأدب الإسلامي

( مكتب الأردن الإقليمي )

مذهب الرابطة هو الأقوال التالية :

·   إنَّ الله تعالى متكلم بصوت وحرف أي ينطق بالكلمة والجملة .

·   إنَّ لله تعالى لغة هي اللغة العربية .

·    يترتب على الأمر الثاني ما يلي : إنَّ اللغة العربية هي لغة غير مخلوقة فهي لغة الله القديمة فهي مع الله تعالى .

·    عن لغة الله القديمة  ـ وهي العربية ـ  تفرعت جميع لغات الدنيا قديمها وحديثها المندثرة منها والموجودة والحية وغير الحية .

·    ما يذكره القرآن مثل قوله تعالى : (( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ )) (قّ:30) هو بلسان المقال لا بلسان الحال وقد صرح بذلك تصريحا واضحا الدكتور عودة الله بن منيع القيسي وعند سؤالي لرئيس الرابطة ماذا تقول بذلك قال أقول إنـها بلسان المقال أي أيد قول القيسي .

·     الآن أتيح لنفسي على هذا المذهب مع البراءة منه تسجيل هذه الحواريات .


حوارية (1)

من 3 مشاهد

المشهد : الملأ الأعلى .

المتحاورون بصوت مسموع وحروف مرتبة وكلمات متتابعة :

1.  الله جلَّ جلاله .

2.  جمع من الملائكة أو كل الملائكة .

3.  إبليس لعنه الله .

4.  آدم المخلوق حديثا .


الحوارية

المشهد الأول

الله : إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً (البقرة: من الآية30).

الملائكة :  أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ (البقرة: من الآية30).

الله : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (البقرة: من الآية30).

المشهد الثاني

( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ )(البقرة: من الآية31).

الله : أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (البقرة: من الآية31).

الملائكة :  سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ (البقرة: من الآية32).

الله : يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ (البقرة: من الآية33).

ـ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ  ـ (البقرة: من الآية33).

الله : أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (البقرة: من الآية33).

الله : اسْجُدُوا لِآدَمَ ـ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ ـ (البقرة: من الآية34).

الله : يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (البقرة: من الآية35).

المشهد الثالث

ـ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ـ (البقرة: من الآية36).

الله : اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (البقرة: من الآية36).

الله : اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة: من الآية38).


حوارية (2)

مشهد صغير من فصل واحد

المتحاوران :

1.  الله جلَّ جلاله .

2.  إبراهيم عليه السلام .

مع كون الحوار حدث في زمن إبراهيم، لكن كما يقول جماعة الرابطة ـ وخاصة عودة الله القيسي ـ هو حوار في لغة الله تعالى، إي العربية القديمة أي غير مخلوقة، وحدثت من الله تعالى بلسان المقال، وبصوت وحرف ـ تعالى الله عن صفات المخلوقين ـ .


الحوارية

التوطئة للمشهد : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (البقرة: 124).

الله : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً (البقرة: من الآية124) .

إبراهيم :  وَمِنْ ذُرِّيَّتِي (البقرة: من الآية124) .

الله : لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (البقرة: من الآية124) .

إبراهيم :  رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ (البقرة: من الآية126).

الله : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ المَصِيرُ (البقرة: من الآية126) .

خارج الحوار : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ  (البقرة:127_ 129).

الله :  أَسْلِمْ (البقرة: من الآية131) .

إبراهيم :  أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ (البقرة: من الآية131) .

حوارية ( 3)

المتحاوران : الله تعالى

رجل غير مذكور اسمه

توطئة : ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ) (البقرة: من الآية259).

فقال في نفسه :  أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا (البقرة: من الآية259) .

خارج الحوار : ( فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ )(البقرة: من الآية259) .

الله : كَمْ لَبِثْتَ (البقرة: من الآية259) .

الرجل :  لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ (البقرة: من الآية259) .

الله : بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً (البقرة: من الآية259) .

خارج الحوار ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ )(البقرة: من الآية259) .

الرجل :  أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (البقرة: من الآية259) .


حوارية ( 4)

المتحاوران : الله تعالى

إبراهيم عليه السلام

إبراهيم :  رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى (البقرة: من الآية260) .

الله :أَوَلَمْ تُؤْمِنْ (البقرة: من الآية260) .

إبراهيم  :  بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (البقرة: من الآية260) .

الله : فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة: من الآية260) .

هذه الحواريات السابقة من سورة البقرة، ولا بد من مواصلة المشوار لاستخراج جميع الحواريات من بقية سور القرآن الكريم، سواء كانت الحواريات مع الجمادات، أو مع الأحياء، أو مع الملائكة، أو مع إبليس اللعين، والغاية منها كشف مقدار ما عند الأجلاء أصحاب رابطة الأدب الإسلامي ( مكتب الأردن الإقليمي ) من كيفيات لفهم القرآن الكريم، وهي رُغم مخالفتها للقول بأنَّ اللغة العربية مواضعة للعرب، عمرها عند نزول القرآن لم يكن على الغالب أكثر من أربعمائة عام، ومع مخالفتها لقول المعتزلة بأنَّ القرآن مخلوق، لكن ما يلفت النظر أكثر مخالفتها لقول الأشاعرة، وهو أنَّ كلام الله ليس بحرف ولا صوت، وليس له أجزاء، وليس له وصف بأنه عربي، ولم يفارق الله، وما نزل هو عبارة كلام الله، وليس عين كلام الله . ويخالف أيضا السلفية بصفة الرابطة تابعة من ناحية معنوية وتمويلية للسلفية، فهي تقول غير قول السلفية إذ السلفية تقول : الله متكلم بصوت وحرف مسموعين لكن كيف شاء متى شاء . وإلى اللقاء في حواريات أخرى، ومناقشة مفهوم النطق الذي سوغ به رئيس الرابطة قوله : إنَّ كلام الله، وكلام الجمادات، والمخلوقات، كلها من الله ومع الله على الحقيقة المعلومة في الشاهد .


حوارية ( 5 )

المتحاوران : الله تعالى

موسى عليه السلام

توطئة للحوار : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً (المائدة: من الآية12) .

الله : إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (المائدة: من الآية12).

موسى : رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ)(المائدة: من الآية25).

