رحمه الله تعالى

المعتزلة المعاصرة

أمين نايف حسين ذياب

Get Adobe Flash player

البحث في محتوى الموقع

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 303717

رؤية الله بين المناهج الاسلامية



رسائل جدل الأفكار (4)

رؤية الله يوم القيامة بين المناهج الإسلامية

(( الفرق ))

بحث حواري جدلي في الأقوال والنصوص في قضية رؤية الله تعالى

أمين نايف ذياب


بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

يعتبر موضوع الإيمان بالله أهم مواضيع الفكر الإسلامي ، بل الفكر كله ، إذ هو جوهر الإيمان ونقطة البدء ، وكل أمر آخر يأتي بعده في الأهمية ، فالإيمان بالله  أساس المواضيع الإيمانية كلها ، وغيره فرع عليه ولو كان هو إيمان ، فالإيمان بالرسول أصله الإيمان بالله  ، ومن زعم أن الرسول هو الذي دلنا وأخبرنا على الله فهو لا يقول كلاما صادقا إذ الشهادة الثانية هي شهادة أنَّ محمدا رسول الله قال تعالى : ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْأِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))(الصف:7).

ذلك أن الإيمان بالرسول هو إيمان برسول لله ، فيجب أن يثبت المضاف إليه قبل المضاف لتصح الإضافة ، والإيمان بالله ثم برسوله هما أساس الإسلام وهما يثبتان بالعقل .

وإذ يلد الإنسان وتتولد عنده أسئلة تسعى طلبا لتفسير الوجود ـ بعامل فطرته الـمشعرة له بالنقص ـ فالفطرة ليست إيمانا بل الشعور الداخلي بالنقص ، وهذه الأسئلة الطبيعية هي : سؤاله عما قبل الوجود ، ونظام سيره في الوجود ، ومصير الوجود ، وعلاقتها ببعضها وبالإنسان ، ويمكن أن تختصر هذه الأسئلة كما يلي : من أين أتيت ؟ ولماذا جئت ؟ وماذا يفعل بي بعد الموت ؟ وبصورة أخرى سؤاله عن هذه الثلاثة : الله ، الإنسان ، الطبيعة ، أي بحث عن كيفية بناء علاقة الإنسان بالله والطبيعة ،  والوجود الذي يبحث فيه وعنه ، هو ما يقع تحت حسه المباشر [أي عالم الشهادة] ـ أي الوجود المادي المدرك ليس إلا ـ فالوجود المادي موضع التفكير وليس مصدر التفكير ، ويستحيل أنْ يبدأ التساؤل عند الإنسان دون أنْ تكون عنده جملة من المعلومات عن الأشياء والوقائع والحوادث أي توجد عنده رموز ذهنية [لغة] تشير أو تصف أو تعرف ، وما لم تكن لديه هذه الجملة فلن يستطيع أن يعقلها أو يجعلها موضع تفكيره واستدلاله ، فهذه الجملة من العلوم المكتسبة هي التي تجعل الإنسان قادرا على النظر والاستدلال .

قال تعالى في القرآن الكريم : {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:78) .

فالآية دلالة واضحة على عدم وجود علم أو معرفة عند الإنسان منذ الولادة ، بل هي مكتسبة .

إنَّ الاعتقاد التسليمي لم يكن ذات يوم قادراً على كبت تساؤلات الفكر الإنساني المتعددة ، فالقرآن الكريم يخبرنا بصورة مثيرة للتفكير عن إبراهيم عليه السلام ؛ الذي آمن بربه خالق الكون والحياة والإنسان بالاستدلال العقلي ؛ عبر عملية فكرية تعاملت مع ظواهر كونية من عالم الشهادة ، قال تعالى [عن حاله وهو يُعمل عقله] : (( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )) (الأنعام:76-79).

يسأل إبراهيم ربه عز وجل ، كيف يحيي الموتى ليطمئن قلبه ، ويوثق ذلك القرآن بما يلي :{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (البقرة:260) .

وموسى عليه السلام يطلب رؤية الله عز وجل ، سواء من ذاته أو من تأثير بني إسرائيل عليه ، قال تعالى :{ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } (الأعراف:143) .

هذه الآية من الأعراف  أراد أحد الأشاعرة أن يثبت منها إمكانية رؤية الله ، وعدم استحالة رؤيته  وقد بينت هذه الرسالة مجموع المغالطات التي وقع فيها ، والسبب أنه كان محكما هواه ، للوصول إلى قول ، الجهل العام سمته الرئيسة ، فالآية نص ظاهر في استحالة رؤية الله كما سيبين الشرح لـها .

لقد أصرَّ بنو إسرائيل وبإلحاح على الطلب من موسى رؤية الله تعالى ، وقد وثق القرآن الكريم طلبهم بتفصيل ، ووثق ما لحقهم من صعق بسبب الطلب قال تعالى : { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُبِيناً} (النساء:153).

ويحدثنا القرآن كثيراً عن سؤال بعض الناس محمد (ص) عن الساعة وعن الروح  وهذه آيات توثق ذلك { يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } (الأعراف:187) { يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا } (النازعـات:42) { وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً } (الإسراء:85).

فالعقل الإنساني إذ هيأه الله للمعرفة ، يحاول دائماً أن يعرف مبدأ الوجود ، ومصير الوجود ، ليتأتى له أنْ يختط مسيرته في هذا الوجود ، ويحاول أيضا أنْ يكتنه المجهول لخشيته منه  .

من هنا كان سؤاله عن ذات الله ، وعن صفاته ، وعن إمكانية رؤيته ، سواء في الدنيا أو في الآخرة ،وإذ عجز العقل الإنساني عن رؤية الله في الدنيا ، أخذ بجري في عقله تصورات شتى عن خالقه لا تصح إذ هي مخالفة لأصول الاستدلال العقلي ، لقد استقر مطمح بعض المؤمنين إيمانا وجدانياً على إمكانية رؤيته بالآخرة ، محاولين أنْ يجدوا في القرآن الكريم ما يدل على هذا التصور .

إنَّ موضوع رؤية الله من المواضيع الخلافية بين مفكري الإسلام ـ أي بين ( علماء التوحيد ) ـ  وإذ يتعلق موضوع الرؤية بمشكلة التجسيم ، الأمر الذي أثار جدلاً لا هوادة فيه ؛ بين الفئات الإسلامية المتعددة والمختلفة ، والذين قالوا برؤية الله هم : أهل الحديث ، والأشاعرة ، وأهل الظاهر ، والماتريدية وجميع هؤلاء يحكمون لأنفسهم بأنـهم أهل الحق ، وأنـهم أهل السنة والجماعة ، مع تنازعهم الشديد حول من يستحق اسم أهل السنة والجماعة ، [مع أنه اسم مزيف لا أصل له ولا فصل] ،  وكل هؤلاء يثبتون الرؤية لله تعالى يوم القيامة ، ويختلفون في إثبات المكان والزمان ، وهما لازمان للجسم  وما يلزم عن الحسم مثل : اليد ، والوجه والعين ، والساق ، والأصابع وغير ذلك  ، ويختلفون في الجهة وغيرها ، ويهربون من لازم التجسيم إلى القول الذي يأتون به من عندهم : بلا كيف ، والخلاف بين هؤلاء  وبين أهل التوحيد والعدل ، المنـزِّه لله عن كل معنى من معاني التشبيه والتجسيم وهم المعتزلة والزيدية وهما على أعلى قمة أهل التنـزيه ، لتأتي الإمامية والخوارج [ الأباضية ] بعد ذلك ، أما المجسمة فلا جدوى من البحث معهم بموضوع الرؤية ـ ما داموا يثبتون لله جسماً ـ وإنما البحث يكون معهم باستحالة أن يكون الله جسماً ؛ إذ لو كان الله جسماً ؛ لما كان هناك نزاع في إمكان رؤيته.

لقد أخذ موضوع الرؤية يبرز مرة أخرى على يد أهل الحديث الجدد ، والأشاعرة الجدد  ويشكل ظاهرة قوية ، أخذت تعمل على نقل الأمة الإسلامية من ساحة الفكر والتفكير في النهضة ، إلى ساحة النقل والتسليم ، يرجون من محاولتهم هذه حبس الأفكار وقوقعتها ضمن مسلمات تراثية ؛ تستند إلى فكر أهل النقل المسلم بالرؤية ، عاملة على إبقاء الشباب المسلم دون بصيرة يستطيع فيها أن يبدع في الفكر الإسلامي ، وينمي الفهم فيقطف الثمار .

إنَّ الخطورة تكمن في إبقاء المسلمين في حالة محافظة على بعض أفكار تراثية عاجزة عن الوقوف في مواجهة الدليل ، وأمام مستجدات العصر من نظريات في الفكر ، وخاصة ما يتعلق يالكوزمولجي مثل : الانفجار الكوني العظيم ، والبيولوجي ، وتطورات المعرفة بشأنه مثل هندسة الجينات والاستنساخ  والحمل خارج الرحم ، والفلك وما يتجلى يوميا من مشاهد ومعلومات حوله ، والنظام الرياضي للكون وما حدث من تقدم معرفي هائل في هندسة الجينات والحمل خارج الرحم والاستنساخ ، مما يجعلنا في حالة عجز وشلل أمام الهجمة الفكرية المتسلحة بالأيدلوجيات ، وطرق التفكير ، ومناهج البحث ، والمنجزات العلمية فتكون الأمة في موضع المهزوم ، فتتقوقع أو تتأثر أو تنسحب ، وكل تلك الأمور في غاية الخطورة .

يحاول أهل الحديث الجدد ومعهم الأشاعرة عامدين إلغاء دور العقل في إدراك القضايا الإيمانية ، [قد يقول الأشاعرة نحن لا نلغي العقل وهو قول لا سبيل إلى تصديقه] ويخلطون عامدين بين قضايا المعرفة  وقضايا الشريعة ، فيمثلون بالقضايا الشرعية ؛ مثل المسح على ظاهر الخفين وما هو مثل ذلك ، لتبرير إلغاء دور العقل ، ويعطون لآرائهم وأراء علماء فرقتهم صفة الوحي ، فيجعلون ما فهموه وكأنه منطوق كلمة الوحي ، ويهملون عامدين مقالات المخالفين لهم من العلماء ، أو يقللون من شأنـهم بوصفهم بعدم العلمية أو بالابتداع أو الانحراف .

لـهذا كان لا بد من جمع جميع مقالات العلماء من الاتجاهات المختلفة بموضوع الرؤية ، دون أي تصرف فيها ، والإبقاء عليها كما هي ، ليتأتى للمسلمين بالدراسة والبحث والمقارنة أن تتشكل لهم رؤية مستندة إلى الدليل الأقوى ، والاستدلال الأصح ، لينتهي البحث بعملية ترجيح مبنية على منهج واضح ، دون أي محاولة للتأثر بالعاطفة مع الإدراك بأن إثارة الفكر هي الطريق الأكثر تقويما والأسلم لمثل هذه المواضيع .

لقد أحس الناس جميعاً بإرهاصات الإسلام ، فعمل أعداء الإسلام ـ وبسرعة ملفتة للنظر وبخطط محكمة ومدروسة ، على احتواء الإسلام ، أو تذويبه ، أو مواجـهته ، وبرز احتواء الإسلام في إشغال المسلمين بقضايا الأعمال الخيرية ، والروحية ، والتهذيبية ، والرياضية ، وثقافة الوعظ والإرشاد  ومدارس حفظ القرآن ، ومسابقات الحفظ للقرآن والتجويد ، وعقد المؤتمرات وخطابات المواسم .

وبرزت أعمال التذويب في إيجاد الجماعات التي تدعو للأعمال التعبدية ، والجماعات التي تشغل الناس في فقه الجنائز ، وفقه الأسرة والمرأة ، وتحقيق كتب علماء النقل دون غيرهم ، ونشر كتب الأشراط وعذاب القبر ، ومهاجمة كل فكر يلمس منه العناية بالدليل ، سواء في الأفكار والمعتقدات أو في الآراء والأحكام ، واشغلوا الأمة في إظهار ما يسمى بالأغاني الإسلامية ، والأعراس الإسلامية واللافتات الإسلامية المتعددة ، التي لا تقوم على أساس الأحكام الشرعية ، وإنما تقوم على لي عنق النصوص لتوافق السير المطلوب .

