رحمه الله تعالى

المعتزلة المعاصرة

أمين نايف حسين ذياب

Get Adobe Flash player

البحث في محتوى الموقع

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 338428

القضاء والقدر


القضاء والقدر بمفهوم المعتزلة المعاصرة

أمين نايف ذياب

جدل الأفكار الأول من ص 5066

ملاحظة للدخول في بحث القضاء والقدر.

القرآن الكريم عربي المفردات والتراكيب معجز في نظمه، تنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلّمه الصحابة، وفهموا أنَّ خطاب القرآن هو خطاب التوحيد والعدل.والله الواحد العدل، يكلف الناس بما هم قادرون على فعله أو تركه، وإلاّ بطل الثواب والعقاب والمدح والذم. والجيل الأول عَلِمَ ذلك وظهر علمه وفهمه في أقوالهم وأفعالهم. وجاءت الفتنة 35- 40 هـ بحروبها الأربعة وثارت عاصفةً من الجدال بين الجبر والاختيار، وهي المشكلة التي سُميت بالقضاء والقدر.وإذ احتدم الجدال توزع المسلمون فرقاً ، وانحازت الدولة الأموية ومن بعدها العباسية وأكثرية المسلمين لصورة من صور الجبر .ومنذُ أواخر القرن الرابع الهجري، تركز عند جمهور المسلمين مفهوم الكسب، أي خلق الله للفعل حين إرادة الإنسان الكسب ، ومهما قيل فهو عين الجبر . أما الفرقة الإمامية الجعفرية (الشيعة الإثنا عشرية) فتقول: " لا جبر ولا تفويض ولكنه أمر بين الأمريين" ويكتنف هذه المقولة الغموض.وجاء المرحوم الشيخ تقي الدين النبهاني بمفهوم الدائرتين، دائرة تسيطر على الإنسان، والأخرى يسيطر عليها، ولكن أتباعه بل الحزب كله بما فيهم القائد المؤسس وقعوا جميعا في الجبر، عند مفهوم المفعولية والمتولد.بحث القضاء والقدر، هو بحث في العدل، أي بحث في الحرية والمسؤولية والنتيجة، وجاء هذا البحث، علّه يضع الأمور في نصابها.

القضاء الإرادة الكونية، والقدر خواص الأشياء

تهدف هذه القراءة التعرف على رأي المفكر " المرحوم الشيخ تقي الدين النبهاني" في موضوع ذي أهمية، ليس في الفكر الإسلامي فحسب، بل بالفكر الإنساني كله، إذ هو بحث في السببية والمسؤولية والنتيجة، وهذه أمور متلازمة تؤدي إلى البحث في موضوع عقدي شائك، هي علاقة الله بأفعال مخلوقاته، وهي هنا تقود إلى أحكام من آخرين على آخرين بالكفر أو الضلال، إذا وجد الآخر، أنّ هذا القول أو ذاك مخالف لموروثه، أو لما هو فَرِحٌ به.

بحث حزب التحرير موضوع القضاء والقدر، في أكثر من كتاب، إذ كتب عن القضاء والقدر، في كتب "نظام الإسلام" ، "ومفاهيم حرب التحرير"،" وكتاب الشخصية الإسلامية الجزء الأول"،" والدوسية"،" ونداء حار"، "والفكر الإسلامي الصادر باسم محمد محمد إسماعيل عبده" وجواب سؤال أكثر من مرة، فالقضاء والقدر مبحوث من أكثر من زاوية، وفي أكثر من كتاب.

يقول النبهاني رحمه الله : "إنه لا يكاد يجد مسألة من مسائل علم الكلام، إلاّ كانت ناشئةٌ عن مسألة سبق للفلاسفة اليونان أنْ بحثوها، ومسألة القضاء والقدر بهذا الاسم وبالمسمى، في بحث المتكلمة المسلمين، قد بحثها الفلاسفة اليونان واختلفوا فيها".

وهنا يقع النبهاني بكل سهولةٍ أسيراً لفكر أهل الحديث، ولم يستطع أن يقيمَ الدليل على دعواه هذه إلا بقوله- بعد أن عدّد مسميات القضاء والقدر- :" وهذا المعنى لم يخطر ببال المسلمين، قبل ترجمة الفلسفة اليونانية، أن يبحثوه، وإنما بحثه الفلاسفة اليونان واختلفوا فيه". ويؤكد مقولته هذه إذ يقول بالدوسية:" وأما مسألة القضاء والقدر فإنها لم تأت بالكتاب، ولا في السنة، بهذين اللفظين مقرونين مع بعضهما، ولا نطق بها الصحابة، ولا التابعون، ولا كانت معرفة في أيامهم، وإنما هي مسألة حدثت بعد نقل الفلسفة اليونانية إلى العربية، وبعد دراسة علماء المسلمين لها".

