رحمه الله تعالى

المعتزلة المعاصرة

أمين نايف حسين ذياب

Get Adobe Flash player

البحث في محتوى الموقع

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 322357

رأي المعتزلة في الجن

 

بسم الله الرحمن الرحيم

من كتاب المعتزلة الجزء الأول

رأي المعتزلة في الجن

موضوع تأثير الجن في تغيير حقائق الأشياء، ينكره الإسلام وما هو موجود منه بأن ادخل في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي تفسير بعض آيات القرآن الكريم هو مجرد استعارة من الفكر اليهودي والفكر النصراني. ليس هناك من مشكلة، أو إشكالية، في الإيمان بوجود عالم الجن عند المسلمين، وأي زعم أو قول : أن بعض مدارس الفكر الإسلامي كالمعتزلة، تنكر وجود الجن لا حقيقة له.

قضية الجن، قضية ذات وجوه متعددة هي :-

(1) الإيمان بوجود الجن، وهذا الأمر لم يختلف فيه المسلمون أي اختلاف.

(2) إمكانية التوصل مع الجن- عبر أي واحدة من الحواس- وهذا ماينكره المعتزلة إنكاراً تاماً، لقوله تعالى {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} ولقوله تعالى في سورة الجن {قل أوحي الىّ انه استمع نفر من الجن} فما أوقح ! من يدعي انه يراهم او يسمعهم مع ان نبي الهدى لم يرهم ولم يسمعهم كما هو منطوق القرآن الكريم ولهذا لا بد عقلاً وشرعاً رد حديث اجتماع الرسول بالجن.

(3) قدرة الجن على التأثير في حياة الناس، خاصة في موضوع المرض والشفاء منه او التدخل بحياة الناس وهذا ماينكره المعتزلة ايضاً.

(4) إمكانية تسخير الجن من قبل بعض الناس، وهذا ما ينكره المعتزلة، لكن المعتزلة تؤمن إيماناً لا ارتياب فيه، بما ورد في القرآن الكريم من تسخير الجن لسليمان عليه السلام بقدرة الله، على سبيل المعجزة الخاصة بسليمان، والمعجزة لاتتكرر، اذ أي تكرار لها يسحب عنها برهان المعجزة،إذ التكرار يقدم شبهة وهي أنّ من ظهرت على يده اكثر من مرة، إنما يدرك سراً علمياً فيها يعرفه هو، ولذلك استطاع اظهارها مرة أخرى، فالحكيم الخبير لا يجعل معجزاته لأنبيائه موضع الشبهة وقد تساءل بعض الناس عن عصا موسى، التي تحولت الى حية تسعى ثلاث مرات فالمرات الثلاث مترابطة تماماً، فهي مكملات لبعضها، ومثل ذلك معجزات عيسى فهي متعددة وبإذن الله ولا يفهم من القرآن التكرار وإنما التنوع قال تعالى {ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص واحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وتدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين}.

(5) إمكانية معرفة الجن الغيب، وهذا ماينكره المعتزلة، والقرآن الكريم أنكر ذلك بوضوح قال تعالى {فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الارض تأكل منسأته فلما خرّ تبينت الجن ان لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} فالجن لا يعلم الغيب كلاً او بعضاً، فها هم في زمن سليمان مسخرون على خلاف طبيعتهم، في اشد الشوق للعودة لطبيعتهم ويموت سليمان وهم يشاهدونه قائماً ولا يعلمون انه ميت.

(6) وجود قدرة للجن للتحول، او التمثل بالناس، او الحيوانات، لا حقيقة له، وليس عليه دليل، بل هذا الأمر مجرد إدعاء، إذ كلمة الجن تعني الستر، أي عدم الظهور والمشاغبة بأحاديث الآحاد، لا ينهض دليلاً لوحده، فكيف إذا تعارض مع القرآن الكريم وتعارض مع الحس الظاهر!؟.