وظهرت أعمال المواجهة في تشجيع الحركات الإسلامية على القيام بأعمال مادية :من ثورات واغتيالات ، أو أعمال تخريب وعصيان ، لتتمكن السلطات المحلية من مواجهة الإسلام والمسلمين بقوة الحديد والنار ، وإظهار الإسلام أمام الرأي العام المحلي والعالمي بأنه مجرد ظواهر متطرفة ـ من شأنها أن تذيق الإنسانية  الشقاء والدمار بدل أن يحمل الإسلام للعالم رسالة الطمأنينة والسلام وسعادة الآخرة .

وبرز النقاش الشديد في مواضيع حشو المعتقدات ، فصار البحث كله ليس منصبا على الإسلام كنهج تفكير ، أو نظام حياة ونمط عيش ، بل انصب على علامات الساعة وعذاب القبر ، والسحر والساحرين ، والاتصال بالجن ، وصراع المذهبيات البغيض جدا ، وهكذا اقتصر بحث الإسلام ليس على منهج لفهمه ووضعه موضع التطبيق بل على جزئيات شكلت مادة الصراع المذهبي .

وتبدو قضية رؤية الله في الآخرة كأحد الأفكار المحبطة للنهضة ، ذلك أن إثبات الرؤية يعني إلغاء دور العقل في الاعتقاد ، بما ينقل الإسلام من كونه فكرة إيمانية يطلق عليها الآن [عقيدة عقلية] تعالج شؤون الدنيا كطريق للآخرة ، إلى فصل أعمال الدنيا عن الآخرة فينتقل الإسلام إلى عقيدة روحية تعتمد المسلمات النقلية ، فتحصل المفارقة التامة بين أعمال الدنيا وأعمال الآخرة ، ويعتمد اتصال أعمال الدنيا مع أعمال الآخرة برباط أوهى من خيط العنكبوت هو رباط الإحسان وقواعد الأخلاق التي لا تصلح أساسا أو قاعدة للسير في طريق الرقي والنهضة.

آيات القرآن الكريم

الآيات محل التنازع في مسألة الرؤية

(1)

آيات تنفي الرؤية

الآية الأولى :(( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )) (الأنعام:103)

هذه أهم آية من الآيات التي يستشهد بـها النافون لرؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة

يأتي على رأس هؤلاء المعتزلة فالزيدية فالأباضية ثم الشيعة الإمامية .

جاءت الآية مدحا لذات الله نافية عنه توهم الجسم ، فالبصر يدرك الجسم إدراكا بصريا في الشاهد والغائب ، والإدراك عند اقترانه بالبصر يفيد الرؤية ، وإذ الرؤية في الشاهد لا تكون إلا لمن له محل أو حال بالمحل ، أي لا تكون إلا للجسم أو ما هو في حكم الجسم : الظل والصورة في المرآة والأعراض الحالة في الأجسام ، والله لا يحويه زمان ، ولا يحيط به مكان ، فلا يمكن وقوع الرؤية عليه عقلا ، لتأتي هذه الآية توكيدا لما تعلمه العقول ، وهذه الآية محكمة ، فالآية خالية من أي كلمة أو إسناد فيه إيهام أن الظاهر غير مقصود ، ولـهذا عجز جماعة إثبات الرؤية لله تعالى يوم القيامة الوصول لمرادهم من هذه الآية أي هل هي نافية للرؤية أم غير نافية ؟ فزعموا إن النفي توجه للإدراك ولم يتوجه لنفي الرؤية ، ولـهذا فسروا الإدراك بالإحاطة قسرا ، وبقي السؤال : هل تدركه الأبصار دون إحاطة في الدنيا والآخرة ؟ فالموضوع عندهم نفي لرؤية الإحاطة وليس نفيا للرؤية ، ولذلك ـ لا بد أن يقولوا ـ : لا يرى في الدنيا إحاطة ولا غيرها ، ويرى في الآخرة بدون إحاطة ، قيل لـهم : من أين لكم هذا الفهم ؟ أهو مفهوم من دلالة الآية منطوقا أو مفهوما ؟ فليتهم يريحون أنفسهم وغيرهم ويقولون ـ بلا حيدة ـ : نفهم أن الله يرى من نصوص الحديث الصريحة منطوقا في ذلك ، وهكذا يجب أن يقولوا : إن الحديث قاض على القرآن . فينتقل النقاش من فهم الآيات لموضوع دور الحديث وعلاقته في القرآن ، أي هل للحديث دور في بيان الإيمانيات ؟ وعادتهم يقولون نعم أليس هذا الحديث قاله رسول الله  ؟ فهل تنكرون قول رسول الله ؟ لكن من يقول برؤية الله يوم القيامة من الأشعرية تحديدا ينسون تماما أن الحديث لا يجوز أن يكون في محل المعارضة للقرآن الكريم إذ الأدلة التي جعلها الله أدلة وهي : [العقل ؛ والكتاب ؛ والسنة  والإجماع العائد لـها] لا يجوز أن تتعارض أو تتناقض ، وهذا القول يسلم به كل المسلمين ، ولكنهم يقومون بلي معطيات العقل ونصوص الذكر الحكيم لتوافق المركوز الذهني المستقر عند الأشعرية خاصة .

الآية الثانية الدالة على نفي الرؤية هي :(( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ  قَالَ : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ   قَالَ : لَنْ تَرَانِي   وَلَكِن ِ  انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ   فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ   فَسَوْفَ تَرَانِي   فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً   وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً   فَلَمَّا أَفَاقَ   قَالَ سُبْحَانَكَ   تُبْتُ إِلَيْكَ   وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ )) (الأعراف:143) .

في هذه  الآية الجمل التالية

1.وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا

2.وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ

3.قَالَ : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ

4.قَالَ : لَنْ تَرَانِي

5.وَلَكِن ِ  انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ

6.فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ

7.فَسَوْفَ تَرَانِي

8.فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ

9.جَعَلَهُ دَكّا

10.وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً

11. فَلَمَّا أَفَاقَ

12. قَالَ سُبْحَانَكَ

13.  تُبْتُ إِلَيْكَ

14 . وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ

تتألف هذه الآية الكريمة من أريع عشرة جملة ،  لمنطوق الآية معنى ، والمعنى المحوري في المنطوق هو : إن موسى عليه السلام إذ جاء لميقات ربه وكلمه ربه كان من موسى قوله  : [قَالَ : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ] فموسى عليه السلام صرح القرآن الكريم أنه قال ذلك !!! هنا في هذا الموضع يقف جماعة إثبات الرؤية عند قول موسى متسائلين يقدمون مجموعة مغالطات .

مغالطات الأشاعرة الجديدة في الآية التالية

يقول الأشاعرة : هل نبي الله موسى لا يعلم أن الله تعالى تستحيل رؤيته ؟؟ أي يجعلون النص يستبطن أن موسى عليه السلام يعلم ما يجوز بحق الله وما لا يجوز ، فلا يطلب ما لا يجوز . لكنهم يتناسون عمدا وعن سبق إصرار قاصدين العبث بالقرآن الكريم  : [أن موسى عليه السلام طلب الرؤية في الميقات أي في الدنيا] وعلى عين نمط السؤال هل موسى عليه السلام كان يجهل أن الله يستحيل رؤيته في الدنيا ؟ فمهما تقولوا أو قالوا ، فقد أردتهم جهالتهم الردى ، فموسى طلب الرؤية طلبا واضحا ، وهذا هو المنطوق ، وفي الدنيا وهذا هو الواضح ، فموسى كما هو نص الآية قد طلب الرؤية لنفسه ـ  وهذا ما يزعمونه ـ ويفسرون ذلك بقولـهم : لما استقر عنده من إمكانية رؤية الله ، ولذلك طلب من الله النظر إليه أي طلب الرؤية ، وهذه المشاغبة تنقلب عليهم ، فموسى النبي وفقا لرأيهم وقولـهم كان يجهل أن رؤية الله غير ممكنة الوقوع في الدنيا ، فطلبه رؤية الله في الدنيا تعني أن المستقر عنده إمكانية رؤيته في الدنيا ، وهكذا عاد الأمر عليهم ، فموسى النبي عليه السلام يجهل عدم إمكانية رؤية الله في الدنيا كما زعموا ، وهكذا أرادوا رفع الجهالة عنه فأثبتوها له كل ذلك بسبب البحث عن مخرج . وهذه هي الكارثة التي وقعوا ظنا منهم أنـهم قد عثروا على مخرج لـهم من ورطة قولـهم بإمكانية رؤية الله اعتمادا  على طلب موسى !!! . وسبب الذهاب لهذه الآية النافية لرؤية الله هي الإدراك أن آية سورة القيامة لا تدل على الرؤية ولا حتى على النظر أي تحديق الباصرة تجاه المطلوب رؤيته .

لقد كان الجواب من الله تعالى لموسى باتا جازما قاطعا : [قَالَ : لَنْ تَرَانِي] وبدل من الاقتناع بـهذا الحسم جاؤوا بشبهتين :

الشبهة الأولى قالوا : إن [لن] لا تفيد التأبيد ، لكن اللغة العربية تقطع بأنها تفيد التأبيد ، إذ يزعم القائلون برؤية الله يوم القيامة أن قول الله تعالى : [لَنْ تَرَانِي] لا تفيد التأبيد .

فائدة

جاء في كتاب مفتاح العلوم للسكاكي عن لن ما يلي :

ولن وهو لنفي سيفعل ، وانه لتأكيد النفي في الاستقبال ، وقد أشير إلى أنه لنفي الأبد ، وأصله عند الخليل : لا أن فخفف ، وعند الفراء لا فجعل الألف نونا ، ويجوز فيه زيدا لن أضرب .

لكن دعاة التقليد حاولوا جعل لن لا تفيد التأبيد ، فعمدوا إلى الاستشهاد في القرآن الكريم بما يلي ـ وهم حين الاستشهاد بالقرآن يأتون بالجزء الذي فيه تلبيس  :

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ  (البقرة:94- 95) .

فهذه الآية تنفي تمني الموت لكن في آية آل عمران أثبتت تمنيهم الموت وهي قوله تعالى :

وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (آل عمران:143) وهذه مغالطة واضحة وعبث في القرآن الكريم كالعادة التي دأب عليها الأشاعرة فآيتا البقرة بِشأن الكفار وقد أكد الله عدم تمنيهم الموت بكلمة أبدا  ولكن آية آل عمران خاصة بالمؤمنين الذين كانوا يتمنون الموت بساحة الجهاد قبل دخول المعركة لكنهم في التطبيق اعتراهم الضعف وخور العزيمة فكان هذا العتاب من الله على عدم بذل المهج فالموضوعان مختلفان وليس لهم حجة في ما توصلوا إليه بشأن حرف لن فهو يفيد التأبيد بدون كلمة أبدا لكن عند وروده مقيدا فيعمل القيد ، وهذه أمثلة من القرآن الكريم على ذلك :

(( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ )) (البقرة:55).

هنا القيد هو الذي جعلها تفيد النفي بقيده ولو قالوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ فقط فإن المعنى المراد لن يؤمنوا أبدا

(( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُبِيناً )) (النساء:153).

ومع كل ذلك فإن موضوع رؤية الله يوم القيامة كلام لا يدل عليه دليل من القرآن الكريم ولا يمكن إثبات رؤية الله عقلا كل المشاغبات مبنية على نصوص  السنة والسنة لا يمكن أن تخصص القرآن  فلم يبق إلا ردها

(2)

آيات يأتي بـها مثبتة الرؤية

(( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ *تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ )) (القيامة:22- 25)

من أفضل التفاسير لهذه الآيات وأكثرها اختصارا وإيجازا تفسير الماوردي في النكت والعيون

{ وُجوهٌ يومئذٍ ناضِرةٌ } فيه أربعة تأويلات :

أحدها : يعني حسنة، قاله الحسن.

الثاني : مستبشرة، قاله مجاهد.

الثالث : ناعمة، قاله ابن عباس.

الرابع : مسرورة، قاله عكرمة.

{ إلى رَبِّها ناظرةٌ } فيه ثلاثة أقاويل :

أحدها : تنظر إلى ربها في القيامة، قاله الحسن وعطية العوفي.

الثاني : إلى ثواب ربها، قاله ابن عمر ومجاهد .

الثالث : تنتظر أمر ربها، قاله عكرمة.

{ ووجوهُ يومئذٍ باسرةٌ } فيه وجهان :

أحدهما : كالحة، قاله قتادة.

الثاني : متغيرة، قاله السدي.

{ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بها فاقِرةٌ } فيه أربعة أوجه :

أحدها : أن الفاقرة الداهية، قاله مجاهد.

الثاني : الشر، قاله قتادة.

الثالث : الهلاك، قاله السدي.

الرابع : دخول النار، قاله ابن زيد.

لا بد من وقفة مع هذه  الآيات  التي يأتي بـها مثبتة رؤية الله يوم القيامة لوضعها موضع الفهم وهي آيات لم تصرح أي واحدة منها بأن الله تعالى يرى يوم القيامة فلا يوجد فيها أي كلمة متعلقة بالرؤية البصرية أو القلبية أو كلمة العين الباصرة أو كلمة البصر  وهذا هو البيان :

الأول  قول الله تعالى فيها [إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ] فهل ناظرة تعني في لسان العرب رائية ؟ !!! أن النظر لا يفيد الرؤية أبدا ، فالكلمة التي يسندون مشاغبتهم عليها هي [نَاظِرَةٌ] وناظرة في هذا التركيب لا علاقة لها بالرؤية إذ لا يمكن أن تفيد الرؤية  ألا أذا اقترنت بالبصر ، وهي هنا لم تفترن بالبصر ، ولذلك صحت هذه الجملة بلسان العرب : {نظرت إلى الهلال فلم أره } ولو كان نظر إلى كما يزعمون تفيد الرؤية لما صحت هذه الجملة التي حصرت بين معكوفتين معوجتين فالمسألة المطلوبة وبوضوح ممن يثبت الرؤية من هذه الآية أن يجيب إجابة واضحة ذلك أن المثبت عين المنفي وهذا يعد تناقضا قي اللسان وجل ما يشاغب به مثبتة الرؤية هو أن ناظرة متعدية بإلى وها هي متعدية بإلى ولا تفيد الرؤية ففي ديوان حسان ابن ثابت جاء بيت الشعر التالي :

وجوه يوم بدر ناظرات   إلى الرحمن تنتظر الخلاصا

وهكذا يتهافت وصولهم للقول بالرؤية من آية [إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ] على مستوى نظر المتعدي ب إلى .

ومن عادتهم  لتقديم رؤيتهم الخاطئة في هذه الآية أنهم يقولون : أسند النظر للوجوه فجاء بالكل وأراد به الجزء أي أراد العين وهذا قول متهافت تهافتا شديدا ذلك أن العرب لا تسند النظر للوجوه أبدا هذا من جهة ومن جهة أخرى على مثل هذا المنهج المعوج يمكن تصحيح هذه الجمل التالية :

شممتك بوجهي أو شمك وجهي .أو وجهت وجهي إليك ليشمك .

ذقت الطعام بوجهي أو ذاق وجهي الطعام .أو وجهت وجهي إلى الطعام ليذوقه .

مصصت الشراب بوجهي .

ويمكن الإتيان بعشرات من مثل هذه الجمل المضحكة .

على أن آيات القيامة الأربعة لا تتحدث عن النظر وإنما عن قسمة الناس في المحشر إلى قسمين ـ بسبب علمهم المتقدم بأفعالهم ـ قسم يتنظر ثواب ربه ، وقسم تأخذه الظنون إلى ما سيصير إليه بعد الدخول للجزاء فالوجوه هي دلالة على الذات وليس على الوجوه أصلا مثل قوله تعالى [وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ] (الرحمن:27) أليس الوجه في هذه الآية دال على الذات .

تطابق القول بالرؤية بين اليهود والأشعرية والسلفية

يرى اليهود أنَّ من أعظم الثواب في الجنة والذي يحصل للناجين من العذاب ، وهذا نص من نصوص التلمود : [ الله نفسه يجتمع بالناجين من العذاب في وليمة أعظم ما يسر أصحابـها أنْ يرواْ وجهه ] وهنا أيضا يتطابق معتقد الرؤية اليهودي مع معتقد الرؤية عند الأشاعرة والسلفية ، وفرق أهل السنة والجماعة ، إذ يدعي أهل السنة والجماعة برؤية الله يوم القيامة اعتماداً بالدرجة الأولى على الحديث ومحاولة التلاعب بمفهوم آية (( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )) (الأنعام:103) وهي آية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار ؛ فهي نص مدح الله به ذاته ؛ وكل ما هو مدح له تعالى ثابت للذات ؛ فلا يمكن أنْ يتغير ، وهي مع هذا نص لنفي الرؤية بالبصر ، أي لنفي إدراك البصر ، وليس لنفي إدراك الإحاطة كما يتلاعب بـها السلفيون ،وهذا هو الدليل ، فمن قال : أدرك بصري إياك ؛ ولكني لم أرك ؛ عُدَّ مثل هذا الكلام من المتناقض ؛ الذي يحيله اللسان العربي والعقل ، وليت هؤلاء السلفية قالوا : إننا نثبت الرؤية بالأحاديث التي صحت عندنا ؛ لـهان الخطب ، ولكنهم جعلوا هذه الأحاديث وهي ليست ذات أصل أو فصل ، وهي رُغم المقال في سندها ؛ ورغم تصحيح السند جبرا ، إلاَّ أنَّ المتن يجعل الله جسما ؛ يراه المؤمنون ، إذ التمثيل بالقمر تارة وبالشمس أخرى هو تمثيل لوضوح رويتهما بالعين ، وهما أي الشمس والقمر جسمان واحد منهما وهو الشمس قال تعالى في وصفها : (( وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً )) (النبأ:13) فالشمس جسم محدد واضح ، ولهذا يرى بالعين الباصرة ، فَعِلَّةُ رؤية الشمس كونـها جسما يصدر عنه الضوء ، فهل يقولون : إنَّ الله جسم ؟ ـ تعالى عن ذلك علوا كبيرا ـ وهم يصرحون بعدم نفي الجسم عن الله تعالى ، ولكنهم فقط ينفون الكيف ، فالله عند السلفيين جسم ، ومع كونه جسما فقد خلق أجساما ، فالدلالة على الله تعالى عند السلفية ؛ ليست في خلقه للأكوان ؛ وجعل الأكوان موضع التفكر والتدبر للإيمان بالله جلت قدرته ، بل من الفطرة كما يزعمون ؛ وهكذا ألغى قولهم هذا جميع الآيات الكونية ، فالكون ليس شاهدا على وجود الله ، ومن زعم أنـهم لا يقولون ذلك فلا يد من إحالته على كتاب التويجري وهو : عقيدة أهل الإيمان بخلق آدم على صورة الرحمن وإلى القول الثاني من كلام صاحب الرسالة إذ يرى سوء قول من ينفي الجسم إذ يعني عند السلفية نفي لما سموه بالصفات الخبرية كالوجه واليد وما سموه الصفات هو كبرى طامات السلفية بقضية الصفات ، فجعلوا الآية نفياً لإدراك الإحاطة من عندهم ، لا سلف لـهم قال فيه ،  أي وجود واحد من الصحابة كان يؤمن برؤية الله يوم القيامة ؛ لا نفيا لإدراك البصر ؛ كما هو منطوق الآية ، وجاءوا بآية لا علاقة لـها بالرؤية ، وهي قوله تعالى : (( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ )) (القيامة:22، 23) . (( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )) (يونس:26) .(( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ )) (المطففين:15).

رأي الشيعة الإمامية في الرؤية

منقول من مجمع البيان للطبرسي "تفسير قرآن كريم"

أولاً تفسير آيات {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * وجوه يومئذ باسرة * تظن ان يفعل بها فاقرة *} سورة القيامة الآيات

اللغة النضرة مثل البهجة والطلاقة وضده العبوس والبسور نضر وجهه ينضر نضارة ونضرة فهو ناضر والنظر تغليب الحدقة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته ويكون النظر بمعنى الانتظار كما قال عز شأنه {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة} أي منتظرة وقال الشاعر

وجوه يوم بدر ناظرات            إلى الرحمن تنتظر الفلاحا

ثم يستعمل في الفكر فيقال نظرت في هذه المسألة أي تفكرت ومنه المناظرة وتكون من المقابلة يقال دور بني فلان تتناظر أي تتقابل والفاقرة الكاسرة لفقار الظهر شدة وقيل الفاقرة الداهية والآبدة.

التفسير {وجوه يومئذ} يعني يوم القيامة {ناضرة} أي ناعمة بهجة حسنة عن ابن عباس والحسن وقيل مسرورة عن مجاهد وقيل مضيئة بيض يعلوها النور عن السدّي ومقاتل جعل الله سبحانه وجوه المؤمنين المستحقين للثواب بهذه الصفة علامة للخلق والملائكة على انهم الفائزون {إلى ربها ناظرة} اختلف فيه على وجهين أحدهما أن معناه نظر العين والثاني انه الانتظار واختلف من حملة على نظر العين على قولين أحدهما أن المراد إلى ثواب ربها ناظرة أي هي ناظرة إلى نعيم الجنة حالاً بعد حال فيزداد بذلك سرورها وذكر الوجوه والمراد أصحاب الوجوه روى ذلك عن جماعة من علماء المفسرين من الصحابة والتابعين لهم وغيرهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كما في قوله : (( وَجَاءَ رَبُّكَ ))(الفجر: من الآية22) أي أمر ربك وقوله : (( وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ))(غافر: من الآية42) أي إلى طاعة العزيز الغفار وتوحيده وقوله : (( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ))(الأحزاب: من الآية57) أي أولياء الله والآخر إن النظر بمعنى الرؤية والمعنى تنظر إلى الله معاينة رووا ذلك عن الكلبي ومقاتل وعطاء وغيرهم وهذا لا يجوز لان كل منظور إليه بالعين مشار إليه بالحدقة واللحاظ والله يتعالى عن أن يشار إليه بالعين كما يجل سبحانه عن ان يشار إليه بالأصابع وأيضاً فان الرؤية بالحاسة لا تتم إلا باتصال الشعاع بالمرئي والله منزه عن اتصال الشعاع على ان النظر لا يفيد الرؤية باللغة فانه إذا علق بالعين أفاد طلب الرؤية كما انه إذا علق بالقلب أتفاد طلب المعرفة بدلالة قولهم نظرت إلى الهلال فلم أره فلو أتفاد النظر الرؤية لكان هذا القول ساقطاً متناقضاً وقولهم ما زلت انظر إليه حتى رايته والشيء لا يجعل غاية لنفسه فلا يقال ما زلت أراه حتى رايته ولانا نعلم الناظر ناظراً بالضرورة ولا نعلمه رائياً بالضرورة بدلالة إنا نسأله هل رأيت أم لا ؟ وأما من حمل النظر في الآية على الانتظار فانهم اختلفوا في معناه على أقوال أحدها إن المعنى منتظرةٌ لثواب ربها.

إثبات ما لا يُعْقَلُ يَفْتَحُ بابَ الجهالاتِ

يطلب الإسلام من المؤمنين أن يكون إيمانهم إيمان المستيقنين ، وهذا الأمر يتضح كثيراً حين يقوم المسلم باستقراء تام لآيات القرآن الكريم ليرى أن القرآن الكريم عمل جاهداً لإثبات حقائق ثلاث : الإيمان بالله ، والإيمان بالنبوة ، والإيمان باليوم الآخر . مقيما البرهان العقلي على هذه الدعائم منكراً على الذين يتبعون ما وجدوا عليه الآباء مسفها لهم بمنتهى الشدة والقسوة رافضاً إقامة الاعتقاد على الظن معلنا عن عدم قبول الأعمال التي أقيمت بسبب الهوى رافضاً الإكراه على الدين عارضاً شريطاً تلو شريط من المشاهدات التي يقع عليها الحس واصفاً إياها بأنـها آياتٌ دالة على وجود خالق لها طالبا تعقلها قال تعالى : { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } (البقرة:242) وقوله : {  قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } (آل عمران: من الآية118) وقوله : { وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ } (المؤمنون: من الآية80) ويختم الله تعالى في آية أخرى مع كون صدرها أمراً تشريعيا { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } (النور: من الآية61) وقال تعالى : { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } (الحديد: من الآية17).

{ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة: من الآية164) { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } (الرعد: من الآية4) { وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } (النحل: من الآية12) { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } (النحل: من الآية67) { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ } (العنكبوت: من الآية63) { فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } (الجاثـية: من الآية5) وتترد لفظة العقل وما تصرف منها من أفعال 49 مرة في القرآن الكريم أما آيات التفكير فهي أيضاً تأتي ملفتة الإنسان إلى ضرورة التفكر في خلق الله وآياته الدالة عليه وإليك بعض منها { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } (البقرة: من الآية266) { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } (آل عمران:191) .

