الفكر الاسلامي المذهبي والمعتزلة

 

 

الفكر الإسلامي المذهبي والمعتزلة

أمين نايف ذياب

20-01-2006

يجمع الباحثون المبتعدون عن الهوى ، إن المعتزلة هم عمالقة الفكر الإسلامي بلا منازع ، واليهم وحدهم يعود الفضل في الذب عن الإسلام أمام الهجوم الفكري المتسلح بسلاح الفلسفة ، وهم منتجو علم الكلام ، ولم يقف دورهم عند حد الذب عن الإسلام ،بل إلى الهجوم الفكري على المعتقدات الأخرى من كتابية وغير كتابية .إن عدم فهم جمهور أهل النقل لهم ، جعل جدلهم الفكري يعمل خلال محورين : محور الوقوف أمام الهجوم الفكري الخارجي على الإسلام ، ومحور التصدي لأهل النقل لوضع الأمر في مكانه الحقيقي ، ولاختلاف طريقة النقاش والجدال في المحور الثاني عن طبيعته في المحور الأول ظهرت نتائج هذا المحور وهي تدور في حلقة مفرغة .

وزاد الأمر سوءا أن خصومهم في المحور الثاني لم يتورعوا عن التلفيق فيما ابتكرته عقولهم من جدل ومجادلات لم تحدث إطلاقا ، وجعلوا يوغلون صدور العامة عليهم ، بل وتعدى الأمر إلى إعلانات تكفيرية بحق من يقول بخلق القرآن أو بالقدر أي خلق الإنسان لفعله الاختياري . أو أن صفات الله هي عين ذاته ، أو من ينكر رؤية الله يوم القيامة ، بل وتكفير أئمة المعتزلة بأسمائهم .

لم تنقل مثل هذه الأفكار عن الجيل الأول جيل الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ولم ينقل أنهم بحثوا فيها ، اللهم إلا شذرات قليلة مثل ما ورد بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبي عبيدة بن الجراح حول القدر ، إثر الطاعون وما ورد بين على بن أبي طالب رضي الله عنه وشيخ من جنوده سأله بعد صفين عن عمله من حيث الثواب والعقاب .

إلا إن أهل النقل وهم في إجاباتهم المناقضة لإجابات المعتزلة ،قد ساروا في صعيد بحث لم يرو عن الجيل الأول حسب ادعائهم ، إلا أنهم أعطوا لإجاباتهم أنها إجابات الصحابة ،بل إجابات الوحي ، مما جعل المعتزلة تصفهم بأهل الحشو أو النوابت .

ويحتار المرء حينما يجد أن أهل النقل وصفوا قولهم بان القرآن كلام الله غير مخلوق هو مقالة السلف ، وان أهل البدع يقولون بأن كلام الله مخلوق ،مع أن مخلوق وغير مخلوق كلاهما لم ترد على لسان الوحي ، ولا على لسان الجيل الأول فكيف أجازوا لأنفسهم هذا الإدعاء …؟!

والقراءة الدقيقة لموضوع القرآن الكريم تعلن انه مخلوق . إن الجوانب المشرقة والعملاقة في فكر المعتزلة عديدة ومتعددة ، وإذ تعمد أهل النقل مصادرتها ، وإحراق مؤلفات أهلها ، إضافة إلى تعرض المعتزلة للمحن العديدة ، والى تشويه سمعة رجالهم وأفكارهم ، جعل هذه الجوانب المشرقة تتضاءل وتتوارى خلال هذا الركام من المواقف الدعائية المعادية ، التي لا تستند إلى أي فكر حق ، أو إلى أي حقائق لها واقع .

لقد ضخم أهل النقل محنة الإمام احمد بن حنبل ، أو محنة خلق القرآن مع أن مصادر هذه المحنة تعتمد على رواية منفردة لحنبل بن إسحق بن حنبل تلقفها محبو احمد بن حنبل واعملوا خيالهم فيها مع أن الدراسة التحقيقية تجعلنا نتوقف في تصديقها والمؤرخ الفقيه والمفسر المشهور محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 هـ لم يوردها في تاريخه بالصورة التي يقدمونها .

وإذا عدنا إلى واقع ما ذكروه من مجادلات نجدهم يتفاخرون بأنهم أفحموا خصومهـــم ((المعتزلة)) أمام المأمون والمعتصم والواثق ولكنهم لا يعون مبرر بقاء هؤلاء الخلفاء الثلاثة على الاعتزال من ناحية مظهرية ويقع التناقض الأكبر حين دراسة سيرة احمد بن أبي دؤاد مثلا من مصادر محبي الإمام احمد في البداية والنهاية فان كل ما يذكر من صفاته تحيل أن يكون من أهل البدع والهوى ، أو من أهل قهر الآخرين على اعتناق رأيه .

موقف جمهور الإسلاميين في زماننا هذا هو نفس موقف أهل النقل في القرون الإسلامية التالية للمحنة ، بل إن موقف جمهور الإسلاميين الآن لا يعتمد أساسا ما في هذا الموقف تجاه فكر المعتزلة فإطلالتهم على فكر المعتزلة لم تتم إلا من خلال نتف سمعوها أو قرؤها خلال كتابة البغدادي صاحب كتاب الفرق بين الفرق الذي لا يتسم بأي منهجية أو موضوعية إما كتاب الملل والنحل للشهرستاني مع انه أفضل كثيرا من كتاب البغدادي ولكنه يشاركه في عدم المنهجية والموضوعية .

يشكل عام 1951 م نقطة انقلاب خطيرة لصالح المعتزلة فقد تمكنت البعثة المصرية التي أرسلت للبحث عن المخطوطات أن تعود بعدد من المخطوطات منها موسوعة القاضي المعتزلي عبد الجبار بن احمد المغني في التوحيد والعدل وعادت بـ 14 جزء من أصل 20 بالإضافة إلى كتب أخرى من كتب المعتزلة وهكذا صار بالإمكان قراءة فكر المعتزلة من مدوناتهم لا من أقوال خصومهم .