(7) إمكانية التزاوج بين الجن والإنس، والآية : {فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن انس قبلهم ولا جان} فليس في الآية دليل على التزاوج، ذلك ان الآية لم تأت لهذا الموضوع بل وردت لموضوع آخر، هو إثبات العذرية وتأكيدها، وعليه لا بد من ملاحظة التركيب القرآني {لم يطمثهن انس قبلهم} فنفى طمث ممكن، وهو طمث الأنس، ثم أضاف الطمث المستحيل، بفاصل بين الإنس والجان، وهو الظرف (قبلهم)، فالنفي متوجه للطمث، ولا يستدل بدليل الإشارة، على إمكانية الطمث من الجن، إذ لو كان ذلك هو المراد، لكان من الضروري عدم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، أي لكان النص { لم يطمثهن إنس ولا جان قبلهم} ولم يأت الفصل للغرض البديعي، ذلك ان البديع في القرآن تابع للمعنى، وليس هو الغرض، ومن يقل بذلك فإنه يتهم القرآن في أسلوبه، ومن هذه الدراسة يتبين استحالة طمث الجن للإنس، دنيا، وآخرة.

(8) إنّ الحيات ليست من الجن، لا جنساً، ولا تمثلاً، واستعمال اسم الجان للحية، او بالحقيقة لنوع معين من الحيات، وهي الحيات الرفيعة السريعة الحركة، وهي بالتالي لا تستقر بمكان، فإن الاسم جاء لها من العرب على سيل التوسع، أي المجاز، لتشابه بينها وبين الجن ولذلك فالحية التي في البيت ايام بيوت الطين، لا علاقة لها باسم الجن، إذ يقال لها في اللسان العربي عامر، وعامرة، قيل سميت عوامر لطول عمرها، ولا عبرة في النص من نصوص الحديث المرفوعة لرسول الله، ومتنه (إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم منها شيئاً فخرجوا عليها ثلاثاً) فالحديث حديث آحاد، ولا يقبل بأمور إيمانية، هذا من جهة، ومن وجه آخر مسألة تطبيقه، فالعجب من القائلين بصحة هذا الحديث، مع الامتناع عن تطبيقه في حياتهم إذ من المعلوم من حالهم انهم يسارعون الى قتل حيات البيوت، مباشرة دون تخريج عليها.

(9) إن الجن في حالة عجز مزرية، فلا يمكنه إمراض أحد، او شفاء مريض او قتل فرد من الاحياء او إحياء ميت او نقل ريشة دجاجة من مكان الى آخر، إن كل ما سبق من حيث هو نظام كوني، فهو لرب العالمين، فلا بد من الإيمان أنها فعل القادر الذي لا يعجز وليست فعل القادر بقدرة، ولا بد ان يعلم ان الفعل الذي تم على يد الأنبياء، من مثلها فهي من الله تعالى لنبي، وهي معجزته، وهي الشهادة لصدق النبي في دعواه، اما الانسان المستخلف،وهو قادر بقدرة تمكينية، ومن المعلوم ان في الكون ظواهر سببية، فمن عرف الاسباب، فهو ممكن من استخدامها، وإظهار الظاهرة الكونية، سواء في الطبيعة بالقانون السببي الصارم، او في الانسان باستعمال سنن النفس والآفاق، اما قدرات الاحياء الاخرى او العوالم الاخرى، فهي قدرات مختلفة عن قدرة الانسان اختلافاً كلياً، فقدرات الانسان ملائمة لكونه مستخلفاً.

(10) الجن ليس مستخلفاً، فهو عاجز عن استعمال الاشياء، او تغيير حقائقها ، او تشكيلها او تصنيعها، او نقلها من مكانها الى مكان آخر، والعفريت من الجن الذي قال للنبي سليمان { قال عفريت من الجن انا آتيك به قبل ان تقوم من مقامك وإني عليه لقوي امين} فهو لم يقل ذلك بسبب القدرة الذاتية له ، بل بسبب المعجزة، وهي تسخيرهم للنبي سليمان، قال تعالى: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فهم يوزعون) الآية مصرحة بأنواع ثلاثة من الجنود للنبي سليمان، من الجن، والانس، والطير، و(من) هنا للتبعيض أي بعضا من الجن ، وبعضاً من الانس، وبعضاً من الطير، وعلى فرض انها للبيان، فهي لا تفيد الاستغراق لكل الجنس، بل مجرد طائفة من الجنس، واضيف الى ما خص الله سليمان به مظهر واحد من مظاهر الطبيعة هو الريح، وهؤلاء الجند المحشورون هم فاعلون بقدرة الله القادر، أي ان الامر معجزة، ومثل ذلك الريح المسخر.

