رحمه الله تعالى

المعتزلة المعاصرة

أمين نايف حسين ذياب

Get Adobe Flash player

البحث في محتوى الموقع

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 316861

المعتزلة الجزء الأول


الظاهر أن الكتاب  بحاجة للزيادة والمراجعة من قبل الشيخ رحمه الله وللفائدة يتم نشر هذا الكتاب

موسوعة جدل الأفكار ( 14 )

المعتزلة

الجزء الأول

 

المعتزلة من منظور الشيعة المعاصرة مع التعليق على قولهم

تراتيب المواضيع النهضوية

نبذة موجزة جدا عن علاقات الأمم

رأي المعتزلة في الجن

رأي المعتزلة في السحر

المعتزلة في مواجهة الاندثار

في سبيل تصحيح مفاهيم الناس عن المعتزلة

رأي المعتزلة في الموت

العمارة الفكرية الاعتزالية

العيب المعرفي

الرأي في القتل والقتال

الكتابة في زمن الحداثة


المعتزلة من منظور الشيعة المعاصرة مع التعلق على قولهم

لا تشكّ الشيعة ـ كما يزعمون ـ في أن الاعتزال وليد عصر الصادق عليه السّلام ، وفي ذلك العصر نشأ وشبَّ ، وذلك حين اعتزل عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وغيرهما حوزة الحسن البصري فنبزوهم بـهذا اللقب ، ( من النبز ) [ يظهر من واقع القول والحال أن من يقول ذلك] [يقصد الكاتب الشيعي أطلاق اسم المعتزلة على كل من واصل وعمرو بن عبيد حين اعتزلا حلقة الحسن البصري وذهبا إلى اسطوانة أخرى في مسجد البصرة للنقاش في اسم  مرتكب الكبيرة إذ كان الاسم مؤمنا عند المرجئة وكافرا عند الوعيدية ومنافقا عند الحسن البصري فحكم عليه واصل بأنه في [المنـزلة بين المنـزلتين] فالمعتزلة في هذه هي مجرد نشأت اسم المعتزلة الاسم فقط لـها من هذه الواقعة فعلا ، لكن المعلوم أنه كان لـهم وجود قبل الحادثة ، وأسمهم العدلية قيل بمن هو ضد الجبر قبل اسم المعتزلة ويزعم مؤرخو الفرق بأن جذر المعتزلة هو القدرية أي من يقول : إن أفعال العباد غير مقدرة عليهم أي أنهم القدرية بنفيهم القدر السابق ، والأولى بالاسم من يثبت القدر لا من ينفيه ، وما قيل من أنه وليد عصر أمير المؤمنين عليه السّلام حينما اعتزل سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأُسامة بن زيد حروب أمير المؤمنين فلا وجه له ، لأن ذلك الاعتزال لم يكن اعتزالاً مذهبيّاً على أساس في الرأي أو شبهة في الدين ، وترى الشيعة في اعتزال القتال الذي نشب بعد مقتل الخليفة عثمان ـ رضي الله عنه ـ أنه ما كان إِلا انحرافاً عن أمير المؤمنين عليه السّلام ، ولذا لم يكن اسم الاعتزال كمنهج معروفاً في ذلك العهد ، ولا سمّي هؤلاء بالمعتزلة في ذلك اليوم ، ولا أن المعتزلة ينتمون إِلى أُولئك في المذهب .

هذا هو قول للشيعة المعاصرة ، وهو قول صحيح من ناحية عدم الربط بينهم وبين معتزلة القتال بين علي وأهل الجمل ، ولكنه يجافي الواقع إذ يقطع المعتزلة عن جذرها ، وهو القول بالعدل على يد معبد ت 80 هـ مقتولا من قبل الحجاج على الراجح ، وتقطع واصلا عن جذره وهو أبو هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، بل تقطعه عن مسار الإسلام منذ جاء به نبي الهدى ، فهل التوحيد والعدل ليسا أصل الإسلام ؟ وهل العقل ليس أول الأدلة ؟ وهل التغيير على الظالمين لا أصل له بدين الإسلام ؟ أي هل يستطيع الشيعة القول ـ وهم يعلمون يقينا أنَّ الحجج والأدلة التي تقول بـها المعتزلة ـ وهي بـهذا الترتيب : العقل والكتاب والسنة والإجماع العائد لواحد من الثلاثة ليست أدلة الإسلام وحججه ، أم هي أدلة الإسلام وحججه فعلا وحقيقة ؟ وهل يمكن للشيعة أن تقفز عن الأصول الخمسة عند المعتزلة ؟ وهي : التوحيد ، والعدل ، والمنـزلة بين المنـزلتين ، وصدق وعد الله ووعيده ، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويثبتون أنـها ليست أصول الإسلام ! .

والمعتزلة إذ افترقت بالفروع سواء بالدقيق من الكلام أو بفروع الشريعة أي بالفقه  ، راق لمؤرخي الفرق تسمية هذا الاختلاف بالقول : إنـها افترقت فِرقاً كثيرة ، بعد أن اتفقت على الاعتزال ، وليس في يومنا الحاضر أحد معروف النسبة إليه أي الاعتزال ، يمكن قبول هذا القول من الشيعة على ما كان قبل وجود دعوة معاصرة لفكر الاعتزال في الأردن ، ومجلة العربي نشرت في واحد من تحقيقاتـها وجود بقايا من المعتزلة تسمى التواصلية في وادي ميزاب في الجزائر وهذا الأمر لا يعرفه أكثر المؤرخين ، ويرى الشيعة المعاصرون أن الذي يجمع عقيدة الاعتزال ما نقله صاحب «الفرق بين الفِرَق» ص 94 عن ألكعبي في مقالاته :

إِن المعتزلة أجمعت على أن اللّه عزّ وجل شيء لا كالأشياء ـ يقصد المعتزلة بالشيء صفة الوجود التي نقيضها العدم ـ وأنَّه خالق الأجسام والأعراض وأنه تعالى خَلق كلّ ما خَلقه من لا شيء ، أي من العدم ، وأن العباد يفعلون أعمالهم بالقدرة التمكينية التي خلقها اللّه سبحانه وتعالى فيهم ، قال ألكعبي : وأجمعوا على أن اللّه لا يغفر لمرتكبي الكبائر بلا توبة في الدنيا .

هذا ما حكاه عن ألكعبي في القول الجامع في الاعتقاد لِفرق المعتزلة، ونكتفي به عن الكلام عمّا يعتقدون ، ويقول السبحاني بعد أنْ قال ذلك : لسنا بصدد التمحيص لنضع هذا الكلام في ميزان النقد ، ونتعرّف صحة ما صوَّبه صاحب الفرق نحو هذا الزعم كما دعانا هذا لإغفال ما ينسبه إليهم ابن حزم والشهرستاني وصاحب الفرق من الأقوال الكثيرة .

ثمّ إننا بعد هذا لا نتبسّط في البحث عن فروع ذلك الأصل ، وما يمتاز به كلّ فرع منها في الاعتقاد فيما يزيد على الجامع ، فإن التبسّط خروج عن الخطّة الموسومة ، مع أننا لا نأمن من العَثار .

ويتساءل السبحاني :هل القدريّةِ هم هؤلاء المعتزلة ؟ أو هم نفس الأشاعرة ؟ ذلك موضع الشكّ، لأنّا إن أردنا من القدريّة من يقول : إنَّ أفعال العباد مخلوقة لـهم وإنـها من صنعهم وتقديرهم وإِنما خلق اللّه فيهم قوّة وقدرة بها يفعل العباد أعمالهم فهم المعتزلة ، على ما نقل عنهم من القول الجامع السابق ، ولا يكونون على هذا نفس الأشاعرة ، لأن الأشاعرة على العكس من ذلك يرون أن الأفعال كلّها من صنع اللّه تعالى وتقديره دون العبد .

وإِن أردنا من القدريّة من يقول بأن القدر خيره وشرّه من اللّه تعالى فيكونون حينئذٍ هم الأشاعرة يقيناً.

لكن السبحاني لم يذكر قول الإمامية الجعفرية في موضوع القدر ، حيث زعموا : أنَّ جعفر الصادق قال لا جبر ولا تفويض ولكنه أمر بين الأمرين ، ولم يتفق الإمامية على معنى محدد لهذا القول فبقي معنى القدر مائعا ، أهو تقدير الله قدرة في المكلفين على خلق أفعالهم ؟ أم هو سلب هذه القدرة ؟ أم هو خلق القدرة مقارنة للفعل ؟ وهل أراد الله فعل المعاصي ؟ أم هي راجعة لفعل الإنسان باختياره دون جبر ؟ فالسبحاني لا يسعى لتحرير المسألة بل يريد تمرير المسألة .

وقد روى الشهرستاني عن النبي صلّى اللّه عليه وآله قوله: القدريّة مجوس هذه الأُمّة، وقوله: القدريّة خصماء اللّه في القدر.(1)

ولا يدري الواحد من المسلمين  - إن صحّت الرواية - أين يتوجّه هذا الذمّ الصريح ، والسمة الفاضحة . هل يتوجه للمعتزلة الذين ينزهون الله عن فعل القبيح ؟ أم يتوجه للجبرية في صورها المختلفة بين جبر صريح وجبر مبطن بكلام : (( لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ )) (الغاشية:7) تلك هي مشكلة في البنية الفكرية للأمة الإسلامية لا زالت الأمة تكتوي بنارها حتى اليوم ، وظيفة الشيعة الإمامية تمرير مدح نفسها ولهذا تقول أقوالا و لا تلحقها ببيان موقفها هي من أوجه الاختلاف الحاصل واقعيا بين مناهج التفكير .

لقد قامت الفرق المختلفة باتهام كل منهم الآخر ـ ولا تزال ـ والطعن فيه وتكفيره ، بل واشتداد حدة هذا الخلاف بينهم حتى تصل في أحيان عدة إلى وقوع صراعات دموية مؤسفة أريقت فيها الدماء ، واستبيحت فيها الأموال والأعراض ! !.

وكان ذلك يروق لإؤلئك الحكّام ويثلج صدورهم ، وهو مدعاة لإطالة أمد حكمهم ، وتلك حقيقة لا يعسر على أحد تلمُسها وإدراكها . من خلال مراجعة الفترة الزمنية التي شهدت ولادة العديد من تلك الفرق إبان القرن الهجري الثاني وما بعده ، وانضواء الكثيرين وأتباعهم لزعماء تلك المذاهب ومفكريها ، وبالتالي توظيف إمكاناتهم المختلفة في الدفاع عن هذه عقائد ورد عقائد الآخرين وتوهينها .

وتزعم الشيعة الإمامية أنهم بريئون من الصراع الدموي ، ويقولون : كان الائمة من أهل البيت عليهم الَسلام وأتباعهم في ذلك الوقت يواصلون جهدهم الرصين في خدمة هذا الدين الحنيف ، حيث كانت تعج مدارسهم ومجالسهم ـ في الكوفة والبصرة وبغداد ـ بالألاف من الطلبة والدارسين ، ويتزايد عدد شيعتهم ومريديهم بشكل بين أقلق المراكز الفاسدة وأعوانها ، بل وحتىِ رموز بعض المذاهب الاسلامية المختلفة مع الاسف الكثير ـ وهنا لا بد من وقفة مع هذه الدعوى الملفقة ـ فالشيعة الإمامية كانت ئؤجج الخلاف وحدث قتال مستمر بينهم وبين من يتسمى بأهل السنة والجماعة ، ربما يتكلم من يقول ذلك عن فترة القعود عند الشيعة من 61هـ ما بعد 218هـ والتي اخترعوا لها حديثا مزيفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولهم : (الإمام إمام قام أو قعد) في فترة موقف جعفر الصادق من عمه زيد عليه السلام ، لكنهم بعد ذلك صاروا يتكلمون عن قائم آل محمد حتى لا يسبقهم الإسماعيلية ، ولكن المعتزلة استمرت تنفيذا لأصلها الخامس بالدعوة للتغيير فكانت ثورة زيد بن علي عليه السلام وثورة النفس الزكية وكلها بدعم المعتزلة ، وقعود الشيعة الجعفرية وقد لحق الشيعة الإمامية اسم الرفض من رفضهم القتال تحت راية زيد بن علي عليه السلام ، لقد حاولت المعتزلة في عهد آل بويه على يد أبي علي الجبائي إعادة الإمامية إلى دعوة التوحيد والعدل ، لكن الإمامية وضعت أصابعها في أذنها مغلقة إياها عن السماع ، فكانت الفتن والقتل بين الإمامية وأهل السنة هي السمة السائدة ، وطبيعي وفي أحيان كثيرة كان أهل السنة عوناَ مع السلطة الظالمة على الشيعة الإمامية منكرين اخوة الدين ، فتأمل فالعبارة كما يسوقها السبحاني تدل على صراع الشيعة وأهل السنة ولم يتمكن في استمراره في الإنكار .

إنَّ وجود مدرسة الاشاعرة سنة 301هـ تم على الغالب بتحريض من السلطة السياسية لتجرد المعتزلة من سلاحها الذي اشتهرت به وهو قوة الدليل وكثرة المحاججة ، فشنت الأشاعرة حملة ظالمة كاذبة على أفكار المعتزلة ، وخاصة رأي المعتزلة المشهور وهو قول المعتزلة : إنَّ الإنسان هو خالق لأفعاله بتمكين الله له الاختيار أي ( ما سماه المعتزلة التفويض ) وهوأمر جلي في الإنسان من حيث الخلقة التي خلقه الله عليها ، فجاء الأشاعرة بجبر واضح جدا سموه ( الكسب ) والخلاف في موضوع الجبر والاختيار وهي القضية الإيمانية الأولى التي أثيرت مبكرا بين المسلمين ومعروف قول المعتزلة بأنهم نفاة الجبر فوصفوا من قبل من يخالفهم بالقدرية بنص زعموا أن رسول الله قائله مع ان النص لو أن الرسول قائله لكان الجبرية وما تفرع عنها هم أولى الناس به فالنص دال على مثبتة القدر لا على نفاة تقدير الله لأفعال عباده ، وكان من جراء ذلك انحياز المحدثين للنص فنتج عن ذلك جمود المحدثين و تبعهم فقهاء ظاهر النص  على النص ، وقاموا بعملية عزل للعقل عن التنزيل ، فكان تجريد العقل عن جميع صلاحياته الثابتة مدعاة لظهور تغشية وحاجز على فهم الإسلام فهما صحيحا ، ومن المعلوم واضحا إن الدينين اليهودي والتصراني بعد تحريفهما ألغيا العقل ، وهكذا دخلت مناهج المسلمين إلى التحريف الذي نادت بها جميع الاديان  السابقة على الإسلام، حين كان يقابلهم ـ على الضد ـ موقف المعتزلة الصحيح من جعل العقل هو الدليل الأول ، ولا يوصف هذا بانه استعمال مفرط في تحكيم العقل ، وبالشكل الذي أثار الطرف الآخر ، من سلفية وأشعرية وإمامية فقد كان لـها كلها موقف من العقل ، فحدثت بينها وبين المعتزلة هذه الفجوة الرهيبة ، ويحتار المطلع على هذا القول . هل استعمال العقل نقيصة وإذا الغي العقل فما هو بديله ؟ .

لقد استفاد الحكّام من هذا  فوجدوا في ذلك الامر تدعيماً لاركان حكمهم ـ أي في إلغاء العقل ، وتثبيتاً لملكهم ـ ولهذا وقفوا إلى جانب الاشاعرة ، ووقفت الشيعة أسيرة الغيبة الصغرى ثم الغيبة الكبرى ، ولا تزال في بحر هذه الغيبة تسبح ـ ويصف السبحاني الحكام بقوله : كان الحكام ميّالين إلى المعتزلة ومقربين لهم ـ وتبنوا آرائهم ، وطعنوا في آراء الاخرين بعد أنْ أقرُّوا أربعة من المذاهب الفقهية الاسلامية وأعرضوا عن غيرها . وهذا الكلام من السبحاني حول علاقة المعتزلة بالسلطة كلام لا أصل له ، فإن كان مراده المحنة فعليه أن يعاود القراءة ليعلم أن المأمون تبنى الإمام الشيعي الثامن وهو علي الرضا وجعله ولي عهده ، ثم بعد موته تبنى الإمام محمد الجواد وزوجه ابنته ، وكان عمره 8 سنوات ، فهل هذا العمر يصلح ليكون إماما ؟ الشيعة الإمامية تغمض عيونها عن رؤية عيبوبـها ،  فثار خصوم الشيعة ـ وهم أهل الحديث ـ على العهد هذا  ، فكانت المحنة متلبسة بقضية خلق القرآن وعدم رؤية الله يوم القيامة ، ولم يتبن المأمون قضية المعتزلة في الأساس ، وهي الفرق الحقيقي بينهم وبين غيرهم من فرق المسلمين ، وهي قضية خلق أفعال العباد ، فالمأمون يؤمن بعقيدة الجبر ، ويؤمن بالحق الإهي في الإمامة ،  ومن يؤمن بهذه العقيدة ليس معتزليا على اليقين .

إنَّ موقف المعتزلة من السلاطين [ المقصود من لم يتحقق بهم عقد المراضاة أي اخذوا الحكم عنوة أو بالوراثة ] وعلمائهم [ أي الذين يوافقون هوى الحكام ] موقف مبدأي ، وكونهم شاركوا بفترة احتدام الجدل الذي فتحه المأمون لغاية يريدها ، لا يجعلهم محل النقد والتجريح وعلى كل فالمعتزلة لم يشاركوا في جدل المحنة كمعتزلة ، بل الذي شارك في الجدل واحد منهم فقط هو القاضي (أحمد بن أبي دؤاد ) الذي عمل للمعتصم والواثق والمتوكل ، ولم يكن على الصورة التي يزعمها مؤرخو الفرق ، لقد تبنى المتوكل رأي أهل الحديث ، وهو أمر أدى إلى انحسار الأعتزال ولكنه لم يدفع بهم  إلى الظل ، بل استمروا بالمنافحة عن آرائهم ففضيلة المعتزلة للجاحظ صدر في تلك الفترة الحالكة ، بخلاف الكثير من الآراء والعقائد الأخرى الذين خافوا النقاش فعاشوا بالعمل السري  ، وبالتالي تهيئة المجال لخدم السلطة والمتحجرين من أتباع المذهب الذي تؤمن به السلطة إلى الطعن بعقائد الآخرين ، وتزييف الكثير من الحقائق والثوابت ، وتركيز جملة مشوشة وهجينة من الاطروحات الباهتة ، ومن ضمنها هذا الخلط الواضح بين عقائد الشِّيعة الامامية وبين عقائد المعتزلة .

ويستمر السبحاتي في توهماته فيقول : نحن وإنْ لم نكن في معرض اثبات بطلان الشبهات القائلة بأنَ الامامية عيال على المعتزلة في أُصول عقائدهم ، أو أنَهم مقلِّدون لهم ، أو غير ذلك من التفاهات المردودة ، والتي تصدَى لاثبات بطلانها وردها الكثير من علماء الطائفة ومفكريها بشكل واضح وجلي لا جدوى من الاستفاضة في التعرُّض له ، مع ادراكنا الواضح بأنَ المجال هنا لا يتسع لها ، إلاّ إنّا سنحاول من خلال هذه الاسطر المحدودة الاشارة المختصرة إلى الاختلافات الجوهرية بين هاتين العقيدتين الاسلاميتين .

فالاُصول الخمسة التي تشكَل أساس مذهب الاعتزال ـ والتي هي : التوحيد ، والعدل ، والوعد والوعيد ، والمنزلة بين المنزلتين ، والامر بالمعروف والنهي عن المنكرـ تترتَّب عليها دون شك جملة مفاهيم وتصورات تشكِّل القاعدة العقائدية للمعتزلة ، والتي تبدو عند مقارنة الكثير منها بآراء الامامية شديدة التباين ، واسعة الاختلاف ، وَلعلَّ من جملة تلك الآراء المنبعثة عن تلك الاُصول ، والتي خالفهم بها الامامية ، وتعرَّضوا لهم فيها بالمناقشة والابطال : قولهم بانَ الاشياء كانت قبل حدوثها أشياء ، والجواهر أيضاً كانت في حال عدمها جواهر ، وكذا هو حال الاعراض والالوان والحركات .

قول السبحاني السابق من أقوال بعض المعتزلة في دقيق الكلام ، وهو ليس قولا يشكل سمة المعتزلة ، سمة المعتزلة في قضيتين هما : ترتيب الأدلة ، وأصول الدين الخمسة وما يترتب على الأصول ترتيبا ضروريا مثل : عدم رؤية الله يوم القيامة ، وخلق القرآن ، وخلود العصاة غير التائبين الذين أدخلهم الله النار فيها وغير ذلك مـما يسميه المعتزلة جليل الكلام ، فاختلاف المعتزلة في الفروع أو في دقيق الكلام لا يعتبر كلام المعتزلة جميعا وإنما هو اجتهاد واحد منهم . فما السبب في عدول السبحاني عن مناقشة الأصول الخمسة للمعتزلة إلى شيئية المعدوم ومن ذلك أيضاً : قولهم بان الانسان هو الذي يصنع أفعاله بنفسه ، متوافقين في ذلك مع القدرية ، أية قدرية يا سبحاني سبحان الله تكتب الرأي أو القول ثم تناقض نفسك ألم تذكر أن مفهوم القدرية ينطبق على الغالب على الأشاعرة ؟ فهل القول بالتفويض والذهاب إليه هو الحق أم هو الباطل ؟ كان الواجب تدوين الأمر بوضوح .