مع هذا نرى النبهاني يقول:" وأما مسألة الإيمان بالقضاء والقدر، بهذا الاسم وبمسماها الذي جرى الخلاف في مفهومه، فلم يرد بها نص قطعي، إلا أنّ الإيمان بمسماها من العقيدة فهي مما يجب الإيمان به" .

وهنا يقع النبهاني في التناقض مع نفسه، إذ يرى يونانية القضاء والقدر، ثم هو من العقيدة التي يجب الإيمان بها، على أنّ دعوى يونانية الاسم والمسمى، وأنها لم تظهر إلا بعد قراءة الفلسفة اليونانية، فهي مجرد دعوى يُعْوِزُها البرهان.

يجعل النبهاني عنوانا باسم القدر، منفرداً في الدوسية مقرراً " أنَّ مسألة القدر قد جعل لها البخاري باباً خاصاً بها في الجزء الثامن- من صحيحة – باب القدر" وذكرَ النبهاني طائفةً من الأحاديث، ثم قال:" إن القرآن الكريم ذكرَ آيات كثيرة في القدر، وهو موضوع من أهم مواضيع العقائد، ولذلك عَنِيَ به القرآن وعَنيت به السنة".

وبعدَ أن يوردَ الآيات التي جاء ذكرُ القدر، موضحاً تعدد معاني كلمة القدر مُتْبعاً الآياتِ بالحديث، يقول في تعقيبة:" فهذه الأحاديث، وتلك الآيات، تدل دلالة واضحة على معنى القدر، وأنه تقدير الله للأشياء والأعمال ولما هو كائن تقديراً حاصلاً في الأزل، وقد جاءت الآيات والأحاديث متضافرة في الدلالة على أنّ هذا هو معنى القدر".

ويخرج النبهاني بعد أن يؤكد أن القدر هو علم الله، بنتيجة غريبة فيقول:" وإذا كان هذا هو القدر، فإنه لا مجال للقول بأن الإنسان مجبرٌ على القيام بأعماله".

وهو هنا لا يجيب عن السؤال الذي طرحه المسلمون، وهو إذا كان الدليل القطعي قد دلَّ على أن ما قدره الله وعلمه وكتبه في اللوح المحفوظ كائن ولا بدَّ، فكيف يمكن للإنسان أن يفعل غيره؟ ويقفز النبهاني فوق السؤال دون أن يقدم جواباً شافيا، إذ إجاباته هي إجابات الأشاعرة المتكلمين، مع أنه يشن حملة ضاربة على المتكلمين ومناهجهم .

ولتفنيد دعوى النبهاني القائلة بأن بحث موضوع القضاء والقدر، إنما هو بسبْب من ترجمة الفلسفة اليونانية، ونتيجة التأثير بها، لا بد من عودة للحياة العلمية والفكرية للصحابة، فلقد أنكر الصحابة الجبر إنكاراً مؤكداً، فهذا أبو بكر رضي الله عنه يقول في خطبته بعد البيعة:" أيها الناس قد وليت عليكم، ولست بخيركم فإن أحسنت فأعيننوني، وإن أخطأت فقوموني". فكيف يطلب أبو بكر من المسلمين تقويم الخطأ ؟ إن لم يكن قد آمن" رضي الله عنه " بالاختيار أي بمسمى القضاء والقدر وهذا ابن الخطاب " رضي الله عنه " يقضي يقطع يد السارق وجلده أسواطاً قائلاً: القطع للسرقة، والجلد لما ادعاه أنه سرق بقضاء الله.

والمشهور عن كبار الصحابة قولهم، حين تعترضهم مسألة اجتهادية: " أقول في المسألة برأيي فإن كان صواباً فمن الله- أي بإلطافه وتوفيقه لا بإيجاده وفعله، لأنهم يعلمون أن وجود العمل منوط بهم،- فهُم موجدوه بعد أن لم يكن- وإن كان خطاً فمني ومن الشيطان، أي منهم عملاً ومن الشيطان تزييناً ووسوسة خفية.