آيات التفكر ترد في القرآن الكريم 17 مرة . وآيات النظر الدالة على إعمال الفكر لإثبات الدعائم الثلاث أو إحداها ترد في القرآن الكريم كثيراً { فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ } (عبس:24) { فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ } (الطارق:5) { أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } (الغاشية:17) .

وتفوز الحقيقة الثالثة وهي حقيقة اليوم الآخر بالنصيب الأوفر من آيات النظر وهناك سور تامة من القرآن الكريم عالجت موضوع اليوم الآخر .

إنَّ عالم الشهادة هو السلطان الذي يقيم به العقل يقينه على حقائق الإيمان الثلاثة فعالم الشهادة كله دليل ناطق على انه مخلوق لخالق مريد قادر عالم حي هو الله الحكيم الخبير المتنـزه عن الزمان والمكان يخلق من عدم ويخلق بالتقدير يدير الأمر خلق الحياة من عدم وخلقنا في بطون أمهاتنا بالتقدير شهدت خلائقه بوجوده وامتنعت العقول عن إدراك ذاته وكنهه وعن رؤيته فالقول بالتغير يوم الآخرة والقول بإمكان رؤيته يجعل عدم رؤيته من قبلنا في الدنيا فعلا من أفعاله لا وصفاً لذاته مع انه اللائق به واثبات رؤيته ما لا يخطر ببال أصحاب العقول الصافية إذ في رؤيته يجعل ذاته تقع تحت حواسنا جلَّ تعالى عن مثل هذا الوصف { لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } (الأنعام:103).

وروي ذلك عن مجاهد والحسن وسعيد بن جبير والضحاك وهو المروي عن علي (ع) ومن اعترض على هذا بان قال إن النظر بمعنى الانتظار لا يتعدى بالى فلا يقال انتظرت إليه وإنما يقال انتظرته فالجواب عنه على وجوه منها انه قد جاء في الشعر بمعنى الانتظار معدي بالى كما في البيت الذي سبق ذكره "ناظرات إلى الرحمن" وكقول جميل بن معمر.

وإذا نظرت إليك من ملك    والبحر دونك حدتني نعما

وقول الآخر

إني إليك لما وعدت لناظرٌ          نظر الفقير إلى الغني الموسر

ونظائر كثيرة ومنها أن تحمل إلى في قوله إلى ربها ناظرة على انه اسم فهو واحد الآلاء التي هي النعم فان في واحدها أربع لغات إلى وألي مثل معاً وقفاً وألى وإلى مثل حَديٌ وحسيٌ وسقط التنوين بالإضافة وقال أعشى وائل.

ابيض لا يرهب الهزال ولا    يقطع رحما ولا يخون إلىً

أي لا يخون نعمة من انعم عليه وليس لأحدٍ أن يقول إن هذا من أقوال المتأخرين وقد سبقهم الإجماع فإنَّه لا يمكن التسلم بذلك لما ذكر من أن علياً ومجاهد والحسن وغيرهم قالوا المراد بذلك تنتظر الثواب ، ومنها إن لفظ النظر يجوز أن يعدى بالى في الانتظار على المفتي كما ان الرؤية عديت بالى في قوله تعالى { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ  } (الفرقان: من الآية45) فاجري الكلام على المعنى ولا يقال رأيت إلى فلان ومن إجراء الكلام على المعنى قول الفرزدق.

ولقد عجبت إلى هوازن أصبحت        مني تلوذ ببطن أم جرير

فعُدِّي عجبت بالى لان المعنى نظرت وثانيها ان معناه مؤملة لتجديد الكرامة يقال عيني ممدودة إلى الله تعالى وإلى فلان وأنا شافعي الطرف إلى فلان ولما كانت العيون بعض أعضاء الوجوه أضيف الفعل الذي يقع إليها عن أبي مسلم وثالثها أنَّ المعنى انهم قطعوا آمالهم وأطماعهم عن كل شيء سوى الله تعالى ووجوه دون غيره فكنى سبحانه عن الطمع بالنظر ألا ترى أن الرعية تتوقع نظر السلطان وتطمع في أفضاله عليها والعامة في حوائجها فنظر الناس مختلف تناظر إلى السلطان وناظر إلى تجارة وناظر إلى زراعة وناظر إلى ربه يؤمله وهذه الأقوال متقاربة في المعنى وعلى هذا فان هذا الانتظار متى يكون فقيل انه بعد الاستقرار في الجنة وقيل انه فبل استقرار الخلق في الجنة والنار فكل فريق ينتظر ما هو له أهل وهذا اختيار القاضي عبد الجبار وذكر جمهور أهل العدل ان النظر يجوز ان يحمل على المعنيين معاً فكأنه سبحانه أراد انهم ينظرون إلى الثواب المعد لهم في الحال من أنواع النعيم وينتظرون مثالها حالاً بعد حال ليتم لهم ما يستحقونه من الإجلال ويسأل على هذا فيقال إذا كان بمعنى النظر حقيقة وبمعنى الانتظار مجازاً فكيف يحمل عليهما والجواب ان عند اكثر المتكلمين في أصول الفقه يجوز بلفظة واحدة إذ لا تنافي بينهما وهو اختيار المرتضى قدّس الله روحه ولم يجوز ذلك أبو هاشم إلا إذا تكلم به مرتين مرة يريد النظر ومرة يريد الانتظار وأمَّا قولهم المنتظر لا يكون نعيمه خالصا فكيف يوصف أهل الجنة بالانتظار فالجواب عنه ان من ينتظر شيئاً لا يحتاج إليه في الحال وهو واثق بوصوله إليه عند حاجته فانه لا يهتم بذلك ولا يتنغص سروره به بل ذلك زائد في نعيمه وإنما يلحق الهم المنتظر إذا كان يحتاج إلى ما ينتظره في الحال ويلحقه بفوته مضرة وهو غير واثق بالوصول إليه وقد قيل في إضافة النظر إلى الوجوه ان الغم والسرور إنما يغامران في الوجوه فبين الله سبحانه ان المؤمن إذا ورد يوم القيامة تهلل وجهه وان الكافر العاصي يخاف مغبة أفعاله القبيحة فيكلح وجهه وهو قوله {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} (القيامة:24) أي كالحة عابسة متغيرة { تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } (القيامة:25) أي تعلم وتستيقن انه يعمل بها داهية تفقر ظهورهم أي تكسرها وقيل انه على حقيقة الظن أي يظنون حصولها جملة ولا يعلمون تفصيلها وهذا أولى من الأول لأنه لو كان بمعنى العلم لكان أن بعده مخففة من أن الثقيلة على ما ذكر في غير موضع وذكر سبحانه هذه الوجوه الظانة في مقابلة الوجوه الناظرة فهؤلاء يرجون تجديد الكرامة وهؤلاء يظنون حلول الفاقرة فيكون حال الوجوه الراجية للأحوال السارة على الضد من حال الوجوه الظانة للفاقرة.

ثانياً تفسير آية { لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } (الأنعام:103)

اللغة الإدراك : اللحاق يقال أدرك (قتادة . الحسن) أي لحقه وأدرك الطعام نضج وأدرك الزرع بلغ منتهاه وأدرك الغلام بلغ ولحق حال الرجولية وأدركته ببصري لحقته ببصرى وتدارك القوم تلاحقوا ولا يكون الإدراك بمعنى الإحاطة لان الجدار محيط بالدار وليس يدرك لها والبصر الحاسة التي تقع بها الرؤية.

المعنى {لا تدركه الأبصار} أي لا تراه العيون لان الإدراك إذا قرن بالبصر لم يفهم منه إلا الرؤية كما انه إذا قرن بآلة السمع فقيل أدركت بأذني لم يفهم منه إلا السماع وكذلك إذا أضيف إلى كل واحد من الحواس أفاد ما تلك الحاسة آلة فيه فقولهم أدركته بفمي معناه وجدت طعمه وأدركته بأنفي معناه وجدت رائحته {وهو يدرك الأبصار} تقديره لا تدركه ذوو الأبصار وهو يدرك ذوي الأبصار أي المبصرين ومعناه انه يرى ولا يُرى وبهذا خالف سبحانه جميع الموجودات لان منها ما يَرى ويُرى كالأحياء ومنها ما يُرى ولا ترى كالجمادات والأغراض المدركة ومنها ما لا يُرى ولا يرى كالأعراض غير المدركة فالله تعالى خالف جميعها وتفرد بان يَرى ولا يُرى وتمدح في الآية بمجموع الأمرين كما تمدح في الآية الأخرى بقوله {وهو يُطْعِمُ ولا يَطْعَمُ}.

أحاديث الرؤية

متن الحديث رقم (1) {قال الناس يا رسول الله ! نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال النبي (ص) : هل تضارون في الشمس ليس دونـها سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله . فقال : هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ؟ فقالوا : لا يا رسول الله . قال : فإنَّكم ترونه يوم القيامة كذلك . يجمع الناس فيقول : من كان يعبد شيئاً فيتبعه فيتبع من كان يعبد القمر القمر ومن كان يعبد الشمس الشمس وينبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله عز وجل في غير الصورة التي تعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه قال فيأتيهم الله عز وجل في الصورة التي يعرفون فيقولون أنت ربنا فيتبعونه قال ويضرب جسر على جهنم قال النبي صلى الله عليه وسلم فاكون أول من يجيز ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلّم سلم وبـها كلابيب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان قالوا نعم يا رسول الله قال فإنـها مثل شوك السعدان غير انه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى فتخطف الناس بأعمالهم فمنهم الموبق بعمله ومنهم المخردل ثم يعجوا حتى إذا فرغ الله عز وجل من القضاء بين العباد وأراد أنْ يرحم ممن كان يشهد ان لا اله إلاَّ الله أمر الملائكة ان يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة آثار السجود وحرم الله على النار ان تأكل من ابن آدم اثر السجود فيخرجونهم قد أمتحشوا فيصب عليهم من ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة في حميل السبل ويبقى رجل يقبل بوجهه إلى النار فيقول أي رب قد قشبني ريحها واحرقني ذكاؤها فاصرف وجهي عن النار فلا يزال يدعو الله حتى يقول فلعلي ان أعطيتك ذلك أن تسألني غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره ويعطى من عهوده ومواثيقه ان لا يسأل غيره فيصرف وجهه عن النار فيقول بعد ذلك يا رب قربني إلى باب الجنة فيقول أو ليس زعمت ان لا تسألني غيره ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فلا يزال يدعو حتى يقول فلعلي ان أعطيتك ذلك أن تسألني غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره ويعطى من عهوده ومواثيقه ان لا يسأل غيره فيقربه إلى باب الجنة فإذا دنا منها انفهقت له الجنة فإذا رأى ما فيها من الحبرة والسرور سكت ما شاء الله ان يسكت ثم يقول يا رب ادخلني الجنة فيقول أو ليس قد زعمت ان لا تسأل غيره وقد اعطيت عهودك ومواثيقك ان لا تسألني غيره فيقول يا رب لا تجعلني اشقى خلفك فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله فإذا ضحك منه اذن له بالدخول فيها فإذا ادخل قيل له تمن من كذا فيتمنى ثم يقال له تمن من كذا فيتمنى حتى تنقطع به الاماني فيقال له هذا لك ومثله معه وابو سعيد جالس مع ابي هريرة ولا يغير عليه شيئاً من قوله حتى إذا انتهى إلى قوله هذا لك ومثله قال ابو سعيد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذه لك وعشرة امثالها معه قال ابو هريرة حفظت مثله معه قال ابو هريرة وذلك الرجل أخر أهل الجنة دخولاً الجنة}.