ومن ذلك ايضاً : ما ذهبوا اليه من أنَّ الوفاء بالوعيد واجب على الله تبارك وتعالى ، خلاف الامامية الذين يذهبون إلى عدم وجوبه . الوعيد ذكره القرآن الكريم كما ذكر الوعد فهل رب العزة مخلف وعيده ؟

ومن ذلك ايضاً : قولهم بأنَ مرتكب الكبيرة بين الايمان والكفر ، وأنَّه يُخلَد في النار ، حين إنَّ الامامية يذهبون إلى اعتباره مؤمناً فاسقاً مستحقاً للعقاب على قدر ما أجرم . يضاف إلى ذلك جملة واسعة من الاختلافات الجوهرية في مسائل الصفات ، والحسن والقبح العقليين ، ووجوب اللطف ، والشَّفاعة ، والتي شغلت في مؤلَّفات أصحابنا رحمهم الله تعالى مساحات واسعة ، وجوانب مهمة ، بل إنَّ العديد من أعلام الطائفة أفردوا العديد من مؤلَفاتهم للرد على عقائد المعتزلة ابان تلك الحقب السالفة والتي شهدت فترة الاحتدام ، والصراع الفكري والعقائدي بين عقائد الفرق الاسلامية المختلفة ، أمثال شيخنا المفيد رحمه الله تعالى ( ت 413 هـ ) حيث ألَف كتاباً في الرد على الجاحظ المعتزلي ، وآخر في نقض فضائل المعتزلة ، وكذا كتابه الشهير ( الفصول المختارة ) وكتاب ( الوعيد ) وغيرها ، وحيث تعرض رحمه الله تعالى برحمته الواسعة إلى إيراد جملة ارائهم التي خالفوا بها الشِّيعة في مطاوي كتابه الشهير المعروف بـ ( أوائل المقالات ) والتي كان من أوضحها : انكارهم نص النبي صلى الله عليه وآله على علي عليه السلام ، مع انكارهم أيضاً وجود نص بإمامة الحسن والحسين عليهما السَّلام ، وكذا هو حال الامام علي بن الحسين عليه السلام ، حيث أنكروا باجمعهم أنْ يكون إماماً للأمة بما يوجب به الامامة لاحد من أئمة المسلمين ، بل إنهم أنكروا ما تعتقد به الشيعة الامامية من أن الائمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله اثنا عشر إماماً ، مع مخالفتهم لهم في مسالة عصمة الامام ، حيث جؤَزوا أنْ يكون الائمة عصاة في الباطن ، وأنْ يكونوا أيضاً ممَن يُقارف الذنوب ، ثم إنَّهم أجازوا الامامة في مَنْ لا معجزة له ، ولا نص عليه ، ولا توقيف ، مع تجويزهم لانْ تكون الامامة في غير بني هاشم ، بل وتجويزهم خلو الازمان الكثيرة من إمام موجود ولمعرفة هذه الاختلافات يقول السبحاني : من اراد معرفة الفرق بين رأي المعتزلة فليراجع ما كتبه سيدنا المرتضىِ رحمه الله تعالى ( ت 436 هـ ) والذي كان أبرز ما كتبه في ذلك كتابه الشهير ( الشافي )(2) رداَ على كتاب المغني لعبد الجبار المعتزلي ، وغير ذلك ، فتأمَّل .

هذا الكلام من السبحاني لا يوصف بأنه كلام علمي فكان عليه تدوين رأي المعتزلة وهو قولهم بعقد المراضاة .

ولو أردنا ضبط جميع سلاطين الشيعة ، ومَنْ تقلَّد الوزارة والإمارة والمناصب العالية ـ بعلمهم ، وكتابتهم ، وعظيم خدماتهم للاسلام ـ لما وسعتهم المجلدات الضخمة والأسفار العديدة . وقد تصدى والدنا العلامة ـ أعلى الله مقامه ـ الى تراجم طبقات الشيعة ، من علماء ، وحكماء ، وسلاطين ، ووزراء ، ومنجِّمين ، وأطباء ـ وهكذا ـ الى ثلاثين طبقة ، كلّ طبقة مرتبَّة على حروف المعجم ، وسمّاه ( الحصون المنيعة في طبقات الشِّيعة ) فكتب عشرة مجلدات ضخام لم تخرج الى المبيضَّة ، ومع ذلك لم يأت [ إلاّ ] على القليل منهم .أمثالهم مِن رجال الشِّيعة ، الَّذين أسسوا علوم الإسلام ، وشادوا دعائمه ، وأحكموا قوائمه ، إنْ كانوا هم الَّذين يريدون هدم الاسلام ، وأنت واستاذك الدكتور وزملاؤكم هم الَّذين شيَّدوا الاسلام وأيّدوه ! ! إذاً فعلى الدنيا العفا ، وعلى الاسلام السلام ، ورحم الله فيلسوف المعرة حيث يقول :

إذا وصِفَ الطائيِ بِالبُخلِ ما دَر

إلى قوله : فَيا مَوت زُرْ إنَّ الحَياةَ ذَمِيمَةٌ . ..(1).

وما كان شيء من كلِّ هذا من أصل قصدي ، وصميم غرضي ، ولكن جرى القلم به عفواً ، وتمطّى على القول فيه قهراً ، فعسى أن يعلم الكاتب من أبناء العصر ومن بعدهم ـ بعد ذا كيف يكتب ، ويتصوَّر ماذا يقول ، فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام ـ وما أشرف مَنْ قال ـ :

" لسانُ العاقلِ مِنْ وراءِ قَلبهِ ، وَقَلبُ الجاهِلِ مِنْ وَراءِ لِسانِهِ" (2).

أمَّا قوله : « إنّ اليهودية ظهرت في التشيُّع بالقول بالرجعة » ! ! فليت شعري هل القول بالرجعة أصل من اُصول الشيعة وركن من أركان مذهبها حتى يكون نبزاً عليها ، ويقول القائل ظهرت اليهودية فيها ! !

ومَنْ يكون هذا مبلغ علمه عن طائفة أليس كان الأحرى به السُّكوت وعدم التعرُّض لها . إذا لم تستطع أمراً فدعه .

وليس التديُّن بالرجعة في مذهب التشيُّع بلازم ، ولا إنكارها بضار ، وإنْ كانت ضرورية عندهم ، ولكن لا يُناط التشيُّع بها وجوداً وعدماً ، وليست هي إلاّ كبعض أنباء الغيب ، وحوادث المستقبل ، إشراط السّاعة مثل : نزول عيسى من السَّماء ، وظهور الدجّال ، وخروج السًّفياني ، وأمثالها من القضايا الشائعة عند المسلمين وما هي من الاسلام في شيء ، ليس إنكارها خروجاً منه ، ولا الاعتراف بها بذاته دخولاً فيه ، وكذا حال الرجعة عند الشَيعة .

وعلى فرض أنَّها أصل من اُصولهم ، فهل اتفاقهم مع اليهود بهذا يوجب كون اليهودية ظهرت في التشيِّع ، وهل يصح أن يقال إنّ اليهودية ظهرت في الاسلام لأنَّ اليهود يقولون بعبادة إله واحد والمسلمون به قائلون ؟ ! وهل هذا إلاّ قول زائف ، واستنباط سخيف ؟ !

ثم هل ترى المتهوّسين على الشِّيعة بحديث الرجعة ـ قديماً وحديثاً ـ عرفوا معنى الرجعة ، والمراد بها عند مَنْ يقول بها من الشِّيعة ، وأي غرابة واستحالة في العقول أنّ سيُحي الله سبحانه جماعة من النّاس بعد موتهم ،

وأي نكر في هذا بعد أنْ وقع مثله بنصِّ الكتاب الكريم ، ألم يسمع المتهوّسون قصة ابن العجوز الَّتي قصها اللهّ سبحانه بقوله تعالى : ( ألَمْ تَرَ إلى الَّذينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهمْ أُلوُفٌ حَذَرَ المَوتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أحياهُم . . . )(1) . ألم تمرّ عليهم كريمة قوله تعالى : ( وَيَومَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوجاً )(2)، مع أنَّ يوم القيامة تُحشر فيه جميع الأمم لا من كلِّ أُمة فوجاً. وحديث الطعن بالرجعة كان هجيري علماء السنَّة من العصر الأول إلى هذه العصور ، فكان علماء الجرح والتعديل منهم اذا ذكروا بعض العظماء من رواة الشِّيعة ومحدِّثيهم ، ولم يجدوا مجالاً للطعن فيه ـ لوثاقته وورعه وأمانته ـ نبذوه بانَّه يقول بالرجعة ، فكأنهم يقولون يعبد صنماً أو يجعل لله شريكاً ! ! ونادرة مؤمن الطاق مع أبي حنيفة معروفة(3).وأنا لا اريد أن أُثبت في مقامي هذا ـ ولا غيره ـ صحة القول بالرجعة ، وليس لها عندي من الاهتمام قدر قُلامة ظفر ، ولكنّي أردتُ أنْ أدلّ ( فجر الاسلام ) ! على موضع غلطه وسوء تحامله . يقول : الشِّيعة تقول : « إنَّ النّار مُحرَّمة على الشِّيعي إلاّ قليلاً » ! ! وما أدري في أي كتاب من كتب الشيعة وجد هذا ، وهل يليق برجل تربَّع على دست النقد والتمحيص للمذاهب والأديان أنْ يقذف طائفة من المسلمين بشناعة لا يأتي عليها منهم بشاهد ولا برهان ، كيف وهذه كتب الشِّيعة كادت أن تًسمع حتى الأصم والأبكم . إنَّ الله سبحانه خلق الجنَّة لمن أطاعه ولوكان عبداً حبشياً ، وخلق النّار لمن عصاه ولو كان سيِّداً قرشياً ، ويروون عن أئمتهم عليهم السلام من أمثال ذلك ما يفوت حد الاحصاء(1). نعم باب الشَّفاعة من النَّبي والأئمة عليهم السلام لبعض المذنبين باب آخر ، ولعل القول بالشَّفاعة في الجملة من ضروريات مذهب السلام (1) . وأيضاً نُعيد ما قلناه قريباً ، وإنِّه لو تنازلنا وأفترضنا أنَّ الشِّيعة تقول ذلك ، فهل يصح بهذا أنْ يقال [ بأنَّ ] التشيُّع أخذ من اليهودية أو [ أنَّ ] اليهودية ظهرت في التشيُّع ؟ . وهل يحسن بعاقل أنْ يقول : أنّ أبا حنيفة أخذ فقهه من المجوس لأنَّه وافقهم في بعض الفروع في باب النكاح أو غيره (2) ، ويعضد ذلك أنَّه فارسي الأصل ؟ أليس يعدّ هذا من سفه القول ، وخطل الآراء الّتي لا فائدة فيها سوى إيقاد نار الشَّحناء والبغضاء بين المسلمين ؟

(3) راجع ذلك في ترجمتنا لمؤمن الطاق آخر الكتاب .

ثمَّ يقول : « والنَّصرانية ظهرت في التشيُّع في قول بعضهم أنَّ نسبة الامام الى اللهّ كنسبة المسيح الى الله » ...! ! إنَّ من حقِّ الأمانة على ابن الأمين أنْ يُعيِّن الهدف ، ولا يرسل في غير سدد وبغير سداد ، كان يجب عليه أن يذكر مَنْ هو القائل بهذا القول من الشِّيعة . فهل مراده ما يسمُّونهم غلاة الشِّيعة كالخطّابية(1) والغرابية(2) والعلياوية(1) والمخمّسة(2) ، والبزيعية(3) وأشباههم من الفرق الهالكة المنقرضة التي نسبتها الى الشِّيعة من الظلم الفاحش ، وما هي إلاّ من الملاحدة كالقرامطة(4) ونظائرهم ، أمّا الشِّيعة الإِمامية وأئمتهم عليهم السلام فيبرأون من تلك الفرق براءة التحريم (1) على أن تلك الفرق لا تقول بمقالة النصارى ، بل خلاصة مقالتهم ـ بل ضلالتم ـ : أنَّ الامام هو اللهّ سبحانه ظهوراً أو اتحاداً أو حلولاً ، أو نحو ذلك مما يقول به كثير من متصوَفة الاسلام ومشاهير مشايخ الطرق ، وقد ينقل عن الحلاّج بل والكيلاني والرفاعي والبدوي وأمثالهم من الكلمات ـ وان شئت فسمِّها كما يقولون شطحات ـ ما يدل بظاهره على أنَّ لهم منزلة فوق الربوبية ، وأنَّ لهم مقاماً زائداً عن الالوهية ( لو كان ثمَة موضع لمزيد ) وقريب من ذلك ما يقول به أرباب وحدة الوجود أو الموجود .

أمّا الشِّيعة الامامية ـ وأعني بهم جمهرة العراق وإيران وملايين من مسلمي الهند ومئات الالوف في سوريا والأفغان ـ فإنّ جميع تلك الطائفة ـ من حيث كونها شيعة ـ يبرأون من تلك المقالات ، ويعدُّونها من أشنع [ أشكال ] الكفر والضلالات ، وليس دينهم إلاّ التوحيد المحض ، وتنزيه الخالق عن كلِّ مشابهة للمخلوق ، أو ملابسة لهم في صفة من صفات النقص والامكان ، والتغيّر والحدوث ، وما ينافي وجوب الوجود والقدم والأزلية ، إلى غير ذلك من التنزيه والتقديس المشحونة به مؤلفاتهم في الكلام ، من مختصرة ( كالتجريد ) أو مطولة ( كالأسفار ) وغيرهما ممّا يتجاوز الالوف ، وأكثرها مطبوع منتشر ، وجلّها يشتمل على إقامة البراهين الدامغة على بطلان التناسخ والاتحاد والحلول والتجسيم .

ولو راجعِ المنصف ـ الذي يمشي وراء الحقائق وفوق العصبية والأغراض ـ شيئاً منها لعرف قيمة قول هذه الناشئة المترعرعة التي قذفتنا بهم أعاصير هذا العصر وتطوّرات هذا الزمن ، نعم يعرف قيمة قذف الشِّيعة بالتناسخ والحلول والتجسيم . والقصارى : إنّه إنْ أراد بالشِّيعة هم تلك الفرق البائدة ، والمذاهب الملحدة ـ التي لا أحسب أنَّ في رقعة الأرض منهم اليوم نافخ ضرمة ـ فنحن لا نضايقه في ذلك ، ولكن نسبتهم إلى الشِّيعة ظلم فاحش ، وخطأ واضح ، وقد أساء التعبير ، وما أحسنَ البيانَ ، ولم يعط الحقيقة حقَّها. وانْ أراد بالشِّيعة الطائفة المعروفة اليوم بهذا الاسم [ و ] التي تعدُّ بالملايين من المسلمين ، فنحن نطالبه بإثبات ذلك من مصنَّفات أحد علمائهم من حاضر أو غابر. وعلى أي حال ، فقد استبان ـ ممَّا ذكرناه ـ أنَّ جميع ما ذكره [ صاحب ] ( فجر الاسلام ) عن الشِّيعة ـ في هذا المقام وغيره ـ تهويل بلا تحصيل ، ودعاو بغير دليل . ونحن لا نريد في مقامنا هذا أنْ نتعقَب كتاب ( فجر الاسلام ) بالنقد ، وندلّ على جميع خطيئاته ، ومبهرج آرائه واجتهاداته ، وإنَّما ذكرنا هذه النبذة استطراداً في القول ، وشاهداً على صورة حال الشِّيعة عند كتَبَةِ العصر ، ومَنْ ينظمونه في سلك العلماء وأهل الأقلام ، فما ظنّك اذن بالسّواد والعوام ؟!.
ومنبع البلية أنَّ القوم الَّذين يكتبون عن الشِّيعة يأخذون في الغالب مذهب الشِّيعة وآحوالهم عن ابن خلدون البربري ، الَّذي يكتب وهو في افريقيا وأقصى المغرب عن الشَيعة في العراق وأقصى المشرق ، أو عن أحمد ابن عبد ربه الأندلسي وأمثالهم . فإذا أراد كتَبَة العصر أنْ يتضلَّعوا ويتوسَعوا في معرفة الشِّيعة رجعوا إلى كتب الغربيين وكتبة الأجانب كالأستاذ ( ولهوسن ) أو الاستاذ ( دوزي ) وأمثالهم ، وهناك الحجة القاطعة ، والقول الفصل ! ! أمّا الرجوع إلى كتب الشيعة وعلمائهم فذاك ممّا لا يخطر على بال أحدهم .ولكنَّ الشِّيعي ـ الَّذي هو على بيِّنة من أمره وحقيقة مذهبه ـ إذا نظر إلى ما يكتبه حملة الأقلام ـ في هذه الأيام ـ عن الشِّيعة وعقائدها وجدها من نمط النادرة التي يحدِّثنا بها الراغب الاصفهاني في كتابه المعروف بـ ( المحاضرات ) قال ـ على ما يخطر ببالي ـ : سُئل رجل كان يشهد على آخر بالكفر عند جعفر بن سليمان فقال : إنَّه خارجي ، معتزلي ، ناصبي ، حروري ، جبري ، رافضي ، يشتم علي بن الخطّاب ، وعمر بن أبي قحافة ، وعثمان بن أبي طالب ، وأبا بكر بن عفّان ، ويشتم الحجّاج الَّذي هدم الكوفة على أبي سفيان ، وحارب الحسين بن معاوية يوم القطايف . أي يوم الطف أو يوم الطائف ! !.

فقال له جعفر بن سليمان : قاتلك الله ، ما أدري على أي شيء أحسدك ، أعلى علمك بالأنساب أم بالأديان أم بالمقالات ؟(1) . أمّا ( عبدالله بن سبأ )(2) الَّذي يلصقونه بالشِّيعة أو يلصقون الشِّيعة به ،فهذه كتب الشيعة بأجمعها تعلن بلعنه والبراءة منه ، وأخف كلمة تقولها كتب رجال الشِّيعة في حقِّه ويكتفون بها عن ترجمة حاله عند ذكره في حرف العين هكذا : ( عبدالله بن سبأ ، العن مِنْ أنْ يُذكر ).

انظر رجال أبي علي وغيره (1).

على أنَّه ليس من البعيد رأي القائل : أنَّ عبدالله بن سبأ ، ومجنون بني عامر ، وأبي هلال ، وأمثال هؤلاء الرجال أو الأبطال كلّها أحاديث خرافة وضعها القصّاصون وأرباب السَّمر والمجون ، فانَّ الترف والنعيم قد بلغ أقصاه في أواسط الدولتين الأموية والعبّاسية ، وكلّما اتسع العيش وتوفَّرت دواعي اللهو ، اتسّع المجال للوضع ، وراج سوق الخيال ، وجعل القصص والأمثال ، كي تأنس بها ربّات الحجال ، وأبناء الترف والنعمة المنغمرين في بُلَهْنية(1) العيش .

وأنَّ سمادير (2) الأهازيج الَتي أصبح يتغنّى بها لنا عن القرآن والاسلام ( الدكتور طه حسين ) وزملاؤه ، والدور الَّذي جاءوا يلعبون فيه للمسلمين بالحراب والدرق ، فهو أشبه أنْ يكون من أدوار تلك العصور الخالية ، لا من أدوار هذه العصور التي تتطلب تمحيص الحقائق بحصافة وأمانة ، ورصانة ومتانة . ومهما كان الأمر أو يكن ، فكلّ ذلك ليس من صميم غرضنا في شيء ، وما كان ذكره إلاّ من باب التوطئة والتمهيد للقصد ، وإنَّما جلّ الغرض أنَّه بعد توفّر تلك الأسباب والدواعي ، والشؤون والشجون ، والوقوف على تلك الطعنات الطائشة على الشِّيعة المتتابعة من كتَبَةِ العصر في مصر وغيرها ، رأشا من الفرض علينا ـ الَّذي لا ندحة عنه ـ أنْ نكتب موجزاً من القول عن معتقدات الشِّيعة واُصول مذهبها ، وأمهات مسائل فروعها التي عليها إجماع علمائها ، والَّذي يصح أنْ يقال أنَّه مذهب الشِّيعة على إطلاقها ، أمّا ما عداه فهو رأي الفرد أو الأفراد منها ، ومثله لا يصح أنْ يُعد مذهباً لها ، ومعلوم أنَّ باب الاجتهاد لم يزل مفتوحاً عند الشَيعة ، ولكلّ رأيه ما لم يخالف الإجماع أو نص الكتاب والسنَّة أو ضرورة العقول ، فإن خالف شيئاً من ذلك كان زائغا.

وقال السيِّد الرَّضي رحمه الله تعالى تعليقاً على هذا القول : وهذا من المعاني العجيبة الشريفة ، المراد به : أنَ العاقل لايطلق لسانه إلاّ بعد مشاورة الروية ، ومؤامرة الفكرة ، والاحمق تسبق حذفات لسانه ، وفلتات كلامه ، مراجعة فكره ، ومماحضة رأيه . ، فكأنَّ لي ان العاقل تابع لقلبه ، وكان قلب الاحمق تابع للسانه .

* الغريب أنْ تجد من تبلغ به الغفلة أو السذاجة هذا الحد من الاسفاف والتطاول الاجوف على طائفة كبيرة من طوائف المسلمين ، لها اُصولها وعقائدها المعلنة والصريحة ، والتي ليست هي في محاجر مكهربة ، أو في أقبية سرية لا يطالها أحد ولا يستطيع الوصول إلى قراءة مضامينها باحث ، بل هي بحمد الله تعالى تكتض بها المكتبات العامَّة والخاصة ، وهي بمتناول الجميع دون استثناء ، ناهيك بمن أراد التعرف عليها بصدق وحرص ، فكيف بالله عليك تجد رجلاً مثل أحمد أمين وهو الكاتب المعروف يتخبط هذا التخبُّط المخزي وهو يتحدّث عن عقائد الشيعة ، فتبلغ به الغفلة هذا الحد وهذا المستوى من الطعن الرخيص والباهت . . فمن أين له اثبات مُدعاه هذا ، والذي يستثير حتى عوام الناس لا مثقفيهم فحسب ، والذي يتناقض تناقضاً صريحاً مع مفهوم الشريعة الاسلامية التي ترتكز عليها العقائد الشيعية ، بل وتنبعث منها . فمن لا يعلم أنَّ الايمان والعمل مقترنان كل واحد منها بالاخر ، لان العمل هو الترجمة الواقعية للايمان ، والتجسيد الفعلي له ، بل ومن لا يعلم أنً لا نجاة يؤمئذ إلاّ بعمل وتقوى ؟! . . . نحن نعتقد أنَ من لا يقول بذلك غير عاقل ، فكيف بالشيعة وهم يستقون علومهم من دوحة النبوة وشجرتها الوارفة ، أي أهل البيت عليهم السلام ، الذين هم ورثة رسول الله صلى الله عليه واله ، وعدول القرآن ، واُمناء الرسالة ! !.

كما أنَّه ليس في الشيعة ـ من أدناها إلى أقصاها ـ من لا يعلم بذلك ، وها أنت ترى الملتزمين منهم يصلّون ، ويصومون ، ويحجُّون ، ويسارعون في الخيرات ، ويجتنبون المحارم والموبقات . بل وهذه كتب الامامية ـ التي لا عد لها ولا حصر ـ تنادي بتقوى الله تعالى واتباع أوامره . آلاف الاحاديث وآلاف الاخبارالمنقولة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام كلها تنحو هذا المنحى الثابت الذي أشرنا إليه . ثم ـ ولعل هذا الامر هو ما فات صاحب فجر الاسلام وقد يفوت غيره إن اردنا أنْ نمنحهم العذر في ذلك ـ لعله قد طرق سمع الدكتور أحمد أمين ، او قرأ بعض الاخبار المنقولة في جملة من المصادر الحديثية المنوِّهة بفضل الشِّيعة ، والاشادة بمنزلتهم ، فتصوّر أنَ الامر هذا يقع على كلِّ من تسمى باسم الشِّيعة ، أي سريانه على كلِّ من يعده العرف شيعياً اسماً لا واقعاً . . . فاذا كان كذلك تصوره فانَّ هذا هو الداء العياء ، والخلط العظيم .