أما علي بن أبي طالب" عليه السلام" فيرد على شيخ من جنوده في صفين بقوله:" لعلك تظنه قضاءً واجباً، وقدراً حتماً، ولو كان كذلك لسقط الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد"( ) فعلي بن أبي طالب " رضي الله عنه" يستعمل كلمتي " القضاء والقدر" استعمالاً صريحاً واضحاً حين جوابه للشيخ السائل، عن مسيرة للشام أكان بقضاء الله وقدره، منكراً عليه أشد الإنكار حين فهم القضاء والقدر بمعنى الجبر.ومن المؤكد من خلال استقراء تاريخية الفكر الإسلامي، أن مسألة الاختيار والجبر في الأعمال، هي أولى المسائل التي ظهرت، إذ كثر السؤال فيها منذ تولي معاوية الخلافة، فأخذ ينادي بفكرة الجبر ليأتي له تبرير قتاله لعلي بن أبي طالب (رضى الله عنه) وليبرر قتله للمعارضة السياسية غيلة وغدراً، كما فعل مع حجر بن عدي ورفقاه، (رضي الله عنهم) ولتبرير تصرفاته بأعطيات بيت المال للناس حسب مصلحته.

تُبيّن هذه القراءةُ السريعةُ والموجزة للحياة العملية والفكرية، حتى 60هـ تاريخ موت معاوية، مدى الخطأ الذي انساق إليه النبهاني، حين أخذ دعاوى أهل الحديث، حول قضايا علم الكلام كمسلمة لا يتطرق إليها الشك، فالقضاء والقدر سواء دُعي بالجبر والاختيار، أو بحرية الإدارة وسلبها أمر موضوع بحث في القرآن الكريم أو السن النبوية أو الحديث ، أو الآثار للصحابة والتابعين، كما يظهر من نفس أقوال النبهاني، وكما يؤكد جملة من الآيات القرآنية، والعديد من المواقف الفكرية العملية، المنقولة عن القرن الأول (أي الجيل).

ظاهرة وجود الفرق الإسلامية المتنازعة، حول اختيار الإمام والطاعة، جرّ إلى بحث القضاء والقدر، والاختلاف الفكري من قائل بالجبر، إلى قائل بالاختيار، هو حدث سابق للترجمة، بل سابق للجدل الفكرى بين المسلمين والنصارى والمجوس وغيرهم، المتسلحين بالفكر الفلسفي اليوناني، فالانقسام جاء نتيجةً طبيعةً للأحداث التي واجهت العرب المسلمين، وخاض الكل غمارها، وهي " فتنة الدار بمقدماتها وحرب صفين وحرب الجمل وفتنة (النهروان) ثم مقتل الإمام علي بن أبي طالب على تلك الصورة، وتنازل الحسن بن علي، وارتقاء معاوية الخلافة، الذي لم يتورع قبل وبعد الخلافة، عن ارتكاب أبشع صور المخاتلة والمخادعة والاغتيال!.

تلك هي العوامل التي أدت إلى ظهور الفرق الإسلامية مبكراً، من محكمة" خوارج" ومتشيعة ترى أحقية علي بالطاعة، وتلقى اللوم على الناكثين والمارقين والقاسطين، بل وعلى معتزلة القتال ، واتباع لمعاوية من الشام واليمن، وأخذت كل فرقة تجادل عن نفسها، ولم يكن لمعاوية وأتباعه من إمكانية للجدال إلاّ بالقول بفكرة الجبر.

والحقيقة التي لا مجال لنفيها، أن القضاء والقدر كمشكلة إسلامية بحتة، تحتاج إلى إجابة بالدليل العقلي أو السمعي، فهي لم تحدث عند المسلمين نتيجة لقراءة الفلسفة اليونانية، بل هي مشكلة إسلامية خالصة، حدث التساؤلُ عنها حين انكفأ المسلمون يقاتلون بعضهم بعضاً، والواقع يدل على أن بحث القضاء والقدر، هو بحث عقلي محض.