الله : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ)(المائدة: من الآية26) .


حوارية رقم (6)

المتحاوران : الله تعالى

عيسى عليه السلام

الله : يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ المَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (المائدة: من الآية110) .

عيسى :  اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (المائدة: من الآية114) .

الله : إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ (المائدة: من الآية115) .

الله : يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ (المائدة: من الآية116) .

عيسى : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (المائدة:117).

الله : هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (المائدة: من الآية119).


حوارية (7)

توطئة : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً(الأنعام: من الآية22).

الله : أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (الأنعام: من الآية22).

جمع المشركين : وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (الأنعام: من الآية23).

حوارية (8)

توطئة حوار بلسان المقال على قول جماعة رابطة الأدب الإسلامي مكتب الأردن .

المشتركون بالحوار

1.  الله جلَّ جلاله

2.  إبليس لعنه الله

3.  آدم

الحوار

توطئة للدخول إلى الحوار :

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (الأعراف:11) .

الله :  مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُك َ(لأعراف: من الآية12).

إبليس :  أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (الأعراف: من الآية12).

الله : فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (الأعراف: من الآية13).

إبليس :  أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (الأعراف: من الآية14).

الله :  إِنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ (الأعراف: من الآية15).

إبليس : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (الأعراف من:16 و17).

الله : اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (الأعراف: من الآية18).

الله : مخاطبا بلسان المقال على رأي جماعة الرابطة آدم : وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (الأعراف:19).

إبليس موجها كلامه لآدم وزوجه : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (الأعراف: من الآية20 والآية 21).

الله وكلامه بصوت وحرف على صيغة نداء موجه لآدم وزوجه وبكلام عربي اللغة :  أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (الأعراف: من الآية22).

آدم وزوجه : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ (الأعراف: من الآية23).

الله : اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (الأعراف: من الآية 24 و 25).


الهوامش

(1) سورة الزخرف: 3.

(2) سورة الأنعام: 1.

(3) سورة طه: 99.

(4) سورة هود: 1-2.

(5) سورة الزخرف: 3.

(6) سورة الأعراف: 189.

(7) سورة النبأ: 10-11.

(8) سورة الأنبياء: 30.

(9) البروج 21-22

(10) سورة القيامة: 16.

(11) سورة الأنبياء: 2.

(12) سورة الأنعام: 21.

(13) سورة الأنعام: 91.

(14) سورة يوسف: 3.

(15) سورة الأنعام: 91.

(16) سورة الإسراء: 88.

(17) سورة هود: 13.ما تحته خط زيادة عن الأصل

(18) سورة فصلت: 42.

(19) سورة الشورى: 11.

(20) سورة الزخرف: 3.

(21) سورة الأنبياء: 2.

(22) النحل 106

(23) المنهج الأحمد ص31.

(24) المنهج الأحمد جـ1 ص32.

(25) المنهج الأحمد جـ1 ص35.

(26) نفس المصدر جـ1 ص36.

(27) ابن تغرى بردى جـ2 ص230.

(28) المنهج الأحمد جـ1 ص37.

(29) وفيات الأعيان جـ1 ص48.

(30) أحمد بن حنبل ص 67

([1])سورة النور الآية 22

([1]) سورة الشورى الآية 40

([1]) ضحى الإسلام ج3 ص 184

([1]) المنهج الأحمد ص 39،40

([1]) المنهج الأحمد ص 40

([1]) المنهج الأحمد ص 41

([1]) أحمد بن حنبل ص 6:5

(4) ضحى الإسلام ج 3 ص 200

([1]) كتاب أخبار سيبويه المصري ص 18

([1]) مناقب الإمام أحمد ص14 ودائرة المعارف الإسلامية ج1 ص491

([1]) حلية الأولياء للحافظ الأصفهاني ج9 ص162

([1]) مناقب الإمام أحمد ص14

([1]) وفيات الأعيان ج1 ص47

([1]) البداية والنهاية لابن كثير ج10 ص326

([1]) المنهج الأحمد لأبي اليمن العليمي ج1 ص77 وطبقات الشافعية الكبرى ج1 ص199

([1]) مناقب الإمام أحمد ص19

([1]) نفس المصدر ص20

([1]) وفيات الأعيان لابن خلكان ج1 ص47

([1]) نفس المصدر ج1 ص48

([1]) مناقب الإمام أحمد ص213

([1]) شذرات الذهب لابن العماد ج2 ص96

([1]) مناقب الإمام أحمد ص21

([1]) حلية الأولياء للحافظ الأصفهاني ج9 ص163

([1]) مناقب الإمام أحمد ص22

([1]) حلية الأولياء للحافظ الأصفهاني ج9 ص164

([1]) أحمد بن حنبل ص22

([1]) نفس المصدر ص23

([1]) دائرة المعارف الإسلامية ج1 ص492

([1]) أحمد بن حنبل ص21

([1]) طبقات الشافعية الكبرى ج1 ص199

([1]) شذرات الذهب لأبي الفلاح ج2 ص97

([1]) المنهج الأحمد لأبي اليمن العليمي ج1 ص19

([1]) ابن قيم الجوزية:الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، القاهرة سنة 1317هجري ص251-293 وما بعدها

(4) هداية الحيارى، القاهرة سنة 1323 هجري ص121

([1]) طبقات الحنابلة للقاضي ابن أبي يعلى ج1 ص5

([1]) شذرات الذهب لابن العماد ج2 ص97

([1]) وفيات الأعيان لابن خلكان ج1 ص49

([1]) وفيات الأعيان ج1 ص48، وطبقات الشافعية الكبرى ج1 ص 203  وتهذيب الأسماء واللغات ج1 ص112 والبداية والنهاية ج10 ص326 ومصادر أخرى.

([1]) وفيات الأعيان ج1 ص48، وتاريخ بغداد ج4 ص422

([1]) لم تختلف المصادر في سنة الوفاة.

([1]) دائرة المعارف الإسلامية ج1 ص492

([1]) نفس المصدر السابق

([1]) حلية الأولياء للحافظ الأصفهاني ج9 ص180

([1]) المنهج الأحمد لأبي اليمن العليمي ج1 ص27

([1]) أحمد بن حنبل ص19

([1] ) نفس المصدر ص37.

([1] ) مناقب الإمام أحمد ص221.