إن التشيع لاهل البيت عليهم السلام لا يقترن الا بالعمل الصّالح واتباع أوامر الله تعالى ، والانتهاء عن نواهيه ، ودون ذلك فلامعنى للتشيع واقعاً إلاّ تسمية ، وهذه التسمية المجردة لا تغني عن الحق شيئاً ، ولاتعدو كونها انتحال من غير اتصاف . نعم إن ائمة أهل البيت عليهم السلام قد بينوا ذلك بوضوح في أكثر من مناسبة ومكان ، من خلال العديد من الاخبار والروايات الصحيحة ، والتي سنحاول أنْ نورد البعض منها ليطلع عليها من انخدع ببريق كلمات هؤلاء الكتّاب دون الرجوع للتثبت من صحة ذلك الى كتب الشِّيعة نفسهم ، لا بالواسطة : فقد روى الكليني في الكافي ( 2 : 73 ) بسنده عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قوله لاصحابه : « الا تذهب بكم المذاهب ، فو الله ما شيعتنا إلاّ مَنْ اطاع الله عز وجل » وروى في موضع آخر ( 2 : 74 ) : بسنده عن جابر ، عن الامام محمد بن علي الباقر عليه السلام قوله لجابر : « يا جابر ، أيكتفي من ينتحل التشيع أنْ يقول بحبنا أهل البيت ؟! فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه ، وما كانوا يُعرفون ـ يا جابر ـ إلاّ : بالتواضع ، والتخشُع ، والأمانة ، وكثرة ذكر الله ، والصَوم ، والصَّلاة ، والبر بالوالدين ، والتعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام ، وصدق الحديث ، وتلاوة القران ، وكف الالسن عن الناس ، إلا من خير . . . . يا جابر ، فوالله ما يُتقرب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة ، وما معنا براءة من النار ، ولا على الله لأحد من حجة ، من كان لله مطيعأ فهو لنا ولي ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو ، ولا تنال ولاياتنا إلاّ بالعمل والورع» .

وقوله عليه السلام ( الكافي 2 : 75 ) : « ولله ما معنا من الله براءة ، ولا بيننا وبين الله قرابة ، ولا لنا على الله حجة ، ولا يُتقرب إلى الله إلاّ بالطاعة ، فمن كان منكم مطيعاً لله تنفعه ولاياتنا » . أقول : هؤلاء ائمتنا وسادتنا وقادتنا ، بهم نهتدي ، وبنور علمهم نقتدي ، وهذا هو دينهم الذي ندين به ، وهو الاسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله ، بل وهذه هي أخلاقهم ليست بخافية على أحد ، فهل لاحد أنْ يقول ما يخالف ذلك إلاّ ان يكون مغرراً أو كاذباً . فاذا كنا كشيعة نتلمَس خطا ائمة أهل البيت عليهم السلام ، ونتبع هداهم ، فان ذلك الامر يعني بالتالي اتباع الخط الالهي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله من قِبَل الله تعالى باتباع الدليل الذي أمرنا به هو صلى الله عليه واله باتباعه ، وحثنا على التمسك به دون تسمية غيره ، أو مجرد الاشارة اليه ، وإلى ذلك يشير بوضوح قوله صلّى الله عليه واله : « إنِّي تارك فيكم ما أنْ تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السَّماء إلى الارض ، وعترتي أهل بيتي ، ولنْ يتفرَّقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ». انظر : سنن الترمذي 5 : 662|3786 و 663|3788 ، مسند أحمد 3 : 17 و 5 : 181 ، مستدرك الحاكم 3 : 109و 148 ، اُسد الغابة 2 : 12 .

واذا كان الشِّيعي من المتمسكين بهذا الحبل المتين ، ومن الاخذين بجنبة أهل هذا البيت الطاهر ، ومن المتمثِّلين لاوامرهم التي هي بالتالي عين أوامر رسول الله صلى الله عليه وآله ، المتلقاة من قبل الله تعالى( وإنَّ هذا صِراطِي مُستَقيماً فَاتبعوه ولا تَتبعُوا السْبلَ فَتَفَرقَ بِكُمْ عَنْ سَبيلِهِ ذلِكُمْ وَصاكُمْ بِهِ لَعَلَكُمْ تَتَّقُونَ ) فلماذا نشكلَ عليه هذَا الفضل ، وهذه الكرامة التي وعد بها .
(1) أنظر : صحيح البخاري 1 :90 ( كتاب التيمم ) و 8 : 82 ( كتاب الدعوات ) ، صحيح مسلم 1 : 188 ( كتاب الايمان ، باب قول النبيّ صلّى الله عليه وآله : أنا أول الناس يشفع في الجنة ، وباب اختباء النبي صلّى الله عليه وآله دعوة الشَّفاعة لأمَّته ) و 4 : 1782 ( باب تفضيل نبينا على جميع الخلائق ) ، سنن ابن ماجة 2 : 1440 ( كتاب الزهد ، باب ذكر الشَّفاعة ) ، موطأ مالك 1 : 212 ( كتاب القرآن ، باب ما جاء في الدعاء ) ، مسند أحمد 2 : 275 ، 313 ، 396 ، 409 ، 426 ، 430 ، 486 ، و 2 : 3 ، 134 ، 208 ، 218 ، 258 ، 276 ، 292 ، 384 ، 396 ، و5 : 148 .(2) راجع كتاب المبادئ العامة للفقه الجعفري صفحة 317 وما بعدها .

* اتباع أبي الخطّاب محمد بن أبي زينب الاجدع الاسدي الذي كان يدَعي بأنً الامام الصّادق عليه السلام جعله قيمه ووصيه من بعده ، وعلَمه اسم الله الاعظم ، ثم ادعى بعد ذلك أنَّه نبي مُرسَل ! وأنَّه من الملائكة ! وغير ذلك من الخرافات والادعاءات الدالَة على انحرافه وكفره . وقيل : إنَّ الاجدع وأصحابه ادعوا بأنَّ الائمة الهة ! وأنَ أولاد الحسن والحسين عليهما السلام أنبياء الله واحبائه ! وأحلوا المحارم ، وتركوا الصلاة والصِّيام والحج ، وغير ذلك . ولمّا بلغ الامام الصادق عليه السلام مقالته ومقالة اصحابه لعنه ولعن اصحابه ، وتبرأ منه ومنهم ، بل وأباح دمه وأمواله هو وجماعة اُخرى من المشعوذين ، واصحاب البدع والكفريات . راجع : فرق الشِّيعة : 42 ، التبصير : 111 ، الملل والنحل 1 : 179 ، الشِّيعة بين الاشاعرة والمعتزلة : 54 ، مروج الذهب 3 : 220 ، مقالات الاسلاميين 1 : 133.(2) يذهب أصحِاب هذه الفرقة الضالة إلى أن الله تبارك وتعالى قد أرسل جبرئيل لعلي عليه السلام ، إلاّ أنَه توهم في ذلك وقصد محمَداً صلّى الله عليه وآله بالرسالة لأنّه يشبهه كما يشبه الغراب الغراب ! !.

ومنهم من يدَّعي بأنَّ الله تعالى قد فوَض أمر تدبير الخلق لرسول الله صلّى الله عليه وآله وأنًه فوَض ذلك الامر لعلي عليه السَلام ! ! بل وتُنسب اليهم الكثير من الضلالات المخرجة لهم عن دين الاسلام بغير نقاش . أنظر : الشِّيعة بين الاشاعرة والمعتزلة : 54 ، تأريخ المذاهب الاسلامية : 40 /53 ، الحور العين : 155 ، البحر الزخّار : 25 . .(1) وقيل العليائية أو العلباوية ، والظاهر أن الاخير هو الاصح ، وهو الموافق لما ذكره الشهرستاني في ملله وقال : بأنَهم من أتباع العلباء بن دراع الدوسي أو الاسديَ . ويذهب أصحاب هذه الفرقة الضالة ـ على ماذُكرـ إلى أنَّ علي بن أبي طالب عليه السلام ربي ـ استغفر الله العظيم ـ وأنَّه ظهر بالعلوية الهاشمية ، وأظهر أنه عبده ، وأظهر وليه من عنده ورسوله بالمحمدية ، فوافقوا أصحاب أبي الخطّاب ـ لعنه الله ـ في اربعة اشخاص : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، وأن مضي الاشخاص الثلاثة ـ فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ـ تلبيس ، والحقيقة شخص محمد صلى الله عليه وآله ، لانَه أوَّل هذه الاشخاص في الامامة ، وأنكروا ايضاً شخص محمد صلّى الله عليه وآله وزعموا أنَّه عبد لعلي عليه السلام ! ! . . . الى اخر سخافاتهم وكفرياتهم . راجع : رجال الكشي : 399 ، مقباس الهداية 2 : 362 ، الملل والنحل 1 : 175 .

* من فرق الغلاة المنحرفة ، والملعونة على ألسنة أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم . يذهب أصحاب هذه الفرقة الضالة الى أن سلمان الفارسي ، وأبا ذر الغفاري ، والمقداد أبن الاسود ، وعمّار بن ياسر ، وعمرو بن أمية الضمري هم النبيين والموكَلين بمصالح العالم من قِبل الرب ، وأن الرب في قولهم ـ قبحهم الله تعالى ـ هو علي عليه السلام .اُنظر : مقباس الهداية 2 : 361.

* أتباع بزيع بن موسى الحائك الذين يذهبون إلى أنَّه ـ لعنه الله ـ نبي مُرسَل كأبي الخطّاب المتقذَم الذكر ، وأنَّ الامام الصّادق عليه السلام هو الذي أرسله بذلك ! ! فلما سمع خبره الامام عليه السلام لعنه هو وجماعة من الغلاة والمنحرفين بقوله : لعنهم الله ، فإنّا لا نخلوِ من كذّاب يكذب علينا ، أو عاجز الرأي ، كفانا الله تعالى مؤنة كلِّ كذّاب ، وأذاقهم الله حر الحديد . أنظر : فرق الشِّيعة : 43 ، رجال الكشي 2 : 593|549 ، مقالات الاسلاميين : 12 . .

* يذهب النوبختي في فرقه إلى أنً تسمية القرامطة بهذا الاسم تعود إلى رئيس لهم من أهل السواد كان يُلقَب بـ ( قرمطويه ) وكانوا في الاصل يقولون بمقالة المباركية ـ الذين يزعمون بأن الامامة بعد الامام جعفر بن محمًد الصادق عليه السلام في محمَد بن اسمِاعيل بن جعفر بعد أنْ كانت لابيه في حياة الامام الصادق عليه السلام ، واُسموا بذلك لانَ رئيسهم يُدعى المبارك ـ ثم خالفوهم ، حيث قالوا بأنَّ الامامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لا تكون إلاّ في سبعة أئمة هم : علي بن أبي طالب ، وهو إمام رسول ، والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمَد بن علي وجعفر بن محمد بن اسماعيل ، وهو عندهم الامام القائم المهدي ، وهو رسول . وزعم اولئك ـ على قول النوبختي وغيره ـ أن رسالة النبي صلّى الله عليه وآله قد انقطعت يوم غدير خم ، وانتقلت إلى علي عليه السلام ! ! وكذا حال اللاحقين عند وفاة السابقين لهم . ثم أنَّ أصحاب هذه الفرقة يذهبون ـ على ما قيل عنهم ـ الى أنَ الفرائض رموز واشارات ، وأمر بالاعتصام بالغائب المفقود ، وأباحوا جميع الملذات والمنكرات ، واستحلُوا استعراض الناس بالسيف ، وغير ذلك مما ينسب اليهم من الضلالات . .

واما ابن الجوزي فقد ذكر في كتابه المعروف بـ ( تلبيس ابليس ) : أن للمؤرَخين في سبب تسميتهم بهذا قولان : أحدهما : أن رجلاً من ناحية خوزستان قدم سواد الكوفة فاظهر الزهد ودعا الى إمام من أهل بيت الرسول صلوات الله عليه وعليهم ، ونزل على رجل يُقال له ( كرميتة ) لقِّب بهذه عينيه ، وهو بالنبطية حاد العين ، فاخذه أمير تلك الناحية فحبسه وترك مفتاح البيت تحت رأسه ونام ، فرقَّت له جارية فاخذت المفتاح ففتحت البيت وأخرجته وردت المفتاح إلى مكانه ، فلمّا طُلب ولم يوجد شاع الخبر وزاد افتتان الناس به ، فتوجه من هناك إلى الشام . وأمّا وجه تسميته بذلك : فأنَه أُسمي أول الامر بـ ( كرميتة ) أي اسم الرجل الذي كان نازلاً عنده ، ثم خُفَف فقيل ( قرمط ) ثم توارث مكانه أهله وأولاده . وقيل : أنما عُرف حمدان هذا بقرمط من أجل قصر قامته وقصر رجليه وتقارب خطوه ، وكان يقال له : صاحب الخال ، والمدثر ، والمطوق . وكان ابتداء أمره في سنة ( 264 هـ ) وحيث كان ظهوره بسواد الكوفة ، واشتهر مذهبه بالعراق . وللمؤرِّخين وكتّاب الفرق اراء اُخرى في نشأتهم وتسمية روّادهم الاوائل لا يسعنا هناك التعرًّض لها ، محيلين القارئ الكريم في ذلك إلى المصادر المختصة بهذا الباب . راجع : فرق الشيعة : 72 ، الفصول المختارة : 251 ، الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة : 84 ، الفرق بين الفرق : 22 ، الملل والنحل 1 : 167و191 ، تأريخ الطبري 10 : 23، الكامل في التاريخ 7 : 444 ، تلبيس ابليس : 110 .

* لقد كان موقف الائمة من أهل البيت عليهم السلام حاداً وقطعياً في رد وتكفير الغلاة ، بل والبراءة منهم ، ونفي وجود أي صلة لهم بهم . فهذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول : « بُني الكفر على أربعة دعائم : الفسق ، والغلو ، والشك ، والشبهة » . وأمّا الامام جعفر بن محمَّد الصادق عليه السلام فقد قال : « أدنى ما يخرج به الرجل من الايمان أنْ يجلس إلى غال فيستمع إلى حديثه ويصدقه على قوله ، إن أبي حدثني عن أبيه عن جدِّه عليهم السلام : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال : صنفان من أُمتي لا نصيب لهما في الاسلام : الغلاة ، والقدرية » . وقال عليه السلام مخاطباً أحد أصحابه : « أيا مرازم ، قُل لهم ( أي للغالية ) توبوا إلى الله تعالى ، فانًكم فسّاق ، كفّار ، مشركون » .وقال عليه السلام مشيراً إلى نفي صلة اولئك الغلاة باهل البيت عليهم السلام : « لعن الله المغيرة بن سعيد ، ولعن الله يهودية كان يختلف اليها يتعلم منها السحر والشعبذة والمخاريق ، إنَّ المغيرة كذب على أبي فسلبه الله الايمان ، وإن قوماً كذبوا عليّ ، ما لهم أذاقهم الله حر الحديد . . . أبرأ الله مما قال في الاجدع البرّاد عبد بني أسد أبو الخطّاب لعنه الله . . . اًشهدكم : إني امرو ولدني رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وما معي براءة من الله ، وإنْ أطعته رحمني ، لانْ عصيته عذبني » . وقال مخاطباً أحد إلى الغلاة ( وهو بشار الشعيري ) : « أخرج عني لعنك الله » .

وأمّا الامام الرضا عليه السلام فقد قال عنهم : « كان بيان بن سمعان يكذب على علي بن الحسين عليه السلام ، فاذاقه الله تعالى حرَّ الحديد ، وكان اَلمغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر عليه السلام ، فاذاقه الله تعالى حر الحديد ، وكان محمَد بن بشير يكذب على أبي الحسن موسى عليه السلام فأذاقه الله تعالى حرَّ الحديد ، وكان أبو الخطّاب يكذب على أبي عبدالله عليه السلام فأذاقه الله تعالى حر الحديدا » . بل وترى الائمة عليهم السلام يحذِّرون شيعتهم من أحاديث كان ينتحلها اولئك الغلاة على ألسِنة الائمة عليهم السلام ، في محاولة منهم ـ لعنهم الله تعالى ـ لكسب الانصار والمؤيدين لهم ، فقد روي عن الامام الصادق عليه السلام قوله محذَراً الشِّيعة من الوقوع في حبائلهم : « لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنَّة ، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة ، فان المغيرة بن سعيد ـ لعنه الله ـ دس في كتب اصحاب أبي أحاديث لم يُحدِّث بها أبي ، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربِّنا تعالى وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله» . وقال عليه السلام ايضاً : « كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي ويأخذ كتب أصحابه ، وكان أصحابه المتسترون باصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة ، فكان يدس فيها الكفر والزندقة ، ويسندها إلى أبي ، ثم يدفعها إلى اصحابه فيأمرهم أنْ يُثبتوها في الشيعة ، فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذلك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم » . واذا كان ذلك ديدن أئمتنا عليهم التحية والسلام ، فان ذلك بلا شك منهج أتباعهم وشيعتهم ، وتجد ذلك واضحاً في مؤلفات أصحابنا رحمهم الله تعالى برحمته الواسعة ، المتخصصة بهذا الموضوع ، فهم يحكمون عليهم بلا ترديد بالضلال والكفر ، ومن ذلك قول شيخنا المفيد رحمه الله تعالى عنهم : وهم ضلال كفار ، حَكَمَ فيهم أمير المؤمنين عليه السلام بالقتل والتحريق بالنار ، وقضت عليهم الائمة عليهم السلام بالاكفار والخروج عن الاسلام .

واما النوبختي فقد قال عنهم بعد أنْ استعرض فرقهم : فهذه فرق أهل الغلو ممن انتحل التشيع ، والى الخرميدنية ، والمزدكية ، والزنديقية ، والدهرية مرجعهم جميعاً ، لعنهم الله تعالى. وغير ذلك مما يجده القارئ الكريم عند البحث والمراجعة فراجع : فرق الشيعة : 41 ، أوائل المقالات : 238 ، الكافي 2 : 288|1 ( باب دعائم الكفر وشعبه ) ، الخصال 1 : 72|109 ، رجال الكشي : 224 و225 و 302 و 398 ، الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة : 51 وما بعدها .(1) محاضرات الاُدباء 4 : 418 .

* يبدو بوضوح للمتأمِّل في قصة عبدالله بن سبأ ، ودوره في الاحداث التي جرت ابان حكم الخليفة الثالث أو ما بعده ـ على قول البعض الآخر ـ أنه أمام وقائع وأحداث نُسجت بكثير من المبالغة والتهويل لشخصية عادية مغمورة ، لا دور واقعي لها يذكر في صياغة أي حدث أو أمر ، وإنْ ذهب البعض حتى الى التشكيك في صحة وجودها وأنَها خرافة حبكت بقدر كبير من الخبث والحقد للطعن بالشَيعة ومعتقداتها . نعم ، إن استقراء السيرة الذاتية لهذه الشخصية في كتب العامة ـ لا كتبنا لانها عندنا واضحة جلية أجلى من الشمس في رابعة النهار ـ يكشف للمرء الكثير من هذه الاخبار المليئة بالمبالغة والكذب والتناقض بشكل لا يخفى على أدنى متأمَل ، رغم وضوح حال هذا الرجل ، ومحدودية أمره في كتب الشيعة ورواياتهم التي لا تذهب إلا إلى أنه غال ملعون غالى بعلي عليه السلام فحكم فيه حكم الاسلام الخاص بامثاله من الغلاة ، لا أكثر ولا أقل ، فه وضمن هذا المقياس شخصية عادية كحالها من الشخصيات المنحرفة التي تعج بها جميع الكتب لا كتبنا فقط .والحق يقال : إنّ هذه المبالغة المفرطة في حياكة دور مهول لهذا الرجل في صياغة الكثير من الاحداث الجسام دفع بالعديد من المؤرخين والباحثين الى التشكيك صراحة في وجود مثل هذا الشخص في أرض الواقع ، وتلك حالة رد فعل طبيعية لها بعض التبرير أمام أمور خرافية وغير عقلائية تزدريها الالباب ، فحدث نتيجة ذلك ما نراه في تلك الكتب من الارتباك والتنافر وعدم الوضوح ، حين نرى أن البعض الآخر يذهب إلى أن ابن سبأ ليس إلا عمّار بن ياسر رحمه الله تعالى والذي حاولت قريش الطعن فيه فاخترعت له هذه التسمية كما كانت تسميه بابن السوداء ، وذلك لما يروونه عنه من تزعمه لقادة الثورة التي أودت بحياة الخليفة عثمان بن عفان ، وتفانيه في خدمة علي بن ابي طالب عليه السلام ، وتشيعه الصريح له .

ثم لا يخفى عليك أخي القارئ الكريم أنَّ أول الحائكين لهذه الاسطورة الخرافية حول هذا الرجل ـ والذي قفى بعد ذلك أثره المؤرخون ـ هو الطبري في تاريخه ، وكان مصدره فيها سيف بن عمر البرجمي ( ت 170هـ ) الذي يطعن به معظم أصحاب التراجم والسير بشكل صريح وواضح ، حتى لقد قال عنه مرة : فليس خير منه ، وقال عنه أبو حاتم : متروك الحديث ، وقال عنه أبو داود : ليس بشيء ، وأمّا النسائي والدارقطني وابن معين فقد قالوا عنه : ضعيف الحديث . . . فراجع وتأمل . وللحق أقول : إن مجرد التأمل البسيط في الظروف المحيطة بظهور هذه الرواية ، وما يمكن أنْ تترتب عليها من نتائج اذا ذهب البعض إلى التسليم بصحتها ، رغم تناقضاتها الصريحة والواضحة ، بل وما تحاول ابرازه إلى سطح الواقع من شواهد محددة ومعروفة لدىَ الجميع ، يشير بدون لبس إلى غرض المؤامرة التي تبدو فيها أصابع الامويين وبصماتهم واضحة جلية ، وذلك من خلال استقراء الاحداث المروية في المراجع والتي قيل أن هذا الرجل قام بتدبيرها بين البصرة ، والكوفة ، والشام ، ومصر ، وخلال فترة زمنية محدودة ، وما ترتب عليها بعد ذلك من نتائج واسعة وخطيره لا يمكن لاحد التسليم بصحتها ، والجزم بوقوعها إلاّ اذا جافى الحقيقة والمنطق ، وأعرض عن حكم العقل وحجته ، بل ولا بُد ـ وكما ذكرت سابقا ـ من أنْ تتأكَد لديه هذه الحقيقة وهذا الدور المفضوح لتلك الشجرة الملعونة في القرآن في صياغة واشاعة هذه الاسطورة المضحكة والمهلهلة ، وهو ما اثار الكثير من الباحثين والدارسين حتى دفعهم صراحة إلى القول بأن أعداء الشًيعة ادخروا هذه الاسطورة وتفننوا في حياكتها للطعن بهم ، فجاء الخلف من بعد فتلقَف ما قال الاوَّلون وسلَموا بصحته دون أدنى دراسة وتأمل فوقعوا في الشراك وشاركوا من سبقهم في ظلم الشِّيعة والافتراء عليهم ، وذلك مما تتفطر له القلوب أسى وتأسفاً . . .