ورغم أن مشكلة (القضاء والقدر) استولت على مساحة كبيرة من المقولات، إلا أنها لا تزال موضع جدل ونقاش، بصورة أو أخرى، ولم تحسم بعدُ، والمتحمسون لرأي النبهاني، يتفاخرون بأن رأيه حسم الأمر نهائياً، وهم حين يدَّعون ذلك يقصدون موضوع القضاء والقدر في نظام الإسلام، وورد ملخص له بالمفاهيم بما يلي:" والنظرة العميقة المستنيرة للإنسان تُري أنه يعيش في دائرتين، إحداهما تسيطر عليه، والأخرى يسيطر عليها، أما التي تسيطر عليه، فهي الدائرة التي تنطبق فيها عليه أنظمة الوجود، فهو يسير والكون والحياة طبق نظام مخصوص لا يتخلف، ولذلك تقع الأعمال عليه في هذه الدائرة على غير إرادة منه، وهو فيها مُسير، وليس بمخير، فقد أتى إلى الدنيا على غير إرادة منه، وسيذهب منها على غير إرادته، وهو لا يملك أن يخرج على نظام الكون، ولذلك لا يُسأل عن الأعمال التي تحصل منه أو عليه في هذه الدائرة". وفي نظام الإسلام يضيف أفعالاً أخرى للدائرة التي تسيطر عليه، حين يقول:" وأما الأفعال التي ليست في مقدوره، والتي لا قبل له بدفعها، ولا يقتضيها نظام الوجود، فهي الأفعال التي تحصل من الإنسان أو عليه، جبراً عنه، ولا يملك دفعها مطلقاً ".

هذه العبارة تحمل إشكالية، وتنقض الدائرة الاختيارية، وتعيدنا مرة أخرى إلى مشكلة القضاء والقدر، الأمر الذي دعاني لأن أُرسل للشيخ النبهاني سؤالاً متعلقاً لهذه العبارة ، هو السؤال الثاني: تقع أفعالٌ من أفراد من بني الإنسان على آخرين، كالسجن الواقع على أفراد من قبل السلطان، وكالزنا الواقع على فتاة بالاغتصاب، وكالأذى من ضرب وتعذيب وجلد وحرق من قبل أناس، على أناس آخرين، فهل هذه الأعمال بالنسبة للآخرين أي الواقعة عليهم الأفعال هي قضاء الله فيهم ؟!..

وكانت الإجابة على السؤال كما يلي :" العمل الذي يقع على الإنسان جبراً عنه، هو من قبيل القضاء سواء وقع من آخرين، أو وقع من غير آخرين".

ولا أظن أنَّ هذه الإجابة هي إجابة للمرحوم النبهاني، بل هي كما يظهر هي إجابة من معتمد الأردن ، فالإجابة أقل من السؤال ، ومع اعتبار هذه الإجابة هي إجابة الحزب، تكون الإجابة نافية للسبب الفعلي، فالاغتصاب للفتاة قضاءٌ قضاه الله ، ودور المغتصب تحقيق قضاء الله فيها، وإظهاره ومسؤوليته ليست في الاغتصاب، بل بكونه يقوم بفعل الاغتصاب، ( الدائرة التي يسيطر عليها) ومثل هذا الجواب، هو وجه آخر للجبرية الأشعرية (الكسب). والنبهاني يقول فعل الآخرين الاختياري، يحقق قضاء الله، (في الواقع عليهم الفعل) إنها نفس مقولة الأشعرى!.

يرفض النبهاني الأساس الذي بَنى عليه المتكلمةُ المسلمون (أي المعتزلة) لا غير بحث القضاء والقدر، حيثُ يقول في نظام الإسلام:" والمدقق في مسألة القضاء والقدر، يجد أن دقة البحث فيها، توجب معرفة الأساس الذي يُبني عليه البحث، وهذا الأساس ليس فعل العبد، من كونه هو الذي يخلقه، أم الله تعالى، وليس هو علم الله تعالى، من أن إرادته تعلقت بفعل العبد، فهو لا يد موجود بهذه الإرادة، وليس هو كون هذا الفعل للعبد مكتوبا في اللوح المحفوظ، فلا أن يقوم به وفق ما هو مكتوب"  .

ويبقينا النبهاني في حيرتنا، حيث لم يصرح بهذا الأساس الذي يريده، فهو يرفضها " لأنه لا علاقة لها الموضوع من حيث الثواب والعقاب". والعبارة موهمة، بأنه يؤسس الجبر والاختيار (القضاء والقدر) على الثواب والعقاب، ونرى في هذا التأسيس بعض المشروعية، وهي مشروعية مقلوبة، تجعل اللاحق أساساً للسابق، ومع هذا فهو يقيم القطعية، بين هذا الأساس وبين فهمه لأكثر من موضوع.