(11) ان الخواص التي عليها الجن هي :

(1) رؤيتهم للناس من حيث لا يمكن للناس ان تراهم افراداً او جماعات قال تعالى: {انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} وحرف (من) الزائد ورد لتوكيد عدم رؤية الناس للجن، بأي حال من الاحوال.

(2) إنهم يستمعون لكلام الناس، ولكن الناس لا تسمع منهم، ولا تستمع اليهم، قال تعالى في صدر سورة الجن: { قل اوحي اليّ انه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءاناً عجبا} فالقرآن ينص بمنطوقه: إن علم استماع الجن للقرآن، إنما اخبر به الرسول محمد وحياً، ولم يعلمه مشاهدة، ولا معاينة، أي لم تقع عليهم رؤية العين، وهذا رد واضح بين علي من يزعم انه يسمع الجن ويسمعهم فالرسول لم يحصل على هذه الخصيصة.

(3) ليس للجن سلطان على احد من البشر، وسلطان الجن على البشر يكون على من رضي باختياره متابعته، أي بارتكابه من ذاته، وبناءاً على دوافعه، ووفق رأيه ومباشرته للفعل بكل اختيار، اعمال المعاصي والفسق، والكفر، فالجن غير متمكن، وفاقد للاستطاعة بإجبار أي واحد من البشر على معتقد او مسلك، وهذا مايصرح به القرآن واضحاً جلياً بلا لبس او غموض، قال تعالى: { وقال الشيطان لما قضي الامر ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا انفسكم ما انا بمصرخكم ولا انتم بمصرخي اني كفرت بما اشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب اليم}.

(12) الجن لا يدخل جسم الانسان، ولا يقدر على لمسه، ولا يدخل عقل الأنسان، او دماغه او قلبه او صدره او أي جزء من جسم الانسان، فالجن عالم مفصول تمام الفصل عن الانس، في كل امر، الجن يوسوس للناس، الجن يزين المعصية للناس، ليس بمقدور البشر معرفة الكيفية، التي تجري فيها الوسوسة والتزيين ، ولهذا لا ضير من القول ان الشيطان يباشر فعلاً الوسوسة والتزيين، على شرطين : الاول : ان موضوع كيفية ذلك غير معروف، الثاني : انهما- أي الوسوسة والتزيين- ليسا سبب العدول عن الاستقامة، بل عدل الانسان عنها من ذاته، فلا يلومن غير نفسه، وان قال احد: ان الوسوسة والتزيين وردتا على سبيل التخييل - أي كأن الانسان وقد واقع المعصية والفسق والكفر- كأنه جعل الشيطان قائدة ومرشده وهاديه، مع انه هو الذي قاد نفسه، ودلها وسار بها الى ما فيه هلاكها أي تحقق منه السير في درب الشيطان، والتخييل ورد في القرآن كثيراً، والتخييل غير الخيال او التخيل، إذ التخيل متعلق بالظن والوهم، وهما متعلقان بعدم التحقق من الوجود، وليس عدم وجود الواقع مطلقاً، بينما التخييل متعلق بالتصوير الفني في القرآن، وهو واحد من الاساليب البيانية المركبة العالية، انظر قوله تعالى اول آية في سورة الأنبياء {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} فهل يقترب الحساب على الحقيقة والواقع؟ هل الحساب في حالة قدرة على الاقتراب؟ ام هو التخييل، وهو هنا الباس المعنويات ثوب الحسيات، أي التعامل مع اسماء المعاني، وكأنها كيان حي، يجري عليه ما يجري على الاحياء، ثم في استعمال الفعل المزيد بالالف المهموز، والتاء، بدلاً عن الفعل المجرد (قرب) الا يعني هذا وجود تخييل في اساليب القرآن؟ وعند كسل عقل واحد من الناس عن فهمه لانه صاحب عقل حسي، مثل عقل اليهود من بني اسرائيل، هل يعني عدم وجود التخييل؟.

(13) ان الكارثة التي تلف الامة، وتجعلهم يسلكون دائماً درب التيه والضياع، هي جرأة متصنعي التقوى، وطلبة الرئاسة، ممارسي الاحتيال، اهل اللسان اللسن الذرب على قول الباطل، وفحش القول، دون فهم، او علم، او تقوى، ضد المعتزلة، وضد الزمخشري مع ان المعتزلة لم تعط لعلمائها صورة المعصوم، او الذي لا يقع منه الخطأ ، وهذا امر معلوم لكل الدارسين للتراث الاسلامي، فالتخييل من اهم التعبيرات في القرأن الكريم ، وبه تتجلى حقيقته الاعجازية، فعند الذهاب الى اثبات التخييل، جعل الجماعة الحسية في مفهوم علاقة الجن بالإنسان، تقتل اكثر من بريء اثناء محاولة اخراج الجن منه، على حد زعمهم.