ولعل الملفت للنظر أن الاسطورة المنسوجة حول دور عبدالله بن سبأ في صناعة الاحداث التي عصفت بالدولة الاسلامية خلال حكم الخليفة عثمان بن عفان ، ودوره في خداع الشعوب ـ كما تجده مسطوراً في الكتب اللاحقة بكتاب الطبري ـ وحشدها لتنفيذ خطته للاطاحة بالخليفة ، وغفلتها ( اي تلك الشعوب ) المثيرة للتعجب والاستغراب ، تجدها متصاغرة متواضعة ، وذليلة عاجزة أمام طاعة أهل الشام ـ شام معاوية آنذاك ـ للدولة الاسلامية وحكامها ، وأنهم هم الذين لم يُغيروا ولم يُبدلوا ، بل إنَ ابن سبأ لم يجد له فيها أذناً صاغية لدعوته ، حين وجد في أهل مصر ضالته ، هذا اذا علمنا بأنَّ لمصر الدور الاكبر في الثورة على عثمان بن عفان حينها . . . اذن فلا متمسك بدين الاسلام في هذه الاسطورة إلاّ الشام ، ويا حسرة على ما سواها من الشعوب المنحرفة اللاهثة وراء الفتنة وأصحابها ! ! فتأمَل .

والخلاصة : إن قصة ابن سبأ ـ إنْ سلَمنا بوجود شخص بهذا الاسم ، لانّ هناك أقوال وتصريحات قائمة على دراسات علمية رصينة تذهب الى نفي وجود هذهِ الشخصية ، كما ذهب الى ذلك العلامة السيَّد مرتضى العسكري في كتابه المعروف عبدالله بن سبأ وأساطير اُخرى ـ اسطورة نُسجت حول شخصية تافهة منحرفة ، وبولغ فيها أشد المبالغة حتى أمست أقرب منها إلى حكايات العجائز في ليال الشتاء الباردة ، بل ومثيرة للاستخفاف والاستهجان ، وإلا فأن موقف الشيعة وعلمائها من هذا الامر أوضح من أنْ يحتاج معه إلى بيان ، فراجع ما شئت من كتبهم ترى حقيقة الامر بجلاء ووضوح . ولعل الامر الواضح والجلي في سر صناعة هذه الاسطورة يكمن في أمر موالاة الشيعة لعلي عليه السلام وأهل بيته الاطهار ، امتثالاً لامر الله تعالى ورسوله ، وهذا ما أثار حفيظة الامويين وحقدهم الاسود عليهم والذي لا يقف عند أي حد ، فاختلقوا ما زينته لهم نفوسهم المريضة ، ووجدها أعداء الشيعة لقمة سائغة فازدورها وطفقوا بجهل يتبجحون بها كالحمقى والمغفلين ، من دون أدنى مراجعة ودراسة ، وأنا أترك للقارئ الكريم مسألة الحكم حول هذا الموضوع بعد دراسته المجردة للوقائع التاريخية الممتدة خلال فترة ظهور هذا الرجل ، أو ما كتب عنه من قبل الباحثين والدارسين المختلفين ، وحتى يدرك بالتالي تفاهة وسقامة الربط الساذج بين عقيدة تمتد جذورها إلى اليوم الاول لقيام الدعوة الاسلامية ، وبين رجل أبسط ما قيل في حقَه أنَه مشرك وكافر ، فراجع . (1) بلى إن جميع مصادر الشيعة اتفقت على لعنه وتكفيره ، وأنه غال زعم أن أمير المؤمنين عليه السلام إله أو نبي مرسل من قبل الله على الاقل .فراجع : رجال أبو علي : 302 ، رجال الكشي 9 : 323 ، رجال الطوسي : 51|76، نقد الرجال : 199|131 ، الخلاصة ( القسم الثاني ) : 237|19 ، تنقيح المقال 2 : 183 وغيرها. (1) انظر المِلل والنِحل المطبوع على هامش الفصل: 1/ 50 – 51 . (2) راجع أيضا : أوائل المقالات : 45 ، كشف المراد : 261 ، الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة : 239 ، مقالات الاسلاميين 1 : 330 ، شرح المقاصد 2 : 230 ، تأريخ المذاهب الاسلامية : 138 ، الملل والنحل 1 : 43 ، مذاهب الاسلاميين : 40 ، شرح الاصول الخمسة : 625 وما بعدها ، الملل والنحل من كتاب البحر الزخّار : 12 ، الحور العين : 204..

(1) البُلَهْنية : السعة والرفاهية في العيش .انظر : القاموس المحيط 4 : 203 .
(2) السمادير : ضعف البصر ، وقيل : هو الشيء الذي يتراءى للانسان من ضعف بصره عند السكر من الشراب وغَشْي النعاس والدوّار.
قال الكميت : وَلَما رايتُ المقرباتِ مُذالةً * وَأنكرتُ إلاّ بِالسًماديرِ ألها


 

بسم الله الرحمن الرحيم

تراتيب المواضيع النهضوية من خلال نظرة المعتزلة المعاصرة

يجب العلم وبوضوح أن الأدلة عند المعتزلة هي : العقل فالكتاب ( القرآن ) فالسنة فالإجماع .

1.التفكير : ـ إن أمةً لا تفكر بجملتها ، لا يمكن أن تنهض ، ذلك أن الفرق بين الإنسان وغيره من المخلوقات ـ المشاهدة وغير المشاهدة ـ إنما هو في التفكير ، والتفكير أنواع ودرجات ، ومستويات ، فهناك التفكير العادي : منه البسيط ، مثل إدراك وجود نافذة في البيت ، ومنه المركب ، مثل إدراك أن الزواج يحتاج إلى إمكانيات مادية ، وقبول من الطرف الثاني ، وهناك التفكير العميق ، وهو تفكير يعتمد على المنهج التجريبي بصورة أساسية ، وعلى  السبل التي تسلك للوصول إلى النتيجة ، والوسائل ، والأساليب ، والأدوات ، وهو تفكير ميدانه الوجود الملموس ، أو المدرك ، وهو محدد بظواهر الكون الموجودة : المادة ، والإنسان من حيث هو كينونة حية ، وليس من حيث هو مستخلف أو مكلف ، والحياة من حيث هي ظاهرة بيولوجية أو فسيولوجية ، أي إدراك الظاهرة كما هي ، والعمل على الانتفاع بالظاهرة ، أو اتقاء خطرها ، حقول هذه الظواهر الأساسية هي : الفيزياء ، وعلوم الحياة ، والفلك ، ولا بد من إدراك النظام الرياضي لهذه الظواهر ، وهذه هي أفكار العلم التجريبي المتعلق بالعناصر ، وللملاحظات والتجارب والاختبارات دور ضروري في إنتاج هذه المعرفة ، وهي معرفة متعلقة بتسخير الطبيعة لصالح الإنسان ، وقد نتج عن هذه العلوم جميع حقول التقدم العلمي ، التي أدت إلى تسخير الطبيعة لصالح الإنسان ، لكنها حملت في طيات هذا التسخير أفعال الشر ، وهي الأفعال التي أتقنها وتفنن بـها العالم الغربي ، تتربع على قيادة الشر الآن الولايات المتحدة ، والتسخير هو ما تعلق  بالزراعة والهندسة ،  والطب ، والكيمياء ، والصناعات المختلفة ، والتقدم التكنولوجي الهائل في الاتصالات ، بحيث جرى تسخير الكون لصالح الإنسان . مع إدراك كم من فساد وسفك دماء حدث بسبب سوء استعمال هذه المخترعات .

2. الإيمانيات : ـ تحتاج لفكر أساسي يتعلق بتفسير الوجود ، من حيث نشأته ( الخلق ) ومن حيث نظام الحياة الذي تلتزم به الإنسانية في مسارها ، ومن حيث المصير الذي سيؤول إليه الإنسان بعد نـهاية حياته ، وهو أمر ضروري للإنسان من حيث هو إنسان ، وللإنسانية وللمجتمع ، والتفسير أمام رؤى ثلاث هي : التفسير المؤمن ، وهو التفسير الحق ، وبه تنضبط مسارات الإنسانية ، فيقل الفساد وينحسر الظلم  ، التفسير الملحد و التفسير الحيادي { العلماني غير الملحد } لكن الرؤى الثلاث لا يجوز أن تتوقف عند الفكرة التفسيرية مفردة ، فلا بد من رحلة مكملة لها ، يمكن وضعها تحت العناوين التالية : ـ

الأفكار المتعلقة بالأساس وهذه لا تعدو واحدا من الأمور التالية : 1- لأنـها لازمة مثل بحث نـهج الاستدلال أي منهج المعرفة ، وبحث القضاء والقدر ، أي حرية الإرادة ، أو خلق الإنسان لفعله  2- لأنـها ضرورية مثل عالم الغيب   3- لأنـها مكملة مثل كيفية بناء الالتزام عند الفرد والمجتمع 4- لأنـها متولدة عنها مثل بحث التسبيب .

3. الفكر الحركي :- ويتعلق بإنتاج كيان الأمة ، والمحافظة عليه من الأخطار الداخلية والخارجية ، ومن هنا جاءت ضرورة الوعي السياسي ، ولا يجوز أن يكون الوعي السياسي مجرد فهم للأوضاع  السياسية ، أو إدراك للموقف الدولي ، أو معرفة للحوادث السياسية الوعي السياسي هو تدبر الإنسان لرعاية شؤونه ، وهذا يوجب النظر للعالم من زاوية خاصة والوعي السياسي غير الفكر السياسي ، والوعي السياسي لازم من لوازم الفكر الحركي وضروري للفكر السياسي .

4. الفكر السياسي :- يتعلق الفكر السياسي برعاية شؤون الإنسان ـ من حيث هو إنسان دون أي اعتبار للعرق ، أو القوم ، أو الدين الذي يدين به ، أو الطائفة التي ينتمي إليها ـ فالفكر السياسي الحق ، ليس لديه أقليات ، أو إثنيات ، أو طوائف ، أو عرق ، أو لون ، حين مباشرة الرعاية ، تتعلق الرعاية المطلوبة بما يلي : ـ

ا ـ تأمين العيش للناس ، وحفظ أمنهم ، ورعاية كرامتهم ، وتأدية حقوقهم.

ب ـ شعور الأمة كأمة بالعزة والمكانة اللائقة .

ج ـ حصول المجتمع على الثقافة والعلم والتنظيم .

د ـ تنظيم علاقة الدولة بالناس ، بوجود دستور معروف أو معلوم أو مكتوب .

هـ وضوح العلاقة الخارجية التي تسير عليها الدولة مع الأمم والشعوب الأخرى .

و ـ تبنى العلاقات الخارجية على الدعوة والقوة والتأثير .

5. الفكر الفقهي :- وقد يسمى التشريعي ، وقد يسمى القانون أو الشريعة ، والجزء المهم ما يختص بالعلاقات ، وهو  يسمى الآن القانون المدني وقانون الأحوال الشخصية ، والحقيقة الظاهرة أنه لا يجوز التفريق بينهما ، فهما معا قانون العلاقات ، يترتب على العلاقات حل النـزاعات ، وهي تحتاج إلى قانون يتعلق بالبينات ، ومن بعد هذا لابد من نظام للعقوبات فالفكر الفقهي هو : ـ

ا ـ نظام العلاقات .

ب ـ نظام حل النـزاعات .

ج ـ نظام البينات.

د ـ نظام العقوبات .

هـ منظومة القيم .

6. الفكر العلمي التجريبي :- والمراد هنا ليس بحث موضوعه ، بل ترتيبه في الأفكار ، إذ لا يجوز وضع شرط التقدم قبل شرط النهوض ، فالفكر العلمي ثمرة للنهوض وليس العكس ،  الغاية منه تسخير الطبيعة لرقي الحياة الإنسانية ، و مثل هذا الفكر يحتاج لحشد من العلماء ، والمختبرات ، لإجراء التجارب ، واكتشاف قوانين الطبيعة الثاوية فيها ، والانتفاع بـهذه القوانين وتحويلها إلى مخترعات ، تقوم مجموعة من الصناع المهرة بصناعة هذه المخترعات ، ووضعها في خدمة الإنسانية على وجه من شأنه تعميم الانتفاع ، وليس قصره على أمة دون أمة .


نبذة موجزة جداً عن علاقات الأمم

تـهدف هذه النبذة إلى لفت نظر دعاة التوحيد والعدل إلى تدبر السياسة العالمية ، أي ما تقوم به الولايات المتحدة للهيمنة على العالم ، والدول الكبرى الأخرى الطامحة للتأثير في السياسة العالمية ، من خلال رصد طريقتها وخططها ووسائلها وأساليبها ووسائلها لاتقاء خطرها من جهة ، ومن جهة أخرى للتأثير في مجريات السياسة العالمية ، لانتزاع القوامة وعودة قوامة الرحمة على العالم بديلا عن هذا الديناصور الأمريكي المهيمن على الكرة الأرضية كلها محولا إياها إلى شقاء يشمل الأغنياء الذين اشتد قلقهم من فرط الغناء والثروة ومجاميع الفقراء والمعوزين القائلين من شدة وطأة الفقر ليتنا لم نخلق.

منذ وجود الأمم  سارت في بناء علاقاتـها مع بعضها البعض على القوة ، طلبا للمجد أو المنفعة أو لهما معا ، من هنا كان الاجتياح والتدمير للبلد المهزوم ، انتقلت العلاقة إلى الاحتلال والمستعمرات الاستيطانية ، لتحل علاقة الاحتلال الكوليونالي في القرن التاسع عشر ، فالاستعمار الامبريالي الذي فرض التبعية والوصاية وترسيم الحدود ، وهو يعني فرض السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية على الشعوب الضعيفة لاستغلالها ، ومنذ مطلع القرن العشرين استندت العلاقة إلى ما يسمى الشرعية الدولية عبر عصبة الأمم ، التي انـهـارت بسبب علاقات القوة والصراع ، ليس على مركز الدولة بالعالم بل على قطب العالم ، أو ما يشبه دولة تفرض السيطرة على العالم ، خلال نظام تَحَكُّمٍ في القوة العسكرية ، والسياسة ، والاقتصادية  والتدفق الإعلامي ، وتنفرد الولايات المتحدة الآن بالسيطرة على القرار العالمي إجمالا ، لقد ورثت الولايات المتحدة الإرث الاستعماري ، وتداركت في طريقة مذهلة عوامل الضعف في منظومة الاستعمار الإمبريالي ، لقد نقلت الصراع الدموي بين الإمبراطوريات الاستعمارية إلى نظام مشاركه ، هي رأسه ، ونادت بتحرير المستعمرات ، وإعلان حق تقرير المصير ، منتجة دولاً مستقلة شكلا ، مرتبطة بالاستعمار مضمونا ، من خلال صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، وسيطرت تمام السيطرة على قرارات مجلس الأمن ، ومع تفكك القطب الثاني وبالتالي زوال الأسباب الداعية لوجود أحلاف عسكرية ، والاستمرار في تطوير السلاح ، إلاَّ أنـهـا لا تزال سائرة بالأمرين معا ، فهي في مثل هذه الحال لا بد من السعي لتجريدها من مكامن قوتـهـا ، وهي الأحلاف ، وحق النقض ، والفصل السابع في مجلس الأمن ، واستمرارها في تطوير السلاح ومنظومة العلاقات النقدية العالمية وهذا يقتضي دعاية عالمية واسعة ، غايتها بيان الخطر الكامن في بقاء الولايات المتحدة هي صانعة القرار العالمي .

هناك من يصف تاريخ التوسع الإسلامي ؛ بأنه من نوع سياسات التوسع للمجد والمنفعة . والتاريخ الواقعي ينفي ذلك تماما . ومن الصدق القول بأنه جرى انحراف من التوسع في سبيل الهداية إلى كونه توسعا في سبيل الجباية ، وكان من الواجب أنْ لا يكون ، ومع ذلك حدثت الهداية ، وحدث معها أيضا التقدم المعرفي وكانت السياسة في القطر المفتوح مثلها تماما في المركز.

رأي المعتـزلة في الجن

* موضوع تأثير الجن في تغيـير حقائق الأشياء ، ينكره الإسلام ، وما هو موجود منه بأن أُدخل في حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي تفسير بعض آيات القرآن الكريم  هو مجرد استعارة من الفكر اليهودي والفكر النصراني .

* ليس هناك من مشكلة ، أو إشكالية ، في الإيمان بوجود عالم الجن عند المسلمين ، وأي زعم أو قول : أن بعض مدارس الفكر الإسلامي كالمعتزلة ، تنكر وجود الجن لا حقيقة له .

* قضية الجن ، قضية ذات وجوه متعددة هي : ـ

1 - الإيمان بوجود الجن ، وهذا الأمر لم يختلف فيه المسلمون أي اختلاف .

2 - إمكانية التواصل مع الجن ـ عبر أي واحدة من الحواس ـ وهذا ما ينكره المعتزلة إنكاراً تاما ، لقوله تعالى : (( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ )) (الأعراف: من الآية27) ولقوله تعالى  : (( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً )) (الجـن:1) فما أوقحَ ! من يدعي أنه يراهم  أو يسمعُهم ، مع أنَّ نبي الهدى لم يرهم ، ولم يسمعهم ، كما هو منطوق القرآن الكريم  ولهذا لا بد عقلا وشرعا رد حديث اجتماع الرسول بالجن .

3 - قدرة الجن على التأثير في حياة الناس ، خاصة في موضوع المرض والشفاء منه ، أو التدخل بحياة الناس ، وهذا ما ينكره المعتزلة أيضاً .

4 - إمكانية تسخير الجن من قبل بعض الناس ، وهذا ما ينكره المعتزلة ، لكن المعتزلة تؤمن إيمانا لا ارتيابَ فيه ، بما ورد في القرآن الكريم من تسخير الجن لسليمان عليه السلام  بقدرة الله ، على سبيل المعجزة الخاصة بسليمان ، والمعجزة لا تتكرر ، إذ أي تكرار لها يسحب عنها برهان المعجزة ، حتى لنفس النبي صاحب المعجزة ، إذ التكرار يقدم شبهة  وهي أن من ظهرت على يده أكثر من مرة ، إنما يدرك سرا علميا فيها يعرفه هو ، ولذلك استطاع إظهارها مرة أخرى ، فالحكيم الخبير لا يجعل معجزاته لأنبيائه موضع الشبهة  وقد تساءل بعض الناس عن عصا موسى ، التي تحولت إلى حية تسعى ثلاث مرات فالمرات الثلاث مترابطة تماما ، فهي مكملات لبعضها ، ومثل ذلك معجزات عيسى فهي متعددة وبإذن الله ولا يفهم من القرآن التكرار وإنما التنوع قال تعالى : (( وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )) (آل عمران:49) .

5 - إمكانية معرفة الجن الغيبَ، وهذا ما ينكره المعتزلة ، والقرآن الكريم أنكر ذلك بوضوح قال تعالى : (( فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ )) (سـبأ:14)  فالجن لا يعلم الغيبَ كُلاً أو بعضاً ، فها هم في زمن سليمان مسخرون على خلاف طبيعتهم ، في أشد الشوق للعودة لطبيعتهم ، ويموت سليمان وهم يشاهدونه قائما ، ولا يعلمون أنه ميت .

6 - وجود قدرة للجن للتحول ، أو التمثل بالناس ، أو الحيوانات ، لا حقيقة له ، وليس عليه دليلٌ ، بل هذا الأمر مجردُ إدِّعاء ، إذ كلمة الجن تعني الستر ، أي عدم الظهور  والمشاغبة بأحاديث الآحاد ، لا ينهض دليلا لوحده ، فكيف إذا تعارض مع القرآن الكريم وتعارض مع الحس الظاهر ! ؟ .

7 - إمكانية التـزاوج بين الجن والإنس بسبب الفهم الخاطئ للآية : (( فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ )) (الرحمن:56) فليس في الآية دليل على التـزاوج ، ذلك أنَّ الآية لم تأت لهذا الموضوع بل وردت لموضوع آخر ، هو إثبات العذرية وتأكيدها ، وعليه لا بد من ملاحظة التركيب القرآني (( لم يطمثهن إنس قبلهم )) فنفى طمثٌ ممكن ، وهو طمث الأنس ، ثم أضاف الطمث المستحيل ، بفاصل بين الإنس والجان ، وهو الظرف [ قبلهم ] ، فالنفي متوجه للطمث ، ولا يستدل بدليل الإشارة ، على إمكانية الطمث من الجن ، إذ لو كان ذلك هو المراد ، لكان من الضروري عدم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه ، أي لكان النص  [لم يطمثهن إنس ولا جان قبلهم ] ولم يأت الفصل للغرض البديعي ، ذلك أنَّ البديع في القرآن تابع للمعنى ، وليس هو الغرض ، ومن يقل بذلك فإنه يتهم القرآن  في أسلوبه ، ومن هذه الدراسة يتبين استحالة طمث الجن للإنس ، دنيا ، وآخرة .

8-  إنَّ الحيات ليست من الجن ، لا جنساً ، ولا تمثلاً ، واستعمال اسم الجان للحية ، أو بالحقيقة لنوع معين من الحيات ، وهي الحيات الرفيعة السريعة الحركة ، وهي بالتالي لا تستقر بمكان ، فإن الاسم جاء لها من العرب على سبيل التوسع ، أي المجاز ، لتشابه بينها وبين الجن ولذلك فالحية التي في البيت أيام بيوت الطين ، لا علاقة لها باسم الجن ، إذ يقال لها في اللسان العربي عامر ، وعامرة ، قيل سميت عوامر لطول عمرها ، ولا عبرة في النص من نصوص الحديث المرفوعة لرسول الله ، ومتنه : [ إنَّ لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليها ثلاثا ] فالحديث حديث آحاد ، ولا يقبل بأمور إيمانية ، هذا من جهة ، ومن وجه آخر مسألة تطبيقه ، فالعجب من القائلين بصحة هذا الحديث ، مع الامتناع عن تطبيقه في حياتـهم  إذ من المعلوم من حالهم أنـهم يسارعون إلى قتل حيات البيوت ، مباشرة دون تحريج عليها .