وعودة للجواب الضعيف المهلهل، الذي يرى أن الناس في موقع المفعولية لفاعل من بني الإنسان، لنرى أن كل ما يتولد من أفعال بسبب من فعل الفاعلين هو قضاء الله فيهم، فالقضاء إلالاهي هو الذي أوقع السجن على المسجون، والقضاء هو الذي أوقع الاغتصاب على الفتاة التي لها مغتصب، وكسر الأيدي الحاصل على شباب من الضفة الغربية من قبل جيش اليهود، هو قضاء الله فيهم، فلا مسؤولية لهؤلاء الفاعلين عن نتائج أفعالهم، بل المسؤولية هي عن قيامهم بالفعل، أي على الأمر بالسجن، وليس على سجن المسجون، وعلى القيام بفعل الاغتصاب، وليس على الاغتصاب الواقع على الفتاة، ومسؤولية أفراد الجيش اليهود- على القيام بفعل كسر الأيدي، وليس على كسر الأيدي، الحاصل لمن كسرت أيديهم، وهكذا فُكَّ الارتباط بين الفعل، والنتائج المتولدة أو الحاصلة من فعل الفاعلين، إذ النتائج يفعلها القضاء، جرت العادة أن تحصل حين وجود الفاعلين، وهذه النتائج هي من فعل القضاء، ليس من فعل الفاعلين، فأفعالهم هي مجرد حال.

وبالرغم من تهافت هذا القول، من حيثُ إنه قول جبري واضح، يرتكز للقول بأن النتائج هذه لا يمكن دفعها بعد حصولها، ومن المعلوم أن كل ما قد تَحصّل لا يمكن فإيمان المؤمنين وكفر الجاحدين وطاعات المتقين وعصيان الفاسقين وإصلاح المصلحين وإفساد المفسدين، كل هذه بعد حصولها يستحيل دفعها، فهذه كلها في نظر أعضاء حزب التحرير هي من أفعال القضاء,.

إنَّ الناظر في الأفكار المدونة في موضوع القضاء والقدر ، لا يجدُ أن هناك قولاً صريحاً للنبهاني يقول : " بأن أفعال الفاعلين تحقق قضاء الله في الآخرين ، وإنما هو مجرد فهم لأعضاء حزب التحرير في الأردن خاصة ، تسرب إليهم من فهم منحرف "للأفعال التي لا يقتضيها نظام الوجود وقعت من الإنسان أو عليه ، على غير إرادة منه ، ولا يملك دفعها مطلقاً " ولم يلاحظ تحريريو الأردن ، قول النبهاني إنها وقعت من الإنسان أو عليه ، أي أوقعها نظام الوجود ، وليس إنساناً آخر دون أن يقتضيها نظام الوجود ، ولولا تنطع معتمد الأردن عام 73 للتصدي للسؤال الذي أرسلته، رغم أن ما يظهر من حاله أنه لا يفهم التراكيب العربية ، ولو ترك السؤال يذهب للشيخ فإن من المؤكد أنه لن يجيب بهذه الإجابة النافية للسبب الفعلي .

أن هذا الفهم هو وجه آخر لمقولة الأشعري ، النافية للسبب الكافي والتي تجعل للسبب الضروري (الأوضاع الوجودية) وحده الوزن ومثل هذا القول هو عين الجبر، وهي امتداد لمقولات معاوية بن أبي سفيان حين يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما أنا قاسم والله معطي ".

إنَّه الخطاب السفياني ـ نسبة لمعاوية بن أبي سفيان ـ الأشعري الجبري ، يعيد انتاج نفسه بقوالب كلامية جديدة .

أفعال الإنسان وأفعال القضاء والقدر

" إن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وأنهم المحدثون لها" (أي الخالقون لأفعالهم)."

إن كل فعل متولد عن أفعال العباد فهو قد أحدثه محدث الفعل بالتبعية"

وإذ توصلنا إلى أن خطاب المرحوم تقي الدين النبهاني، في موضوع (القضاء والقدر) هو الخطاب الجبري الأشعري، بعبارات جديدة، فقد آن الأوان لفهم هذا الموضوع، فهما يحل الإشكالية حلاً جذرياً، يعيد للإنسان توازنه، من خلال تحقيق نظرية الإرادة أي (الاختيار)، ونظرية الممارسة أي خلق الفعل أو إنشاؤه والنتيجة المترتبة على هذا الفعل أي المسؤولية، من حيثُ القيام بالفعل، ومن حيث آثاره في الواقع.