(14) لا يستطيع أيٌ ان يحسم موضوع علاقة الجن بالانس، ولكنه قادر على تكوين فكرة تأصيلية، يبني الفروع عليها، والفقرة ١١ من هذا البحث اصلت للموضوع فقارىء القرآن في موضوع ما، بعد ان ينفي ما نفاه القرآن، سيجد نفسه وكأنه امام قضية غير محسومة وهذا اشتباه في ذهنه، وليس بسب النص سيواجه في موضوع التزيين والوسوسة والتأثير، اما ان يثبت مباشرة الشياطين من الجن التزيين والوسوسة مع الاقرار بالعجز، عن ادراك كيفية هذه المباشرة، مع معرفة ان الشيطان فاقد للسلطان على الانسان، من استجاب له، ومن لم يستجب، فكلاهما سار مساره بطوعه واختياره من قبل نفسه لا من غيرها، او لا يثبت هذه المباشرة، ويرى انها وردت في القرآن وفق المباني والمعاني التي عند الناس بصفة انهم اهل العربية، والقرآن عربي المفردات والتراكيب والاسلوب وانساني المعاني، فالفرد من العرب بل من الجنس الانساني، يسند انحرافه الى غيره دفاعاً عن الذات، فالقرآن لم يخرج عن اسلوب العرب بالتعبير، وإذ الامر متعلق بالذات والدفاع عنها، بإسناد الانحراف الى الغير فبدلا من الصدام المباشر مع الذات، عمد الاسلوب القرآني قصداً الى الصدام مع الانحراف، وهنا يتجلى بصورة واضحة الفهم العميق لانفعالات النفس الانسانية، قال تعالى {الذين يأكلون الربا لايقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا  واحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وامره الى الله ومن عاد فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون} يلاحظ في هذه الآية تمام مسؤولية آكل الربا عن فعله، وانه في محل القدرة على مجانبة العمل الربوي، فمس الجن له ليس على الحقيقة وليس مسوغاً له لأكل الربا، فلماذا ذكر القرآن المس والتخبط، فإن كان هناك مس فعلاً فليس في مقدوره دفعه، فكيف يقيم القرآن تماثلاً بين واقعين مختلفين؟ واقع في مقدور البشر تركه او فعله، وواقع يقع على البشر وليس في مقدور البشر في أي حال من الاحوال اتقائه، لا بد ان يكون التماثل في ناتج فعل حسي معلوم، وناتج فعل معنوي، الناتج هو التخبط المعنوي عند آكل الربا، في اكله الربا، اوفي الدعوى ان البيع مثل الربا، والتخبط الحسي عند المريض في الجنون، مع الادراك بأن الجنون ليس مرضاً يحدثه الجن بالقدرة الذاتية، او بالتقدير أي بخصائص النظام الكوني، والقرآن يذكر مس الشيطان على مقتضى اللسان العربي وليس على الاقرار بواقع المس، واثبات علاقة بين الجن والانس هي مجرد زعم للعرب، لا حقيقة له، والقرآن لا يمكن ان يخرج عن مواضعة العرب في كلامهم، ولكنه يصحح مفهوم الكلمات، اوان يقال : إن آكلي الربا يقع منهم مثل ما يقع من المريض بالجنون، يوم القيامة في المحشر لكشف سريرتهم امام الخلق إن سورة الناس وفيها {الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس} إن الآية الاولى اثبتت الوسوسة في صدور الناس، والآية التالية لها اثبتت نوعين من فاعلي الوسوسة في الصدر، هما الجنة والناس ومعلوم مشاهدة ان الناس لا تدخل الصدور، فالجن المقترن مع الانس، يوسوس دون دخول الصدور، فالمس، والجريان مع مجرى الدم والعروق ودخول الصدور هذه كلها على المعنى، لا على الواقع.