([1] ) البداية والنهاية لابن كثير جـ10 ص320.

([1] ) مناقب الإمام أحمد ص248.

([1] ) مناقب الإمام أحمد.

* في الكتاب المطبوع الجلد والملائم الجد


([1] ) مناقب الإمام أحمد ص39: 40.

([1] ) نفس المصدر ص40.

([1] ) نفس المصدر ص107.

([1] ) البداية والنهاية جـ10 ص328.

([1] ) نفس المصدر.

([1] ) طبقات الحنابلة جـ1 ص10.

* في الكتاب المطبوع ( لما أكلمك)

([1] ) مناقب الإمام أحمد ص260. (  هل قال ذلك علي بن المديني فعلا ؟ ما الدليل ؟ ) المعلق.

([1] ) نفس المصدر ص266.

([1] ) مناقب الإمام أحمد ص274.

([1] ) نفس المصدر ص280.

([1] ) أحمد بن حنبل ص5.

([1] ) المنهج الأحمد جـ1 ص53.

([1] ) المنهج الأحمد جـ1 ص50: 51.

([1]) دائرة المعارف الإسلامية ج1 ص492

([1] ) في الأصل: أبو عبد الله، بالرفع على البناء. توفي بواسط في جمادى الأولى سنة 273هـ، وقد اختلف في اسمه، فقيل: عبيد الله، وقوم قالوا: عبد الله. كان ثقة ثبتا، إذا نظرت في مسائله شبهتها في حسنها وإشباعها وجودتها بمسائل الأثرم.

(شذرات الذهب جـ2 ص162، طبقات الحنابلة جـ1 ص143: 145 والمنهج الأحمد جـ1 ص166، وتاريخ بغداد جـ8 ص286).* الكتب  الثلاثة ليست من كتب الجرح والتعديل.

([1] ) عثمان بن أحمد بن السمَّاك: كان ثقة ثبتا، توفي يوم الجمعة لأربع بقين من ربيع الأول سنة 344هـ (تاريخ بغداد جـ11 ص302).

([1] ) ابن رزقوية البزاز: كان ثقة صدوقا، كثير السماع والكتابة، حسن الاعتقاد جميل المذهب، شديدا على أهل البدع، توفي في 16 جمادى الأولى سنة 412هـ (تاريخ بغداد جـ1 ص351).

([1] ) علي بن عاصم: سأل محمد بن يحيى النيسابوري الإمام أحمد بن حنبل عن خطأ علي بن عاصم، فقال أحمد: كان حماد بن سلمة يخطئ خطأ كثيراً، ولم ير بالرواية عنه بأسا (طبقات الحنابلة جـ1 ص328).

([1] ) الرقة: مدينة مشهورة على الفرات من الجانب الشرقي (معجم البلدان). *

([1] ) يحيى بن معين، أحد أئمة الجرح والتعديل، وأستاذ أهل هذه الصناعة في زمانه، ولد في خلافة أبي جعفر سنة 158 وتوفي سنة 233 (النجوم الزاهرة جـ2 ص219، وتاريخ الخلفاء ص330، والبداية والنهاية جـ10 ص312 وطبقات الحنابلة جـ1 ص402: 406، والخلاصة ص428 وتهذيب التهذيب جـ11 ص280، المنهج الأحمد جـ1 ص93).

([1] ) أبو خيثمة: أحمد بن أبي خيثمة، زهير بن حرب بن شداد، أو بكر، نسائي الأصل وكان ثقة عالما متقنا حافظا، بصيراً بأيام الناس، راوية للأدب أخذ الحديث عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، توفي في جمادى الأولى سنة 279هـ (طبقات الحنابلة جـ1 ص44، والمنهج الأحمد جـ1 ص185 وتاريخ بغداد جـ4 ص162 وشذرات الذهب جـ2 ص174).

([1] ) إسماعيل بن دؤاد الجوري: من كبار الذين أجابوا في المحنة (مناقب الإمام أحمد ص386، والنجوم الزاهرة جـ2 ص174).

([1] ) محمد بن سعد كاتب الواقدي: بن منيع، أبو عبد الله، مؤرخ ثقة، من حفاظ الحديث، ولد في البصرة، وسكن بغداد، وصحب الواقدي المؤرخ زمانا، فكتب له وروى عنه، توفي سنة 230هـ (تهذيب التهذيب جـ9 ص182 والوفيات جـ1 ص507، وتاريخ بغداد جـ5 ص321، والوافي بالوفيات جـ3 ص88).

([1] ) أبو مسلم المستملي عبد الرحمن بن يونس (النجوم الزاهرة جـ2 ص219).

([1] ) ابن أبي مسعود: إسماعيل، من كتاب الواقدي، ومن أشهر المحدثين ببغداد (النجوم الزاهرة جـ2 ص220).

([1] ) أبو نعيم: الفضل بن دكين، توفي سنة 219هـ (النجوم الزاهرة جـ2 ص231، وتاريخ الخلفاء ص330).

([1] ) إسحاق بن إبراهيم: نائب الخليفة المأمون، وهو من الدعاة تبعا لسادته وكبرائه بخلق القرآن، وهو الذي كان يمتحن الناس ويرسلهم إلى المأمون (النجوم الزاهرة جـ2 ص306، البداية والنهاية جـ10 ص314).

([1] ) عبيد الله بن عمر القواريري: توفي سنة 235هـ (النجوم الزاهرة جـ2 ص282، وتاريخ الخلفاء ص330، والبداية والنهاية جـ10 ص315).

([1] ) الحسن بن حماد، المعروف بسجادة: يعرف بسجادة لملازمته السجادة في الصلاة سمع أبا معاوية الضرير وغيره، وروى عن أبي الدنيا وطبقته توفي سنة 241هـ (النجوم الزاهرة جـ2 ص306 وشذرات الذهب جـ2 ص99).

([1] ) محمد بن نوح: العجلي، ابن ميمون بن عبد الحميد، توفي سنة 218هـ بعانة؛ بلد مشهور بين الرقة وهيت من أعمال الجزيرة (النجوم الزاهرة جت2 ص220).