أوصل البحث في خطاب حزب التحرير، إلى رفض دعوى يونانية القضاء والقدر، بل تبين إسلامية هذه المعرفة، وظهورها مبكراً في الفكر الإسلامي، ويكفي ذكر النقاش الذي دار بين" عمر بن الخطاب" وأبي عبيدة بن الجراح بشأن طاعون عمواس، للاستدلال على أنه بحث إسلامي، ابتدأ ولا يزال.

من الممكن أن يكون قد حدث الانتفاع، بمعطيات الفكر الحرّاني والكلداني، والفلسفة اليونانية، بعد اتصال الفكر الإسلامي بهما، ولكن يجب أن يُنظرَ إلى ذلك من زاوية الانتفاع، فيما لديهم من مناهج جدل، ومجموعة مصطلحات، وبناء مقولات، دون أن يتأثر البحث في عين المقولات، فالأساس مختلفٌ كل الاختلاف بين الإسلام وغيره، من ثقافة السريان والكلدان واليونان وغيرهم.

إن البحث في القضاء والقدر، هو بحث عقلي، إذ هو بحث في أمر له واقع، يقع تحت حس الإنسان مباشرة، وهو بحث في الفعل الإنساني من حيث الوجود، أو عدمه، وليس بحثا في ظروفه وأوضاعه وأحواله وممكناته، بل ولا بحث في علاقة صفات الله به، وليس بحثا في الوعد والوعيد المترتب على هذا الفعل، أو الثواب والعقاب كما يطيب لبعض المدارس الفكرية أن تطلقه، وإنما هو بحث يَنَصَبُّ على وجود الأفعال بعد أن لم تكن، إذ هو بحث في الإنسان وأفعاله، حين يكون فاعلاً على الحقيقة لأفعاله، أي بحث في فاعل الصدق والكذب، والعدل والظلم، والصلاح والفساد، والتقوى والفسق، والزواج والطلاق، والمشاركة وفسخها، وبحث في الحرب والسلم، والوفاء بالعهد ونقضه، والهدنة، وبحث في الصلاة والصيام والحج والصدقة والزكاة، والأمانة والخيانة، والقتل والقهر والغضب والضرب، والحرق والأذى والسجن، والذم والقدح، والسب والشتم، وهتك العرض، أي بحث في فاعل هذه الأفعال، أهو الإنسان؟ أم القضاء والقدر ؟ أهو خلق الله لفعل الإنسان الاختياري؟ أم هو خلق الإنسان لفعله وأحداثه؟ حسب دواعيه والامتناع عنه حسب صوارفه .

ويؤدي بحث هذه الأفعال، ضرورة إلى بحث المتولدات الناتجة عن هذه الأفعال، على وجه التلازم، كموت المقتول، وسلب المال، واغتصاب الحقوق، وحرق الأشجار، وذبح الحيوان، والاعتداء على حرية إنسان بتقيده أو سجنه، والأذى الذي يلحق به في معنوياته، مثل جرح الكرامة، أو انتهاك العرض،أو الألم الحاصل من الضرب، أو الضرر الحاصل من الغش، والخداع والمخاتلة، وحلاوة الماء بتذويب السكر فيه، وحموضة الماء من عصر الليمون فيه، وتحول العنب إلى عصير، أو خمر، وتلوين القماش، وتشكيل الصور وغيرها.

إنَّ كل هذه المتولدات، إنما هي فعل الإنسان الفاعل، ونتجت عن الفعل الإنساني على وجه التلازم، وكل ما هو في محل المفعولية للإنسان الفاعل، إنما هو موجود بعد أن لم يكن، تبعا لفاعله، فالقضاء ليس فاعلاً لهذه المتولدات مطلقاً، والشرع الإسلامي رتّبَ مسؤوليةً تامةً على نتيجة الفعل، في الدنيا او الآخرة، أو فيهما معاً.

يخلط باحثو " القضاء والقدر" في أمر المفعولية للفعل، بين مفعولية فعل الإنسان، وبين مفعولية السنن الكونية، وبين فاعلية الإنسان، وفاعلية النظم الكونية، على شكل لا تتحدد فيه الأمور ولا تتبيّنُ معالم الفهم.