لم تبرز كتب المعتزلة مطبوعة إلا بعد عام 65 م ولان فكر المعتزلة من أكثر الأفكار عمقا فلم يتصد لتحقيقها ثم نشرها إلا إفراد قلائل ومن أخص خواص الأساتذة ورغم تحقيق قلة من كتبهم وطباعتها ونشرها إلا إن دارسيها أقل من القليل ومع ضخامة إعداد من يتقدم بأطروحته لنيل الدكتوراه والماجستير لم تكتب أطروحات عن فكر المعتزلة إلا من القليل في العصور الحديثة .

ووقفت الحركات الإسلامية التي تعتمد الفكر أساسا لحركتها أو القائمة بعملية التربية والتهذيب أو العاملة على إحياء التراث أو استلهامه أو إعادة قراءته موقف النسيان والإهمال التام لفكر المعتزلة وبقيت تدور في الموقف الفكري البسيط الساذج المشجع على عملية الفصام النكد بين الفكرة والتطبيق مما جعل من يمتلكه الهوس يقوم بأعمال مادية متطرفة مفتقدة الفكر والغاية .

يمكننا الآن إعادة دراسة التاريخ الفكري للإسلام وان نضع إصبعنا على خط الهبوط الفكري الذي ظهر منذ تنحية فكر المعتزلة عن الوجود في فكر المسلمين وان تتبين هبوط الدولة أيضا بعد إن تبنى الخليفة المتوكل على الله العباسي غير خط المعتزلة الفكري ليأتي بعد ذلك بزمن القادر مُصَدِّرا الوثيقة القادرية التي اخرجت التفكير والاجتهاد من حياة الأمة الإسلامية وبزوال رجال المعتزلة عن المشاركة في القيادة السياسية ثم عن وجودهم الفكري برز للعيان واضحا عظم المصيبة التي لحقت بالمسلمين حتى تمكنت قوات المغول مــــن إسقاط الخلافة عام 656 هـ = 1258 م.

يدعي أهل الخط المناقض للمعتزلة غربة الفكر الاعتزالي عن الإسلام وانتمائه إلى الفلسفة اليونانية ومثل هذا الكلام يعتبر تزويرا للتاريخ ومغالطة في إدراك الوقائع ففكرة الاعتزال ظهرت ظهورا قويا على يد معبد الجهني قتل سنة 80 هـ رحمه الله غيلان الدمشقي ت حوالي 105هـ وواصل بن عطاء ت 131 هـ وعمرو بن عبيد ت 144 هـ وهؤلاء الثلاثة تبلور فكرهم قبل ترجمة الكتب اليونانية إلى العربية فأولى بذور الترجمة وقد كانت لكتب الطب ظهرت في أيام أبي جعفر المنصور المتوفى 158 هـ أما كتب الفلسفة (الحكمة) ، فقد تأخرت ترجمتها حتى عهد المأمون المتوفى 218 هـ ومن المعروف إن الفكر الاعتزالي في عهد المأمون كان في أتم مراحل النضج فنضجه إذن تم قبل ترجمة كتب الفلسفة وأسباب نضجه هو حرص رجال المعتزلة على دعوة أهل الأديان الأخرى إلى الإسلام في جدل يدحض الحجة بالحجة ويفند الدليل بالدليل فالأمر الطبيعي في رجال هذا دأبهم أن يتم نضج فكرهم من خلال هذا الجدل ولا يضرهم الانتفاع من أساليب الجدل عند الآخرين ولا شك انه تحقق لديهم الانتفاع وشتان بين الانتفاع والتأثر ويظهر أن خصومهم لا يفرقون بين الانتفاع والتأثر. إن الأمة الإسلامية وقد دبت بها أحاسيس النهضة والدعوة للفكر المستنير لمعرفة أسس النهضة التي ميدانها الأول استعمال العقل استعمالا صحيحا فبالعقل يتكون الإ يمان وبه تتحدد المفاهيم وبه أيضا يجري اكتشاف خصائص الأشياء فيعمل على تسخيرها فالإيمان والمفاهيم والسخرة نتاج للعقل ورسالة السماء دورها أنها مصدر المفاهيم لكن المفاهيم تتكون من خلال إعمال العقل بنصوص رسالة السماء .مثل هذه الأسس النهضوية لا يمكن وجودها إلا في التراث المعتزلي لكن التراث وأي تراث مهما ظهر فيه من قضايا صادقة لا بد أن يقصر عن علاج المشاكل المتجددة المتعددة فنحن بحاجة إلى عملية إبداعية تجعل التراث المعتزلي أساسا لها على اعتبار مضمونه الصادق المبني على العقل والمؤسس على الفكر والمصحوب بالدليل .

قضية صدق أسس التراث المعتزلي لا تحتاج إلى كثير من اللجاج فصدق أسس التراث المعتزلي من كون العقل أول الأدلة وكون العقل دل على التوحيد والعدل وعلى الرسالات وعلى ختم الرسالات ونسخها برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى كون الإنسان مختارا ينتج خيره وشره وكون نهاية المطاف للحياة الدنيا الموت ثم البعث والجزاء وقضية من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره كلها قضايا أساسية تصلح أساسا للسير في معترك الحياة المتحرك والنامي.

وخلاصة الأمر إن العقل يوصل إلى التوحيد والتوحيد يوصل إلى العدل والعدل يوصل إلى الجزاء فهي حلقات ثلاث تترابط فيما بينها وتشكل أساسا يصلح للنهضة .