طرق الحديث

المتن رقم (1) حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة قال … مسند احمد 2/275

مرويات أبو هريرة

مسند احمد 295:2 نفس الرواية باختلاف لا يؤثر في الألفاظ

رواية حديث الرؤية كما هي في مسند احمد

(1) أبو هريرة عند أحمد : 2/275 ,293 , 368 ,389 , 533

(2) أبو سعيد الخدري احمد 3/16 و16

(3) جابر احمد أحمد 3/345

(4) أبو رزين احمد 4/11 و12

(5) صهيب بن سنان احمد 4/332 6/15

(6) جرير بن عبد الله احمد 6/360 و362 و365

(1)

2/275 عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة

2/293 سليما بن داود الهاشمي انا إبراهيم بن سعد ثنا بن شهاب والتقى مع 293

2/368 هيثم انا حفص بن ميسرة عن العلاء عن ابيه عن ابي هريرة

2/389 عفان ثنا وهيب ثنا مصعب بن محمد بن شرحبيل عن ابي صالح السمان عن ابي هريرة

2/533 عبد الرزاق انا معمر عن الزهري في قوله عز وجل كل أمة تدعى إلى كتابها عن عطاء ابن يزيد الليثي عن ابي هريرة

(2)

3/16 يحيى بن آدم ثنا أبو بكر بن عباس عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري

3/16 يحيى بن إبراهيم ثنا عبد الرحمن بن اسحق ثنا ريد بن اسلم عن عطاء بن يسار عن ابي سعيد الخدري

(3)

3/345 موسى بن داود ثنا ابن لهيمة عن ابي الزبير انه سأل جابر عن الورود

(4)

4/11 يزيد بن هارون انا حماد بن سلمة عن يعلي بن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه ابي رزين

4/11 بهز ثنا حماد بن سلمة انا يعلي بن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه ابي رزين

4/12 عبد الرحمن وبهز ثنا حماد بن سلمة عن يعلي بن عطاء عن وكيع بن عدس أو حدس عن ابي رزين العقيلي

(5)

4/332 يزيد بن هارون انا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن ابي ليلى عن صهيب.

4/332 عبد الرحمن بن مهدي ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن ابي ليلى عن صهيب

6/15 يزيد ثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن ابي ليلى عن صهيب

(6)

4/360 محمد بن جعفر ثنا شعبة عن اسماعيل قال سمعت قيس بن حازم يحدث عن جرير

4/362 يحيى عن اسماعيل ثنا قيس بن حازم قال قال لي جرير بن عبد الله

4/365 وكيع ثنا اسماعيل بن ابي خالد عن قيس بن ابي حازم عن جرير بن عبد الله

--------

6/ عبد الرزاق

10/ معمر

الزهري

7/193 عطاء بن يزيد الليثي

ابو هريرة

4/164 سليمان بن داود الهاشمي

1/105 إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري

2/360 حفص بن ميسرة

8/161 العلاء بن زياد بن مطر  ت 94 بصري بختعاليق دمراسيل س-ق ثقة والد العلاء

7/205 عفان

11/ وهيب

10/149 مصعب بن محمد بن شرحبيل

3/189 ابو صالح السمان ذكوان

11/154 يحيى بن آدم

12/37/40 ابو بكر بن عباس

الاعمش

ابو صالح

3/416 ابو سعيد الخدري "سعد بن مالك"

3/205 ربعي بن إبراهيم

6/124 عبد الرحمن بن اسحق

3/341 زيد بن اسلم

7/194 عطاء بن يسار

10/305 موسى بن داود

ابو لهيبة

9/390 ابو الزبير محمد بن مسلم

2/37 جابر

11/321 يزيد بن هارون

3/11 حماد بن سلمة

يعلي بن عطاء

11/115 وكيع بن عدس أو حدس

8/409 ابو رزين لقيط بن صبرة

1 /346 بهز

347

6/ عبد الرحمن

2/3 ثابت البتاني

6/334 عبد الرحمن بن ابي ليلى

4/385 صهيب بن سنان

9/ محمد بن جعفر

4/297 شعبة

1/254 و256 اسماعيل بن ابي خالد

8/346 قيس بن ابي حازم

11 يحيى

11/ وكيع

2/63 جرير البجلي

سند المعتزلة من الطبقة الأولى وحتى السادسة

علي بن أبي طالب ت 40هـ

محمد بن علي بن أبي طالب ت 80هـ

عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب قتل بدس السم إليه من قبل سليمان بن عبد الملك سنة 98هـ

واصل بن عطاء ت 131هـ عمرو بن عبيد ت 143هـ

عثمان بن خالد الطويل

محمد بن الهذيل العبدي 134-205

 

رأي أحمد بن حنبل

بيان ما جحدت[1] الجهمية من قول الله

{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } (القيامة:22-23)

قال أحمد رحمه الله [2] : فقلنا لهم : لم أنكرتم أن أهل الجنة ينظرون إلى ربـهم ؟ . فقالوا : لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ربه ، لأن المنظور إليه معلوم [3] موصوف ، لا يُرى إلا شيءٌ يفعله [4]. فقلنا : أليس الله يقول : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } فقالوا : إن معنى [5] { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } إنَّـها [6] تنظر الثواب من ربـها [7]، وإنما ينظرون إلى فعله وقدرته وتلو آية [8] من القرآن { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلّ } (الفرقان: من الآية45) فقالوا : إنه حين قال : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ }  إنَّـهم لم يروا ربـهم . ولكن المعنى ألم تر إلى فعل ربك ! فقلنا : إن فعل الله لم يزل العباد يرونه ، وإنما قال : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } فقالوا : إنما تنظر [9] الثواب من ربـها [10] فقلنا : إنـها مع ما تنتظر الثواب هي ترى ربـها. فقالوا : إن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة ، وتلو آية من المتشابه من قول الله جل ثناؤه : { لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ } (الأنعام: من الآية103) .

وقد كان النبي (ص) يعرف معنى قول الله : { لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } وقال : { إنكم سترون ربكم } [11]. وقال الله لـموسى : { َ لَنْ تَرَانِي } (الأعراف: من الآية143) ولم يقل : لن أرى ، فأيهما [12] أولى أن نتبع ؟ !! [13] النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : [إنكم سترون ربكم] أو قول الجهمي حين قال : لا ترون ربكم . والأحاديث في أيدي [14] أهل العلم عن النبي (ص) ، إنَّ أهل الجنة يرون ربـهم ، [و] لا يختلف فيها أهل العلم .

ومن حديث سفيان [15] عن أبي اسحق [16] عن عامر بن سعد في قول الله [17] : { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } (يونس: من الآية26) قال : النظر إلى وجه الله .

ومن حديث ثابت البناني [18] ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى [19] قال : إذا استقر أهل الجنة في الجنة ، نادى مناد يا أهل الجنة : إن الله قد أذن لكم في الزيادة . قال : فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله [20] لا إله إلا هو [21]. وإنا لنرجو أنْ يكون الجهم وشيعته ممن لا ينظرون إلى ربـهم ويحجبون عن الله ، لأنَّ الله قال للكفار [22] : { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } (المطففين:15) . فإذا كان الكافر يحجب عن الله ، والمؤمن يحجب عن الله ، فما فضل المؤمن على الكافر  ؟ .والحمد [23 ]لله الذي لم يجعلنا مثل جهم وشيعته ، وجعلنا ممن اتبع ، ولم يجعلنا ممن ابتدع ، والحمد لله وحده [24]. انتهى قول أحمد في أمر رؤية الله يوم القيامة .

المعتزلة وعقيدة

"أحمد بن حنبل ورأيه في الرؤية"  تعليق على رأي

دَوَّنَ  احمدُ بن حنبل رؤيته هذه في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية ، وهناك شك في نسبة الكتاب إليه ، ولكن الأستاذين علي سامي النشار وعمار جمعي الطالبي يرفضان هذا التشكيك ، إذ هما اللذان قاما بتحقيق هذا الكتاب ، ومن ثم نشره تحت عنوان عقائد السلف مع ثلاثة كتب أخرى : هي خلق أفعال العباد للبخاري ، الذي لا يوجد به عنوان لموضوع الرؤية ، والاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية لعبد الله بن مسلم بن قتيبة ، وقد اثبت رأيه في الرؤية ، والكتاب الثالث والأخير هو كتاب الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي ، وقد اثبت رأيه في الرؤية في هذا البحث أيضا .

يعتمد رأي احمد بن حنبل على تفسير آية { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } (القيامة:22، 23) ويجعلها جزءً من عنوان البحث وهو يجعل آية { لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } (الأنعام:103) من المتشابه ، ولم يستند إلى أي دليل يقيم به الحجة على أنـها من المتشابه ، ولا يمكن أن يستطيع إذ الآية في أقسامها الثلاثة تخلو من أي نوع من المكملات ، ومن الحروف ، والأدوات ، وتخلو من الحذف والزيادة ، والمجاز ، فكل قسم منها يتألف من فعل وفاعل ومفعول به ، فكيف تكون من المتشابه ؟ وهي مركبة تركيباً بسيطاً ، وتنتهي الآية بـجملة اسمية بسيطة كما هو واضح .

ويحاول احمد بن حنبل كالعادة وضع المؤثرات النفسية حين يثير قضية الحديث المرفوع إلى رسول الله "إنكم سترون ربكم" ولا  يذكر ابن حنبل كما هي عادة أهل الحديث ، النـزاع في ثبوت هذا الحديث ـ وحتى على فرض صحته ـ إمكانية تأويله ،  ولتأكيد فهمه يعدل عن مدلول اللغة ، في قوله تعالى لموسى : "لن تراني" ولن مفيدة للتأييد عند أهل اللغة إلى التشكيك بـهذا التأييد بـمستند غير لغوي ، ويخالف اللغة مخالفة بينة حين يفسر استناداً إلى حديث متنازع فيه أيضاً لفظ الزيادة في آية {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } بأنـها النظر ، ومع ذلك فان تفسير الزيادة بالرؤية هي مقولة لسفيان بن عيينة وليست للرسول .

وينتهي بحثه بتفسير أكثر غرابة حين يرى أن آية { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } (المطففين:15) بحجاب يـحجب الكفار عن رؤية الله ، وهو هنا اعتمد على وجود إيـجاز حذف قدره بالرؤية ، مع انه يمكن تقديره أيضاً بالثواب والنعمة ، فكيف جعل تقدير إيـجاز حذف أولى من تقدير آخر ؟ ـ مع أن الثاني يتجمع له أدلة العقل والمحكم من الشرع ، وعليه فهو الأولى .

تعتمد أبحاث أهل إثبات الرؤية على المغالطة وعدم الاتساق مع أنفسهم فمثلاً يرون في طلب موسى عليه السلام ولأنه نبي طلبا للممكن لا للمستحيل لعدم جواز طلب المستحيل لنبي معصوم ومع هذا يثبتون في آرائهم المدونة بكتب أخرى وقوع الكذب من إبراهيم عليه السلام ثلاث مرات ومن آدم حين عصى ربه ومن يوسف حين هم بامرأة العزيز هم فاحشة ومن موسى حين قتل المصري ومن داود في قضية النعاج التي يتأولونها  بأن داود أراد امرأة شخص آخر الخ ما جاء في طيات التفاسير وكتب الحديث وغيرها من الكتب المتعددة لمن هو من أهل إثبات الرؤية.

رؤية الله يوم القيامة

هذا الفصل منقول من كتاب شرح الأصول الخمسة

فصل، في نفي الرؤية [25]

ومما يجب نفيه عن الله تعالى الرؤية.

وهذه مسألة خلاف بين الناس. وفي الحقيقة، الخلاف في هذه المسألة إنما يتحقق بيننا وبين هؤلاء [26] الأشعرية الذين لا يكيفون الرؤية، فأما المجسمة فهم يسلمون أن الله تعالى لو لم يكن جسماً لما [27] صح أن يرى (7)، ونحن نسلم لهم أن الله تعالى لو كان جسما لصح أن يرى، والكلام معهم في هذه المسألة لغو.

ويمكن أن نستدل على هذه المسألة بالعقل والسمع جميعاً، لأن صحة السمع لا تقف عليها، وكل مسألة لا تقف عليها صحة السمع فالاستدلال عليها بالسمع ممكن. ولهذا جوزنا الاستدلال بالسمع على كونه حياً ، لما لم تقف [28] صحة السمع عليها ، يبين ذلك ، أن أحدنا يمكنه أن يعلم أن للعالم صانعاً حكيماً ، وإن لم يخطر بباله أنه هل يرى أم لا ، ولهذا لم نكفر من خالفنا في هذه المسألة، لما كان الجهل بأنه تعالى لا يرى لا يقتضي جهلا بذاته ولا بشيء من صفاته. ولهذا جوزنا في قوله تعالى {رب ارني انظر إليك}[29] أن يكون سؤال موسى عليه السلام سؤالا [30] لنفسه، لأن المرئي ليس له بكونه مرئياً حالة وصفة. وعلى هذا لم يجهل شيخنا أبا علي بالأكوان حيث قال إنها مدركة بالبصر.