إن وقوع فعل الإنسان على مفعوله تابع له، وناتج عنه، وإن وقوع فعل السنن الكونية والنظم الكونية على مفعولها تابع لها، وناتج عنها، فالموت الحاصل من قتل القاتل، ليس هو الموت الحاصل عن الإصابة بمرض السرطان، ليس هو إتلاف المال الحاصل عن عاصفة هوجاء أو سبيل عَرم ، والإصابة الحادثة ، من أهوج يسوق سيارته بسرعة جنونية، ليست هي الإصابة الحادثة من خلل طارىء في السيارة ، لم يكن يعرفه السائق، وهكذا تُدرسَ نتائجُ الأفعال.

يقرر الشرع الإسلامي بوضوح، مسؤولية الإنسان عن فعله، سواء ظهر فيه القصد والتنفيذ (الفعل المعتمد أو ظهر فيه التنفيذ دون القصد، بسبب من الخطأ أو النسيان أو الاستكراه، ولهذا فالمسؤولية الجرمية واقعة على الفعل المعتمد، والدية والتعويض واقعان على النتيجة في الحالة الثانية، والمسامحة هي رفع الإثم (الجرم) فقط، ولا يُظَنُّ بعدَ ذلك أنّ الله يلزمه المسؤولية التامة أو الناقصة، ويُدّعي بعد ذلك أن القضاء هو الفاعل، والله جل وتعالى القائل: (( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ))(فاطر: من الآية18).

لا يكتفي الإسلام بمسؤولية الإنسان عن نتائج فعله المباشرة، بل هو مسؤول عن التسبيب، فلو أحدُ الناس حفرحفرة ولم يحطها بعامل السلامة ووقع إنسان فيها أو نتج عنها ضرر في ممتلكات الآخرين، فهو مسؤول عن ذلك ومجبورٌ بحكم الإلزام الإسلامي، بالتعويض عن الضرر الحاصل، ولهذا فإن التسبيب فعلٌ إنساني محض وليس فعلاً للقضاء والقدر.

إنَّ القضاء والقدر يعني الوجود الكوني وخاصيته، وهو قيومية الله تعالى على خلقه، سنناً وخاصيات وقابليات، أي هي أفعال الربوبية والتدبير التي عليها الأشياء والنظم والمخلوقات، وهي أمور موجودة على الدوام، إلى حين الفناء، وسواء نتج عنها أفعالٌ كالمطر والعواصف وتلبد الغيوم واشتداد وسرعة الريح، وتآكل المعادن وفساد الأطعمة وتحلل الأنسجة الحية والمركبات العضوية، أو لم ينتج فالكون محكوم بالقضاء " الخلق والنظام" والقدر " الخاصيات والقابليات كامنة أو ظاهرة".

إنَّ الكون وهو محكوم بالقضاء، فلا إمكان للسيطرة عليه من قبل الإنسان، وإذ الكون مخلوق على قابليات وخاصيات، فإن في إمكان الإنسان تسخيرها من خلال نظرية الفعل والحد والكم، ولهذا يمكنه اتقاء المرض، وإكثار الرزق، على خصائص الأشياء، مثل منع حصول الفساد في الأرزاق، من خلال استعمال الأسباب الحافظة، بل ويمكنه تصبير الحياة في الخلايا الحية.

هذا هو مفهوم استخلاف الإنسان في الأرض، لِيَعمُرها، وكل ما في السموات والبحار والأرض مسخرٌ له إذ هو الكائن الأرضي الوحيد كما نعلم، القادر على التفكير، فالتفكير أهم خصائصه، بحيث إذا حُدَّ الإنسان بأنه كائن مفكر، كان هذا الحد جامعاً مانعاً.

وإذْ يتنامي التفكير، وتتراكم المعرفة، فإن في مقدور الجيل الحاضر أن يفعل ما عجزت عنه الأجيال السابقة، وإن مقدور الأجيال القادمة أن تحقق ما لم نحققه نحن، على مستوى التفكير والتسخير، ولكن حذار من إطلاق ذلك، فنظرية الكم والحد تبقي الإنسان في محل الشعور بالعجز، أي أنه مخلوق لخالق، معروف بالكمالات وسيبقي الإنسان أسيراً للكم والحد، مهما نما فكره، وتراكمت معرفته، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وتتبدل السموات غير السموات، والأرض غير الأرض، وعندمها يعرف كل فرد إنساني مصيرّه فمن تحقق له الوعد فليحمد الله ومن لحقه الوعيد فلا يلومن إلا نفسه .