([1] ) علي بن الجعد: ابن عبيد الهاشمي، ولد سنة 133 وتوفي سنة 230هـ شيخ بغداد في عصره، كان يتجر بالجواهر، جمع عبد الله بن محمد البغوي اثني عشر جزءاً من حديثه سماها "الجعديات" مشتملة على تراجم شيوخه وشيوخهم (تهذيب التهذيب جـ7 ص289، والرسالة المستطرفة ص68 وتاريخ بغداد جـ11 ص360).

([1] ) أبو معمر إسماعيل: ابن حاتم (النجوم الزاهرة جـ2 ص222).

([1] ) سورة الشورى الآية 11.

([1] ) سورة النحل الآية 106.

([1] ) في الأصل: ينال.

([1] ) حلية الأولياء جـ1 ص40.

([1] ) عباس بن عبد العظيم بن إسماعيل {  أبو الفضل }، العنبري أحد علماء السنة، سمع يحيى القطان وطبقته، كان من الثقات الأخيار توفي في رمضان سنة 246هـ (شذرات الذهب جـ2 ص112، تهذيب التهذيب جـ5 ص121، المنهج الأحمد جـ1 ص115، ومناقب الإمام أحمد ص100).

([1] ) علي بن المديني: ابن عبد الله بن جعفر بن نجيح، أبو الحسن الحافظ مولده بالبصرة سنة 161هـ، وتوفي بسر من رأى سنة 234هـ (الخلاصة ص275، وتهذيب التهذيب جـ7 ص349، والمنهج الأحمد جـ1 ص97، والنجوم الزاهرة جـ2 ص272، وتاريخ الخلفاء ص330).

([1] ) الرحبة: قرية بحذاء القادسية بالقرب من الكوفة، على يسار الحاج إذ أرادوا مكة (معجم البلدان).

([1] ) عانة: بلد مشهور بين الرقة وهيت يعد من أعمال الجزيرة وهي مشرفة على تهر الفرات (معجم البلدان).

([1] ) طرسوس: بفتح أوله وثانيه، مدينة بثغور الشام بين إنطاكية وحلب وبلاد الروم (معجم البلدان). * ما سبق هو ما كتبه المحقق عن طرسوس

([1] ) ابن أبي دؤاد: أحمد، ابن جرير القاضي، أبو عبد الله الأيادي البصري، ثم البغدادي وولي القضاء للمعتصم والواثق، وكان مصرحا بمذهب الجهمية، داعية إلى القول بخلق القرآن، توفي سنة 240هـ (النجوم الزاهرة جـ2 ص302، وتاريخ الخلفاء ص330).

([1] ) في الأصل: ومع.

([1] ) دار عمارة: تطلق على موضعين أحدهما في الجانب الشرقي والثاني في الجانب الغربي (معجم البلدان).

([1] ) ،(3 )في الأصل الكلام غير واضح.

(8)

([1]) في الأصل: ولم.

([1] ) حجر: لعله حجر بن عدي، يسمى حجر الخير: صحابي شجاع من المقدمين وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد القادسية. خرج على بني أمية، فجئ به إلى دمشق فأمر معاوية بقتله مع أصحاب له (الكامل لابن الأثير جـ3 ص187، وتاريخ الطبري جـ6 ص141، وذخيرة الدارين ص24، وطبقات ابن سعد جـ6 ص151).

([1]) مرو : مدينة مشهورة في العراق (معجم البلدان) .

([1]) في الأصل : فقلت .

([1]) الزنبيل : الوعاء يحمل فيه، وقيل : القفة (لسان العرب) .

([1]) في الأصل : أنا .

([1]) تألى : حلف .

([1]) لا يوجد فراغ في الأصل، ولعل الناسخ سقط منه : دار أبي إسحاق.

([1]) جوف الليل ( غير واضحة في الأصل - نقلا عن مناقب الإمام أحمد (32)

(4) أي المعتصم .

(5) يقصد ابن أبي دؤاد .

(1) في الأصل : الربا، والدباء : القرع اليابس .

(2) رواه الشيخان والنسائي وأحمد بن حنبل . والحنتم : الواحدة حنتمة جرار يجلب فيه الخمر. والنقير : الجذع ينقر وسطه، والمزفت الإناء المطلي بالزفت ( صحيح مسلم بشرح النووي ج1 ص185 )

(3) رواه البخاري .

(4) إن هذا لفرجاً : لم تذكر في الأصل ونقلناها عن مناقب الإمام أحمد ص321

(1) سورة الأنبياء الآية 2

([1]) سورة ص الآية 1

([1]) في الأصل : أليس .

([1]) ابن سماعة : محمد بن سماعة بن عبيد الله هلال بن وكيع، كان إماماً عالماً صالحاً بارعاً، صاحب اختيارات وأقوال في المذاهب، وله المصنفات الحسان، ولي القضاء، وتوفي سنة233 هجري ( النجوم الزاهرة ج2 ص271، البداية والنهاية ج10 ص312 )

([1]) مناقب الإمام أحمد بن حنبل ص322، وبدلاً من هناه، هنتاه.

([1]) رواه البخاري .

([1]) أبو محمد غير واضحة في الأصل .

([1]) عبد الله الرومي : يعرف بابن الرومي، مات في جمادى الآخرة سنة 236 هجري ( طبقات الحنابلة ج1 ص196، والخلاصة ص214، والمنهج الأحمد ج1 ص100 ).

([1]) سورة الأنبياء الآية 2 .

([1]) السياق يقتضي ما أثبتناه . من ص ؟؟؟



([1]) في الأصل : وحُلَّ .

([1]) في الأصل : جالس .

([1]) أنا : غير واضحة في الأصل .

([1]) في الأصل : يبدي .

([1]) لعل السياق يقتضي ما أثبتناه .

([1]) في الأصل : إلى مال .

([1]) المخرم : وهي محلة كانت ببغداد بين الرصافة ونهر المعلي خلف الجامع المعروف بجامع السلطان ( معجم البلدان ).

([1]) إنه والله ليس السيف : ممحوة في الأصل.

([1]) في الأصل : أوحى، والسياق يقتضي ما أثبتناه .

([1]) غير واضحة في الأصل، ولعلها : أعلا .

([1]) غير واضحة في الأصل، ولعلها : تعللا .

([1]) أبو إسحاق : أي المعتصم .

([1]) أوقروا قلبه عليّ وأعطوه العشوة : أي صدعوا قلبه بالنسبة لي وأوقدوا فيه النار .