9-  إنَّ الجن في حالة عجز مزرية ، فلا يمكنه إمراض أحد ، أو شفاء مريض ، أو قتل فرد من الأحياء ، أو إحياء ميت ، أو نقل ريشة دجاجة من مكان إلى آخر ، إن كل ما سبق من حيث هو نظام كوني ، فهو لرب العالمين ، فلا بد من الإيمان بأنـها فعل القادر الذي لا يعجز وليست فعل القادر بقدرة ، ولا بد أن يعلم أن الفعل الذي تم على يد الأنبياء ، من مثلها  فهي من الله تعالى لنبي ، وهي معجزته ، وهي الشهادة لصدق النبي في دعواه ، أما الإنسان المستخلف ، وهو قادر بقدرة تَـمْكِينِـيـَّةٍ ، ومن المعلوم أنَّ في الكون ظواهرَ سببية ، فمن عرف الأسباب ، فهو ممكن من استخدامها ، وإظهار الظاهرة الكونية ، سواء في الطبيعة بالقانون السببي الصارم ، أو في الإنسان باستعمال سنن النفس والآفاق ، أمَّا قدرات الأحياء الأخرى  أو العوالم الأخرى ، فهي قدرات مختلفة عن قدرة الإنسان اختلافاً كلياً ، فقدرات الإنسان ملائمة لكونه مستخلفا.

10-  الجن ليس مستخلفا ، فهو عاجز عن استعمال الأشياء ، أو تغيير حقائقها ، أو تشكيلها  أو تصنيعها ، أو نقلها من مكانها إلى مكان آخر ، والعفريت من الجن الذي قال للنبي سليمان (( قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أنْ تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين )) فهو لم يقل ذلك بسبب القدرة الذاتية له ، بل بسبب المعجزة ، وهي تسخيرهم للنبي سليمان ، قال تعالى : ((وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ )) (النمل:17)  الآية مصرحة بأنواع ثلاثة من الجنود للنبي سليمان ، من الجن ، والأنس ، والطير ، و [ من ] هنا للتبعيض أي بعضا من الجن ، وبعضا من الإنس ، وبعضا من الطير ، وعلى فرض أنـها للبيان ، فهي لا تفيد الاستغراق لكل الجنس ، بل مجرد طائفة من الجنس ، وأُضيف إلى ما خص الله سليمان به مظهر واحد من مظاهر الطبيعة هو الريح ، وهؤلاء الجند المـحشورون هم فاعلون بقدرة الله القادر ، أي أنَّ الأمر معجزة ، ومثل ذلك الريح المسخر .

11-  أنَّ الخواص التي عليها الجن هي 1- رؤيتهم للناس من حيث لا يمكن للناس أن تراهم أفرادا أو جماعات قال تعالى : (( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ )) (الأعراف: من الآية27) وحرف [من]  الزائد ورد لتوكيد عدم رؤية الناس للجن ، بأي حال من الأحوال 2- إنـهم يستمعون لكلام الناس ، ولكن الناس لا تَسْمَعُ منهم ، ولا تستمع إليهم ، قال تعالى في صدر سورة الجن : (( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً )) (الجـن:1) فالقرآن ينص بـمنطوقه : إنَّ علمَ استماع الجن للقرآن ، إنما أخبر به الرسول محمد وحياً ، ولم يعلمه مشاهدة ، ولا معاينة ، أي لم تقع عليهم رؤية العين ، وهذا رد واضح بين على من يزعم أنه يَسمعُ الجن وَيُسْمِعُهُم ، فالرسول لم يحصل على هذه الخصيصة 3- ليس للجن سلطان على أحد من البشر ، وسلطان الجن على البشر يكون على من رضي باختياره متابعته ، أي بارتكابه من ذاته ، وبناءاً على دوافعه ، ووفق رأيه ومباشرته للفعل بكل اختيار ، أعمال المعاصي والفسق ، والكفر ، فالجن غير متمكن ، وفاقد للاستطاعة بإجبار أي واحد من البشر على معتقد أو مسلك ، وهذا ما يصرح به القرآن واضحا جلياً ، بلا لُبْس أو غموض ، قال تعالى : (( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )) (ابراهيم:22).

12-  الجن لا يدخل جسم الإنسان ، ولا يقدر على لمسه ، ولا يدخل عقل الإنسان ، أو دماغه  أو قلبه ، أو صدره ، أو أي جزء من جسم الإنسان ، فالجن عالَمٌ مفصولٌ تمام الفصل عن الإنس ، في كل أمر ، الجن يوسوس للناس ، الجن يزين المعصية للناس ، ليس بمقدور البشر معرفة الكيفية ، التي تجري فيها الوسوسة والتزيين ، ولهذا لا ضير من القول أنَّ الشيطان يباشر فعلاً الوسوسة والتزيين ، على شرطين : الأول :  أنَّ موضوع كيفية ذلك غير معروف ، الثاني أنـهما ـ أي الوسوسة والتزيين ـ ليسا سبب العدول عن الاستقامة ، بل عدل الإنسان عنها من ذاته ، فلا يلومَنَّ غير نفسه ، وإنْ قال أحد : أنَّ الوسوسة والتزيين وردتا على سبيل التخييل ـ أي كأنَّ الإنسان وقد واقع المعصية والفسق والكفر ـ كأنه جعل الشيطان قائده ومرشده وهاديه ، مع أنه هو الذي قاد نفسه ، ودلـها وسار بـها إلى ما فيه هلاكها أي تحقق منه السير في درب الشيطان ،  والتخييل ورد في القرآن كثيرا ، والتخييل غير الخيال أو التخيل ، إذ التخيل متعلق بالظن والوهم ، وهما متعلقان بعدم التحقق من الوجود ، وليس عدم وجود الواقع مطلقأ ،  بينما التخييل متعلق بالتصوير الفني في القرآن ، وهو واحد من الأساليب البيانية المركبة العالية ،  أنظر قوله تعالى أول آية في سورة الأنبياء (( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ )) (الأنبياء:1) فهل يقترب الحساب على الحقيقة والواقع ؟ هل الحساب في حالة قدرة على الاقتراب ؟ أم هو التخييل ، وهو هنا إلباس المعنويات ثوب الحسيات ، أي التعامل مع أسماء المعاني ، وكأنـها كيان حي ، يجري عليه ما يجري على الأحياء ، ثم في استعمال الفعل المزيد بالألف المهموز ، والتاء ، بدلا عن الفعل المجرد [قرب] ألا يعني هذا وجود تخييل في أساليب القرآن ؟ وعند كَسَلِ عَقْلِ واحد من الناس عن فهمه  لأنه صاحب عقل حسي ، مثل عقل اليهود من بني إسرائيل ، هل يعني عدم وجود التخييل ؟.

13-  أنَّ الكارثة التي تلف الأمة ، وتجعلهم يسلكون دائما درب التيه والضياع ، هي جرأة متصنعي التقوى ، وَطَلَبَةِ الرئاسة ، ممارسي الاحتيال ، أهل اللسان اللسن الذَّرِب على قول الباطل ، وفحش القول ، دون فهم ، أو علم ، أو تقوى ، ضد المعتزلة ، وضد الزمخشري  مع أن المعتزلة لم تُعْطِ لعلمائها صورة المعصوم ، أو الذي لا يقع منه الخطأ ، وهذا أمر معلوم لكل الدارسين للتراث الإسلامي ، فالتخييل من أهم التعبيرات في القرآن الكريم ، وبه تتجلى حقيقته الإعجازية ، فعدم الذهاب إلى إثبات التخييل ، جعل الجماعة الحسية في مفهوم علاقة الجن بالإنسان ، تقتل أكثر من بريء أثناء محاولة إخراج الجن منه ، على حد زعمهم .

14-  لا يستطيع أيٌّ أن يحسم موضوع علاقة الجن بالإنس ، ولكنه قادر على تكوين فكرة تأصيلية ، يَبْني الفروع عليها ، والفقرة 11 من هذا البحث أصلت للموضوع ، فقارئ القرآن في موضوع ما ، بعد أن ينفي ما نفاه القرآن ، سيجد نفسه وكأنه أمام قضية غير محسومة وهذا اشتباه في ذهنه ، وليس بسبب النص ، سيواجه في موضوع التزيين والوسوسة والتأثير ، إما أن يثبت مباشرة الشياطين من الجن التزيين والوسوسة مع الإقرار بالعجز ، عن إدراك كيفية هذه المباشرة ، مع معرفة أن الشيطان فاقد للسلطان على الإنسان ، من استجاب له ، ومن لم يستجب ، فكلاهما سار مساره بطوعه واختياره من قبل نفسه لا من غيرها ، أو لا يثبت هذه المباشرة ، ويرى أنـها وردت في القرآن وفق المباني والمعاني التي عند الناس بصفة أنـهم أهل العربية ، والقرآن عربي المفردات والتراكيب والأسلوب ، وإنساني المعاني ، فالفرد من العرب بل من الجنس الإنساني ، يسند انحرافه إلى غيره دفاعا عن الذات ، فالقرآن لم يخرج عن أسلوب العرب بالتعبير ، وإذ الأمر متعلق بالذات والدفاع عنها ، بإسناد الانحراف إلى الغير فبدلا من الصدام المباشر مع الذات ، عمد الأسلوب القرآني قصداً إلى الصدام مع الانحراف ، وهنا يتجلَّى بصورة واضحة الفهم العميق لانفعالات النفس الإنسانية ، قال تعالى : (( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )) (البقرة:275) يلاحظ في هذه الآية تمام مسؤولية آكل الربا عن فعله ، وأنه في محل القدرة على مجانبة العمل الربوي ، فمس الجن له ليس على الحقيقة وليس مسوغا له لأكل الربا ، فلماذا ذكر القرآن المس والتخبط ، فإن كان هناك مس فعلا فليس في مقدوره دفعه ، فكيف يقيم القرآن تماثلا بين واقعين مختلفين ؟ واقع في مقدور البشر تركه أو فعله ، وواقع يقع على البشر وليس في مقدور البشر في أي حال من الأحوال اتقائه ، لا بد أن يكون التماثل في ناتج فعل حسي معلوم ، وناتج فعل معنوي ، الناتج هو التخبط المعنوي عند آكل الربا ، في أكله الربا ، أو في الدعوى أنَّ البيع مثل الربا ، والتخبط الحسي عند المريض في الجنون ، مع الإدراك بأن الجنون ليس مرضا يحدثه الجن بالقدرة الذاتية ، أو بالتقدير أي بخصائص النظام الكوني ، والقرآن يذكر مس الشيطان على مقتضى اللسان العربي ، وليس على الإقرار بواقع المس ، وإثبات علاقة بين الجن والإنس هي مجرد زعم للعرب ، لا حقيقة له ، والقرآن لا يمكن أن يخرج عن مواضعة العرب في كلامهم ، ولكنه يصحح مفهوم الكلمات ، أو أنْ يقال : إنَّ آكلي الربا يقع منهم مثل ما يقع من المريض بالجنون ، يوم القيامة في الـمحشر لكشف سريرتهم أمام الخلق  إنَّ سورة الناس وفيها (( الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ )) (الناس:5، 6) إنَّ الآية الأولى أثبتت الوسوسة في صدور الناس ، والآية التالية لها أثبتت نوعين من فاعلي الوسوسة في الصدر ، هما : الجنة  والناس ، ومعلوم مشاهدة أن الناس لا تدخل الصدور ، فالجن المقترن مع الإنس ، يوسوس دون دخول الصدور ، فالمس ، والجريان مع مجرى الدم والعروق  ودخول الصدور هذه كلها على المعنى ، لا على الواقع .

15- الإيمان بوجود الجن ليس من الإيمان بالغيب ، بل هو من الأيمان بالخبر ، والخبر الذي يصلح دليلا للإيمان ، هو الخبر الذي ثبت عقلا أنه خبر الصادق ، الذي لا يكذب ، وأنَّ المعنى الذي يدل عليه النص مقطوع به ، أنه على هذا المعنى ، أي الخبر القطعي الثبوت ، القطعي الدلالة  أما الظني الدلالة ، فيكون القول في فهمه مجرد رأي ، وفهم ، فيتأتى فيه وجود الفهم المناقض له ، وأمَّا الظني الثبوت كحديث الآحاد ، فيحرم بناء الإيمان عليه ، ويجوز مجرد قبوله والتسليم مجرد تسليم بموضوعه ، أي عدم تصديقه على سبيل الجزم ، هذا إن لم يكن في حالة تعارض مع القرآن الكريم ، ومثل هذا الخبر لا يَرِدُ تعارضه مع العقل ، لأن موضوعه لا يقع تحت العقل ، أما إنْ كان موضوعه في عالم الشهادة ، كحديث سجود الشمس في غيابـها تحت العرش ، فهذا يُرَدُّ عقلاً .

16-  إنَّ أحاديث الجن التي وردت في أمهات كتب الحديث ، وفي غير الأمهات ، كلها بلا استثناء ، في محل التعارض مع القرآن الكريم ، فالواجب ردُّها ، ومن لم يَرُدَّها وجعَلها من إيمانه فإنَّه يكون قد أقام إيمانا على الأسطورة ، لا على الخبر الظني ، إذ الخبر الظني ، لا بد أن لا يعارض القرآن ، ولا يعارض المعقول الحسي ، وليس فيه دعوة لقبول الجور ، ولا ينافي التنـزيه ، أي لا بد أنْ يكون موضوعه ممكن على الاحتمال .

17-  من غرائب هذا الزمان ، أن البعض يكتب ـ ليثبت الاتصال بالجن ـ بقوله ما يلي : ـ [ وإنَّ من الناس من رآهم ، وكلَّمهم وكلَّموه ، وقد ثبت ذلك بالخبر اليقين !!!! ويواصل هذا أل [ س ] كلامه : حتى أنَّ من الناس من يأمرهم ، وينهاهم ، ويتصرف بـهم !!!! ثم يقول : ـ ومن الناس من يخدمون الجن ، ويخدمهم ، ويلعب بهم لعب الصبيان بالكرة ، ولا ينكر وجودهم رؤية بعض الناس الصالحين والطالحين لهم ، إلاَّ أولئك الذين لا يؤمنون بالغيب (( بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد )) ] إنتهى الاقتباس.

من الجدير بالذكر أثناء قراءة الفقرة 17 ، لأكثر من مرة أنَّ [ س ] يعمد إلى تأكيد رؤية الجن والكلام معهم وأنـها ثابتة بالخبر اليقين ، هل المراد بالخبر اليقين خبر القرآن الكريم ؟ إنْ كان المراد ذلك ، فالقرآن نفى نفياً مؤكداً إمكانية رؤية الجن ، والنص قطع بالمنطوق عدم رؤيتهم .

الخبر اليقين عند [س] هو قول المتقولين ، فكيف تبلغ بـهم الجرأة على مخالفة القرآن الكريم ؟  لماذا بُتِرَتْ الآيةُ المستشهد بـها من أولها ؟ فالله تعالى يقول : (( أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ )) (سـبأ:8) يلا حظ القارئ أن القرآن قرن بين الكاذب ومن به جنون لأنـهما يقولان ما لا حقيقة له ، فالآية متعلقة بمن أنكر البعث ، فكيف حولها العابثون بالقرآن الكريم عن موضوعها من جهة ؟ وكيف جعلوا وعيدها للذي يجعل القرآن أساسا ـ يهتدي به ـ في موضوع الجن  أو أي موضوع آخر ـ من مواضيع الإسلام ؟.

تلك هي مقتطفات ، حول موضوع الجن ، تـهدف إلى فتح جدال حقيقي ، لبناء الإيمان الإسلامي على المرتكزات الصحيحة ، لا على الأسطورة ، أمَّا الأحاديث والقصص والحكايات والأساطير التي يأتي بـها المدعون الاتصال بالجن ، أو المسَلِّمُون بذلك ، وبقدرته على التأثير على الإنسان  فهذه الأحاديث محل الرد ، لمعارضتها للقرآن ، أما إذا استند الأمر إلى الحكايات ودعوى الكاذبين والأسطورة ، فهي الكارثة المزدوجة ، التي يعاني منها المجتمع الآن من احتيالات  وشعوذات  ، وتصرفات غير شرعية ، أدت إلى إلحاق القتل والأذى ببعض الناس وخاصة الأطفال والبنات ، ولن يسامح الله من يفعل ذلك أو يقر ذلك من دعاة فهم الإسلام .

هذه النشرة هي طبعة ثانية والمراد منها بناء الوعي عند الأمة

تعقيب على موضوع الجن

* وضع أحد  قارئيي نشرة الجن : جملة من التعقيبات والأقوال والآراء ، وإذ الموضوع معروض للنقاش ، فهذا تدوين لأقواله ، مع ملاحظة أنَّ التدوين لم يقدم بورقة منفصلة ، وإنما هي مجرد تعليقات مدونة على نفس ورقات البحث بصورة غير مرتبة ، قال ما يلي بالحرف بالجهة العليا من الورقة الأولى ، الكتابة تمت في يمين الورقة وهذا قوله : قوى في البشر لا يدركها العقل :

1. التلي باثي [ هكذا تدوينه ] التخاطر عن بعد .

2. التنويم المغناطيسي (( اتصال الأفكار وسيطرة على الإرادة )) .

3. الأحاسيس الخفية (( ومعرفة ما يحدث )) .

4. الأحلام التنبؤية (( الرؤيا )) . انتهى التعليق الأول

التعليق على التعليق .

ما هي علاقة هذه القوى بموضوع الجن ؟ خاصة إذا عُلم أنَّ موضوع الجن لا يمكن تأسيسه على عالم الشهادة ، بل يتأسس على دلالة آيات القرآن الكريم ، فموضوع الجن ليس بحثا من أبحاث القوى التي لا يدركها البشر ، بل هو بحث في أفكار إيمانية ؛ لا تقع تحت الحس مباشرة ، وقد تخيل بعض المسلمين وقائع للجن استنادا إلى تفسير آيات تفسيرا لا يصح ، وأسندت أحوالا للجن استنادا على نصوص من الحديث ؛ وليس من السنة ، فالسنة موضوعها موضوع عملي ، أما الحديث فموضوعه خبري ، والدارس لموضوع الجن كما ورد في القرآن الكريم ، يجد أنَّ هذه الوقائع والأحوال ـ التي تأتي بنصوص الحديث ـ تتناقض تناقضا تاما مع القرآن ، هذه هي مسألة الـجن ،  فلهذا لا يمكن الاستناد لـهذه القوى لفهم موضوع الجن ، على أنَّ هذه القوى هي مجرد ظنون فقط ، وهي ليست ظاهرة إنسانية عامة ، فهي خارج عالم الشهادة ، ولا يقال عنها : إنـها من عالم الغيب ، إذ لم يأت نص من القرآن دال على هذه القوى ، ولـهذا لا تصلح للشهادة لدعوى التواصل مع الجن .

· سجل المعلق نفسه تحت هذه القوى هذا الكلام : (( لا سلطان له على الإنسان ، ولكنه يزين ويوسوس بإذن الله ، فمن تبعه باختياره )) ماذا يريد من هذه الفقرة ؟

* وضع في أعلى الورقة الأولى من الجهة اليسرى ما يلي : (( عصر الألفية السعيدة عند اليهود والنصارى عقيدة ونبوءة توراتية ، ترجموها لواقع في الأرض المقدسة ، لتكون مركز الإشعاع الروحي ، ثم القيادي ، وبشرعية دينية ، ونحن نتجادل حول ما صَدَّعَ  جدار الدولة العباسية الشامخة ؛ وأنـهى الأموية با[ل]سبائية " ما بين الشرطتين غير موجود فيما كتب " فماذا سيفعل بدويلات ومشيخات ونواطير البترول ، اتقوا الله وعودوا لخطاب يحشد الطاقات ؛ ويدفعها للاستعداد لقبول التضحية ، كفا حشوا ! ! فالشيطان زيَّنَ إلى أمين خرافاته ! ودخل به ! وساق أفكاره ؛ حتى أصبح يتكلم بلسانه ! دون شعور ! وهذا مس وإيحاء يـحب الظهور ! ومرض الكبر والعظمة . لم يقدم خيرا ولم يعرفه أحد )) انتهى تعليقه الثالث خاليا من علامات الترقيم .

· لو قام واحد وقلب القضية ؛ ووجهها تجاه من علق هذا التعليق ، على اعتبار أنه يعطي لنفسه الحق بأن يقول : قولا لا دليل عليه ، فبماذا يرد عن نفسه التهمة ؟ !.

* وضع تعليقه الرابع في يمين الورقة الأولى وهذا هو النص : (( الجن : ليسوا مادة مرئية مخلوق من نار أو يعكس الضوء وكتب تحت ذلك مباشرة : 28 آية 285كلمة 870حرفاً ولم يوضح مراده من هذا الإحصاء ، وطبعا هو يحصي سورة الجن ، هل يريد وضع هذه السورة تحت حساب الجمل ؟ والمعلوم أنَّ حساب الجمل حساب يهودي ، يحاول الخرافيون استنباط زمن أو معنى منه ، فماذا يريد من هذه الأرقام ؟ !! لم يصرح بأي شئ  .

* تحت تعليقه الرابع مباشرة : دَوَّنَ ما يلي فهو التعليق الخامس  : العقل عاجز عن الإدراك 1- فالسحر وتعلمه من الشياطين موجود 2- الإيحاء والتأثير في النفوس والحواس والأفكار أو الأجسام 3- سحرة فرعون تخييل لا حقيقة ، ولكنه تأثير على الحواس ؛ وتحصل انفعالات تؤدي لتفريق المرء وزوجه …إلخ ، وتقع بإذن الله . السحر من عمل الشيطان .

· التعليق على التعليق الخامس .

* أفكار هذا التعليق هل هي من مدركات عقل المعلق أم لا ؟ إذا كانت ليست من عقله ؛ فمن أين جاء بـها ؟  بعد أنْ يقول : العقل عاجز عن الإدراك ، وهو قول لا يصح ، إذ العملية العقلية هي إدراك ـ يأتي بثلاثة أفكار كما هي مدونة أعلاه ، ويعقب قائلا : وتقع بإذن الله ، فماذا يقصد من قوله بإذن الله ؟ أيقصد أمره بالفعل ؟ أم رضاه ؟  أو أنـها  فعل الله وخلقه ؟ أو علمه ؟من المعلوم أنَّ الله يعاقب على السحر ، فهل يعاقب الله الساحر على فعل إذن له به ، وأقدره عليه ؟ .