(15) الايمان بوجود الجن ليس من الايمان بالغيب، بل هو من الايمان بالخبر، والخبر الذي يصلح دليلاً للإيمان، هو الخبر الذي ثبت عقلاً انه خبر الصادق الذي لا يكذب، وان المعنى الذي يدل عليه النص مقطوع به، انه على هذا المعنى أي الخبر القطعي الثبوت، القطعي الدلالة ام الظني الدلالة، فيكون القول في فهمه مجرد رأي، وفهم، فيتأتى فيه وجود الفهم المناقض له واما الظني الثبوت كحديث الآحاد، فيحرم بناء الايمان عليه، ويجوز مجرد قبوله والتسليم مجرد تسليم بموضوعه، أي عدم تصديقه على سبيل الجزم، هذا ان لم يكن في حالة تعارض مع القرآن الكريم، ومثل ها الخبر لا يرد تعارضه مع العقل، لان موضوعه لا يقع تحت العقل، اما ان كان موضوعه في عالم الشهادة، حديث سجود الشمس في غيابها تحت العرش، فهذا يرد عقلا.

(16) إن احاديث الجن التي وردت في امهات كتب الحديث، وفي غير الامهات، كلها بلا استثناء، في محل التعارض مع القرآن الكريم، فالواجب ردها ومن لم يردها وجعلها من ايمانه فإنه يكون قد اقام ايماناً على الاسطورة، لا على الخبر الظني، إذ الخبر الظني، لا بد ان لا يعارض القرآن، ولا يعارض المعقول الحسي، وليس فيه دعوة لقبول الجور، ولا ينافي التنزيه، أي لا بد أن يكون موضوعه ممكن على الاحتمال.

(17) من غرائب هذا الزمان، ان البعض يكتب - ليثبت الاتصال بالجن - بقوله ما يلي: - (وان من الناس من رآهم، وكلمهم وكلموه، وقد ثبت ذلك بالخبر اليقين!!!! ويواصل هذا الـ (س) كلامه : حتى ان من الناس من يأمرهم ، وينهاهم، ويتصرف بهم!!! ثم يقول: - ومن الناس من يخدمون الجن، ويخدمهم، ويلعب بهم لعب الصبيان بالكرة، ولا ينكر وجودهم رؤية بعض الناس الصالحين والطالحين لهم، إلا اولئك الذين لا يؤمنون بالغيب ((بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد))) انتهى الاقتباس.

من الجدير بالذكر اثناء قراءة الفقرة ١٧، لأكثر من مرة ان (س) يعمد الى تأكيد رؤية الجن والكلام معهم وانها ثابتة بالخبر اليقين، هل المراد بالخبر اليقين خبر القرآن الكريم؟ ان كان المراد ذلك، فالقرآن نفى نفياً مؤكداً امكانية رؤية الجن، والنص قطع بالمنطوق عدم رؤيتهم.

الخبر اليقين عند (س) هو قول المتقولين، فكيف تبلغ بهم الجرأة على مخالفة القرآن الكريم؟ لماذا بترت الآية المستشهد بها من اولها؟ فالله تعالى بقول: {افترى على الله كذبا ام به جنة ....الآية} يلاحظ القارىء ان القرآن قرن بين الكاذب ومن به جنون لانهما يقولان ما لا حقيقة له، فالآية متعلقة بمن انكر البعث، فكيف حولها العابثون بالقرآن الكريم عن موضوعها من جهة؟ وكيف جعلوا وعيدها للذي يجعل القرآن اساساً- يهتدي به- في موضوع الجن او أي موضوع آخر- من مواضيع الاسلام؟.

تلك هي مقتطفات، حول موضوع الجن تهدف الى فتح جدال حقيقي، لبناء الايمان الاسلامي على المرتكزات الصحيحة، لا على الاسطورة، اما الاحاديث والقصص والحكايات والاساطير التي يأتي بها المدعون الاتصال بالجن، او المسلمون بذلك، وبقدرته على التأثير على الانسان فهذه الاحاديث محل الرد لمعارضتها للقرآن، اما إذا استند الامر الى الحكايات ودعوى الكاذبين والاسطورة، فهي الكارثة المزدوجة، التي يعاني منها المجتمع الآن من احتيالات وشعوذات، وتصرفات غير شرعية، ادت الى الحاق القتل والاذى ببعض الناس وخاصة الاطفال والبنات، ولن يسامح الله من يفعل ذلك او يقر ذلك من دعاة فهم الاسلام.

هذه النشرة هي طبعة ثانية والمراد منها بناء الوعي عند الامة