([1] ) في الأصل: فهما.

([1] ) عليهم: زيادة يقتضيها السياق.

([1] ) سورة النساء الآية 11.

([1] ) سورة مريم الآية 42.

([1] ) سورة النساء الآية 164.

([1] ) ناقصة في الأصل "قال الله تعالى".

([1] ) سورة طه الآية 14.

([1] ) ناقصة في الأصل "المذكورة".

([1] ) سورة طه الآية 12.

([1] ) في الأصل: ولم يقرؤا على رفع القرآن، ولعل الصواب ما أثبتناه.

([1] ) غير واضحة في الأصل، ولعلها ما أثبتناه. * الأغلب أنها تحليلا

([1] ) سورة الزخرف الآية 3.

([1] ) سورة الأنبياء الآية 58.

([1] ) سورة الفيل الآية 5.

([1] ) سورة يس الآية 82.

([1] ) سورة النحل الآية 1.

([1] ) في الأصل مراء، والحديث رواه أبو دؤاد والحاكم.

([1] ) أسقطنا من المتن بعد هذه الكلمة ثلاثة أسطر، لأنها تتعارض مع ما عرفناه من آراء الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ونعتقد أنها مدسوسة على المخطوط . * الأصل والأمر هو من التحقيق عدم الإسقاط وللمحقق التعليق على النص دون إسقاطه.

([1] ) ضمير المتكلم يعود على الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه.

([1] ) ناقصة في الأصل. ابن.

([1] ) العقابين: خشبتان يشبح الرجل بينهما للجلد (لسان العرب).

([1] ) ناقصة في الأصل. صلى الله عليه وسلم.

([1] ) رواه الشيخان.

([1] ) رواه الشيخان وأبو دؤاد.

([1] ) لعل الصواب ما أثبتناه.

([1] ) في الأصل يدي.

([1] ) في الأصل فأتوه بغيرها.

([1]) غير واضحة في الأصل .

([1]) العبارة من كتاب طبقات الشافعية للسبكي.

([1]) وهو : أضفناها ليستقيم المعنى .

([1]) في الأصل : وجاني .

([1]) في الأصل : التهدد .

([1]) وضعنا هذه الكلمة من عندنا ليستقيم المعنى .

([1]) البارية : الحصير معربة عن بارياء الفارسية الأصل، أي أنهم طرحوه أرضاً .

([1]) في الأصل أحراهم .

([1]) سويق : طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، سمي بذلك لانسياقه في الحلق .

([1]) زيادة يقتضيها السياق .

([1]) في الأصل : وإبهامه .

([1]) في الأصل : وهذا .

([1]) سبره بالميل : قاس غوره بآلة جراحية، وجمعها أميال وميول .

([1]) ممحوة في الأصل والزيادة من عندنا .

([1]) ليصب عليها : زدناها ليستقيم بها المعنى .

([1]) سورة النحل الآية 106 .

([1]) في الظاهرية : ينال .

([1]) في الظاهرية : نفعل .

([1]) في الأصل والظاهرية : ولا أرى إلا في ذلك .

([1]) في الظاهرية : حدثنا . (2) في الظاهرية : فألقاهم (3) في الظاهرية : بجوانبه . (4) في الظاهرية : أخشبي.

(5) ناقصة في الظاهرية حدثني . ( 6) + (7) الرضف : جمع رضفة أي الحجر المحمي وزدنا ندر منه أي سقط ليستقيم المعنى . (8) في الظاهرية بالماء (9) رواه أحمد بن حنبل (10) في الظاهرية عن (11) ناقصة في الأصل عزَّ وجلَّ (12) ناقصة في الظاهرية قال (13) في الظاهرية جدثني (14).

([1]) في الظاهرية : الأمباري .

([1]) رواه مسلم وأحمد بن حنبل ومالك .

([1]) ناقصة في الأصل . صلى الله عليه وسلم.

([1]) سورة الأعراف الآية 199

([1]) ناقصة في الأصل . عز وجل.

([1]) رواه أحمد بن حنبل .

([1]) ناقصة في الظاهرية . حدثنا حنبل.

([1]) ناقصة في الظاهرية. حدثنا حنبل، قال .

([1]) ناقصة في الظاهرية : حدثنا حنبل.

([1]) رواه مسلم وأبو دؤاد وابن ماجة .

([1]) رواه أحمد بن حنبل والحاكم .

([1]) بشر الوليد [ الكندي ] المالكي، ( النجوم الزاهرة جـ2 ص220 وتاريخ الخلفاء  ص230 ).

([1]) في الأصل : عثمان.

([1]) ناقصة في الأصل : أبا، وزدناها لأن عفان أراد أن يكنى يحيى بن معين.

([1]) في الظاهرية : أجيب.

([1]) في الظاهرية . كل شهر خمسمائة درهم.

([1]) سورة الإخلاص الآية 2:1

([1]) سورة الذاريات الآية 22

([1]) حنبل . ناقصة في الظاهرية .

([1]) في الأصل . سمعت .

([1]) في الظاهرية . شيخين .

([1]) حنبل ناقصة في الأصل .

([1]) ناقصة في الظاهرية : عز وجل.

([1]) في الأصل : لا.

([1]) في الظاهرية : أبو علي .

([1]) في الظاهرية : فاعتل .

([1]) ناقصة في الظاهرية : ابن المهدي .

([1]) في الظاهرية : لما أجيبا وقيدا .

([1]) في الظاهرية : أبو علي .

([1]) ناقصة في الأصل : هذا الكتاب .

([1]) ناقصة في الأصل : فهو المعنى .

([1]) في الظاهرية : بذلك .

([1]) في الظاهرية : أخبار أبي عبد الله رضي الله عنه في أيام هارون بن المعتصم وهو الواثق.

([1]) ناقصة في الظاهرية : أبو علي .

([1]) ناقصة في الأصل : رضي الله عنه .

([1]) في الظاهرية : ابن صالح .

([1]) ناقصة في الأصل : صلاة .

([1]) في الأصل : الفضل .

([1]) في الظاهرية : يوم .

([1]) في الظاهرية : والواثق .

([1]) ناقصة في الظاهرية : حنبل .