إذا ثبتت هذه الجملة فاعلم أنه رحمه الله بدأ بالاستدلال على هذه المسألة بقوله تعالى { لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [31] ووجه الدلالة في الآية، هو ما قد ثبت من أن الإدراك إذا قرن بالبصر لا يحتمل إلا الرؤية وثبت أنه تعالى نفي عن نفسه إدراك البصر، ونجد في ذلك تمدحاً راجعاً إلى ذاته، وما كان من نفيه تمدحاً راجعاً إلى ذاته كان إثباته نقصاً، والنقائص غير جائزة على الله تعالى في حال من الأحوال.

فإن قيل : ولم قلتم إن الإدراك إذا اقترن [32] بالبصر لم يحتمل إلا الرؤية ؟ قلنا: لأن الرائي ليس بكونه رائياً حالة زائدة على كونه مدركاً ، لأنه لو كان أمراً زائداً عليه لصح انفصال أحدهما عن الآخر إذ لا علاقة بينهما من وجه معقول ، والمعلوم خلافه .

وبعد، فإن الإدراك إذا أطلق يحتمل معاني كثيرة. فقد يذكر ويراد به البلوغ، يقال: أدرك الغلام أي بلغ الحلم؛ وقد يذكر ويراد به النضج والإيناع، يقال: أدرك الثمر إذا أينع، فأما إذا قيد بالبصر فلا يحتمل إلا الرؤية على ما ذكرنا، وصار الحال فيه كالحال في السكون فإنه إذا قرن [33] بالنفس لا يحتمل إلا العلم، وإن احتمل بإطلاقه شيئاً آخر.

يبين ما ذكرناه، أنه لا فرق بين قولهم أدركت ببصري هذا الشخص وبين قولهم رأيت [34] ببصري هذا الشخص، ورأيت ببصري هذا الشخص، أو أبصرت ببصري هذا الشخص، حتى لو قال أدركت ببصري وما رأيت، أو رأيت [35] وما أدركت، لعج مناقضاً. ومن علامات اتفاق اللفظين في الفائدة، أن يثبتا في الاستعمال معاً ويزولا معاً، حتى لو أثبت بأحدهما ونفي بالآخر لتناقض الكلام، وبهذه الطريقة نعلم اتفاق الجلوس والقعود في الفائدة وغيرها من الأسامي.

فإن قيل : كيف يصح قولكم إن من علامات اتفاق اللفظتين في الفائدة أن يثبتا في الاستعمال معاً ويزولا معاً، ومعلوم أن الإرادة والمحبة واحدة ثم يستعمل [36] أحدهما حيث لا يستعمل الآخر، فيقال: أحب جاريتي ولا يقال: أريدها، قلنا: كلامنا فيما إذا استعملا حقيقة، وهذا فقد استعمل [37] مجازاً، وحقيقته أحب الاستمتاع بها، فلا جرم يجوز أن يقول: أريد الاستمتاع بها، وصار الحال فيما ذكرناه كالحال في الغائط فإنه المكان المطمئن في الأصل، ثم يتجوز به في الكتابة عن قضاء الحاجة، ولا يستعمل بدله المكان المطمئن في الكتابة عن قضاء الحاجة لما كان ذلك الاستعمال على سبيل التوسع والمجاز لا على وجه الحقيقة، كذلك ههنا.

فإن قيل: أليس أنهم يقولون : أدركت ببصري حرارة الميل، فكيف يصح قولكم: أن الإدراك إذا قرن بالبصر لا يحتمل إلا الرؤية؟ قلنا: ليس هذا من اللغة في شيء وإنما اخترعه ابن أبي بشر الأشعري [38] ليصحح مذهبه به، إذ لم يرد كلامهم لا المنظور ولا المنثور.

يبين ما ذكرناه ويوضحه، أن هذه الباء إذا دخلت على الأسامي أفادت أنها آلة فيما دخلت فيه، كقولهم مشيت برجلي وكتبت بقلمي. والبصر ليس بآلة في إدراك الحرارة إذ الخيشوم يشاركه في ذلك، فلو كان آلة فيه لم يجز ذلك. ألا ترى أن البصر لما كان آلة في الرؤية لم يشاركه فيه آلة السمع وغيره من الحواس، كذلك كان يحب مثله في مسألتنا.

على أنا لم نقل: إن الإدراك إذا قرن بالبصر وقيد بالحرارة فإنه لا يفيد إلا الرؤية، حتى [39] يكون هذا نقصاً لكلامنا، وإنما قلنا: إنه إذ اقترن [40] بالبصر لا يحتمل إلا الرؤية، فلا يتوجه هذا على ما قلناه.

فإن قيل : ولم قلتم إن هذه الآية وردت مورد التمدح؟ قلنا : لأن سياق الآية يقتضي ذلك، وكذلك ما قبلها وما بعدها، لأن جميعه في مدائح الله تعالى، وغير جائز من الحكيم أن يأتي بجملة مشتملة على المدح ثم يخلطها بما ليس بمدح البتة، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحدنا: فلان ورع تقي نقي الجيب مرضي الطريقة أسود يأكل الخبز يصلي بالليل ويصوم بالنهار، لما لم يكن لكونه أسود يأكل الخبز تأثير في المدح.

يبين ذلك، أنه تعالى لما بين تميزه عما عداه من الأجناس بنفي الصاحبة والولد بين أنه يتميز عن غيره من الذوات بأن لا يُرى ويَرى. وبعد، فإن الأمة اتفقوا على أن الآية واردة مورد التمدح فلا كلام في ذلك، وإنما الكلام في جهة المدح.

فمنهم من قال : إن التمدح هو بأن القديم [41] عز وجل (1) لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة على ما نقوله، ومنهم من قال إن التمدح [42] هو بأن (2) لا يرى في دار الدنيا، ومنهم من قال إن التمدح هو بأن لا يرى بهذه الحواس وإن جاز أن يرى بحاسة أخرى. فصح أن الآية واردة مورد التمدح على ما ذكرناه، ولا تمدح إلا من الجهة التي نقولها.

فإن قيل: وأي مدح في أنه لا يرى القديم تعالى وقد شاركه فيه المعدومات وكثير من الموجودات؟ قلنا: لم يقع التمدح بمجرد أن لا يرى، وإنما يقع التمدح بكونه رائياً ولا يرى، ولا يمتنع في الشيء أن يكون مدحاً ثم بانضمام شيء آخر إليه يصير مدحاً، وهكذا فلا مدح في نفي الصاحبة والولد مجرداً، ثم إذا انضم إليه كونه حياً لا آفة به صار مدحاً. وهكذا فلا مدح في أنه لا أول له، فإن المعدومات تشاركه في ذلك، ثم يصير مدحاً بانضمام شيء آخر إليه وهو كونه قادراً عالماً حياً سميعاً بصيراً موجوداً، كذلك في مسألتنا.

وحاصل هذه الجملة، أن التمدح إنما يقع لما تقع به البينونة بينه وبين غيره من الذوات، والبينونة لا تقع إلا بما نقوله، لأن الذوات على أقسام؛ منها ما يرى ويُرى كالواحد منا، ومنها ما لا يَرى ولا يُرى كالمعدومات، ومنها ما يُرى ولا يَرى كالجماد، ومنها ما لا يُرى ويَرى كالقديم سبحانه[43] وتعالى. وعلى هذا الوجه صح التمدح بقوله: {وهو يُطِعمُ ولا يُطعَمُ}[44].

فإن قيل: إن ما ليس بمدح إذا انضم إلى ما هو مدح، كيف يصير مدحاً؟ قيل له: لا مانع من ذلك، فمعلوم أن قوله عز وجل {لا تأخذه سنة ولا نوم} [45] بمجردة ليس بمدح، ثم صار مدحاً لانضمامه إلى قوله {الله لا اله إلا هو الحي القيوم} (5)، وكذلك فقولنا في الله تعالى أنه موجود ليس بمدح، ثم إذا ضممنا إليه القول بأنه لا ابتداء له صار مدحاً ونظائر ذلك أكثر من أن يذكر فالمنكر له متجاهل.

فإن قيل: فلو جاز فيما ليس بمدح أن يصير مدحاً بانضمامه إلى غيره لكان لا يمتنع أن يصير الجهل مدحاً بانضمامه إلى الشجاعة وقوة القلب، حتى يحسن أن يمدح [الواحد][46] الغير بأنه جاهل قوي القلب شجاع. قيل له: إن ما وضع للنقص من الأوصاف نحو قولنا، جاهل وعاجز وما شاكلها، لا تختلف فائدته، ولا تتغير حاله بالانضمام ولا عدم الانضمام، بل يفيد [النقص] [47] بكل حال سواء  ضم إلى غيره أو لم يضم، وليس كذلك سبيل ما ليس بمدح ولا نقص، فإن ذلك مما لا يمتنع أن يصير مدحاً بغيره على ما ذكرناه.

فإن قيل: فجوزوا أن يصير قولنا أسود مدحاً، بأن ينضم إليه قولنا عالم، ومعلوم أن ذلك لا يصير مدحاً لما لم يكن مدحاً في نفسه، فإذا لم يجز أن يصير مدحا، فكذلك لا يجوز في قوله تعالى {لا تدركه الأبصار} أن يصير مدحاً بأن ينضم إليه قوله {وهو يدرك الأبصار} قيل له: إنا لم نقل : إن ما ليس بمدح إذا انضم إلى ما هو مدح صار مدحاً على كل حال، بل قلنا : إن ما ليس بمدح إذا انضم إلى ما هو مدح وحصل بمجموعهما البينونة صار مدحا، ولم تحصل البينونة بانضمام قولنا أسود إلى قولنا عالم، بخلاف مسألتنا، لأنه حصل ههنا بينونة على الوجه الذي ذكرناه.

فإن قيل : وما وجه البينونة؟ قلنا : وجه البينونة هو أنه يُرى ولا يَرى. فإن قيل : هلا جاز أن تكون جهة التمدح هو كونه قادراً على أن يمنعنا من رؤيته؟ قلنا : هذا تأويل بخلاف تأويل سائر المفسرين*)، وما هذا سبيله من التأويلات يكون فاسداً. وبعد، فإن هذا حمل خطاب الله تعالى على غير ما تقتضيه حقيقة اللغة ومجازها، فلا يجوز. يبين ذلك، أن أحدنا إذا قال: فلان لا يرى، فإنه لا يقتضي كونه قادراً على أن يمنع من رؤيته، لا في حقيقة اللغة ولا في مجازها، فكيف يصح ما ذكر.

فإن قيل: ولم قلتم إن هذا المدح يرجع إلى الذات؟ قلنا: لأن المدح على قسمين؛ أحدهما، يرجع إلى الذات والآخر، يرجع إلى الفعل. وما يرجع إلى الذات فعلى قسمين؛ أحدهما، يرجع إلى الإثبات، نحو قولنا قادر عالم حي سميع بصير. والثاني، يرجع إلى النفي، وذلك نحو قولنا لا يحتاج ولا يتحرك ولا يسكن. وأما ما يرجع إلى الفعل فعلى ضربين أيضاً؛ أحدهما، يرجع إلى الإثبات، نحو قولنا رازق ومحسن ومتفضل والثاني، يرجع إلى النفي، وذلك نحو قولنا لا يظلم ولا يكذب.

إذا ثبت هذا، فالواجب أن ننظر في قوله {لا تدركه الأبصار} من أي القبيلين هو. لا يجوز أن يكون هذا من قبيل ما يرجع إلى الفعل لأنه تعالى لم يفعل فعلا حتى لا يرى، وليس يجب في الشيء إذا لم يرى أن يحصل منه فعل حتى لا يرى فإن كثيراً  من الأشياء لا ترى وإن لم تفعل أمراً من الأمور كالمعدومات وككثير من الأعراض، والشيء إذا لم يرى فإنما لم يرى لما هو عليه في ذاته، لا لأنه يفعل أمراً من الأمور، وإذا كان الأمر كذلك صح أن هذا التمدح راجع إلى ذاته على ما نقوله.