* ورد تعليقه السادس في هامش الورقة من الجهة اليسرى وبحبر اختلف لونه عن ما سطر به أكثر تعليقاته والتعليق هو كتابة جزء من سورة (البقرة: من الآية102)  وهو : (( وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ   فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ .

· التعليق على التعليق السادس :

* لا يستطيع القارئ أنْ يعلم مراد المعلق إلاَّ بالإستكناه وهو يدل على إثبات تعليم الجن للناس السحر الذي ينتج عنه تأثير الجن بربط قسمي الآية التي جاء بـها وكأنه يراه تأثيراً حقيقيا خلافا لتعليقه الخامس .

* كتب ما بين سطور نشرة الجن ما يلي وهذا يكون تعليقه السابع  : أي بعد الفقرة المرقمة 3 (( وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً * )) (الجـن:8،9) وقفز عن آية 10 وكتب (( وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ 00 )(الجـن: من الآية11) ليكتب (( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ )) (الجـن: من الآية14) ثم كتب (( وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً )) (الجـن:4) ووضع الجملتين التاليتين في نفس المكان وهما : أيوب مسَّهُ ، الشيطان من المس يشير في الجملة الأولى إلى الآية (( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (صّ:41) وفي الجملة الثانية إلى )الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ )(البقرة: من الآية275)

· التعليق على التعليق السابع

* لا يوجد تعليق من الشيخ أمين

 


رأي المعتـزلة في السحر

· آيات وردت في موضوع السحر :

1- (( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ  ،  وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ  ،  وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا  ،  يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ،  وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ  ، وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ  ؛  حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ؛  فَلا تَكْفُرْ ،  فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا ؛ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ،  وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ ؛ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ،  وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ؛ وَلا يَنْفَعُهُمْ  ،  وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ ؛ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ،  وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ؛ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )) (البقرة:102)

فهم الآية

يقتضي فهم الآية ، أولا قراءتـها ، وملاحظة تقسيم جمل الآية ، لمعرفة معاني كل جملة ثم معرفة المعنى كاملا ، الجملة الأولى من الآية تنديد بمعهودين من الناس بسببين : الأول بقوله تعالى : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ، والشياطين التي تتلوا على ملك سليمان هم من شياطين الإنس من اليهود ، بقولهم ملك سليمان لم يكن بسبب نبوته ، بل سبب ذلك كون سليمان ساحرا ، و الثاني قولهم بكفر سليمان إذ اتهموه بتعاطي السحر ، فرد تعالى قولهم عليهم بنفي كفر سليمان ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان ) وأعاد الكفر على القائلين بهذه الفرية على نبي الله سليمان بقوله : ( وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ) وكان كفرهم وهنا الكفر ليس ضد كلمة الإيمان بل بكونهم : يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فهل المراد المقولة الظالمة لنبي الله سليمان أم المراد تعليم الناس فن السحر ؟ والراجح هو وصفهم سليمان بالسحر والدليل على ذلك أنهم يعلمون الناس كما هو نص القرآن وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وعند كثير من المفسرين أن فن السحر علم من قبل ملكين هما هاروت وماروت ببابل فإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يكون الأول غير الثاني ورغم وجود قراءة ثانية بجعل ما نافية لكن السياق يدل على تعليم الملكين لفن السحر في زمن نبوة في بابل وهو من باب تعليم الشر ليتقى وليس ليعمل والدليل على ذلك نـهيهما عن العمل بالسحر بقوله تعالى : وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ  ؛  حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ؛  فَلا تَكْفُرْ ، والسحر كما هو بالآية ليس قلبا لحقائق الموضوع والأشياء وتأتي آيات أخرى تحسم هذا الموضوع فهو تعلم إيجاد الوهم عند بعض الضعفاء بالإيمان فيحدث الوهم ما وصفه الله تعالى بدقة بقوله : ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا ؛ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) ويبين نص الآية عجزهم عن إحداث الضرر وفق مرادهم فيقول تعالى : ( وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ ) نفيا قاطعا جازما ولاتأتي الجملة التالية من الآية دالة على إذن شرعي أو إذن كوني بل المراد بيان علم الله بفعلتهم ليكونوا أقرب إلى البعد عن هذه المعصية  ( إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ )  ويأتي ختام الآية وعيدا وتهديدا لمن يباشر هذا العمل مستغلا ضعف اليقين عند بعض الناس : ( وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ؛ وَلا يَنْفَعُهُمْهم ) ثم يأتي مباشرة شدة الوعيد في نهاية الآية  : ( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ ؛ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ،  وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ؛ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) وهذه هي من أكثر ما يشاغب بها زاعمي تأثير السحر . وإذ تفضحهم الآية فماذا بقي لهم ليقولوا على الله مقالة السوء يرتزقون بفعل حرام وهو مع هذا مجرد وهم .

2- ( فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ) (يونس:81)

قول موسى عليه السلام المراد به أن الله يبطله أي يلغي قدرتهم عليه بعد أن كانوا ممكنين منه وهذا لا يجوز اعتناقه من قبل مؤمن يؤمن بأن الله لا يفعل القبيح أو المراد به يقوي الله الضعفاء بتأييده لا بفعله من إدراكهم للحقيقة فتفوت فرصة التوهيم والشعوذة عليهم وهذا ما تؤمن به المعتزلة والواقع  المعاش دال على ذلك من كون ضعفاء التفكير فقط من نساء وسذج وأصحاب هوس في الخرافة والأسطورة هم الذين يعانون ذلك الوهم .

3- (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى) (طـه:71).

4- (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طـه:73).

5- (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) (الانبياء:3).

6- (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) (الشعراء:49).

7- (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (المائدة:110).

8- (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الأنعام:7).

9- (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (هود:7).

10- ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (النمل:13).

11- (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآياتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) (القصص:36).

12- ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (سـبأ:43).

13- (وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الصافات:15).

14- ( وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ) (الزخرف:30).

15- (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الاحقاف:7).

16- (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) (القمر:2).

17- (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الصف:6).

18- ( فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) (المدثر:24).


 

بسم الله الرحمن الرحيم

المعتزلة في مواجهة الاندثار

معاناة ومكابدة

في شهر أيلول 1995 م صدر كتاب جدل الأفكار الأول ، وموضوع الكتاب قراءة في فكر حزب التحرير ، حول أفكار الألوهية، والقضاء والقدر، والأجل، والرزق، والهدى والضلال والنصر، والجزاء مع مقدمات ومواضيع أخرى ، تمهد لهذه المواضيع السبعة.

هذه المواضيع السبع ذات أهمية في الفكر الإنساني ، وفي الفكر الإسلامي ، وفي فكر النهضة ، فهي ليست مواضيع ترفيه ، بل هي أفكار أساسية ، تؤصل لفكر عالمي إنساني ، غايته زوال ثالوث الهوان، التجزئة، والهيمنة ، والتبعية ، في كل أحوالها.

كان ظن الكاتب ، أنْ تنفذ الطبعة ، وهي ( 3000 ) نسخة في زمن يسير ، إذ في الأردن وحدها عشرات الآلاف من الإسلاميين ! بصورة أحزاب ، ودعوات ، ومراكز وهيئات ، وطلاب للعلم الإسلامي ، من فقه ، وأصول دين ، وحديث ، وفوق هذا أساتذة ، يحملون الشهادات العليا ، ويدرِّسون مساقات للطلاب ، في كم هائل من الجامعات ، والمعاهد ، حول الإسلام ، أليست أفكار الكتاب تحتاج للجدل ؟

هل هذه الأفكار السبع لا تعادل قيمتها قيمة كتب الجن والسحر ؟! وكتاب شرح العقيدة الطحاوية ؟!! وكتب الترغيب والترهيب وغيرها ؟ هل قضية الألوهية ليست أساسا للفكر الإنساني ؟ في منهج المعرفة ، كحلقة أولى في الأنسنة ، يترتب عليها بقية الحلقات ، أم أن فكرة الألوهية لا أهمية لها في حياة الجنس الإنساني ؟

زخم هائل من المحاضرات ، وسيل عَرِمٌ من الكتب ، وأمواج إثر أمواج من الكلام المنقول صورة وصوتا فقط وصحف متعددة ومجلات كثيرة وثرثرات في كل مكان ضمن كل هذا الزحام ألا يتسع الوقت لقارئ أن يشتري الكتاب ويقرأه ؟ ضمن يومين أو ثلاثة ويحكم على أهمية أفكاره أو عدم أهميتها وأن يناقش فيها مع نفسه آو مع غيره آو مع مؤلف الكتاب الذي وضع عنوانه وتلفونه وصندوق بريده على غلاف الكتاب. أليس على هؤلاء الذين أهدي لهم الكتاب والأسماء مدونة عندي أنْ يقوموا بقراءة الكتاب اعترافا بجميل صاحب الكتاب؟!

إنـها الأمة التي تقتني الكتاب لا لتقرأه بل بدافع الحيازة المجانية وإذا قرأته لا تفهمه وعلى اعتبار أنـها أدركت كلمات جملة فإنـها لا تبحث عن دلالات ومفاهيم تلك الجمل وعن حيويتها وعدم حيويتها وعن ضرورتها للامة وعدم ضرورتها.

أمة تقرأ القرآن وخاصة في رمضان ولا تفهم منه كلمة واحدة أو جملة واحدة والماركسيون الأغراب عن هذه الأمة فكراً و مشاعر يقرؤون الماركسية كما يقرأ المسلمون القرآن يقدسون المقروء الماركسي ولا يفهمونه وَيُسوِّقُونًهُ بحجة التقدم والعلم وهما حجتان كاذبتان وتملأ الكتبُ القومية المكتبات والأكشاك وينفق عليها الملايين ودعاة القومية موجودون في كل مكان في السياسة والثقافة والجامعات في السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية بل هم عصب السلطة الرابعة ومع هذا فالقومية سراب بسراب فالتجزئة والهيمنة وضياع الهوية يتركزان والإسلاميون والماركسيون والقوميون تحولوا كلهم إلى دعاة ليبرالية بعد رحلة الإفلاس وهكذا تنادوا إلى تجرع السموم وهاهي سموم الرأسمالية الليبرالية تتجرعها الأمة كل يوم .

تلك هي الأمة إذ هي أمة غير قادرة على التحدي والاستجابة ولا تستطيع الإنجاز والقوامة فهي أمة فارغة المحتوى والمضمون تباشر الأفكار والكلمات ثرثرة ويُفاخر أفرادها بذواتـهم مع تعظيم لها يصل إلى حد النرجسية تعجز الكلمات عن وصف هذا الواقع الذي عليه الناس.

ولاعترف وأُقر من منطق الإقرار بالمعاناة والمكابدة أن المجموعة التي تصف نفسها بأنـها معتزلية التفكير أو أنَّ الواحد منهم من دعاة بناء العقل الإسلامي على أساس فكر المعتزلة وهم قد حازوا الكتاب إما شراءً بسعر الكلفة أو إهداءً من المؤلف أنَّ أفكار الكتاب بقيت غائبة عن ذهنهم فبقي الله فكرة – مجرد فكرة- يؤمنون بها دون أن تتحول إلى حقيقة مؤثرة تصنع الحياة أي بقي إيـماناً بالله دون فهم معنى الأصل الأول للمعتزلة التوحيد وبقي مفهوم العدل وهو أن الله لا يفعل القبيح ولا يظهر المعجز على يد الكذابين مجرد مقولة لا مفهوم لها ولا واقع لها ولذلك لا قدرة عندهم على إمكانية التوليد أما الأصول الثلاثة الأخرى المنـزلة بين المنزلتين وصدق وعد الله وعيد ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنها وكأنها لا حقيقة لها ولذلك ما أنْ يواجه المعتزلي الحياة حتى ينكص على عقبيه وينغمس انغماسا تاماً في تحقيق مطالب العيش وهكذا غاب الفكر الأساسي الأصول الخمسة وبقي عملاقا منتصبا فكر البحث عن العيش بل أن مواجهة العيش للمعتزلي الوحيد بعد أن قاد معركة الدعوة ومعركة العيش لنفسه واولاده وحمل بعض مسؤوليات ناس عاديين في إشكالياتـهم الحياتية أو ناس من المعتزلة ضغطت اكثر فاكثر على وسائل عيشه فإذا عيشه في خطر.

وإذ انظر إلى الحطام الباقي كتاب مطبوع من جدل الأفكار مركونٌ في واحدة من غرف بيته وثلاثة كتب أخرى مجازة للطبع من دائرة المطبوعات ليس بالإمكان طبعها وكتاب تحول إلى وزارة الأوقاف لإجازته ومخطوطات تحمل عناوين كتب أكثرها لم يكتمل لان المعاناة والمكابدة تسد الطريق وعشرات الأفكار المهمة في الذهن إذ موسوعة جدل الأفكار لا تتولد في الذهن من حالة صفاء ذهني وتفكير وهمي مجرد أثناء رؤية فتاة جميلة في حديقة غناء أو من خلال رؤية حالة شقية في الأزقة والشوارع أو من قعدة في ركن هادئ مع سماع كركرة النارجيلة وليس نقلاً من كتاب أو مجرد انطباع من وضع أن جدل الأفكار يتولد من خلال معاناة ومكابدة الحياة الجماعية للامة وليس من خلال إحساس الذات بواقع جزئي أو نفسها تلك هي الطريقة التي تجعل جدل الأفكار مولوداً جديداً يختلف اختلافاً كلياً عن الواقع وان كان الواقع الشمولي لا الجزئي موضع التفكير إلا أن المولود جدل الأفكار يحلق ضمن الإمكان لولادة المستقبل المؤسس على فكر غير قابل للنقص وعلى تعبير لفهم الحياة ومعالجة مشاكلها ومن هنا كانت موسوعة جدل الأفكار التي لم تظهر منها إلا كتاب واحد تعيش حالة الغربة فلا إقبال على الاقتناء ولا جدية بفهمها وحتى قارئها لم تتحول إلى جزء من عقله وهكذا بقيت موسوعة جدل الأفكار تعاني اغترابها واغتراب صاحبها فهل يعيد ما سبق أن قام به أبو حيان التوحيدي أم يتحدى ويباشر التحدي؟!

أن الثبات أمام الصعوبات والتحدي للواقع لابد أن يكون هو الأساس وخاصة من يقرأ آية { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) (التوبة:52).

لا يخفى على الناس الواقع الذي عليه الأمة ومن الضروري عدم الفرار أمام هذا الزحف الهمجي على الأمة فالوقفة الصادقة هي التي تكشف الرجال ولهذا فلابد من إعادة البناء من الصفر.

نعم لابد من الإقرار بان فكر التوحيد والعدل لم يتقدم خطوة واحدة في إعادة البناء وان كان قد وُجد إحساس به ومن هنا يمكن بعد فهم ذلك فهما جيداً إدراك الحاجة الضرورية لتغيير الأساليب والخطط والتفكير بخطط وأساليب جديدة قد يتحقق بها النجاح ولن ألوم أحدا فالله يعلم كم هي الجهود التي بُذلت وكم هي الأمكنة التي تحركتْ فيها الدعوة وكم هي الاتصالات التي حدثت للسير في فكر التوحيد والعدل إلى الأمام ولكن الذاتية المتركزة في حَمَلَةِ مشاريع النهضة وسطحية التفكير المتركزة في الجماهير حالت دون تأثير الدعوة أما عدم جدية الذين ادعوا انـهم معتزلة فحدث عنها ولا حرج.

تلك هي بعض الحقائق لابد من نشرها على السطح ليراها الداني والقاصي لان إخفاء حقائق مشاريع النهضة من حيث السير والانتكاس والفشل والنجاح والتأثير وعدم التأثير جريمة ترتكب بحق الدعوة وبحق الأمة.

ومع هذا فان لفت النظر للدعوة ولفت النظر لإعادة قراءة فكر التوحيد والعدل وقد تجاوز قطر الأردن حالة لفت النظر هذه لكن مسألة النجاح ليست هي مجرد لفت نظر بل هي حالة سير ومن هنا كان لابد من هذه المصارحة وبيان مدى المعاناة والمكابدة التي تعانيها خير دعوة أخرجت للناس لان التوحيد والعدل هما وحدهما التعبير الحق عن الإسلام فبدون التوحيد والعدل لا حياة للإسلام بل يبقى الإسلام مجرد حالة تعبد فردي وروحانيات وأخلاقيات لا تسمن ولا تغني من جوع.

 


في سبيل تصحيح مفاهيم الناس

عن المعتزلة

الهجوم على المعتزلة وفكرها ليس جديداً ، هو أقدم من قول واصل بن عطاء بالمنـزلة بين المنـزلتين ، وإذا كان صدقا أنَّ اسم المعتزلة لم يظهر إلاَّ بعد اعتـزال واصل وعمرو بن عبيد إلى اسطوانة ، في مسجد البصرة عام 100 هـ تقريبا ، للنقاش حول الأسباب التي دعت واصلا للقول في المنزلة بين المنـزلتين ، فإنَّ ما هو مجمع عليه أنَّ اصل الاعتـزال ليس هذه الحادثة ، بل أصل الاعتـزال القول بالعدل ، أي أنَّ الله لم يقدر المعاصي ، الأمر الذي دعا الخصوم لتسمية العدلية بالقَدَرِيَةِ أو القُدْرِيَّة ، لإثارة الاشتباه حول أفكار المعتـزلة ، أي للخلط عمدا بين الجبرية والعدلية ، وكانت كتب القدماء ولا زالت تخلط قصدا وعمدا بين الجهمية والمعتزلة ، وهما فرقتان لكل واحدة نشأتـها ، وهما في آراءهما مختلفتان ، اختلاف الضد في أمر أفعال العباد.

إنَّ المعتزلة العدلية هي امتداد لفهم الصحابة في التوحيد والعدل ، وما يترتب عليهما من أفكار ومفاهيم ، ولذلك وضع مؤرخو طبقات المعتـزلة الصحابة في الطبقة الأولى من المعتزلة ، ومنذ أنْ تسلم معاوية الحكم بالقهر والغلبة والاحتيال ، أخذ ينادي هو وبنو أمية بالجبر ، يعتبر عمرو المقصوص الذي قطعه الأمويون إربا إربا من أوائل العدليين بعد الصحابة ، فهو من الطبقة الثانية من العدلية ، إذ اتـهموه بإفساد معاوية الثاني بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، فقد نصحه إذ هو معلمه ومربيه بأن يعدل في حكمه أو ينـزل ، خاصة وأنه تسلم الخلافة بعد زلزال كربلاء وأحداث معركة الحرة ، ويشير التاريخ لعمرو المقصوص وتلميذه الخليفة الأموي بأنـهما قائلان بالعدل ، وهذا ما يكشفه خطاب معاوية الثاني حين تنحية نفسه عن الخلافة ، لقد صعد المنبر وقال : (( يا أيها الناس ! إنَّ جدي معاوية نازع الأمر أهله ، ومن هو أحق منه لقرابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو علي بن أبي طالب ، وركب بكم ما تعلمون ! حتى أتته منيته ! فصار في قبره رهينا بذنوبه ! وأسيرا بخطاياه ، ثم قُلَّد أبي الأمر ، فكان غير أهل لذلك ، وركب هواه وأخلفه الأمل ، وقصر عنه الأجل ، وصار في قبره رهينا بذنوبه ، وأسيرا بجرمه )) ثم بكى حتى جرت دموعه على خديه وقال : (( إنَّ من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه ، وبئس منقلبه وقد قتل عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأباح الحرم ، وخرب الكعبة ، وما أنا بالمتقلد ولا بالمتحمل تبعاتكم ، فشأنكم وأمركم ، والله لئن كانت الدنيا خيرا ، فلقد نلنا منها حظا !!!  ولئن كانت شرا فكفى ذرية أبي سفيان ما أصابوا منها ، ألا فليصل بالناس حسان بن مالك وشاوروا في خلافتكم رحمكم الله )) .

تلك هي محاولة عودة العدل بعد ما حدث في كربلاء ، ولكنها فشلت ، ومع ذلك لم تتوقف المحاولات ، فقد خرج أيام عبد الملك بن مروان ، عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، وهو من قادة الفتح بعد خلافه مع الحجاج ، كان ممن خرج معه معبد بن عبد الله الجهني ،وهو مشهور بأنه من أهل العدل ، ومشهورة مقالته بالقدر ـ أي خلق الإنسان لفعله ، وقد قتل في حوالي 80 هـ والأغلب انه قتل بعد هذا التاريخ ، على يد الحجاج ، وقيل على يد عبد الملك .


 

رأي المعتزلة بالموت

الموت نقيض الحياة ، وهي أي الحياة ذات مظهرين : حياة مظهرها الاغتذاء والنمو ، ومثل هذه الحياة مشاهدةٌ مظاهرُها في النبات كله ، وفي كل الكائنات الحيوانية ، المصنفة بسلم الحيوانات التي لا جهاز عصبي لها ، ومثل هذه الحياة موجودة أيضا في أجزاء ، أو أبعاض ذوات الجهاز العصبي ، لفترة ما ، وكذلك الحياة الكامنة كما هي في أجنة البذور والحبوب ، وإن فقدت المظهرين ، إلاَّ إنها تنتمي لها ، ومثلها الحياة المجمدة في الأجنة الإنسانية ، والحياة المجمدة في الخلايا كمجموع أو مفردات ، أما المظهر الثاني للحياة ، فهو المتمثل في ذوات الجهاز العصبي ، أي ذوات الروح ، ومظهر هذه الحياة هو الإدراك والتصرف الحركي ، وهناك تفاوت جلي في الإدراك والتصرف ، حسب أنواع الحيوانات .

إن المقصود من بحث الموت عند المعتزلة ، هو موت الإنسان وهو موت يحدث عبر أوضاع أربعة لا غير ، وهذه الأوضاع هي :

1. الموت بالوفاة : - وهو خروج الروح بفعل طبيعي ، مثل الشيخوخة ، والمرض القاتل والأسباب القاتلة التي لا فاعل لها ، بل بواقعة من نظام الكون ، كالزلازل ، والعواصف والبراكين والإهمال الذاتي ، في الغذاء والدواء وتوقي أسباب الحيطة ، فكل هذه الأنواع من الموت هي من فعل القدر ، (( نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ )) (الواقعة:60)  والقدر ليس سببا ، ذلك أنَّ قدر الموت مصاحب للكائن الحي منذ بدء حياته ، والحياة المصونة منذ بدئها هي الحياة الإنسانية فالإملاص محرم .