([1]) يعقوب بن الدورقي، البغدادي، الحافظ، الثقة، الحجة، سمع سنة 252هـ ( شذرات الذهب جـ2 ص127، طبقات الحنابلة جـ1 ص414،415 والمنهج الأحمد جـ1 ص117، والخلاصة ص436.)

([1]) في الظاهرية : من .

([1]) في الظاهرية : أمر .

(14) ناقصة في الأصل : إلا .

([1]) ناقصة في الأصل : ولا يترك الجمعة على حال.

([1]) في الظاهرية : أعد الصلاة ولا تترك الجمعة على حال، بدلا من أعيدت الصلاة.

([1]) ممحوة في الأصل : آخر .

([1]) في الظاهرية : فدخلت .

([1]) كلمة مضى زدناها ليستقيم المعنى .

([1]) في الظاهرية : فماذا .

([1]) في الظاهرية : يتم .

([1]) في الظاهرية : الفكرة .

([1]) في الأصل : أبداً .

([1]) في الأصل والظاهرية : يمحو .

([1]) ناقصة في الأصل : هؤلاء قوم قد أشرب قلوبهم ما يخرج منها فيما أحسب. فنسأل الله السلامة.

([1]) ما : زيادة يقتضيها السياق .

([1]) في الأصل : فقال لي، وفي الظاهرية : فقال له أبي .

([1]) ممحوة في الأصل وليت أمره .

([1]) رواه أحمد بن حنبل .

([1]) ناقصة في الأصل : قال أبو علي حنبل .

([1]) ناقصة في الأصل : أرادوا و .

([1]) في الأصل : يساكني .

([1]) في الأصل والظاهرية : النائرة .

([1]) أحمد بن نصر بن مالك : الخزاعي، توفي سنة 231هـ ( مناقب الإمام أحمد ص398،507، والبداية والنهاية جـ10 ص307، وطبقات الحنابلة جـ1ص82:80، والخلاصة ص13، وتهذيب التهذيب جـ1 ص17، والمنهج الاحمد جـ1 ص91 ).

([1]) في الظاهرية : مختفي .

([1]) في الأصل : في العرب .

([1]) أبو محمد فوران: عبد الله بن محمد بن المهاجر، أبو محمد، يعرف بفوران، توفي في نصف رجب سنة 256هـ، وكان من أصحاب الامام أحمد الذين يقدمهم، ويأنس بهم، ويخلو معهم ( المنهج الاحمد جـ1 ص131 ).

([1]) ناقصة في الأصل : رضي الله عنه .

([1]) ناقصة في الظاهرية : رضوان الله عليه .

([1]) ناقصة في الأصل : أبو علي .

([1]) في الظاهرية : وذهبنا .

([1]) ناقصة في الأصل : عز وجل.

([1]) ناقصة في الأصل : في .

([1]) في الأصل : وكان .

([1]) ناقصة في الأصل : إلى .

([1]) ناقصة في الأصل : ذهب بها إلى .

([1]) ناقصة في الأصل : على فتحمل بها .

([1]) في الظاهرية : يأتي .

([1]) بصرى : من قرى بغداد قرب عكبراء ( معجم البلدان ) .

([1]) ناقصة في الأصل : وقد بات .

([1]) ناقصة في الأصل : أبو علي .

([1]) ربض فلاناً بالمكان : ثبته.

([1]) في الأصل : الحبل .

([1]) في الظاهرية : فتلقانا .

([1]) في الظاهرية : ففتحت .

([1]) في الأصل والظاهرية : فانهجموا .

([1]) في الظاهرية : قاعد .

([1]) في الظاهرية : وما تريد .

([1]) في الأصل : منشغلي .

(2) ناقصة في الأصل : على .

([1]) في الأصل والظاهرية : وإد .

([1]) في الظاهرية : أدعو .

([1]) في الظاهرية : أبو .

(1) ناقصة في الأصل : تابوت الكتب

(2) سورة الأحزاب الآية 25 .

(3) في الأصل ابن الثلمي، والصواب عن الظاهرية : محمد بن شجاع بن الثلجي البغدادي، أبو عبد الله: فقيه العراق في وقته من أصحاب أبي حنيفة، وهو الذي شرح فقهه، واحتج له وقواه بالحديث وكان فيه ميل للمعتزلة، ولرجال الحديث مطاعن فيه، توفي سنة 266هـ ( الجواهر المضية جـ2 ص30، وميزان الاعتدال جـ3 ص71 وتاريخ بغداد جـ5 ص350، والوافي بالوفيات جـ3 ص148 وشذرات الذهب جـ2 ص151 ).

(4) ناقصة في الظاهرية : حنبل قال

(5) ناقصة في الظاهرية : حدثنا .

(6) في الظاهرية : ومنشك . رواه مسلم والترمذي والنسائي

(7) رواه الشيخان ومالك والنسائي .

(8) ناقصة في الظاهرية : حدثنا حنبل، قال .

(9) ناقصة في الظاهرية : حجاج بن منهال، قال .

(10) غير واضحة في الأصل محصن

* العنوان والتساؤلات من المحقق

([1]) ناقصة في الظاهرية : حدثنا حنبل، قال: .

([1]) في الأصل : فحدث .

([1]) ناقصة في الأصل جذبة .

([1]) في الأصل : جبتة .

([1]) ناقصة في الظاهرية : العبارة التي بين الحاصرتين .

([1]) رواه مسلم والترمذي .

([1]) رواه أحمد بن حنبل .

([1]) ناقصة في الظاهرية : حدثنا حنبل، قال.

([1]) ناقصة في الظاهرية : حدثنا .

([1]) في الأصل : تهيمة .

([1]) في الظاهرية : الهمجي .

([1]) في الأصل : النكالي .

([1]) ناقصة في الأصل : إياك .

([1]) العبارة غير واضحة في الأصل، والمذكور من الظاهرية .

([1]) ناقصة في الظاهرية : حدثنا .

([1]) رواه الشيخان والنسائي والدارمي

([1]) رواه الشيخان والدارمي وأحمد بن حنبل.

([1]) العوام : مشطوبة في الظاهرية .

([1]) في الأصل : لا يصل .

([1]) ناقصة في الأصل : قال .

([1]) ناقصة في الظاهرية : حدثنا حنبل .

([1]) في الأصل : غيرهم .

([1]) ناقصة في الظاهرية : حدثنا حنبل، قال:

([1]) ناقصة في الظاهرية : حدثنا .