فإن قيل : ولم قلتم : إن ما كان نفيه مدحاً راجعاً إلى ذاته كان إثباته نقصاً [48]، قيل له :لأنه لو لم يكن إثباته نقصاً لم يكن نفيه مدحاً. ألا ترى أن نفي السنة والنوم لما كان مدحاً كان إثباته نقصاً، حتى لو قال أحدنا : إنه تعالى ينام، كان هذا أيضاً نقصاً. وبعد، فإنه تعالى إذا لم يرى فإنما لم يرى لما هو عليه في ذاته، فلو رئي وجب أن يكون قد خرج عما هو عليه في ذاته، فكان نقصاً.

فإن قيل وأي نقص في أن يرى القديم تعالى*)، وما وجه النقص فيه؟ قلنا: لا يلزمنا أن نعلم ذلك مفصلاً، بل إذا علمنا على الجملة أنه تعالى يمدح بنفي الرؤية عن نفسه مدحاً راجعاً إلى ذاته، وعلمنا أن ما كان نفيه مدحاً يرجع إلى الذات [49] كان إثباته نقصاً، كفى.فإذا أردت التفصيل فلأن فيه انقلابه وخروجه عما هو عليه في ذاته.

فإن قيل : وما أنكرتم أن المراد بقوله تعالى {لا تدركه الأبصار} أي لا تحيط به الأبصار؟ ونحن هكذا نقول. قلنا : الإحاطة ليس هو بمعنى الإدراك لا في حقيقة اللغة ولا في مجازها، ألا ترى أنهم يقولون السور أحاط بالمدينة، ولا يقولون: أدركها أو [50] أدرك بها، وكذلك يقولون : عين الميت أحاطت بالكافور ولا يقولون أدركته. وبعد، فإن هذا تأويل بخلاف تأويل المفسرين، فلا يقبل. على أنه كما لا تحيط به الأبصار فكذلك لا يحيط هو الأبصار، لأن المانع عن ذلك في الموضعين واحد فلا يجوز حمل الإدراك المذكور في الآية على الإحاطة لهذه الوجوه.

فإن قيل: لا تعلق لكم بالظاهر، لأن الذي يقتضيه الظاهر هو أن الأبصار لا تراه، ونحن كذلك نقول. قيل له: إنه تعالى تمدح بنفي الرؤية عن نفسه، فلابد من أن يحمل على وجه يقع به البينونة بينه وبين غيره من الذوات حتى يدخل في باب التمدح. ولا تقع البينونة بينه وبين غيره من الذوات بهذا الذي قد ذكرتموه، لأن الأبصار كما لا تراه فكذلك لا ترى غيره.

وبعد، فإن المراد بالأبصار المبصرون، إلا أنه تعالى علق الإدراك بما هو آلة فيه وعني به الجملة. ألا ترى أنهم يقولون: مشت رجلي، وكتبت يدي، وسمعت أذني، ويريدون الجملة. وعلى هذا المثل السائر، يداك أو كتا وفوك نفخ.

ثم إن لتعليق الشيء بما هو آلة فيه فائدة ظاهرة، لا تحصل تلك الفائدة إذا علقت بالجملة. بيان ذلك، أن أحدنا إذ قال كتبت، يحتمل أن يكون قد كتبه بنفسه، ويحتمل أن يكون قد استكتب غيره، وليس كذلك كتبت بيدي، ومشيت رجلي، فإنه لا يحتمل ذلك.

وبعد، فإن هذا تفسير بخلاف تأويل المفسرين، فإن المفسرين من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، على أن المراد بالأبصار المبصرون، إلا أنهم اختلفوا؛ فمن قائل إنه لا يدركه المبصرون في دار الدنيا، ومن قائل لا يدركه المبصرون في حال من الأحوال، وكل تأويل بخلاف تأويل المفسرين فهو كفتوى يكون *) بخلاف فتوى المفتين.

فإن قيل : لو كان المراد بقوله تعالى لا تدركه الأبصار، المبصرون، لوجب مثله في قوله {وهو يدرك الأبصار} أن يكون المبصرين، ليكون النفي مطابقاً للاثبات، وهذا يقتضي أن يرى القديم نفسه لأنه من المبصرين، وكل من قال إنه تعالى يرى نفسه قال إنه يراه غيره.

قيل له : إنه تعالى وإن كان مبصراً، فإنما يرى ما تصح رؤيته، ونفسه يستحيل أن تُرى، لما قد بينا أنه يمدح بنفي الرؤية مدحاً يرجع إلى ذاته، وما كان نفيه نفياً راجعاً إلى ذاته فإن إثباته نقصاً. والنقص لا يجوز على الله تعالى.

وبعد، فإن المراد بقوله {لا تدركه الأبصار} المبصرون بالأبصار، فكذلك في قوله وهو يدرك الأبصار، فيجب[51] أن يكون هذا هو المراد ليكون النفي مطابقاً للاثبات، والله تعالى ليس من المبصرين بالأبصار، فلا يلزم ما ذكرتموه.

وبعد، فلا يجوز من الله تعالى أن يجمع بينه وبين غيره في الخطاب، بل يجب أن يفرد بالذكر تأديباً لنا وتعليما للتعظيم. [52] وعلى هذا (2) فإن أمير المؤمنين عليه السلام لما سمع خطيباً يقول من أطاع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. قال [53] ليس خطيب القوم أنت، هلا قلت ومن يعصي الله ورسوله فقد غوى. فنهى عن الجمع بين الله ورسوله في الذكر إعظاماً وإجلالا لله جل ذكره.

فإن قيل : قوله تعالى {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} عام في دار الدنيا ودار الآخرة وقوله {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [54]خاص في دار الآخرة،

-----------------------

([1] ) ب: + به

([2] ) ب: -قال أحمد رحمة الله

([3] ) أ: معدود

([4] ) أ: إنما ترى الأشياء بفعله

([5] ) أ: إنما

([6] ) ب: إنها

([7] ) أ: إلى ثواب ربها

([8] ) أ: وتأويله

([9] ) أ : ينتظرون

([10] ) أ : ربـهم

([11] ) ب : أخرجه البخاري ومسلم والترمذي

([12] ) ب : فأينا

([13] ) أ : يتبع

([14] ) ب : يدي

([15] ) سفيان بن عيينة : هو أبو محمد الهلالي ، شيخ الحجاز ، كوفي ، نزل مكة ، سمع الزهري ، وزياد بن علاقة ، وكان عالما بالتفسير ، وقال فيه أحمد بن حنبل : ما رأيت أحداً أعلم بالسنن من ابن عيينة توفي سنة 198هـ.(الذهبي، العبر جـ1 ص326)

([16] ) أبو إسحاق الشيباني سليمان بن فيروز الكوفي سمع عبد الله بن أبي أوفي وجماعة توفي سنة 141هـ.(الذهبي العبر، جـ1 ص192).

([17] ) أ : قوله

([18] ) هو من التابعين معاصر للإمام مالك توفي بالبصرة سنة 123هـ والبناني بضم الباء وفتح النون نسبه إلى بنانه وهي قبيلة عربية (الذهبي، العبر جـ1 ص156. أسلم بن سهل الرزاز الواسطي (+292هـ) (تاريخ واسط ص130)).

([19] ) عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي فقيه ومقرئ أخذ عن عثمان وعن علي توفي سنة 83هـ (الذهبي العبر جـ1 ص96).

([20] ) أ : + فيتجلى لهم ذكر الحديث قال أحمد رحمه الله.

([21] ) ب : روى مسلم حديثا في معناه.

([22] ) أ : -للكفار

([23] ) أ : فالحمد

([24] ) ب : والحمد لله رب العالمين.

([25] ) موضوع الرؤية من مواضيع الخلاف بين مفكري الإسلام. ويتعلق بمشكلة التجسيم وهل نثبت لله جهة ومكاناً ويداً ووجهاً. فقد ذهبت الرافضة إلى أن ربها جسم ذو هيئة وصورة يتحرك ويسكن ويزول ويتنقل. وقالت المشبهة والكرامية إن الله جسم لا كالأجسام الحادثة ونسبوا إليه اليد والعينين والوجه نسبة حقيقية، وكذلك نسبوا إليه إلى أنه في جهة معينة وهي العرش، ومن قال مثل هذا الكلام فإنه يجيز رؤية الله في كل آن. وقال الأشعري بجواز رؤية الله وأثبت لله وجهاً ويداً وعينين لا تعرف كيفيتهما ورفض تأويل الآيات الواردة بهذا المعنى، بينما فعل ذلك الرازي إذ فسر الوجه بالذات (لوامع البينات  260). أما المعتزلة فقد نفوا رؤية الله في الآخرة أو الدنيا. كما رفضوا أخذ الآيات الواردة في الوجه واليد والاستواء والجنب على معناها الظاهري وأولوها. وهذا يتفق مع تنزيههم الله عن كل معنى من معاني التشبيه أو التجسيم.

([26] ) ناقصة من ص.

([27] ) رؤى، في ص

([28] ) تكن تقف. في ص

([29] ) الأعراف 143

([30] ) ناقصة من ص

([31] ) الأنعام 103

([32] ) قرن، في أ

([33] ) قيد، في ص.

([34] ) أنست، في ص

([35] ) أنست، في ص

([36] ) استعمل، في ص

([37] ) يستعمل، في ص

([38] ) يقصد الإمام الأشعري.

([39] ) فمتى، في أ

([40] ) قرن، في أ

([41] ) تعالى، في ص

([42] ) في الآية في أنه، في ص

([43] ) ناقصة من ص

([44] ) الأنعام 14

([45] ) البقرة 255

([46] ) ناقصة من ص

([47] ) الذم، في ص

*) يمتنع التأويل إلا بقرينه مفهومه من السياق أو بقرينة عقلية أو شرعية

([48] ) ونقصاً، في ص

*) لأنه يكون متحيزاً والمتحيز حادث بدليل العقل.

([49] ) ذاته، في ص

([50] ) و، في ص

*) كمن يفتي والمكتوب خطأ مطبعي.

([51] ) يجب، في ص

([52] ) ولهذا، في ص

([53] ) فقال له، في ص

([54] ) القيامة 23.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

حوار بين الحاج أمين و لؤي الطيبي

 

لؤي الطيبي

الحمد لله المحمود على كل حال ، الذي بحمده يستفتح كل أمر ذي بال ، خالق الخلق لما شاء ، وميسرهم على وفق علمه وإرادته ، لا على وفق أغراضهم لما سرّ وساء ، ومصرّفهم بمقتضى القبضتين ، فمنهم شقيّ وسعيد ، وهداهم النجدين ، فمنهم قريب وبعيد ، ومسويهم على قبول الإلهامين ففاجر وتقيّ ، كما قدّر أرزاقهم بالعدل على حكم الطرفين ففقير وغنيّ ، كل منهم جار على ذلك الأسلوب فلا يعدوه ، فلو تمالأوا على أن يسدوا ذلك السبق لم يسدوه ، أو يردّوا ذلك الحكم السابق لم ينسخوه ولم يردوه ، فلا إطلاق لهم على تقييده ولا انفصال ، " وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ " . هل ما سبق هي آيات بينات من كتاب الله العزيز ؟ ثم إذا لم يكن هذا هو الجبر فما هو الجبر يعش الجبر أما بعد :

فإني أذكّرك أيها الأخ الفاضل أمين في مقدّمة ينبغي تقديمها قبل الشروع في المقصود ، وهي أن من شأن كل صاحب مخالفة أن يدعو غيره إليها ، ويحضّ سؤاله بل سواه عليها ، إذ التأسّي بالأفعال والمذاهب موضوع طلبه في الجبلّة ، وبسببه تقع من المخالف المخالفة ، وتحصل من الموافق المؤالفة ، ومنه تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين .

أمين

هل هذا ينطبق عليَّ ؟ ولا يتطبق عليكم ؟ صدق الله تعالى   [  وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  *  الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ  *  لِيَوْمٍ عَظِيمٍ   *   يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ *  ]

لؤي الطيبي

وإنما قدمت هذه المقدمة لمعنى أذكره . وذلك أنني رأيتك في مقدّمتك تلقّب الحقّ وأهله بالألقاب المنفّرة التي لا تفيد إلا إتعاب عقل الإنسان ، وكثرة الهذيان . حتى قلت عن قضية رؤية الله تعالى في الآخرة أنها تبدو " كأحد الأفكار المحبطة للنهضة ، ذلك أن إثبات الرؤية يعني إلغاء دور العقل في الاعتقاد " . ولا ندري ما شأن العقل بمثل هذا الاعتقاد الذي لا يمكن للإنسان أن يدرك منه إلا ما صدّقه الوحي والقرآن .