2. الموت بالقتل :- من قبل قاتل عمدا بحق أو بغير حق والقتل بالخطأ والقتل بالتسبيب .

3. الموت بسبب مقصود ذاتي :- الإقدام بعمل فدائي أو استشهادي .

4. الموت بالانتحار :- ومحاولة الانتحار لا تسمى موتا .

تلك هي الأوضاع التي يحدث منها الموت ، ولا يمكن أنْ يحدث عن غيرها ، ومن الملاحظ وجود أحكام شرعية ناظمة وراعية للحياة الإنسانية ، فالاختصاء ممنوع ومحرم ومثله صنع العقم بإغلاق المنافذ للمبيض أو إزالة الرحم والإملاص عند بدء وجود الروح في الجنين أي بعد دخول الجنين دور المضغة أي مع بدء تكوين خلايا الاختصاص (( مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ )) (عبس:18- 19) .

وكل هذه الأحكام دالة دلالة واضحة على التحكم الإنساني في التمكين من نشأة الحياة ليس ابتداء بل بملاحظة ما يتيحه القدر والتقدير الذي هو (( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ )) (يّـس:38) .

قال تعالى : (( أَفَرَأَيْتُمْ  * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ )) (الواقعة: 58- 59).

والملفت في النظر أنَّ نفاة السببية لا ينتبهون لقوله تعالى [مَا تُمْنُونَ] ولهذا لا يفرقون بين القدر وهو لله تعالى ومعنى القدر هو أمر الله الكوني في الأشياء (( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً )) (الأحزاب: من الآية38) وبين قدرة المكلف على التحكم في القدر على وجه الحق وعلى وجه الباطل .


 

العمارة الفكرية الاعتـزالية

أظهر مسار الحلقات الأسبوعية ، والنقاشات التي تجري ، والتداخلات أثناء النقاش ، ونوع الأسئلة التي ترد ، كل ذلك دلَّ على أمر خطير ، يتسرب إلى كيان المعتـزلة ، يعيقها عن السير قدما لإنجاز مهمتها ، إضافة إلى عدم الجدية في حمل الدعوة لفكر المعتـزلة كمشروع ضروري للحياة ، أي إحداث النهضة المرجوة ، ولهذا لا بد من المبادرة لعلاج هذه الحال .

إنَّ المعاتبات واللوم الذي تكرر من البعض ، بسبب تسفيه قول ، أو بالرد الحار والحاد على نمط الأسئلة من جهة ، والمساجلة التي تجري ، دلتا على سطحية الفكر وعلى الذاتية المتفشية في الأمة والتي يجب على العدليين عدم الوقوع في شركها ، من هنا فإن الحرارة والحدة ضروريتان لمواجهة هذه الحال ، وكان الأولى تجنبا لكل ذلك العمل على وضوح العمارة الفكرية الاعتـزالية ، وقد ظهر واضحا أنَّ العمارة الفكرية الاعتـزالية تعتريها حالة ضبابية عامة عند الشباب ، بديلا عن وضوحها كالشمس في رابعة السماء في يوم صاف لا غيوم فيه ، وإذ الأمر تكشف عكس ذلك فلا بد من العناية الجادة لرفع مستوي التفكير ، إذ هو وحده علاج ذلك  .

حتى لا تتكرر هذه السجالات المرة تلو المرة ، وتعيق عملية التفكير الصادق المنتج ، فلا بد من مقاومة الشعور بالخصوصية ، وتركز الذاتية الفردية ، وهما أمران يأخذان بالظهور من خلال تكرر السجالات بنفس الصورة ، مع أنَّ الأصل الانصهار التام في بوتقة العمارة الفكرية المعتـزلية ، ومنعا للدوران بـهذه الطريقة تسجل الملاحظات التالية :

1. لوحظ وجود ردود فعل على تسفيه رأي ، وكأن الرأي تحول أو اندمج في الذات ، مع أنَّ الأصل عند المعتـزلة ـ منذ لقاء واصل بعمرو بن عبيد ـ ( وضوان الله عليهما ) هو القولان التاليين :

ليس بيني وبين الحق عداوة أدور حيث يدور بيَ الحق .

ومع هذين الأمرين  فلقد أعلن البعض أنه لا يود حضور الحلقة ، كصيغة احتجاجية على تسفيه الرأي ! .

2. لوحظ تغيب مستمر من الكثرة عن الحلقة بعذر ، أو بعذر واه ، أو بسبب كسل فكري تسرب إليه بداع من شعور داخلي في مشكلة خاصة ، أو لتسرب الإحباط العام الذي يلف حياة الأمة ، مع أنَّ المعتـزلة هي الطليعة التي أخذت على عاتقها مقاومة اليأس والاحباط .

3. ضعف الإنجاز ، فلا يظهر وجود نمو يتسارع مساو للجهد المبذول ، { من حيث الحقيقة موجود انتاج ولكنه ليس مساو للجهد المبذول } إنَّ رصد نتائج حركة المعتـزلة في الدوائر الثلاث يظهر أنـها يسار بـها في بطيء شديد ، سواء في دائرة الدعاة وبناء الوعي المميز عندهم ، أو في دائرة الأنصار على مستوى البدأ في الدراسة أي توسيع حلقات الدراسة ، أو على حمل الرأي وظهور التأييد في المحافل ، مع ضعف العمل على هز قناعات حملة الفكر الإسلامي بمعطيات منهجهم في التفكير ، ولَزِّهم للجدل مع المعتـزلة دفاعا عن الذات ، أو لمباشرة الهجوم على المعتـزلة في المساجد ، أو المحافل ، أو وسائل الإعلام ، ولا يتم ذلك إلاَّ بالوعي على الفكر الإسلامي السائد ، وفتح الجدل معهم خاصة أمام الناس .

4. حتى لا يحدث إشكال حول القول في الفقرة ذات الرقم (3 ) وكأنَّ المعتـزلة تتوجه بنقاشها لحملة الفكر الإسلامي ، دون حملة الأفكار الأخرى ، لا بد من الإدراك التالي : وهو أنَّ كل حركة لا علاقة لها بالإسلام ، فإنَّ المعتـزلة تدخل معها بجدل لنقضها ، وزوالها ، لكنها مع الحركات الموصوفة بأنـها إسلامية ، فالمعتـزلة تسعى لتصحيح منهجها ، أي يتوجه النقاش باتجاه المنهج ، فلا بد من إدراك هذا الفرق إدراكا جليا .

5. ما يلاحظ على شباب المعتـزلة ضعف الوعي الاعتـزالي ، وهو بالتالي لا يسير صعودا ويعود ذلك إلى ضعف القراءة ، وإن وجدت فهي قراءة لم تتجاوز الطريقة السائدة في الأمة  بلا تمعن ولا تدبر ، فالكتاب الخاص بمناقشة السلفية مثلا لم يظهر في صورة فهم دقيق فقد اعترض البعض عليه ، بأنه يشن هجوما على الألباني ، مع أنَّ الكتاب بالدرجة الأولى هو نقد لمؤسسة علم الحديث ، والبعض كما يظهر لا يباشر القراءة اكتفاء بحضور الحلقة .

6. لا يصح أنْ تكون غاية القراءة كالسائد بين الناس ، غاية القراءة بناء الوعي ـ أي وجود نسق فكري عام متجانس في جملة الشباب ـ يخلو من التناقض ، أو التعارض في اساساته وأصوله ، أو دقيق مسائله ، أو فروع الشرعيات ، فما قيمة هذه الأصول إذا لم تبن الفروع عليها ؟ .

7. عدم العناية بإيجاد معرفة اسمها الأفق المعرفي { الموسوعية } في علوم الكونيات ، وعلوم الإنسانيات ، بالإضافة إلى المعرفة الخاصة باللسان العربي في علومه العشرة ، المدونة في بداية جدل الأفكار الثاني ، مع قراءة العلوم الإسلامية قراءة ناقدة ، لا يأسر القاريء النص ، ولا ينحرف عن أصول الفهم وتوليد الأفكار .

كان ناتج المعطيات السابقة مريرا ، فالنقاش الذي يدور حول سؤال يخطر ببال واحد من الشباب ، لا يمكن أن يعطى المدى للجواب ، يراوح السجال مكانه ، بحيث تظهر صورة الحلقة وكأنـها منازلة ، والسبب أن السؤال لم يلد ولادة طبيعية من جهة ـ أي لم ينبثق عن دراسة موضوعية ، أو استدلالية ـ ويحدث أنْ يطلب السائل جواباً لسؤاله العارض نصاً ناطقا ، خلاف ما تبادر إلى خاطره ، ولعدم وجود النص الناطق مطلقاً ، فالنص أي نص موضوع فهم ، ولتعذر الإجابة بنص ناطق ، تجري سجالات تعتبر من أسوأ السجالات ، ومجرد المصارحة بأن السجال صار مطلبا ، مما يـحدث أثرا مشاعريا عند السائل ، فيتأزم الموضوع بدل حله ، ومثل هذا يؤثر كثيرا على مسار الحلقة .

تلك هي حقائق جرى التعايش معها أثناء مسار الحلقات ، ولهذا لا بد من البحث عن كيفية زوال هذه العوارض ، دون دعوى وجود كبت أو عصبية أو تشنج ، فكل ذلك جرى وسيجري ما دامت الإسئلة لا تكشف قضية موضوعية ، والسؤال في هذا السياق كيف يمكن بعث الحيوية في الحلقات عند شباب العدلية المعتـزلة ؟ .

إنَّ خصوصية أفكار المعتـزلة أنـها ذات نسق فكري ، وإذا غاب النسق أثناء طرح السؤال أو تلقي الإجابة ، فسيحل محل النسق الأراء الذرية ، وهي آراء عاجزة عن بناء طريقة تفكير مستقيمة ، وسيبقى كل شاب عدلي أسيرا لمعطيات تكوينه السابق ، وإذ معطيات شباب المعتـزلة مختلفة ، فسيقود الاعتـزال التباين والتشرذم والتناقض ، على مستوى وحدة التفيكر أي طريقة التفكير وعلى مستوى الفكر أي مجموعة المفاهيم و عليه سيقود الفكر الذاتية والذرية ، المقصود بالذرية نسبة إلى الذرة أي تناول الفكر كأجزاء ، وليس كنسق له أصول .

يبدأ النسق الفكري من تسليط البحث على الإنسان ، والكون الذي يعيش فيه ، وكيفية الحياة التي يحياها ، وعندما يقال الإنسان المعرف ب(أل) التي تفيد الجنس ، فإن المراد جنس الإنسان وليس فرداً منهم ، ولكن يجب إدراك أنَّ البدء في نشر المنظومة الفكرية لا يبدأ من الإنسانية ككل ، وأنما يبدأ من الفرد الإنساني ، وهو يبدأ من فرد من بني الإنسان بصفته إنسانا ، وليس بصفته فردا ، إذ من أكثر الأمور سوءا أنْ يبدأ من الفرد بصفته فردا وليس بصفته إنسانا ، تلك هي الحقيقة التي لا بد أنْ تكون واضحة في ذهن المعتـزلي .

يبدأ البحث في الإنسان من كونه ذاتا عارفة ، وموضوعا يُعْرَفُ ، والمعرفة الإنسانية عند المعتـزلة تتم عقلا ، والعقل هو الاستعداد المخلوق في الإنسان منذ الولادة مع المعلومات ، ولا يجوز الفصل أو حتى الترتيب بينهما ، فالمعرفة ليست مادية ، أو مثالية ، أو موروثة ، أو تسليمية أو فطرية ، أو عرفانية ، أو من حيث هي مجرد بلاغ من رسول ، أو نبي ، فالمعرفة تبدأ تلقينا مرتبطا بالواقع ، فلا الواقع عقلا ، ولا التلقين عقلا ، بل العقل كلاهما ، ولكنه في البدء لا يكون عقلا مكلفا ، إذ لا بد أنْ يسبق قبول بلاغ الرسول أو النبي الدليل على رسالته ، المعرفة عند حالة التكليف ، هي كما عرفها القاضي عبد الجبار هي حصول المكلف { الفرد الإنساني } على جملة من العلوم مخصوصة ، متى حصلت في المكلف صح منه النظر والاستدلال ، والتكليف يأتي من إدراك الإنسان أمام إلحاح الفطرة [ الشعور الداخلي بالنقص ] وملاحظة مظاهر الحياة بما فيها من مظالم وقتل وعدوان وفساد ، ومشاهدة الموت الذي يعقب الحياة ، والخوف الذي يثور عند الإنسان من المستقبل في دنياه ، وعيش الإنسان ضمن مسارات ومساقات دعوات عديدة دينية ، وسياسية ، وفكرية ، وفلسفية ، تتباين في رؤاها ، كل ذلك يشكل بمجموعه أو بمفردة من مفرداته أو أكثر دعوة للإنسان ، لأنْ يعرف نفسه ، ويعرف دربه .

لقد وضعت المعتـزلة تلك المقدمات الإنسانية موضع البحث ، نتج عنها منهج للتفكير  وأقامت عمارة فكرية محددة الأسس عند الحجج والأدلة والأصول ، بحيث يمكن منها الوصول إلى الفروع في سائر القضايا القديمة ، والمستجدة ، والنازلة ، على مستوى الموضوع والحكم والموقف .

الحجج والأدلة

1. العقل هو أول الحجج والأدلة وأصلها ، احتاج غيره إليه ، ولم يحتج العقل لغيره ، وإنما دل على غيره دلالة لازمة ـ أي أنَّ الحجج والأدلة الأخرى هي حجة ودليل بالاستناد إلى العقل والعقل حاضر فيها عند اعتبارها ، وعند فهمها ، وعند موضوعها .

2. القرآن الكريم كله حجة ودلالة على وجوه ، ولا يمكن الاحتجاج به إلاَّ من خلال أصلين وصل إليهما العقل ، وهما : التوحيد ، والعدل .

3. سنة المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله وسلم حجة ، وقد دلَّ الكتاب عليها دلالة واضحة ، وحصرها بأنـها بيان لمجملات القرآن ، وأدرك العقل الحاجة الماسة لهذا البيان .

4. الإجماع وهو دليل غير مستقل ، إذ هو دليل عائد ، يعود للعقل فهو صورة من صور الدليل العقلي ، أو يعود إلى الكتاب فيكون من ضرورات الاستدلال بالكتاب ، ويعود إلى السنة فيكون من السنة .

هذه الأدلة لا يعمل الواحد منها بالانفراد ، فهي تعمل وكأنـها حجة واحدة ، ودليل واحد فهي حجج وأدلة تتناسق وتتكامل ويعضد منها الواحد الآخر ، ولكنها كلها مستندة إلى العقل ومعتمدة عليه ، إذ العقل حجة قائمة بذاتـها ، مع ضرورة ملاحظة طريق الاستدلال في الفروع إذ ينصب النص دليلا في أحوال ، وأمارة في أحوال أخرى ، وفي بعض الفروع تقوم الحجة بالنص مننفرداً ، لكن ذلك لا يعنى الذرية بالفهم ، بل يعني وجود اتصال عام بين دليل أو أمارة الفرع والحجج والأدلة الأساسية .

أصول الدين الإسلامي

أصول الدين الإسلامي هي :

1. الإيمان بالألوهية ـ وهي ليست العبودية ـ بدليل العقل ، وهو يثبت أصلين مهمين وعظيمين هما التوحيد والعدل ، وهما اصل كل الأصول الآتية .

2. النبوة وهي لطف للمكلف ، وزيادة حجة ، ودعوة لزوال غفلة ، ومع معرفة الشرعيات لا بد من إدراك انتفاء المنافع والمضار عن الله تعالى ، فالتكليف مصلحة للمكلف ، أدرك العقل ذلك ، أم لم يدركه ، فالمصلحة تُعلم على الجملة .

3. الشريعة وهي مفردات بلاغ النبوة ، وهي مع العقل تقود حياة الفرد ، والمجتمع ، والدولة فلا بد من ظهور شموليتها في تنظيم الحياة .

4. البعث والجزاء .

إنَّ هذه الأصول الخمسة ، باعتبار التوحيد والعدل أصلين ، هي الأصول التي يقر بـها أهل القبلة جميعا ، ولكن إقرارهم مخالط بأمرين ، هما :

1. كيفية ترتيب الأدلة .

2. حقيقة معاني هذه الأصول .

ولهذا اختلطت عليهم كيفية الاستدلال بـها ، أمَّا المعتزلة فقد تميزتْ عن أهل القبلة جميعا بأصول خمسة ، تشكل السمة الفارقة بينهم وبين أهل القبلة ، ومع أنَّ الزيدية تحديدا تتبنى هذه الأصول الخمسة ، إلا أنه شاب فهمهم لأصل العدل شائبة ، هي النص غير الجلي في استحقاق الإمامة ، إذ اثبت تاريخ التطبيق لهذا الفرع كثيرا من المشاكل ، فضلا عن مشكلته الثاوية فيه كفرع على أصل ، وهي أنَّ العدل والتكليف يعني تكليف الناس كأفراد ، وكجماعة ، وتطبيق الإسلام من المسؤوليات الجماعية فاختصاصه ببيت النبوة { على الأبرار منهم السلام } ليس مأمونا العاقبة ، ولذلك كان رأي الأصم من المعتـزلة أنَّ النبطي أولى بالإمامة من صاحب العزوة ، لإمكانية عزله إن أساء بلا كلفة ، واختلاف قدامى أهل البيت فيه ، وقول الزيدية هذا يبدو في حالة تعارض مع التكليف ، أي خلق العباد لأفعالهم ، ويتجلى الآن وبصورة واضحة ـ مع كثرة أهل البيت  إنَّ هذا الفرع يشكل عقبة كأداء في وجه العاملين لبناء عقل الأمة من جديد ، على أساس التوحيد والعدل

الأصول الخمسة للمعتـزلة

1. التوحيد :- إن صورة التـنـزيه لذات الله ، التي يتبناها المعتـزلة والزيدية هي الصورة الموضحة للتوحيد ، وما عدا صورة التـنـزيه العدلية فهي صور خالطت توحيدها بما لا يصح ولا يجوز بحق الله ، والتوحيد التـنـزيهي هو الذي يجعل الفرد مؤمناً حقيقة بالله تعالى .

2. العدل :- إنَّ مفهوم العدل يعني :

1- إنَّ الله لا يفعل القبيح والقبيح تعلمه العقول .

2- الله لا يظهر المعجز على يد الكذابين تأييدا لهم ، أو امتحانا ، واستدراج الغير لاتباع الضلالة .

3- لا يكلف الله الإنسان ما لا يطيق  ومن هو دون العقل ، أو لا عقل له ، فهو غير مكلف .

4- لا يفعل الله إلاَّ على مقتضى الحكمة .

3. المنـزلة بين المنـزلتين :- هذا الأصل زلت به الأقدام سابقا ، من وعيدية ، أو مرجئة ، وهو واضح عند المعتـزلة سابقا ، ولاحقا ، ولكن جرى عليه غبش في وضع الموصوفين بالنفاق فالعلاقة مع أهل النفاق هي نفس العلاقة مع أهل المنـزلة بين المنـزلتين ، إذ لا يوجد نفاق عقدي ، وإنما النفاق هو العملي ، وكون بعض المنافقين في الدرك الأسفل من النار بسبب أنَّ ضرر أفعال بعضهم يفوق ضرر الكفر المجرد .

4. صدق وعد الله وصدق وعيده :- يتأسس صدق الوعد وصدق الوعيد على وجود التكليف والتكليف نوع تعلمه العقول ، مثل قبح تعطيل العقل ، وقبح الظلم ، وقبح الاعتداء على الحياة ، وقبح أذى الإنسان لإنسان آخر ، وقبح عدم شكر المنعم ، وقبح تكليف ما لا يطاق فهذه كلها واجبات عقلية ، أما الواجبات الشرعية وهي زيادة التكليف ، فلا تعلم إلاَّ من الخطاب ، ويعلم الوعد والوعيد المؤجل بدليل العقل على المخالفة ، أما على التعيين فهو بالنص والله وعد وتوعد ، فهو صادق الوعد لا يخل بوعده ، وصادق الوعيد لا يخل بوعيده ، وفي الوعد إحباط للثواب المستحق حين يفعل ما هو أكثر تأثيرا من حسناته ، وفي الوعيد تكفير للذنب بعمل الحسنات والاستغفار ، وفي الفسق والمعاصي التوبة الصادقة المقترنة بالندم ، مع عودة الحقوق ، إنْ كانت من حقوق العباد ، مع كثرة الأعمال الصالحة ، وفي الكفر الدخول بالإسلام والتزام عمل الصالحات .

5. وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :- ماذا يعني هذا الأصل وكل المسلمين يقولون به ويرونه واجباً ؟ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتـزلة له صورة مركبة ، أهمها وجود إمام بعقد مراضاة ، وبيعة على العمل بكتاب الله وسنة رسول الله ، يتم العقد بينه وبين الأمة بصفتها كيانا جماعيا ، يعبر عن الوعي السائد في الأمة ، والأمة وهي صاحبة السلطان تطيع الأمام ما لم يخرج على  مقتضيات العقد ، وتحاسبه على السياسات لاستمرار الاستقامة ، وتعزله إذا استحق العزل ولو بالسيف ، وهذا ما لم تتبناه بعض مدارس الفكر الإسلامي في مفهوم الاختيار ومفهوم الطاعة .

* ذلك هو المنهج والأصول والأسس ، لكن هذا المنهج يبنى عليه فروع نظرية ، ومسار عملي تطبيقي هي التالية :

* أفكار متعلقة بالإيمان ، أساسها التوحيد ، والعدل ، وصدق الوعد والوعيد .

* أحكام متعلقة بالموقف الذي يجب أنْ تقفه الأمة ، تجاه الفئات الثلاث ، وخاصة أهل المنـزلة بين المنـزلتين .

* أحكام شرعية عملية متعلقة بمسار الحياة الدبيا { أي ملاحظة البعد الحضاري للحكم الشرعي }.

من الضروري أنْ تنضبط هذه الفروع بالأصول ، ولا يجوز أنْ يكون الفرع ناقضاً للأصل ، أو غير مبني عليه ، فمثلا صلاة الجنازة على الفاسقين ، والمنافقون منهم ـ فرض كفاية على المسلمين ، ولا يجوز القول بغير ذلك ، ما دامت المعتـزلة تؤصل أصل المنـزلة بين المنـزلتين ويرون الصلاة على الفاسق فرض كفاية ، فآية ولا تصل على أحد منهم مات أبدا تُحمل إمَّا على أنـها خاصة بالرسول ، أو تحمل على صلاة ولي الأمر ، والمعتـزلة المعاصرة ترى حملها على الثانية ، إذ الأصل في القرآن أنه هديٌ عام ، حتى فيما هو خاص فلا يخلو من هدي والخلاصة التي لا بد منها في موضوع الفروع ، أنها محتاجة لأنْ تربط بثلاثة أمور هي :

1. أنْ يبنى الفرع على الأصل .