([1]) رواه مسلم .

([1]) في الأصل : الجوتي .

([1]) ناقصة في الأصل : بن طريف .

([1]) ورسوله : غير واضحة في الأصل .

([1]) ناقصة في الأصل : الناس موت يقدم .

([1]) ناقصة في الأصل : الله لي ورسوله .

([1]) ناقصة في الأصل : كيف أنت إذا رأيت .

([1]) في الأصل : يأمرني .

([1]) رواه ابن ماجة وأبو داود وأحمد بن حنبل.

([1]) في الأصل : وامذ .

([1]) في الأصل : أما نأتيهم .

([1]) رواه أبو يعلى عن شيخه سفيان بن وكيع، وهو ضعيف ( مجمع الزوائد جـ2 ص279 ).

([1]) ناقصة في الظاهرية : حدثنا حنبل، قال:

([1]) ناقصة في الظاهرية : حدثنا .

([1]) في الظاهرية / جدتي تقول .

([1]) ناقصة في الأصل : عز وجل.

([1]) رواه الطبراني ( معجم الزوائد جـ5 ص220 ).

(10) في الظاهرية : الحريث.

([1]) في الأصل : يرتج .

([1]) ناقصة في الأصل : عز وجل، والحديث رواه البخاري وأبو داود والترمذي وأحمد بن حنبل.

([1]) ناقصة في الظاهرية : حدثنا حنبل، قال :

([1]) ناقصة في الظاهرية : حدثنا .

([1]) ناقصة في الظاهرية : قبلي .

([1]) ناقصة في الظاهرية : ما .

([1]) ناقصة في الأصل : وآخرها بلاء وفتن .

([1]) في الظاهرية : يرقق .

([1]) في الأصل : يجئ.

([1]) في الأصل : مهلة .

([1]) ناقصة في الأصل : ثم تنكشف .

([1]) في الأصل : ينكشف .

([1]) في الظاهرية : فإن .

([1]) ناقصة في الأصل : معاوية .

([1]) ناقصة في الظاهرية : حدثنا حنبل، قال:

([1]) ناقصة في الأصل : عز وجل . والحديث رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

([1]) ناقصة في الأصل : له .

([1]) ناقصة في الأصل : بن عقبة .

([1]) ناقصة في الظاهرية : حدثنا .

([1]) رواه مسلم والترمذي والنسائي .

([1]) في الظاهرية : النحتري .

([1]) في الظاهرية : فقال، فقال .

([1]) ناقصة في الظاهرية : الثوري .

([1]) في الظاهرية : عن عن .

([1]) في الأصل : متنبت .

([1]) ناقصة في الأصل : أبو علي .

([1]) ناقصة في الأصل : أبي عبد الله .

([1]) في الأصل : براه، وفي الظاهرية : براءتك ساحتك .

([1]) في الظاهرية : أمورك .

([1]) في الأصل : يقبل .

([1]) في الظاهرية : الانجانة .

([1]) في الأصل : موضعة .

([1]) في الأصل : فرفعها .

([1]) في الأصل : ملك .

([1]) في الأصل : يذكرونه .

([1]) في الأصل : ممن يعلموا .

([1]) في الأصل : ما .

(2) ناقصة في الظاهرية : عليه .

(3) في الظاهرية : فباتت :

(4) ناقصة في الأصل : في .

(5) في الأصل : يكون .

(6) ناقصة في الأصل : العسكر وصرنا .

(7) في الظاهرية : الجير، والحير: قصر كان يسر من رأى ( القاموس المحيط ).

(8) ناقصة في الأصل : بموكب عظيم .

(9) في الظاهرية : حاذى بنا .

(10) في الأصل : فلا يدع .

(11) في الأصل : والبلح .

([1]) يحيى بن خاقان : الفتح بن خاقان بن أحمد غرطوج، أبو محمد، أديب شاعر، فصيح، كان في نهاية الفطنة والذكاء، فارسي الأصل من أبناء الملوك، اتخذه المتوكل العباس أخاً له، واستوزره وجعل له إمارة الشام ( إبن النديم جـ1 ص116، وفوات الوفيات جـ2 ص123، وابن الشونة جـ1 ص177، وإرشاد الأريب جـ6 ص116 ).

([1]) عبيد الله بن يحيى بن خاقان : أبو الحسن، وزير، من المقدمين في العصر العباسي، استوزره المتوكل والمعتمد، وكان عاقلاً حازماً، استمر في الوزارة إلى أن توفي سنة 263 هـ ( دول الاسلام للذهبي جـ1 ص125، وتاريخ الطبري جـ11 ص246، والديارات ص82، ودائرة المعارف الإسلامية جـ1 ص146 ).

([1]) علي بن الجهم : ابن بدر، أبو الحسن، شاعر رقيق الشعر، من أهل بغداد، خص بالمتوكل العباسي، ثم غضب عليه المتوكل، فنفاه الى خراسان فأقام مدة، وانتقل إلى حلب، ثم خرج منها بجماعة يريد الغزو فاعترضه فرسان بني كليب فقاتلهم وجرح ومات من جراحه سنة 429 هـ ( الأغاني جـ1 ص203،234، وابن خلكان جـ1 ص349، والطبري جـ11 ص86، وتاريخ بغداد جـ11 ص367، ودائرة معارف البستاني جـ1 ص1836 .

([1]) في الظاهرية : مواصل .

([1]) في الظاهرية : قال .

([1]) في الظاهرية : قد .

([1]) في الظاهرية : ثم قلت له :

([1]) ما بين الحاصرتين ممحو في الأصل .

([1]) في الأصل : يجرى .

([1]) في الظاهرية : في العسكر .

([1]) ناقصة في الأصل : كأنك بالأمر .

([1]) ناقصة في الأصل : يريدون .

([1]) ناقصة في الأصل : وإنما هي أيام قلائل .

([1]) ناقصة في الأصل : من خير أو شر .

([1]) في الظاهرية : تحذر .

([1]) في الظاهرية : ننتظر .

([1]) في الظاهرية : ما .

([1]) في الظاهرية : فالثانية .

([1]) ممحوة في الظاهرية : ولا حيف لم أبالي .

([1]) ناقصة في الأصل : أبو علي .

([1]) في الظاهرية : قال .

([1]) في الظاهرية : وينحدر .