أمين

العقل أول الأدلة . تلك حقيقة ناصعة معلومة ضرورة عقلا . وجاء القرآن ولفت النظر إليها بمئات الآيات . والإيمان بالله تعالى أول حقيقة من حقائق الإسلام . فالله يعرف عقلا . والعقول دالة بوضوح على أنه ليس جسما . فدلني كيف تراه بالعين الباصرة ؟ ومعلوم عند كل من يتعامل مع تص القرآن الكريم أن الفعل لا يختلف شاهدا غائبا .

لؤي الطيبي

فإن أردت الحق ، فحاكمنا إلى الوحي والقرآن ، لا إلى منطق يونان ، ولا إلى قول فلان ورأي علان ، ولا بحجّة التخلّف عن فهم الكوزمولوجي وانفجار الأكوان ، أو بالعجز عن مواجهة الاستنساخ والتلاعب في الأجنّة والجينات .

أمين

كل ما هو مكتوب هو كلامي أنا أنشأته لم ينشئه أحد غيري .

لؤي الطيبي

فهذا كتاب الله ليس فوق بيانه مرتبة في البيان ، وهذه سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم مطابقة له أعظم من مطابقة البيان للسان . وهذه أقوال أعقل الأمم بعده والتابعين لهم بإحسان ، لا يختلف منهم في رؤية الربّ سبحانه اثنان ، ولا يوجد عنهم فيها قولان متنافيان .

أمين

اليهود والنصارى هم القائلون برؤية الله !!!! بل وثق القرآن ذلك . والمانعون الرؤية انت تعرفهم . والقائلون برؤية الله يوم القيامة معروفون يفتقدون الدليل . يلغون محكم القرآن يتبعون ما تشابه منه .

لؤي الطيبي

فالله المستعان على ألسن تصف ، وقلوب تعترف ، وأعمال تختلف . ثم إليك بيان تهافت كلامك من أوله إلى آخره : فنقول وبالله التوفيق : إن في قوله تعالى : " وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ " ، إثبات الرؤية للوجوه التي فيها العيون الناظرة ، وذلك لأنه وصفها بالنضارة ، وقرن النظر بكلمة (إلى) وعدّاه بها إلى المنظور إليه . وما هذا سبيله لا يُفهم منه إلا نظر العين ، إلا عند اقتران قرينة توجب الصرف إليه يعلم بها أنه أراد به الانتظار أو الاعتبار .

أمين

أين فيها كلمة رؤية الله تصريحا أو تلميحا فعندك وبارك الله لفهمك يجوز اسناد التظر بالعين الباصرة للوجوه واستد ايضا الشم والذوق والمص فاعضاء هذه الأفعال في الوجوه موجودة لكن لماذا تركت الآينيين الأخريين

وإن في قول حسان الذي أوردته حجّة عليك :

وجوه يوم بدر ناظرات --- إلى الرحمن يأتي بالخلاص

لؤي الطيبي

فإنه لما اقترن بقوله ناظرات قوله يأتي بالخلاص ، علم أنه أراد به الانتظار ، وفيما نحن فيه مثل هذه القرينة منعدمة ، فلن يحمل إلا على النظر . ومعلوم أيضاً أن بعض الرواة روى البيت هكذا : وجوه يوم بكر ، ناظرات .. وقال : إن مراد الشاعر من هذا يوم اليمامة ، سُمّي يوم بكر لأن القتال كان فيه مع بني حنيفة بن لُخَيْم رهط مسيلمة الكذاب ، وبنو حنيفة بطن من بكر بن وائل ، فسُمّي ذلك اليوم يوم بكر لهذا . وعني بـ (الرحمن) مسيلمة الكذاب ، فإنهم كانوا يسمّونه رحمن اليمامة .

أمين

ذهلت من القدرة على التحريف ومع هذا فسر البيت بعد عبثك به . هل أراد حسان قوم مسيلمة ؟؟؟

لؤي الطيبي

وبهذا يبطل تأويل من قال معناه ثواب ربها منتظرة ، لما مرّ أن النظر المضاف إلى الوجه المعدّى إلى المنظور إليه بحرف (إلى) ، يكون المراد منه نظراً لا انتظاراً .

أمين

أذ أضيف النظر للوجه أي للناس . علم ان المراد الانتظار وعلى كل كل نظر وجهي أليك الآن علك تعود إلى رشدك وتترك التفليد

لؤي الطيبي

أما إذا أريد به الانتظار فإنه لا يعلق بالوجه ولا يعدّى بـ(إلى) . قال الله تعالى خبراً عن تلك المرأة : " وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ " (النمل : 35) . فلم يقيّد بالوجه ، ولا عدّي بكلمة (إلى) لمّا أريد به الانتظار . وقال الشاعر :

فإن يك صدر هذا اليوم ولي --- فإن غداً لناظره قريب

أي لمنتظره . فأما قول جميل بن معمر :

إني إليك لما وعدت لناظر --- نظر الذليل إلى العزيز القاهر

فإن المراد منه النظر الذي هو رؤية العين ، لأنه عدّاه بكلمة إلى . فمعناه إني أنظر إليك بالذلّ والانكسار ، لأن النظر إلى المأمول على هذا الوجه يبعثه على المسارعة إلى قضاء الحاجة وإنجاز الوعد . وفي قول القائل :

ويوم بذي قار رأيت وجوههم --- إلى الموت من وقع السيوف نواظر

أراد أيضاً نظر الرؤية لما عدّاه بكلمة (إلى) . ثم إن بعض الناس قالوا المراد منه حقيقة الموت ، وبعضهم قالوا أراد بالموت أسباب الموت كالضرب والطعن وهي مرئية في العادة ، والشيء قد يُسمّى باسم ما يؤول إليه . وبعضهم قالوا أراد بالموت الأبطال الذين يوجد الموت بسبب ضربهم وطعنهم وإقدامهم في الهيجاء ، كما قال جرير :

أنا الموت الذي خُبّرت عني --- فليس لهارب مني نجاء

وقال آخر :

يا أيها الراكب المزجي مطيته --- سائل بني أسد ما هذه الصوت

وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا --- قولاً يقربكم إني أنا الموت

أمين

هي مجرد أقوالك تشبه أقوال غيرك

لؤي الطيبي

ثم نذكر وجهين آخرين يدلان على أن حمل الآية على الانتظار فاسد : أحدهما راجع إلى نفس المنتظَر ، والآخر إلى حال المنتظِر .أما الراجع إلى نفس المنتظَر فهو أن الثواب يومئذ يكون موجوداً لأن الجنّة دار وقوع الثواب ، لا دار الانتظار . إذ الانتظار لذلك موجود في الدنيا والمعدوم هو الذي ينتظر لا الموجود . وما يقال في مبتذل الكلام : انتظر زيداً ، معناه انتظر حضوره وقدومه . ألا ترى أنه لو فسر فقال انتظر حضوره كان مستقيماً ، ولو قال : انتظر وجوده ، كان فاسداً . فدلّ أن هذا التأويل باطل .

أمين

ما علاقة كل ما مر بموضوعنا ؟

لؤي الطيبي

وأما الراجع إلى حال المنتظِر ، فهو أن وليّ الله تعالى في الجنّة مصون عمّا يوجب اعتراء وحشة في صدره أو ضيق وقلق في قلبه . وفي الانتظار ذلك وتنغيص للنعمة . وقد قيل في المثل السائر : الانتظار موت أحمر . وهذا ممّا لا يليق بحال أهل الجنّة . ألا ترى كيف وصفهم بنضارة الوجوه بقوله تعالى : " وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ " . وذلك وصف من نال الثواب ، لا وصف من هو بعد يقاسي ألم الانتظار وكربه . يحقّقه أن النظر مضاف إلى الله تعالى لا إلى غيره . فلا يجوز صرفه إلى غيره . ولو جاز ذا ، لجاز صرف قوله : " وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ " (الحج : 77) إلى غير الله تعالى .

أمين

هي الانتظار يقينا بدلالة الأيتيين الأخريين بعدهما . لماذا اخافاك وأرعباك فلم تذكرهما ؟ وهما المقابلان للآيتين المثبتتين للإنتظار .

لؤي الطيبي

وحقيقة هذا أن إضمار المضاف وإقامة المضاف إليه مقام المضاف إنما يجوز عند تعيّن المضاف في نفسه بدليل من الدلائل ، فتحصل فائدة الكلام ، وهي الإفهام ، كما في قوله تعالى : " وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا " (يوسف : 82) ، أي أهل القرية لأن السؤال للجواب ولا جواب يُنتظر من الأبنية والحيطان وشيء من الجمادات . فعلم أن المراد منه من ينتظر منه الجواب وقد اختصّ بذلك الأهل . فأما عند انعدام دليل تعين بعض ما يضاف إليه فلا يجوز الإضمار لانعدام الفائدة .

أمين

هذا موضوعه إيجاز الحذف وليس اسناد اسم الفاعل للوجه

لؤي الطيبي

ألا ترى أن قائلاً لو قال : رأيت زيداً ، وأراد به عمامته أو قميصه أو دابّته أو غلامه أو داره ، كان مخطئاً في ذلك لاستواء هذه الأشياء وما سواها أيضاً في صحّة الإضافة إلى زيد ، وانعدام دليل التعين ، فكان المتكلم به المريد بعض هذه الأِشياء من غير دليل التعيين متكلماً بما لا فائدة فيه فعُدّ سفيهاً جاهلاً .

أمين

هل الآية تقول أو تصرح ناظرة الله ؟

لؤي الطيبي

ثم ما تصحّ إضافته إلى الله تعالى أشياء كثيرة من نحو الجنة والعرش والملائكة والأنبياء والرسل عليهم السلام وأصحاب الرسل والأولياء وعباد الله الصالحين والدور والقصور والحور العين والغلمان والبسط والحلل والأواني وغير ذلك مما لا يحيط به العدّ والإحصاء ، وإن بولغ في الاستقصاء فتعيين البعض بلا دليل يوجب التعيين غير سائغ في اللغة وخروج في الخطاب عن عادات الحكماء . فحمل كلام الله تعالى على هذا فاسد . ولا يجوز المصير إليه . والله الموفق .

أمين

فلت لك وانت تهرب ،الوجوه والمحشر والتقابل في الآيتيين دلتا دلالة واضحة على انتظار الثواب والله أسأل ان يثيبني على الشرح الصحيح لآيات الله دون عبث أو تلاعب

من هنا كتاب الشيخ حسن السقاف في نفي الرؤية

لكن المشكلة عند الشيخ حسن السقاف أنه لا يناقش موضوعا من حيث صدق الموضوع أو بطلانه ولا صواب الاجتهاد أو خطئه ولا أيضا في أهمية الموضوع أو عدم أهميته

مقدمة المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين ، وبعد :

كان أصل المراد من هذا الكتاب عند ابتدائي في تصنيفه هو تخريج أحاديث الرؤية وتتبعها حديثاً حديثاً والرد على ابن قيم الجوزية ومجسمة الحنابلة في دعواهم تواتر أحاديث الرؤية ،[ هل فقط هؤلاء هم الذين يقولون بتواتر أحاديث رؤية الله يوم القيامة ؟ جاء في كتاب مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري ما يلي : فأما القول بوجوب الرؤية للمؤمنين في القيامة فإنه كان يقول إنَّ طريق ذلك الخبر ، وقد ورد بذلك نص الكتاب  يفرق بين القول بأنَّ الله تعالى يرى بالبصر ويدرك بالبصر ويقول إنَّ الإدراك المقرون بالبصر لا يكون إلاَّ رؤية البصر . وكان يقول إنه ينظر إليه بالنظر الذي في الأعين ، وإنَّ النظر المقرون بإلى مضافا إلى الوجه لا يكون إلاَّ رؤية البصر في اللغة (1) ]، ثم لما فرغت من التخريج وعرضته على بعض أهل العلم وبعض إخواننا المعتنين بهذه الأمور فطلبوا مني جميعاً أن أعقب هذا البحث بذكر الآيات الواردة في هذا الموضوع وقضية رؤية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الله تعالى ليلة الإسراء ، فأجبتهم تحقيقاً لطلبهم ، فجاء البحث على الترتيب المذكور وكان الأولى أن توضع الآيات أولاً لكن جرى البحث على الترتيب الذي ذكرناه ، والله تعالى نسأل الهداية والتوفيق- والإعانة .

(1) كلام الشيخ أمين

-------------------------------

رسالة غير مكتملة..........