2. أنْ يفهم النص حسب دلالة اللغة العربية .

3. أنْ يكون العمل بالفرع حسب الوسع والطاقة ، والوسع والطاقة أمر عقلي متعلق بالمشاعر والممكن من جهة ، أو أمر شرعي من جهة أخرى .

في مجموع السجالات التي حدثتْ ، غابت أصول المعتـزلة وطريقتها في بناء الفروع على الأصول ، وكانت الرؤى التي تقود النقاش هي رؤى لحزب التحرير ، ورؤى للمكفرة ، ورؤى للقرآنية ، ورؤى للإقليمية الفلسطينية ، ورؤى للإخوان المسلمين ، ورؤى للجهادية ، فماذا بقي من المعتـزلة ؟ ما دامت هذه العنعنات تطفو على السطح أثناء الحلقة والشرح ! .

لقد ظهرت بين المعتـزلة الأوائل اختلافات ، ولكنها كانت في الدقيق  من الكلام ، وإذ الدقيق من الكلام تعلق بعلوم الطبيعة [ الكونيات ] في زمن سيطرة المفاهيم التوراتية للكونيات إذ رفض المعتـزلة تفسيرات التوراة ، وهي من الخرافة والأسطورة بمكان ، فمن الطبيعي وعلم الكونيات في بدايته ، والمعتـزلة هم باحثوه ، أنْ تكثر بينهم ا لاختلافات ، لكن الدقيق من الكلام ، وهو المختلف فيه أصبح في ذمة التاريخ بعد الانفجار المعرفي ، فلا بد أنْ يكون المعتـزلة الآن أكثر اتفاقا حتى في الدقيق من الكلام .

منذ وجود المعتـزلة كان للمعتـزلة رؤية في الشرعيات ، إذ قالوا هذا علم لكل مجتهد فيه نصيب ، فكانوا في الفروع أحنافا على الغالب ، والبعض منهم زيدية ـ مع ملاحظة أنَّ الزيدية لم تكن في زمنها الأول مفصولة عن المعتـزلة ـ بل كل موصوف بأنه زيدي من الأوائل فإنه معتـزلي ، ومن المعتـزلة من كان على الشافعية في الفروع ، هذا في ما مضى من الزمن ، والآن ولحصول التقدم بالفهارس ، ولوجود تاريخ مدون للآراء في الفروع ، ولنضج الفقه المقارن فالمستغرب بقاء الشرعيات محل أخد ورد ، فالمطلوب الآن تشكيل رؤية أكثر اتفاقا في الشرعيات وإحالة ما لا يمكن تريجحه ترجيحا مشتركا إلى عدم تواصل السجال فيه ، وعند ذلك المطلوب العودة لقول أوائل المعتـزلة ، هذا علم لكل مجتهد فيه نصيب .

التحليل السياسي هو مجرد محاولة لفهم دوافع الأحداث السياسية عند صانعيها ، وأصحاب الأدوار في تنفيذها ، والغاية الأساسية المقصودة من الحدث السياسي ، والأهداف الجانبية الأخرى وإصدار حكم في الاستطلاعية من حيث إمكانية النجاح والفشل ، وأثر الحدث على مستقبل الأمة الإسلامية ، والتحليل السياسي غايته رعاية الشؤون .

إنَّ مجريات الأحداث العالمية أخذت الآن وقبل الآن أي منذ وجدت الآيدلوجيا { المباديء أي وجهة النطر } صفة صراع الحضارات ، وقد انتقلت العلاقات الدولية السياسة العالمية من الاجتياح ، إلى التوسع الإلحاقي ، إلى الاستيطاني ، إلى الاستعمار الكولونيالي ، إلى الإمبريالى فالشرعية الدولية ، فالعولمة ، تلك هي علاقة الغرب مع هذه البلاد منذ الاسكندر المقدوني وحتى هذه الساعة ، بينما كانت علاقة الفتح الإسلامي الضم والمساواة بالمركز ، فلا بد من إدراك صراع الحضارات ، وإنه المحرك الرئيس للأحداث السياسية ، لقد غاب وإلى الأبد صراع الدول الاستعمارية .

في قضية العالم الإسلامي ـ سواء سميت المسألة الشرقية ، أو الشرق الأوسط ، أو قضية فلسطين ، أو قضية الخليج ، أو الاحتواء المزدوج ، فهي قضية واحدة هي القضية الإسلامية والغرب يسعى سعيا حثيثا لمنع الحضارة الإسلامية الكامنة في الأمة من التعبير عن نفسها ، سواء في الهوية الحضارية ، أو التحرير ، أو الوحدة ، وكل هدف من هذه الأهداف لا يجوز ربطه بالآخر ، مما ينتج سوء الفهم ، كما يحدث في قضية العراق ، وكون التوجيه السياسي في العراق بيد حزب البعث ، فالأهداف الثلاثة إذ  تطل على بعضها ، وقابلة لأن تنفتح على بعضها وهذا ما يدركه الغرب واضحا ، فعلاجه للواحدة منها علاج حاسم لايقبل التأخير أو التسويف .

بعد الفقرتين السابقتين : الأولى حول مجريات الأحداث العالمية حاليا ، الثانية معرفة أُس القضية الأسلامية ، فمن الغرابة عدم حضور هذين الأساسين لفهم الأحداث في العالم الإسلامي  وهذان الأساسان هما اساسان اجتهاديان ، فليس من الممكن أنْ يكونا ناطقين ، وإنما هما قواعد للفهم تُوُصِّلَ إليها بالرصد المتتابع للتاريخ ، والحدث ، ونتائجه ، وكشفت الأحداث صدق هذا التأسيس ، فحتى هذه اللحظة لم يظهر على هذه النظرية أي عجز عن تفسير الأحداث الجارية وحتى بتطبيقها على الماضى منذ الحرب العالمية الأولى وحتى الآن .

أمام الحقائق الناصعة السابقة ، لا بد من التأكيد أنَّ وظيفة المعتـزلة هي رفع مستوى التفكير في مجمل الأمة ، فليس وظيفة المعتـزلة السجال في فروع فقه تباينت عند أصحابـها ، وليس وظيفة المعتـزلة الوقوف عند اسس سياسية ظهر عجزها فاضحا .

إنَّ رفع مستوى التفكير يقتضي حتما رفع مستوى الجدل ، وليس مجرد وجود جدل ، فالجدل له أصول وقواعد ، فلا يجوز توليد السؤال قبل اكتمال سماع الجواب ، كما جرى في نقاشات حلقة المعتـزلة وللجدل أصول هي :

1. تحرير المسألة تحريرا تاما ، أي المعرفة التامة للمسألة من حيث هي موضوع للبحث ، ولا يجوز وضعها موضع البحث دون تحريرها .

2. وضوح القواعد الناظمة للمسألة .
3. دراسة القضية دراسة موضوعية ، إذ كل قضية تطلب منهجها ، ففي القضية النظرية المطلوب التدليل على موضوعها ، وفق اسلوب المنهج الذي تقتضيه ، إذ مناهج البحث متعددة .

4. وصف الواقع وصفا دقيقا دون هوى أو تحيز .

5. استحضار جميع النصوص في حالة الفروع الفقهيه ، وإدراك الحوادث بدوافعها زمانا ، ومكانا ، وأشخاصا ، ورصد ردود الفعل في حالة الحكم على أعمال سياسية .

6. تطبيق منهج السبر والتقسيم ، أي استقراء كل الأوجه الممكنة في المسألة .

تلك هي خطوات السير في الدرب المنتج في التفكير ، وفي نقله للناس ، ومع هذا فأن اختلاف وجهات النظر في أصل أو فرع ، أو تفسير حدث ، أو حتى في وصف واقع ، أمرٌ ممكن ، ومن هنا فالاختلاف والحرارة والحدة ممكن وجودها ، لكن المطلوب أنْ لا تفعل في الذات أي فعل أو موقف ،   لقد وعت المعتـزلة هذا الأمر جيدا ، فالمعتـزلة ليسوا حملة أسفار أو حفظة نصوص ولكن لا بد في حالة الجدال قبول الألزام ، أي قبول الواحد لفكرته لبحث صحتها ، ومدى قوة دليلها ، وحيويته ، ودرجة أهميته ، فعدم قبول الإلزام يعني أنْ يراوح الجدل مكانه ، ولا يُوجِدُ حشدٌ من المفكرين .

الأمة الإسلامية بعد قرنين ونصف من محاولات النهوض ، وفشل جميع المحاولات تراثية كانت أو تغريبية ، اعترت جماهيرها حالة من بلادة الحس ، والانسحاب من إمكانية التفكير ، وظهر على كل الحركات ـ المباشرة لمشروع النهوض كما تزعم ـ حالة من العبثية والعدمية والثرثرة والقول والفعل الفردي الذاتي ، فإن الكارثة أنْ تتسرب هذه الأعراض الْمَرَضِيَّةُ إلى كيان المعتـزلة الفكري والفعلي ، بأية حجة كانت ومهما سوغت نفسها .

كان من الضرورة وضع هذه الملاحظات بعد تكرار للسجال ، في مواضيع وصور مختلفة يضيق به ذرعا المعتـزلي الجدي السائر في درب التأثير ، ضمن فن الممكن ، وليس فن التكيف مع الواقع ، فحتى يسار بجدية كما هو دأب المعتـزلة ، لا بد أنْ توضع هذه الملاحظات موضع النقاش والجدال ولو استمر النقاش طويلا .

هذه هي نشرة داخلية ، وكما التزمتْ المعتـزلة منذ مسارها بنظرية الدفع الذاتي ، أي تشكيل القناعات الدافعة دون الإلزام ، فهي مع ذلك الخط دون خروج عنه .

والله أسأل إحسان السمع واستمرار البحث وأدعو أنْ يمدنا بعون من عنده

 

 

العيب المعرفي

نصف المعرفة من باب القول السائد مع أنَّ الحقيقة أنَّ  أكثر من 90% من المعرفة لا يمتلكها الفرد وربما أكثر من ذلك فالمعرفة يصعب بل يستحيل الإحاطة بـها العيب أنْ لا يحاول الاستزادة المعرفية يوميا والعيب أنْ تتحول المعرفة إلى حالة سكونية عند من يعرف والعيب أنْ يحصل عند سامعي المعرفة من قبل الزاعمين أنـهم ناشرو المعرفة بأنـهم إذ يقدمون المعرفة بأنَّ روح القدس ترعاهم وترعى معرفتهم حتى حين كونـهم من أهل الإلحاد الظاهر لا المستتر وكل هذا يحدث الآن في جميع الندوات والكتابات والمقالات والعيب....

 

 

 

الرأي في السلم والسلام

الرأي في القتل والقتال

الأصل في الحياة الإنسانية أنْ تقوم العلاقة بينهم على أمرين هما :

1- صون الدماء .

2- بناء الحياة على الصلاح لا على الفساد .

هذان الأمران أخذا من قول الملائكة حين اخبارهم باستخلاف آدم في الأرض قالوا : (( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ))(البقرة: من الآية30) قالوا ذلك على سبيل التعجب ، من كون استخلاف الإنسان يعني خياره بالأفعال ، ومن كان على الخيار فهو قادر على الفعل ، والترك ، أي في حالة قدرة على فعل الأمر التكليفي ، وعلى تركه ، بل وفعل نقيضه .

إن القتل يتم على صورتين ، قتل النفس لذاتـها ، أو قتل النفس أو النفوس لقتل فكرة الخير ومن هنا شرع القتل والقتال ، دفاعا عن النفس ، ودفاعا عن الفكرة ، وفي سبيل نشر الفكرة وهذا ما حدث عبر التاريخ البشري كله.

لقد حدث أول قتل في الإنسانية بين ابني آدم وتوجه ضد النفس حسدا قال تعالى (( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذْ قربا قربانا فتُقُبِّلَ من أحدهم ولم يُتَقَبَّلْ من الآخر قال لأقتلنَّك قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي يدَكَ لتقتلَني ما أنا بباسطٍ يدي اليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين * إني أُريد أنْ نبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين * فطوعتْ له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين  * فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا يولتا أعجزت أنْ أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فاصبح من النادمين * من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنَّه من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ثم إنَّ كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون * )).

تلك هي أول حادثة قتل في الأنسانية ، وهي كما ترد في قصتها فردٌ يقتل فردأ ، أي لم تأخذ اسلوب القتل الجماعي كما هو السائد كلما تقدمت البشرية في مضمار التنظيم والاختراع ، والقتل ونقيضه السلم لهما وجود معلوم في الحياة يجريان وفق المصلحة كما تتشكل في الذهن ،......

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن لرحيم

الكتابة في زمن الحداثة !!

رد وتوضيح حول مقال المعتزلة الجدد والإصلاح الديني

عند ما يتصدى حداثوي لكتابة ما ؛ تجد كتابته خارجة عن البنية الفكرية المفيدة ، ولا يمكن إدراك نسق معرفي يمكن أنْ يربط بين جملها ، فالمهم عند الحداثوي أنْ يكتب ، وليس مهما عنده ما إذا كان ما يكتبه فيه قابلية الفهم أم لا .

تلك هي صورة ما تمخض عنه مقال الأستاذ تيسير فارس ، المنشور في جريدة شيحان بعنوان " المعتزلة الجدد والإصلاح الديني " فالعرض والموضوع والمطلوب والهدف بقي خارج النص ، لقد قرأت الموضوع المرة تلو المرة ، فتأت اللازمة لـهذه القراءة معلنة : إنَّ الكاتب لا يريد شيئا ، وتصنف كتابته ضمن الكتابة العبثية .

حوى المقال خمس فقرات ؛ تفتقد الوحدة الموضوعية في بنيتها ، ففي الفقرة الأولى وهي ـ بعد محاولة تطويع النص للفهم ـ كشف القرن العشرين المنصرم الحاجة " هي حاجتنا إلى مشروع نـهضوي عربي جديد يستأنف ما سبق تدشينه في القرن التاسع عشر ، من قبل النخبة الإصلاحية " هل يقصد الكاتب مشروع الأفغاني التنويري ؟ أم يقصد غيره أي المشروع القومي أو المشروع السلفي الإحيائي ، كان عليه أن يفصح والمعلوم أنَّ جميع محاولات النهوض في القرن التاسع عشر فشلت وتمخض عنها التجزئة والهيمنة وبداية العمل للمشروع الاستيطاني اليهودي كرأس حربة للعدو المستعمر وبعد أن زعم إحراز مكاسب كالديمقراطية ! والعلم والتعليم والتنمية ، قال : "إنَّ بعض تلك المطالب النهضوية ظل معلقا حتى اليوم " ويختم العبارة بقوله : إنَّ أهمها هو مطلب الإصلاح الديني الذي أثبت إن الإخفاق عن إحراز أي تقدم فيه ، أفضى بالعقل الإسلامي كما بالمجتمع الوطني إلى معاناة دراماتيكية ما تزال آثارها بادية حتى الآن على الوعي والواقع معا ، وبدون التعليق على هذه الجملة الدراماتيكية فهو يؤكد فشل المحاولات السابقة .

كانت فقرته الثانية تحوي في نص معقد ما يلي : "الإصلاح الديني ليست محاولات مختلقة من الفكر العربي " وكأنه يرفض الدعوة " لتجريب موضوعة نظرية جديدة لم تجرب من قبل على صعيد حضاري واسع " ويخرج بعد عدة جمل بقوله : " فإنَّ ضخ الحياة فيها اليوم قد  يؤسس لها جدة أو موقعا اعتباريا في رهانات الفكر ولكن يقول في آخر فقرته : "حيث لم يعد الإصلاح الديني خيارا موضوعيا ، ولا مشروعا نـهضويا قابلا للتحقق قادرا على انتشال الأمة من حالة السقوط المريع الذي تعيشه " .

الفقرتان السابقتان جعلهما الكاتب الحيثيات ، التي يستند إليها ـ مع ما فيهما من تعقيد وتناقضات ـ ليحكم على المعتزلة في الأردن على وجه الخصوص ؛ كونـها حركة فكرية للنهوض ، ويبحر من المعتزلة في الأردن إلى الخلف في عمق التاريخ ، ليعيد تكرار عين المقال التاريخي ، وهو اندماج المعتزلة بالسلطة لتقهر الحرية ، وهو في هذا القول يتحول إلى أسير لتاريخ الفرق الذي دونه خصوم المعتزلة ، ويكتشف القارئ  هنا عدم قراءة الحداثوي لكتاب الدكتور فهمي جدعان ( المحنة جدلية الديني والسياسي ) وعلى ذلك يكون كل ما كتبه عن المعتزلة في موضوع فرض الرأي مجرد تبعية لغيره وليس عن بحث جاد .

يقوم مفهوم الأمة على الوحدة الفكرية والمشاعرية ، وليس على الاختلاف ، الأمة الأمريكية متحدة تماما ، وباشرت العدوان على العراق من منطلق وحدتـها ، لكنها تهزأ بعقل الحداثيويين عند تدليلها على الرأي المـختلف معها ، بأن تتركه يملأ الدنيا صراخا دون أن يكون له أدنى تأثير في القرار ، هذه الحقيقة لا تزال غير مكتشفة عند كتبة الفكر والسياسة ، فهم لا يدركون أنَّ قوة الأمة في وحدتـها ، وهذا ما تحافظ عليه الأمم المتقدمة ، وتوهم مقلدة التغريب أن القوة في التشرذم ، والفرق بين تعدد الاجتهادات ، والاختلاف في الرأي ، واتخاذ المواقف المتغايرة ،  إنما يجوز تحت شرط تعيين المرجعية الفكرية تعيينا واضحا ، فهي هوية الأمة ، وتعيين المواقف بحيث لا تشكل خطرا ماثلا على كيان الأمة ، ولهذا اخترع الغرب ضمن نظام هيمنة خفي مفهوم الأقلية والأكثرية ، ودستورية الولاء والمعارضة ضمن نسق الأمة وليس خروجا عليها ، وهما آليتا تفريغ شحنات التغيير والثورة .

تنطلي هذه الحقائق على المثقفين في العالم الثالث ، ولهذا تراهم ينادون بالتشرذم ؛ وليس التأصيل ؛ ويرفضون حتى تعيين المنهج للتعامل مع هذه الأصول ، وهذا ما كان عليه المعتزلة منذ وجودهم ، فهم أصحاب أصول ومنهج ، لكن المقال يتجاهل هذه الحقيقة فهو يتجاهل الحجج والأدلة عند المعتزلة : العقل فالكتاب فالسنة فالإجماع ، ويلغي الأصول الخمسة وهي التي حكمت تعامل المعتزلة مع النص ، النص عند المعتزلة ليس حجة مستقلة ، بل هو حجة بدليل العقل ، والنص محكوم بالموضوع وببيان اللغة وفق نسق في التفكير واضح كل الوضوح .

المطلوب من كل عشاق أنواع التضليل الغربي الإجابة على السؤال التالي : هل الأمم الغربية تسير في حياتـها بلا خطام  ولا زمام ؟ أم أنـها أمم لكل منها أصول ومنهج ؟ وتقيم حياتـها وفق تلك الأصول ويحكمهم المنهج في الفروع  ؟ هل هذه الأصول والمنهج تشكل سياجا يمنع الدخيل ؟ هل في المواضيع النظرية حق وباطل ؟ هل في المواضيع الاجتهادية صواب وخطأ ؟ هل يحكم منظومة الأعمال جلب منفعة ودفع مضرة ؟ أليست هذه أمور معيارية يمكن منها وعلى ضوئها إصدار الحكم  بحق هذا الفكر أو ذاك  ؟ .

دخل الكاتب بعد ذلك إلى  موضوعه وهو نقد المعتزلة ، وحجر الزاوية في نقده ليست معيارية حقيقية ، بل هي معيارية الحريات بمفهوم الغرب للحريات ، دون ملاحظة التفريق بين مصطلح الحرية ( freedom ) وهو ما يقول به المعتزلة عبر قولهم المعروف " الإنسان خالق أفعاله " ومصطلح الحريات ( liberalism ) وهو مصطلح غير محدد فما هو سقف الحريات الأربع ؟  تجد الكاتب يقول لعدم تفريقه : " لقد حاولت هذه الفرقة أنْ تقوم بعملية إصلاح ديني ترتئيها من خلال قراءة مختلفة في تضاعيف النص الديني وثنايا الكلام وطبقاته وأنظمة الفكر وتجليات العقل ولنا أن نقبل ذلك من خلال الاختلاف في الرأي والتعدد في الرؤية والمنهج " رغم تعدد المخالفات في قوله هذا ، فالمعتزلة ليست حركة إصلاح ديني ، بل هي منهج لفهم الإسلام ، وبناء الوعي الجماهيري ضد الحكام في تجاوزها مفهومي التوحيد والعدل ، والغاية هي سيرة العدل في السياسة في الرعية ، وهي ثورة الأمة على التجاوزات إن لم تنفع المحاسبة ، فلم ير الكاتب المعتزلة من واقع أنـها ذات عمل سياسي فكري ، بل رأى المعتزلة من مفهوم التعددية المصنع في الغرب والمصدر للعالم الثالث ، فلماذا يجب أن يختلف العالم الثالث ويتفق العالم الغني في السياسات ؟ .

يواصل نقده للمعتزلة فيقول : " لكن الذي حدث عكس ذلك تماما إذ قدم المعتزلة قراءة سادت بفعل اندماجها بالسلطة وبضغطها وإكراهاتـها استبعدت أي قراءة أخرى وصادرت الحرية في الاختلاف والتعدد في الرأي ووجهات النظر " يتكلم الكاتب عن الفترة المسماة بالمحنة من 218-232هـ ويلزم هنا تكرار النصيحة السابقة وهي ضرورة قراءة كتاب الدكتور فهمي جدعان فهل ستبقى هذه العبارة إن قام بقراءة الكتاب ؟ ويستمر قائلا : " هذه القراءة التي تحولت إلى خطاب آيديولوجي يمارس آليات الحجب والتبديل والنسخ والإخفاء والمخاتلة والالتباس في أحكامه وفي بيانه واختلاف مدلولاته " .                  

لم يكن المعتزلة ذات يوم سلطة...

----------------------------

كتاب غير مكتمل .....