([1]) في الأصل : ميثرة تموز، ولعلها نثرة، وهي الدرع الواسعة، والمراد بها ملابسه، وتموز شهر يوليو ( لسان العرب ).

([1]) في الظاهرية : رأته .

([1]) في الظاهرية : ما عندكم .

([1]) ناقصة في الأصل : فيأذن له .

([1]) ناقصة في الأصل : على المعتز .

([1]) ناقصة في الأصل : إبراهيم بن إسحاق .

([1]) في الظاهرية : غيضاً .

([1]) في الظاهرية : قال: سمعت .

([1] ) ابن حرب الخطاب: لعله جعفر بن حرب من كبار المعتزلة، أخذ الكلام عن أبي الهذيل العلاف بالبصرة، ولد سنة 177 وتوفي سنة 232هـ (تاريخ الخلفاء ص330، وتاريخ بغداد جـ7 ص162، ومروج الذهب جـ3 ص298).

([1] ) في الظاهرية: أبو علي.

([1] ) في الأصل: لا.

([1] ) ناقصة في الأصل: و.

([1] ) في الأصل: وتوهت.

([1] ) ناقصة في الظاهرية: يتكلم.

([1] ) في الأصل: كلام.

([1] ) في الظاهرية: ولا.

([1] ) ناقصة في الأصل: عليه.

([1] ) ناقصة في الأصل: عاهد الله عز وجل فقد كذب.

([1] ) في الظاهرية: فنسأل الله السلامة في الدنيا.

([1] ) ناقصة في الأصل: ذكر.

([1] ) ناقصة في الأصل: حنبل.

([1] ) ناقصة في الأصل: ظاهرا.

([1] ) في الأصل: خرج.

([1] ) في الظاهرية: فرعاه.

([1] ) في الأصل: يكون.

([1] ) ناقصة في الأصل: عز وجل.

([1] ) في الأصل: يوم.

([1] ) ناقصة في الظاهرية: وفيه.

([1] ) في الأصل والظاهرية: مغلوب.

([1] ) في الأصل: السر، وفي الظاهرية: السرق.

([1] ) في الظاهرية: يرفع.

([1] ) ناقصة في الأصل: رضي الله عنه.

([1] ) ما بين الحاصرتين: ناقص في الأصل.

([1] ) ناقصة في الأصل: أبي عبد الله.

([1] ) ناقصة في الأصل: كان.

([1] ) يعظهم: ممحوة في الأصل وفي الظاهرية.

([1] ) في الأصل: عليهم.

([1] ) في الأصل: كفن.

([1] ) في الأصل: في.

([1] ) في الظاهرية: أدرج إدراجا فيها.

([1] ) ناقصة في الظاهرية: العبارة التي بين الحاصرتين.

([1] ) في الأصل: بغداد.

([1] ) في الظاهرية: فتوجه.

([1] ) ناقصة في الأصل: للكفن وغيره.

([1] ) ناقصة في الأصل و.

([1] ) نا قصة في الأصل: معه فرددناه.

([1] ) في الأصل: وكلمه.

([1] ) في الأصل: فأبى.

([1]) ناقصة في الظاهرية : المتطبب .

([1]) في الأصل : الشيرج .

([1]) في الظاهرية : ولن نعده له .

([1]) في الأصل : اجعلوا .

([1]) ناقصة في الظاهرية : ومثل هذا كثير رحمة الله.

([1]) في الظاهرية : آخر .

([1]) ناقصة في الأصل : وحده .

([1]) ناقصة في الأصل : تسليما .


الفهـــــــرس

رقم الصفحة

في الكتاب في هذا الكتاب

المحقق      الموضوع

مقدمة الكاتب

الكتاب في سطور

المزورات : نهاية فتنة خلق القرآن

المعتزلة والمحنة

مقدمة ضرورية

بحث حول رواة كتاب المحنة

مقدمة الطبري لأحداث 218هـ

رسائل المأمون

القسم الثاني

تعليق على التصدير

1 تصدير للدكتور لاشين

5 مقدمة الدكتور نغش

وقفة توضيحية

عجالة على ملاحظات حول المخطوط والتحقيق

7 دراسة المحنة وسيرة الإمام أحمد بن حنبل

رضي الله عنه

القسم الثالث

الباب الأول

محنة الإمام أحمد بن حنبل

9 بداية المحنة في عهد المأمون

9 الإمام أحمد مكبلاً في الأغلال

10 الترغيب والترهيب والتعذيب في عهد المعتصم

رأي أحمد بالتقية

13 تحديد إقامة الإمام أحمد في عهد الواثق

13 انتصار أهل السنة واندحار أهل البدعة

الباب الثاني

سيرة الإمام أحمد بن حنبل

17 مولده

18  نسبه

18  صفاته الخلقية

18  طلبه العلم

20  تلاميذه

20   مؤلفاته

22  أولاده

23  وفاته

23   مكارم أخلاقه

تحت المجهر

تعليق على السيرة

ثبت بالمراجع وملاحظات على الهوامش

الباب الثالث

31   تحقيق المحنة

33 ذكر محنة الإمام أحمد بن محمد بن حنبل

39  ذكر حمل أبي عبد الله الى المأمون

43   ذكر حمل أبي عبد الله من الحبس الى المعتصم

مجالس الجدل

الجدل في اليوم الأول

الجدل في اليوم الثاني

الجدل في اليوم الثالث

أحكام الإكراه

أحاديث من السنة عن الإكراه

فضل العفو والصفح

موضوع الطاعة للحكام

76   ذكر عفان وبشر بن الوليد والقواريري وغيرهم

79 أخبار أبي عبد الله في أيام هارون الواثق بن المعتصم

أحكام صلاة الجمع والجماعات مع الواثق

موقف أحمد بن حنبل من الخروج على الخلفاء

تعليق على موقفه من الخروج

84  أخبار أبي عبد الله رضي الله عنه مع المتوكل رضوان الله عليه

قائمة بأحاديث حول طاعة الخلفاء

جوائز المتوكل لأحمد

109  ذكر وفاة أبي عبد الله رحمه الله .

التعليق المفصل

1- أهل النقل ورؤيا المنام ( المحقق )

2- حواريات جماعة المكتب الإقليمي  لرابطة

الأدب الإسلامي في الأردن

الفهرس